كيف تحمي أعمالك وحساباتك المصرفية عند عدم سداد العملاء

«خطة البساطة» للتأمين تمنع انهيار الشركات الصغيرة

كيف تحمي أعمالك وحساباتك المصرفية عند عدم سداد العملاء
TT

كيف تحمي أعمالك وحساباتك المصرفية عند عدم سداد العملاء

كيف تحمي أعمالك وحساباتك المصرفية عند عدم سداد العملاء

بعد ما يقرب من عقدين من الزمان في صناعة التعبئة والتغليف، اكتشف ايزي ايزنبرغ وجود حاجة لمنتجات التعبئة والتغليف الأكثر تخصصا وتعقيدا - أو كما وصف الأمر بنفسه «الأشياء التي لا يفضل الأشخاص الآخرون التورط فيها».
ولقد كان محقا، والشركة التي بدأها، والمعروفة باسم «أساليب التعبئة والتغليف المحددة»، قد انطلقت. والأمر الذي أزعجه كثيرا، رغم ذلك، أن أكثر الأرباح التي حققها كانت ناتجة عن ثلاثة أو أربعة عملاء كبار فحسب، وإذا لم يسدد أي منهم ما عليه من مستحقات - أو حتى كان بطيئا في سداد تلك المستحقات - فسوف تتضرر شركته وتواجه خطر الفشل، وقد يطيح ذلك بثروته الشخصية نفسها.
يقول السيد ايزنبرغ، متذكرا الوقت قبل 13 عاما: «كانت الكميات كبيرة للغاية لدرجة أشعرتني بعدم الارتياح، ومن حسن الحظ، لم يحدث ما يعكر الصفو عندما بدأت شركتي في العمل».
وبعد ثلاثة أعوام في ذلك المجال، كان لديه ما يكفيه من سجل متابعة الأعمال الكافي للحصول على التأمين الائتماني، والمعروف أيضا في الأوساط التجارية باسم التأمين المستحق، ويستخدم في تأمين مستحقاته لدى المشترين. ومنذ ذلك الحين، كانت له أربع مطالبات لدى المشترين، ومن بينها مطالبة بمبلغ كبير كانت لتسبب صدمة مالية مروعة لشركته. ولقد سددت شركة التأمين تلك الأموال، الأمر الذي أنقذ شركته من الإغلاق.
كتبت الأسبوع الماضي حول الكيفية التي يمكن لأصحاب الأعمال، والتي ترتبط ثرواتهم الشخصية بشركاتهم العاملة، تأمين الأموال لشراء حقوق الشركاء أو الاستحواذ على شركات أخرى في نفس المجال. ولكن قبل الوصول إلى هذه المرحلة، يحتاج رجال الأعمال في المعتاد إلى حماية شركاتهم بالأساس - وثرواتهم الشخصية كذلك - في حالة أن العملاء لا يسددون فواتيرهم المستحقة. ولسوف يكون أمرا معيقا وغير عملي الاحتفاظ بالكثير من الأموال النقدية في الاحتياطي.
وتلك هي الحدود التي تقف عندها شركات التأمين، حيث توفر التغطية التأمينية للشركات ذات الأرباح السنوية التي تتراوح بين مليون دولار وحتى 20 مليونا.
ولقد وضع يولر هيرميس، وكيل حدود التأمين، مؤخرا خطة تسمى «خطة البساطة»، وهي تهدف إلى مساعدة الشركات والأعمال التي تتراوح مبيعاتها بين مليون دولار وحتى 5 ملايين دولار، وهناك شركة تأمين أخرى تدعى «كوفيس»، توفر بوليصة التأمين الدولية، وهي المفضلة في المحيط الصناعي، والتي تهدف إلى تسهيل عمليات الشراء والاستخدام على الشركات التجارية متوسطة الحجم، وتراجع تلك البوليصة فقط الحسابات العليا للشركات وتوف الغطاء التأميني الشامل لبقية أعمال الشركة.
يقول فيكتور ساندي، الرئيس التنفيذي لدى شركة «غلوبال كومرشال كريدت» للوساطة التأمينية: «يشعر الجميع أنهم بخير حتى لا يعودوا كذلك، مجرد أن تتلقى الصدمة في المستحقات المالية، تهتز بسببها أصول الأعمال لديك، أو ربما تأتي على أموال التقاعد خاصتك».
ويقول بلاك هوكينز، مؤسس ورئيس شركة «كومباتيبال كابل»، وهي من شركات توزيع الكابلات في كونكورد بولاية كاليفورنيا، إنه حصل على تأمين سداد المستحقات بعدما أغلق أحد العملاء الذي كان يعمل معه لفترة طويلة شركته ولم يسدد مستحقاته. وقال إنه يتلقى العائدات من الكثير من الحسابات وبالتالي لم يسبب الأمر صدمة كبيرة بالنسبة له، ولكنه استطرد بأنه بدأ التفكير فيما يمكن أن يحدث إذا توقفت أعمال أحد كبار العملاء لديه.
وقال السيد هوكينز: «لم نشهد أي عميل يعلن إفلاسه من قبل، والتأمين ليس رخيصا بأي حال، وعليك التوقف والتفكير مليا في الفوائد المترتبة عليه».
ويقول جيمس دالي، الرئيس والمدير التنفيذي لعمليات الولايات المتحدة لدى شركة «يولر هيرميس»، أن المعدلات تختلف، ولكن الشركة التي تؤمن على مليون دولار من المستحقات المالية عبر «خطة البساطة» المشار إليها يمكنها أن تتوقع سداد قسطا تأمينيا سنويا بقيمة 7 آلاف دولار.
ويضيف السيد دالي قائلا: «البوليصة مصممة لتغطية كل شيء في الشركة حتى مطبات الطريق، وهي ليست مصممة لتوفير التغطية الشاملة، إننا نعرف إذا ما كانت لديك خسارة بمقدار مليون دولار في المبيعات، وهو مبلغ يكفي لتوقف أعمالك تماما».
ويقول مايكل شين، رئيس شركة مايكو للأثاث في هيوستن، إنه كان يستخدم «العوامل» - وهي المجموعات التي تعمل على شراء المستحقات المالية للشركة بأسعار منخفضة - ولكنه تحول إلى التأمين الائتماني من خلال شركة يولر هيرميس كوسيلة لتخفيض النفقات على شركته وإفساح المجال أمام المزيد من الخيارات لما تعمل شركته على تأمينه.
وكانت شركته، التي تصنع الأثاث في آسيا وتبيعه في الولايات المتحدة، قادرة على تأمين ما يقرب من 5 ملايين دولار من المستحقات المالية من العائدات السنوية وحتى مبلغ 25 مليون دولار. ويقول السيد شين إن التكلفة التأمينية كانت تساوي نصف نقطة مئوية فقط، وهي أقل من 2 نقطة مئوية على كافة المستحقات التي كانت مجموعات «العوامل» تفرضها عليه من قبل.
ويستطرد السيد شين فيقول: «إنها أكثر راحة للبال، بهذه الطريقة، لن نعاني كثيرا في الحسابات الكبيرة، فإذا كان التأمين على 300 ألف دولار في الشهر وأعلن أحد هذه الحسابات الإفلاس أو لم يقم أحدهم بالسداد في الميعاد فحسب، فلن نخسر تلك الأموال بالكلية».
يقول باركر فريدمان، رئيس شركة «آري غلوبال» للوساطة التأمينية، إن التأمين الائتماني هو آخر شيء يفكر فيه أصحاب الشركات والأعمال، ولا يفكر فيه إلا القليل منهم حتى يواجه أحدهم خسارة مالية معتبرة.
ويضيف قائلا: «أهناك أمر ما تتوقعه ويمكنه أن يضر بأعمال شركتك؟ إن الخسارة التي قد تسبب الضرر للشركة تختلف وفقا لحجم ومستوى أرباح الشركة. فإن خسارة 50 أو 100 ألف دولار يختلف تأثيرها في الشركة ذات المليون دولار عن الأخرى ذات الـ20 مليون دولار، وإنك تحاول على الدوام معرفة قدر الخسائر التي تستحوذ على جل اهتمامك».
ومع ذلك، يشير السيد ساندي إلى أنه في بعض الأحيان، حتى أكثر الشركات أمنا على ما يبدو، تعجز عن السداد في مرحلة من المراحل، وكانت تلك هي حالة شركة تارجت كندا، والتي أعلنت إفلاسها وتركت الكثير من البائعين دون سداد مستحقاتهم، وأضاف: «ليس لأنها تبدو كبيرة وقوية أن تكون فعلا كذلك».
بالنسبة للكثير من رجال الأعمال، كانت لشركات التأمين الائتماني استخدامات أخرى خارج نطاق تغطية المدفوعات، حيث إن الشركات التي توفر التأمين للشركات الصغيرة تملك قواعد بيانات حول الجدارة الائتمانية للشركات في جميع أنحاء العالم.
ويقول السيد هوكينز عن ذلك: «نتقابل في كل يوم بشركات جديدة وفي كل الأوقات، ولكننا لا نعرف عن هذه الشركات أي شيء»، ومن ثم يمكن لشركة التأمين مراجعة الجدارة الائتمانية لتلك الشركات.
وقال السيد شين إن قاعدة بيانات شركة يولر هيرميس تضم 55 مليون حساب، ولقد ساعدته في زيادة مبيعاته بشكل ملحوظ، وأضاف: «إذا ما تمت الموافقة على العملاء لقاء 10 آلاف حتى 20 ألف دولار، يمكن لشركة يولر أن تفيد بأن هذا حساب يتمتع بالجدارة الائتمانية، ويمكننا الموافقة عليه حتى مبلغ 100 ألف دولار، كما يمكننا أن نخبر مندوب المبيعات أن تلك الشركة تتمتع بالجدارة الائتمانية المطلوبة».
تقول كرستين براون، نائبة الرئيس التنفيذي لشركة كوفيس شمال أميركا، إن التحقق الائتماني كان مفيدا للشركات التي تسعى للتوسع دوليا، وأضافت: «يمكننا القول إننا نعرف هذا المشتري وإنه لا ينبغي عليك شحن البضائع إليه، أو إننا نعرف المشتري الآخر، ويمكنك إرسال 500 ألف دولار إليه».
يضمن التأمين في المعتاد ما نسبته 90 في المائة من قيمة المستحقات، بعد تصفية الأرباح تماما، ويساعد رجال الأعمال على زيادة مقدار المبالغ التي يمكنهم اقتراضها من البنوك.
ويقول السيد ساندي مضيفا: «إذا كنت متعهدا بالمستحقات خاصتك، فيمكنك الحصول على معدلات بين 75 إلى 80 في المائة». وفي وجود التأمين، فسوف تكون عند مستوى 70 في المائة مع التأمين بنسبة 90 في المائة، ويمكن للبنك حينئذ زيادة معدلاته المتقدمة، وإنها لرافعة أفضل كثيرا بالنسبة للأصول نفسها.
وقالت السيدة براون إنه إن لم تكن الشركة في حاجة للاقتراض، يمكن للتأمين أن يسمح لها بتخفيض مقدار الأموال التي تحتاجها في الاحتياطي النقدي من أجل تغطية الديون المتعثرة، وهناك حدود لذلك بطبيعة الحال.
وسوف تواجه الشركة إحدى هذه الحالات إذا ما حاولت التأمين فقط على أسوأ التسهيلات الائتمانية، كما قال السيد فريدمان، وتحتفظ أغلب شركات التأمين الائتماني بالحق في إصدار فاتورة التكاليف القضائية غير المتوقعة.
وقال السيد ايزنبرغ إنه كان في موقف قبل عدة سنوات ماضية عندما أعلنت شركة تقدر أصولها بمليار دولار عن إفلاسها. وكان فريق الدفاع عن الشركة يطالب شركة ايزنبرغ، والتي كانت تحقق أرباحا بقيمة تتراوح بين 2 إلى 5 ملايين دولار آنذاك، بإعادة الأموال التي تلقتها من الشركة في صورة مستحقات مالية.
يقول السيد ايزنبرغ «حاولت التفاوض لصالح شركتي، ولكنني لم أكن سوى ثقب صغير في جدار كبير، ونظرا لأنها كانت شركة عملاقة بالفعل، تمكنوا من الوصول إلى ومطالبتي بإعادة الأموال التي سددوها خلال الـ90 يوما الأخيرة، وكان مبلغا كبيرا». وتمكن السيد ايزنبرغ من الاستفادة من التغطية التأمينية التي وفرتها بوليصة شركة يولر هيرميس في ذلك الوقت، ثم منح شركة هيرميس حق التفاوض بالنيابة عن شركته.
وقال السيد ايزنبرغ أخيرا: «لم يكن أمامي من سبيل لأقوم بذلك وحدي، وبعض من الشركات الصغيرة التي تواجه مثل تلك المواقف ينتهي أمرها في عالم الأعمال تماما، كما أن انهيار تلك الشركات يؤثر من دون شك على ثروات مؤسسيها».
* خدمة «نيويورك تايمز»



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.