كرويف: كرة القدم ارتبطت بالمال فضاعت القيم

أسطورة العالم الكروية أكد في آخر حوار مع «الغارديان» أن رؤية فان غال لتكتيكات اللعبة تختلف عن رؤيته

كرويف أثناء اللقاء مع «الغارديان» (تصوير: نيلز دين هان)
كرويف أثناء اللقاء مع «الغارديان» (تصوير: نيلز دين هان)
TT

كرويف: كرة القدم ارتبطت بالمال فضاعت القيم

كرويف أثناء اللقاء مع «الغارديان» (تصوير: نيلز دين هان)
كرويف أثناء اللقاء مع «الغارديان» (تصوير: نيلز دين هان)

عاد يوهان كرويف إلى مسقط رأسه، أمستردام، وفي يوم غائم في المدينة القديمة، حيث ولد، ونشأ وكانت بدايته كلاعب كرة قدم محترف مع أياكس في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) قبل 50 عاما، وهو يتنقل بهالة من التأنق المغلف بروح المرح وسط الجماهير التي تهتف باسمه وتحاول لمسه.
على الملعب الأوليمبي، حيث يمشي حول ساحة استأجرتها مؤسسته للاحتفال بهذا اليوم، تعد هذه تجربة في فن أن تكون يوهان كرويف. بابتسامة مرحة، يتفاعل الأسطورة، صاحب الـ67 عاما، مع الاحتفاء به، حتى عندما يعانقه رجل كبير يرتدي دمية على هيئة كرويف. هكذا يكون إحساس أن تكون نجم كرة قدم فوق العادة على مدى 5 عقود. إلى جانب مثله الأعلى في طفولته، ألفريدو دي ستيفانو، الذي رحل عن عالمنا هذا الصيف، وبيليه ودييغو مارادونا، ينتمي كرويف إلى رباعي عملاق يضيء عالم كرة القدم بشهرتهم شبه الأسطورية. على أن كرويف يبرز في مجال غير اللعب، ففي حين أن دي ستيفانو نجح كمدرب، فإن كرويف لمع وتألق في السنوات التي كان يدرب فيها برشلونة. وسبق أن قال دي ستيفانو، متذمرا، عن مهنة التدريب، إنه «بخلاف العمل مع اللاعبين صغار السن، هذه أبشع مهمة على الإطلاق».
وقد كان كرويف دائما يفكر بطريقة مختلفة. خلال الفترة الرائعة التي تولى خلالها قيادة برشلونة من خارج الخطوط، من 1988 إلى 1996. استخدم السرعة والمساحة والتدفق التكتيكي للكرة الشاملة، التي ابتدعها ومدربه في أياكس، رينوس ميتشلز، ليحدثا عملية تحول لفريق محتضر وبناء إرث دائم. ودائما ما يشدد أساتذة طريقة «التيكي تاكا» في برشلونة، من أمثال تشابي هيرنانديز وأندرياس إنيستا، على أن كل ما فعلوه كان مستندا إلى النموذج الذي أرساه كرويف. ومن إنشائه لأكاديمية الناشئين في لاماسيا إلى التدريبات التي أصقلت استحواذهم المثالي على الكرة، والضغط المستمر على المنافس، استغل برشلونة والمنتخب الإسباني نموذج كرويف للهيمنة على الكرة الأوروبية والعالمية. وقد أفل هذا العصر، حيث بلغ نهايته الرمزية في تلك الليلة من ليالي يونيو (حزيران) في بطولة كأس العالم (البرازيل 2014)، عندما أسقطت هولندا، بقيادة لويس فان غال، الذي بينه وبين كرويف كراهية متبادلة، إسبانيا بنتيجة 5-1. (لاماسيا مبنى يقع بالقرب من كامب نو ملعب نادي برشلونة، وهي أكاديمية للشباب تقوم بتدريب لاعبي نادي برشلونة الشباب).
بالطبع يتولى لويس فان غال الآن تدريب مانشستر يونايتد ويكافح للتغلب على مشكلات نظام ما بعد فيرغسون، في حين تحرر كرويف من ضغوط كرة القدم. ما زالت الحياة منهكة بالنسبة إلى كرويف، الذي يقول بكلمات يغلفها التعب إنه يحتاج إلى السفر من جديد إلى برشلونة: «بيته» الآخر، في تلك الليلة. ومع هذا، فالحياة أصعب بكثير بالنسبة إلى فان غال. نعود إلى استراحة منعزلة تطل على إحدى القنوات المائية المعتاد وجودها في أمستردام. كرويف ودود ومفعم بالحيوية لكنه متردد في بدء معركة أخرى مع فان غال، الذي أقر أنه يشعر بـ«تجاوب سيئ» تجاهه. ومع هذا فهو يستطيع أن يدلي بآراء مقتضبة عن الصعوبات التي يواجهها زميله الهولندي. هز كتفيه، لدى سؤاله عما إذا كان يتوقع أن ينجح فان غال في مانشستر يونايتد، وقال: «نأمل هذا لأنه سيكون في صالح الكرة الهولندية والمدربين الهولنديين الآخرين. لكن كيف سيحدث هذا؟ لا تعرف أبدا. وسيستغرق الأمر وقتا».
في 2011. لجأ كرويف، الذي كان آنذاك في مجلس إدارة أياكس، إلى القضاء لمنع إعادة تعيين فان غال مدربا للنادي، الذي كانا يشجعانه في سنوات الصبا. كما كانا أيضا ضمن فريق أياكس في بداية السبعينات، عندما لم يكن أمام فان غال الناشئ أي فرصة للعب مكان كرويف، المهاجم النجم. نجح كرويف في فرض نفسه كأفضل لاعب في أوروبا، في الوقت الذي عانى فيه فان غال في أندية مغمورة نسبيا مثل رويال أنتويرب وسبارتا روتردام. وعندما انتقل كرويف إلى مجال التدريب، في أياكس وفي برشلونة، تبعه فان غال في النهاية إلى كلا الناديين. ونجح الأخير بعد أربع سنوات، في إثبات نفسه في عالم التدريب، وتولى تدريب أياكس في 1991. وكانت هناك شائعات تقول إن مزيدا من الخلاف دب بين كرويف وفان غال، بعد سوء فهم على ما يبدو في عشاء كريسماس في 1989.
عادت الخصومة بين الرجلين إلى الظهور بعد 3 سنوات عندما بدا أن مجلس إدارة أياكس انتظر لحين عودة كرويف إلى برشلونة، لعقد اجتماع، للموافقة على قرار إعادة فان غال لتدريب الفريق. طرق كرويف السبل القانونية للطعن على القرار. وفي النهاية، ورغم قرار المحكمة الذي لم يكن في صالح كرويف، لم يعد فان غال إلى أياكس أبدا. وأصبح بدلا من هذا، مدربا لمنتخب هولندا في 2012. إذن، يصمت كرويف لبرهة، عند سؤاله مجددا عن مشاعره بشأن فرص فان غال في يونايتد. يقول: «لا أعرف لأن يونايتد اشترى وأنشأ فريقا جديدا تقريبا. ومن ثم عليك الآن أن تعمل على إحداث الانسجام في الفريق. الأمر لم يعد يتعلق بنوعية اللاعبين، أو إذا ما كانوا جيدين بما فيه الكفاية، لكنّ خلق مزيج من اللاعبين الجيدين أمر في غاية الصعوبة».
هل يرى أي منطق في سياسة يونايتد المتعلقة بالانتقالات، والتي تجعل فان غال الآن في حيرة أمام مواهب الكثير من المهاجمين مثل راداميل فاكاو وروبين فان بيرسي وواين روني وأنخيل دي ماريا وعدنان يانوزاي وخوان متا؟ يقول: «يجب أن يكون هنالك منطق دائما، لكن المشكلة الكبرى تتعلق بكيفية إدارة كل هؤلاء اللاعبين. ونفس الشيء ينطبق على برشلونة. لديهم الآن سواريز وميسي ونيمار – كيف تدفع بهم معا؟ إذا كنت تنظر إليهم من منظور القدرات الفردية فهم لاعبون كبار. ونفس الشيء ينطبق على مانشستر يونايتد؛ فمن الناحية الفردية لديك لاعبون كبار لكن يجب أن يلعبوا كفريق».
ويضيف: «وثمة مشكلة أخرى بعد ذلك. كل هؤلاء اللاعبين مشهورون. وهم يكسبون الكثير من الأموال سواء داخل الملعب أو خارجه. كيف تخلق فريقا وتجمع بين كل تلك الذوات المتضخمة كوحدة واحدة في إطار الفريق؟ الهدف الرئيسي بالنسبة إلى مانشستر يونايتد هو أن يلعبوا بشكل جيد – وألا يكون لديك لاعب يقول، (أنا ألعب بشكل جيد، وسجلت هدفين)، لأنه لو سجلت هدفين ودخلت شباكي ثلاثة سنخسر. يجعل هؤلاء اللاعبون فان غال أمام وفرة من اللاعبين الجيدين، لكن عليه أن يحولهم إلى فريق. ولا يمكنك أن تحدث الانسجام في صفوف الفريق في أسبوعين. الأمر يتطلب وقتا». هل يستغرق الأمر موسما كاملا حتى ينجح فان غال في تحويل صفقات مانشستر يونايتد التي تبدو عشوائية إلى فريق متماسك؟ يقول كرويف: «لا، لا.. هذا وقت طويل جدا. لكن لا يعني هذا أن الفريق سيفوز بالدوري. يمكن أن تجد أداء أفضل في كل أسبوع، ويمكنك أن تركز هدفك على أن تصل إلى حالة أفضل كفريق. ومن ثم فمن الممكن أن ينجح الأمر، لكن مرة أخرى، هل يستطيع هؤلاء اللاعبون تطوير أنفسهم من أجل الفريق؟ هذا ليس سهلا». هل بينه وبين فان غال أي أوجه للشبه، فيما يتعلق بفلسفتهما الكروية؟ يجيب كرويف: «لا، ليس كثيرا. كلانا هولندي وهذه دائما صفة مشتركة. لكنني أفكر دائما في أن أكون مسؤولا عن السرعة وعن الكرة في آن واحد. ربما يعرف (فان غال) أكثر مني، ولكنني أسعى دائما للتحكم في الكرة. ما الذي أفعله إذا لم أكن أتحكم بالكرة؟ أضغط من أجل استعادتها. إنها من طرق الدفاع. لكن الأهم هو أنني أريد أن أستحوذ على الكرة».
ويقول كرويف: «يتمتع فان غال برؤية جيدة لكرة القدم لكن رؤيته تختلف عن رؤيتي. هو يريد أن يجعل الفرق التي تحقق الانتصارات كتلة متماسكة، ولديه طريقة متشددة في تنفيذ تكتيكاته. أما أنا فأريد أن يفكر الأفراد بأنفسهم». هل يظل فان غال «متشددا» في تمسكه بـ«الأداء الجماعي»؟ يومئ كرويف، ويقول: «نعم. لكنني كنت دائما شخصا يحب أن يبدع شيئا بنفسه في إطار أداء الفريق. وأكون سعيدا إذا بدأ لاعبو الفريق في التفكير. جوسيب غوارديولا مثال جيد في هذا. عندما كان لاعبا كان مثاليا من الناحية التكتيكية، لكنه لم يكن يستطيع أن يدافع. وهذا هو ما قاله. قلت: (أتفق معك – بصورة جزئية. أنت مدافع سيئ إذا اضطررت لتغطية كل هذه المنطقة. لكن إذا استطعت أن تدافع خلال هذه المنطقة الصغيرة أعتقد أنك ستكون الأفضل. تأكد من أن هناك أشخاصا موجودين لمساعدتك في تغطية المناطق الأخرى. وطالما فعلت هذا يمكنك أن تكون مدافعا جيدا جدا. وقد فعل هذا وأصبح جيدا جدا». كما انتقد كرويف تردد فان غال، كما هو متصور عنه، في التركيز على تدريب اللاعبين كأفراد – وهو يكرر هذه النقطة. يوضح: «لهذا أؤمن بحصص التدريب للأفراد لإعداد اللاعبين بالصورة المناسبة. عليك الاعتناء بالفرد من أجل مصلحة الفريق – كما أظهر عملنا مع غوارديولا».
أصبح غوارديولا واحدا من تلاميذ كرويف وخليفته في النهاية في تدريب برشلونة، قبل أن يضفي تغييرا طفيفا على طريقته، وينتقل إلى بايرن ميونيخ العام الماضي. يعترف كرويف بإعجابه بالبايرن لكنه، في نفس الوقت، كما يقول: «ما زلت أحب برشلونة كثيرا جدا. كما أحب ريال مدريد. يؤدي هذا الأخير بطريقة مختلفة تماما عن طريقتي ولكن هناك انسجام بين عناصره. والآن لديهم فريق تنتظر مشاهدته لتعرف ماذا سيحدث. لديهم 3 لاعبين في وسط الملعب، أصحاب لمسات مثالية، ولكن لديهم 3 مهاجمين يحتاجون إلى مساحة حتى يتمكنوا من التحرك. إلى أين ستسير بهم الأمور؟ سوف نرى. كذلك تراجع برشلونة قليلا بسبب الأشخاص الذين عينهم في جهازه الفني. أنا لا أقول إنهم جيدون أو سيئون، وإنما من الصعوبة بمكان أن تسيطر على ميسي ونيمار. إذا لم تسيطر على هؤلاء اللاعبين فستكون هناك مشكلة. واجه ديفيد مويز ومانشستر يونايتد نفس المشكلة. يمكن لبعض الناس السيطرة على لاعبين معينين وأنت بحاجة لهذا – وإلا فلن ينجح الفريق. مويز مدرب جيد – لكنه لم يناسب مانشستر يونايتد». يهز كرويف رأسه وينتقل إلى زاوية أخرى. ويواصل حديثه قائلا: «كرة القدم ترتبط بالمال تماما الآن. وهناك مشكلات تتعلق بقيم اللعبة. وهذا أمر مؤسف لأن كرة القدم هي أجمل اللعبات. يمكننا أن نلعبها في الشارع، ويمكننا أن نلعبها في كل مكان. ويمكن لأي شخص أن يلعب كرة القدم، لكن تلك القيم قد ضاعت. ونحن نريد أن نستعيدها».
هل يعتقد بأن الوضع في إنجلترا، حيث يطغى الدوري الإنجليزي (البريميرليغ) على تطور اللعبة على الصعيد الوطني، على عكس البوندسليغا في ألمانيا، هل يعتقد بأن هذا الوضع سيتغير؟ يقول: «أتمنى. في البريميرليغ يمثل المال مشكلة لكنني لا أعرف فعلا كيف يمكن احتواء هذه المشكلة. إذا نظرت إلى إنجلترا أو حتى إسبانيا تجد مشكلات. كم عدد اللاعبين الإنجليز في أول أربع فرق في البريميرليغ؟ كم عدد المهاجمين الإسبان الذين يلعبون لبرشلونة أو ريال مدريد؟ نتحدث بعد يومين على الأداء الباهر لمنتخب روي هودغسون، والفوز الذي حققه على سويسرا بنتيجة 2-0. لكن تظل رؤية كرويف الأوسع مدى للتطور البطيء للاعبين الإنجليز الصاعدين، وحتى نظرائهم الإسبانيين في أندية قمة الدوري الإسباني، وثيقة الصلة بهذا الحديث. ويبدو من المثير للأسى أن يذكر كرويف، بعد عودته إلى أمستردام، المدربين الإنجليز الذين ساعدوه على الصعود في أياكس في أوائل الستينات. يقول: «أفكر في فيك باكنغهام الذي اختارني (لألعب لأول مرة في نوفمبر 1964). لكن حتى قبل فيك (الذي درب كرويف في أياكس وبرشلونة) كان هناك كيث سبورجيون، وهو ليس مشهورا، ولكنه كان من أول المدربين الذين قاموا بتوجيهي. تعلمت إنجليزيتي من كيث سبورجيون. كان لديه أطفال صغار وكنت صغيرا جدا أيضا ومن ثم فقد كنا نتحدث الإنجليزية معا وكان هذا رائعا».
عادة لا يعرف المدربون الإنجليز بابتكاراتهم التكتيكية – ومن ثم فهل كان سبورجيون وباكنغهام أكثر تفتحا ممن جاءوا بعدهم؟ يقول كرويف: «كانا منفتحين لكن، من الناحية التكتيكية، عليك أن تنظر أين كنا في ذلك الوقت. كانت كرة القدم جيدة في هولندا في ذلك الوقت، لكنها لم تكن احترافية فعليا. لقد أضفيا علينا قدرا من الاحترافية لأنهما كانا قد قطعا شوطا طويلا في هذا الاتجاه. لكن التفكير التكتيكي جاء في وقت لاحق مع ميتشلز. عندئذ بدأت هذه النقلة التكتيكية». حول كرويف رؤية ميتشلز إلى واقع عملي، وخاصة في برشلونة، لكن المدهش هو مدى فخره بعمله مع المؤسسة التي تحمل اسمه. بعد يوم على تكريس نفسه لقضية مساعدة الأطفال من ذوي الإعاقة على تطوير أنفسهم من خلال ممارسة الرياضات المختلفة، يقول كرويف ببساطة: «إنه عمل رائع، والمدهش هو أنه يمنحك المزيد. أحاول أن أساعدهم لكنهم يساعدونني أيضا. شرح لي رئيس اللجنة البارالمبية الدولية ذات مرة الفارق بين الأشخاص أصحاب الأجسام السليمة وذوي الإعاقة. قال: (الأشخاص ذوو الإعاقة لا ينشغلون بما لا يملكونه. هم فقط يفكرون فيما يملكونه). آه لو تعلمنا جميعا أن نفكر بهذه الطريقة. لدينا مؤسستنا والتي تضم الكثير من الشباب الذين يمكنهم مساعدة اتحاداتهم وأنديتهم ورياضاتهم. ومن الرائع أن ترى هذا يحدث لأنهم يفاجئونني دائما. إذا نظرت إلى ما يمكنهم عمله وكيف يمكنهم تطوير أنفسهم كأشخاص فستتعلم الكثير جدا من الأشياء».
يشاطر أسطورة كرة القدم السابق كرويف، دي ستيفانو متعة «العمل مع اللاعبين صغار السن». ومن خلال إرثه كلاعب ومدرب، يمكن لكرويف أن يشاهد فان غال من زاوية مستقلة – وأن يفكر فيما إذا كان خصمه سيستسلم، ولو بشكل عابر، لمقولة دي ستيفانو بأن التدريب هو «أبشع مهنة على الإطلاق». يبدو كرويف أكثر اهتماما بما سيحققه غوارديولا في موسمه الثاني في البايرن. قاد الإسباني البطل الألماني في مسيرة للدفاع عن لقب الدوري – لكنه لم يتمكن من الاحتفاظ بلقب دوري الأبطال الذي حققه في عهد يوب هاينكس في 2013. يجول كرويف بناظريه في الساحة الأوليمبية القديمة في أمستردام، ويقول بهزة كتف معتادة، أخيرا: «كما هو حال أي شيء في كرة القدم – وفي الحياة، عليك أن تنظر وأن تفكر وأن تتحرك. عليك أن تجد المساحة. عليك أن تساعد الآخرين. الأمر بسيط جدا في النهاية».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.