أكثر فأكثر، تبين تفاصيل التحقيقات الجارية في بروكسل وباريس التداخل العضوي بين مجموعة العشرة التي نفذت الاعتداءات الإرهابية في باريس والملعب الكبير الواقع في ضاحية سان دوني، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وبين تلك التي ضربت مطار زافينتم - بروكسيل ومحطة قطار الأنفاق مولنبيك. وبالنظر لهذا الترابط، فإن رئيس الحكومة مانويل فالس زار العاصمة البلجيكية أمس، مصطحبًا رئيسة بلدية باريس آن هيدالغو للتعبير عن تضامن فرنسا مع بلجيكا أولا والنظر، ثانيا، في تعزيز التعاون الاستخباري والأمني باعتبار أن البلدين مهددان معا ويتعين عليهما تنسيق جهودهما لجلاء تفاصيل العمليات الإرهابية التي ضربت العاصمتين وللضغط معا على البرلمان الأوروبي لإقرار مشروع قاعدة بيانات المسافرين جوا من وإلى أوروبا المجمدة في أدراج البرلمان الأوروبي.
وأصبح من المؤكد اليوم بحسب المعلومات الرسمية المتداولة أن مجموعة باريس ومجموعة بروكسل هما في الواقع مجموعة واحدة وأن العاصمة البلجيكية كانت قد تحولت إلى قاعدة خلفية للتخطيط للعمليات الإرهابية في باريس وللانتقال منها لتنفيذها. والعنصر الأول في هذا السياق أن خالد البكراوي، الذي بينت فحوصات الحمض النووي أنه الانتحاري الذي فجر نفسه في محطة مولنبيك هو من استأجر الشقة التي انطلقت منها «مجموعة باريس» بالسيارات يوم 12 نوفمبر لتقوم بمجزرة مسرح الباتاكلان والمقاهي الواقعة في الدائرتين 11 و12. وأوقعت هذه العمليات 130 قتيلا و350 جريحا. كذلك بينت التحقيقات أن نجم العشراوي المعروف أيضا باسم سفيان كيال، وهو الشخص الذي تبحث عنه القوى الأمنية البلجيكية ويظن أنه لعب دورا رئيسيا في تفجيرات بروكسيل هو نفسه من صنع متفجرات باريس. وقد عثرت الشرطة الفرنسية على آثار لحمضه النووي على بعض هذه المتفجرات. فضلا عن ذلك، فإن خالد البكري هو أيضًا من استأجر شقة في ضاحية فورست، حيث عثرت الشرطة البلجيكية على بصمات صلاح عبد السلام الذي ألقي القبض عليه يوم الجمعة الماضي. ومعروف أن عبد السلام هو الرجل العاشر والوحيد الباقي على قيد الحياة من مجموعة العشرة التي ارتكبت اعتداءات باريس.
عندما اعتقلته الشرطة البلجيكية يوم الجمعة الماضي، بعد ملاحقة دامت أربعة أشهر، اعتبرت فرنسا وبلجيكا أنهما أنزلتا ضربة قاسية بتنظيم داعش. لكن عمليتي بروكسيل المتزامنتين بينتا أن الخلايا التابعة لـ«داعش» ما زالت قادرة على التحرك والتخطيط لعمليات إرهابية معقدة ومتزامنة، الأمر الذي يعد رسالة تحد للعاصمتين. وأمس، أعلن مانويل فالس، في حديث صحافي أن نحو 30 شخصا ضالعون في عمليات باريس. والحال، أن عدد الذين قتلوا أو اعتقلوا لا يزيدون عن 15 شخصا، مما يعني أن هناك 15 شخصا طلقاء وقادرون على التحرك والانقضاض مجددا. ولا تستبعد المصادر الأمنية وجود «خلايا نائمة» أو عودة «متطرفين» متسللين بين اللاجئين السوريين وغير السوريين المتدفقين على أوروبا عبر «ممر البلقان» أو عبر منافذ أخرى.
في حديثه أمس، شدد فالس على ضرورة تشديد الرقابة على الحدود «الخارجية» للاتحاد الأوروبي، وهو ما يجهد المسؤولون الأوروبيون للقيام به منذ أوائل العام الماضي وخصوصا منذ استفحال ظاهرة الهجرات الجماعية التي شهدت وصول أكثر من مليون لاجئ ومهاجر من سوريا والعراق وأفغانستان والسودان وأفريقيا الشمالية إلى القارة القديمة. بيد أن التمني شيء والتنفيذ شيء آخر، إذ يتبين مثلا أن إنشاء مراكز الفرز «Hot Spots» في اليونان وهي بوابة العبور الرئيسية حتى الآن ليس متاحا بسبب النقص في المعدات والمراكز والموظفين.. ومن جهة أخرى، يشدد فالس على الحاجة لأن يقوم البرلمان الأوروبي بالتصويت على مشروع إنشاء قاعدة بيانات للمسافرين من وإلى بلدان الاتحاد الأوروبي. والحال، أن هذا المشروع موجود في أدراج البرلمان منذ عام 2011. ورغم القمم والاجتماعات المتلاحقة لوزراء الداخلية والعدل الأوروبيين، فإن التحفظات التي تحول دون إقراره ما زالت قوية وتأتي من اليسار واليمين الأوروبيين معا. والمأخذ الأول عليه أنه يمس الحرية الشخصية ويكشف معلومات يفترض ألا تصبح متاحة بهذا الشكل الواسع.
في أي حال، تريد باريس متعاونة مع بروكسيل وغيرها من العواصم الأوروبية الدفع باتجاه توثيق التعاون الأمني الأوروبي وخصوصا تحديد آلية فاعلة لتبادل المعلومات الاستخبارية وتعزيز البوليس الأوروبي «أوروبول» وكذلك الجهاز الأمني المفترض به أن يعزز الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد. وكل هذه المشاريع سبق لها أن خضعت للدرس والتمحيص ولم يعد يعوزها سوى التنفيذ.
بالأمس، كان منتظرا أن يصوت مجلس الشيوخ الفرنسي على مشروع نزع الجنسية عن المدانين بارتكاب أعمال إرهابية أو الانتماء لتنظيمات إرهابية من حاملي الجنسيتين. والحال أن هذه المشروع الذي أعلن عنه الرئيس فرنسوا هولاند عقب اعتداءات باريس وأريد له أن يكون إلى جانب إعلان حالة الطوارئ، شعار «المرحلة الجديدة» من الحرب على الإرهاب، سيسقط بشكل آلي، لأن مجلس الشيوخ عدل الصيغة التي وصلته من مجلس النواب. وبذلك، ستضطر الحكومة لسحب الفقرة المتنازع عليها «وهو المرجح» أو سحب المشروع بكليته. وفي الحالتين، سيشكل ذلك انتكاسة لهولاند والحكومة معا. بيد أن التعاطي الأمني وحده، وفق رئيس الحكومة الفرنسية، لا يبدو كافيا. ولذا يتعين أن تواكبه برامج لجبهة انتشار الفكر الإسلامي الراديكالي. واتهم فالس البلدان الأوروبية بـ«التساهل» و«إغلاق الأعين» في موضوع انتشار الأفكار السلفية المتطرفة في الأحياء، مما يشكل مزيجا متفجرا ما بين «نشاطات تهريب المخدرات والتشدد»، الأمر الذي أصاب جانبا من الشباب. لكن فالس لم يشر إلى ما يتعين على الحكومات أن تقوم به لمواجهة الفكر المتشدد كما يسميه. وسبق له أن دخل في جدل مع مثقفين فرنسيين بينهم المستشرق المعروف جيل كيبيل حاولوا «شرح» ظاهرة الإرهاب والأسباب الاجتماعية التي تولدها. ولكن لرئيس الحكومة الفرنسية رأي مخالف، إذ إنه يرى أن مجرد الشرح يعني «تفهم» ظاهرة الإرهاب، وهو أمر مرفوض. فالإرهاب كما يقول «يحارب ولا يشرح».
تحقيقات بلجيكا تكشف عن التداخل بين الخلايا الإرهابية في باريس وبروكسل
فالس يطالب بالإسراع في إقرار مشروع قاعدة بيانات المسافرين.. وينتقد أوروبا لتلكؤها في مواجهة الفكر المتطرف
عناصر من الشرطة البلجيكية يعززون وجودهم إثر التفجيرات داخل محطة قطار الأنفاق مايلبيك (إ.ب.أ)
تحقيقات بلجيكا تكشف عن التداخل بين الخلايا الإرهابية في باريس وبروكسل
عناصر من الشرطة البلجيكية يعززون وجودهم إثر التفجيرات داخل محطة قطار الأنفاق مايلبيك (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




