تحقيقات بلجيكا تكشف عن التداخل بين الخلايا الإرهابية في باريس وبروكسل

فالس يطالب بالإسراع في إقرار مشروع قاعدة بيانات المسافرين.. وينتقد أوروبا لتلكؤها في مواجهة الفكر المتطرف

عناصر من الشرطة البلجيكية يعززون وجودهم إثر التفجيرات داخل محطة قطار الأنفاق مايلبيك   (إ.ب.أ)
عناصر من الشرطة البلجيكية يعززون وجودهم إثر التفجيرات داخل محطة قطار الأنفاق مايلبيك (إ.ب.أ)
TT

تحقيقات بلجيكا تكشف عن التداخل بين الخلايا الإرهابية في باريس وبروكسل

عناصر من الشرطة البلجيكية يعززون وجودهم إثر التفجيرات داخل محطة قطار الأنفاق مايلبيك   (إ.ب.أ)
عناصر من الشرطة البلجيكية يعززون وجودهم إثر التفجيرات داخل محطة قطار الأنفاق مايلبيك (إ.ب.أ)

أكثر فأكثر، تبين تفاصيل التحقيقات الجارية في بروكسل وباريس التداخل العضوي بين مجموعة العشرة التي نفذت الاعتداءات الإرهابية في باريس والملعب الكبير الواقع في ضاحية سان دوني، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وبين تلك التي ضربت مطار زافينتم - بروكسيل ومحطة قطار الأنفاق مولنبيك. وبالنظر لهذا الترابط، فإن رئيس الحكومة مانويل فالس زار العاصمة البلجيكية أمس، مصطحبًا رئيسة بلدية باريس آن هيدالغو للتعبير عن تضامن فرنسا مع بلجيكا أولا والنظر، ثانيا، في تعزيز التعاون الاستخباري والأمني باعتبار أن البلدين مهددان معا ويتعين عليهما تنسيق جهودهما لجلاء تفاصيل العمليات الإرهابية التي ضربت العاصمتين وللضغط معا على البرلمان الأوروبي لإقرار مشروع قاعدة بيانات المسافرين جوا من وإلى أوروبا المجمدة في أدراج البرلمان الأوروبي.
وأصبح من المؤكد اليوم بحسب المعلومات الرسمية المتداولة أن مجموعة باريس ومجموعة بروكسل هما في الواقع مجموعة واحدة وأن العاصمة البلجيكية كانت قد تحولت إلى قاعدة خلفية للتخطيط للعمليات الإرهابية في باريس وللانتقال منها لتنفيذها. والعنصر الأول في هذا السياق أن خالد البكراوي، الذي بينت فحوصات الحمض النووي أنه الانتحاري الذي فجر نفسه في محطة مولنبيك هو من استأجر الشقة التي انطلقت منها «مجموعة باريس» بالسيارات يوم 12 نوفمبر لتقوم بمجزرة مسرح الباتاكلان والمقاهي الواقعة في الدائرتين 11 و12. وأوقعت هذه العمليات 130 قتيلا و350 جريحا. كذلك بينت التحقيقات أن نجم العشراوي المعروف أيضا باسم سفيان كيال، وهو الشخص الذي تبحث عنه القوى الأمنية البلجيكية ويظن أنه لعب دورا رئيسيا في تفجيرات بروكسيل هو نفسه من صنع متفجرات باريس. وقد عثرت الشرطة الفرنسية على آثار لحمضه النووي على بعض هذه المتفجرات. فضلا عن ذلك، فإن خالد البكري هو أيضًا من استأجر شقة في ضاحية فورست، حيث عثرت الشرطة البلجيكية على بصمات صلاح عبد السلام الذي ألقي القبض عليه يوم الجمعة الماضي. ومعروف أن عبد السلام هو الرجل العاشر والوحيد الباقي على قيد الحياة من مجموعة العشرة التي ارتكبت اعتداءات باريس.
عندما اعتقلته الشرطة البلجيكية يوم الجمعة الماضي، بعد ملاحقة دامت أربعة أشهر، اعتبرت فرنسا وبلجيكا أنهما أنزلتا ضربة قاسية بتنظيم داعش. لكن عمليتي بروكسيل المتزامنتين بينتا أن الخلايا التابعة لـ«داعش» ما زالت قادرة على التحرك والتخطيط لعمليات إرهابية معقدة ومتزامنة، الأمر الذي يعد رسالة تحد للعاصمتين. وأمس، أعلن مانويل فالس، في حديث صحافي أن نحو 30 شخصا ضالعون في عمليات باريس. والحال، أن عدد الذين قتلوا أو اعتقلوا لا يزيدون عن 15 شخصا، مما يعني أن هناك 15 شخصا طلقاء وقادرون على التحرك والانقضاض مجددا. ولا تستبعد المصادر الأمنية وجود «خلايا نائمة» أو عودة «متطرفين» متسللين بين اللاجئين السوريين وغير السوريين المتدفقين على أوروبا عبر «ممر البلقان» أو عبر منافذ أخرى.
في حديثه أمس، شدد فالس على ضرورة تشديد الرقابة على الحدود «الخارجية» للاتحاد الأوروبي، وهو ما يجهد المسؤولون الأوروبيون للقيام به منذ أوائل العام الماضي وخصوصا منذ استفحال ظاهرة الهجرات الجماعية التي شهدت وصول أكثر من مليون لاجئ ومهاجر من سوريا والعراق وأفغانستان والسودان وأفريقيا الشمالية إلى القارة القديمة. بيد أن التمني شيء والتنفيذ شيء آخر، إذ يتبين مثلا أن إنشاء مراكز الفرز «Hot Spots» في اليونان وهي بوابة العبور الرئيسية حتى الآن ليس متاحا بسبب النقص في المعدات والمراكز والموظفين.. ومن جهة أخرى، يشدد فالس على الحاجة لأن يقوم البرلمان الأوروبي بالتصويت على مشروع إنشاء قاعدة بيانات للمسافرين من وإلى بلدان الاتحاد الأوروبي. والحال، أن هذا المشروع موجود في أدراج البرلمان منذ عام 2011. ورغم القمم والاجتماعات المتلاحقة لوزراء الداخلية والعدل الأوروبيين، فإن التحفظات التي تحول دون إقراره ما زالت قوية وتأتي من اليسار واليمين الأوروبيين معا. والمأخذ الأول عليه أنه يمس الحرية الشخصية ويكشف معلومات يفترض ألا تصبح متاحة بهذا الشكل الواسع.
في أي حال، تريد باريس متعاونة مع بروكسيل وغيرها من العواصم الأوروبية الدفع باتجاه توثيق التعاون الأمني الأوروبي وخصوصا تحديد آلية فاعلة لتبادل المعلومات الاستخبارية وتعزيز البوليس الأوروبي «أوروبول» وكذلك الجهاز الأمني المفترض به أن يعزز الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد. وكل هذه المشاريع سبق لها أن خضعت للدرس والتمحيص ولم يعد يعوزها سوى التنفيذ.
بالأمس، كان منتظرا أن يصوت مجلس الشيوخ الفرنسي على مشروع نزع الجنسية عن المدانين بارتكاب أعمال إرهابية أو الانتماء لتنظيمات إرهابية من حاملي الجنسيتين. والحال أن هذه المشروع الذي أعلن عنه الرئيس فرنسوا هولاند عقب اعتداءات باريس وأريد له أن يكون إلى جانب إعلان حالة الطوارئ، شعار «المرحلة الجديدة» من الحرب على الإرهاب، سيسقط بشكل آلي، لأن مجلس الشيوخ عدل الصيغة التي وصلته من مجلس النواب. وبذلك، ستضطر الحكومة لسحب الفقرة المتنازع عليها «وهو المرجح» أو سحب المشروع بكليته. وفي الحالتين، سيشكل ذلك انتكاسة لهولاند والحكومة معا. بيد أن التعاطي الأمني وحده، وفق رئيس الحكومة الفرنسية، لا يبدو كافيا. ولذا يتعين أن تواكبه برامج لجبهة انتشار الفكر الإسلامي الراديكالي. واتهم فالس البلدان الأوروبية بـ«التساهل» و«إغلاق الأعين» في موضوع انتشار الأفكار السلفية المتطرفة في الأحياء، مما يشكل مزيجا متفجرا ما بين «نشاطات تهريب المخدرات والتشدد»، الأمر الذي أصاب جانبا من الشباب. لكن فالس لم يشر إلى ما يتعين على الحكومات أن تقوم به لمواجهة الفكر المتشدد كما يسميه. وسبق له أن دخل في جدل مع مثقفين فرنسيين بينهم المستشرق المعروف جيل كيبيل حاولوا «شرح» ظاهرة الإرهاب والأسباب الاجتماعية التي تولدها. ولكن لرئيس الحكومة الفرنسية رأي مخالف، إذ إنه يرى أن مجرد الشرح يعني «تفهم» ظاهرة الإرهاب، وهو أمر مرفوض. فالإرهاب كما يقول «يحارب ولا يشرح».



ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».