البنوك تحجم عن التمويل في ظل غموض مستقبل الفحم

أكبر شركة إنتاج أميركية عرضة للإفلاس

المنجم الخاص بالشركة العملاقة في مجال صناعة الفحم «بيبودي» بولاية وايومينغ الأميركية (نيويورك تايمز)
المنجم الخاص بالشركة العملاقة في مجال صناعة الفحم «بيبودي» بولاية وايومينغ الأميركية (نيويورك تايمز)
TT

البنوك تحجم عن التمويل في ظل غموض مستقبل الفحم

المنجم الخاص بالشركة العملاقة في مجال صناعة الفحم «بيبودي» بولاية وايومينغ الأميركية (نيويورك تايمز)
المنجم الخاص بالشركة العملاقة في مجال صناعة الفحم «بيبودي» بولاية وايومينغ الأميركية (نيويورك تايمز)

أضرب عشرات الآلاف من عمال الفحم في الولايات المتحدة عن العمل وارتفعت أسعاره بشكل جنوني في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1902، ولخوفه من تزايد الاضطرابات، طلب الرئيس الأميركي آنذاك تيودور روزفلت مساعدة من البنكي المعروف جون بيربونت مورغان.
وتوسط البنكي القوي الذي سيطر على صناعة الفحم ليبرم صفقة مع العمال وينهي الإضراب.. وكان رد الرئيس في رسالة كتبها إلى مورغان كالتالي «سيدي العزيز، دعني أشكرك على الخدمة التي قدمتها لجميع الناس».
وحاليا، تمر صناعة الفحم الأميركية بأيام عصيبة مرة أخرى، لكن هذه المرة هناك قلة من الممولين المستعدين لإنقاذها. فمنذ أسبوعين أعلن البنك الذي كان يرأسه مورغان في ذلك الحين، والذي أصبح يحمل اسم «جي بي مورغان تشيس» في عصرنا الحالي، أنه لن يمول محطات الوقود التي تعمل بالفحم في الولايات المتحدة أو في غيرها من البلدان الغنية بعد الآن. وجاء قرار البنك بعد قرارات مشابهة صدرت عن «بنك أوف أميركا» و«سيتي غروب» و«مورغان ستانلي»، أعلنت جميعا ابتعادها عن تمويل المشروعات المعتمدة على الفحم.
ورغم تراجع الفحم بدرجة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فإن الانهيار الكبير لبورصة وول ستريت كانت نذير شؤم لتلك الصناعة.
فبحسب شيزا فيتا، المحللة في مجال المعادن والتعدين بمؤسسة «ستاندرد آند بورز» الشهيرة: «مثلما أن هناك فترات ازدهار، هناك أيضا فترات ركود»، مضيفة: «لكن ما يحدث في سوق الفحم انهيار سيستمر إلى الأبد».
وقالت شركة «بيبودي إنيرجي»، أكبر شركات إنتاج الفحم في العالم، الأسبوع الماضي، إنها ربما تضطر إلى طلب لحمايتها من الإفلاس، في إجراء مماثل لما أقدمت عليه ثلاث شركات أميركية كبرى أخرى.
وتسعي «بيبودي» لبيع ثلاثة من مناجمها في كلورادو ونيومكسيكو لتوفير سيولة نقدية، غير أن عملية البيع لشركة «بواي ريسورس بارتنرز» تعثرت بسبب صعوبات في التمويل، ولم يصدر تعليق عن شركة «بوي». وقال المتحدث باسم «بيبودي» إن الشركة «جاهزة لبيع أصولها لشركة بوي».
وشأنه شأن خطوط السكك الحديدية، والحديد، وغيرها من عناصر التوسع الصناعي في البلاد في القرنين التاسع عشر والعشرين، ساعد الفحم في زيادة أرباح بورصة المال في وول ستريت لأجيال كثيرة، وبعد ذلك بأكثر من قرن شهدت صناعة الفحم انهيارا تسبب في ابتعاد البنوك عن التمويل.
«وبالنظر إلى حال صناعة الفحم اليوم، أعتقد أنه لو أن مورغان كان حيا الآن لكان اتخذ نفس القرار»، حسب جين ستراوس، كاتب السيرة الذاتية.
* سبب أخلاقي أم مالي؟
وتقول بعض البنوك إنها تقوم بواجبها للحد من التأثيرات البيئية للفحم بأن تنأى بنفسها عن مشروعاته، وبدلا من ذلك تمول مشروعات تنتج كربونا أقل. بيد أن رجال البنوك يقولون إن هناك سببا جوهريا آخر لهذا التحول، إذ إن إقراض شركات الفحم ينطوي على مخاطر كبيرة، ومكاسبه غير مضمونة.
تواجه شركات الفحم منافسة شرسة من مصادر طاقة أقل كلفة مثل الغاز الطبيعي، وكنتيجة للقوانين الصارمة والضغوط، لا تبدو في الأفق مؤشرات لصعود الفحم مرة أخرى.
ونتيجة لذلك، فإن أكثر القروض أمانا، مثل تلك التي تمنح للشركات التي خرجت للتو من حالة الإفلاس والمعروفة بـ«قروض الدين»، أصبح ذلك النوع من القروض محظورا على الكثير من البنوك، حسب رجال البنوك والصناعة ومحامين.
* إحجام واسع
لم تكن البنوك الكبيرة وحدها من أحجمت عن تقديم تلك القروض، بل أيضا أكثر المستثمرين جرأة مثل صناديق التحوط وشركات الأسهم الخاصة التي دأبت على الانقضاض على الصناعات التي تتعرض لكبوة، كلها أصبحت تشيح بوجهها عن صناعة الفحم بسبب غموض مستقبل هذه الصناعة.
* النفط مقابل الفحم
يختلف المشهد كليا في صناعة النفط، حيث يتهافت المستثمرون لتقديم مئات الملايين من الدولارات لسداد ديون ورفع قيمة أسهم الشركات المتعثرة التي تناضل للبقاء في ظل زيادة المعروض من النفط. ورغم الضغوط العاجلة، يتوقع العيد من المستثمرين انتهاء حالة التخمة في سوق النفط العام القادم وعودة الأسعار للارتفاع مجددا.
غير أنه في بلدة «أبلاشيا»، شرق الولايات المتحدة، والتي تعرف مجازا بكنية «بلد الفحم»، فمن غير الواضح ما إذا كانت الكثير مناجم الفحم غير المربحة هناك سوف تتمكن من جني مكاسب في المستقبل.
* هل بارت الصناعة؟
«بالتأكيد ليس هناك شركة عملاقة برأسمال 40 مليار دولار مثلا مستعدة لاستعراض قدراتها في سوق الفحم الآن»، وفق مرشال هوبنار، أحد ممثلي المناجم التي أعلنت إفلاسها وتسعى لإعادة الهيكلة في ظل الأزمة الحالية. ورغم التحديات، لا تزال صناعة الفحم تشغل نحو ثلث محطات الكهرباء، ووفق مسؤولي صناعة الفحم، سوف يعود الفحم لسابق عهده بمجرد نقص إمدادات الطاقة وازدياد الطلب على الفحم في دول مثل الصين.
وصرح مايك دونكان، رئيس الاتحاد الأميركي لكهرباء الفحم النظيفة، بأن «الفحم يعد جزء من مستقبلنا، وأعتقد أن نظرة البنوك (الحالية بالإحجام عن التمويل) محدودة وقصيرة المدى»، مضيفا: «تتجاهل البنوك سوقا ضخما؛ والمنطق الذي يتحدثون به غير عملي». من جانبهم، تتمنى جماعات حماية البيئة أن تساعد كراهية البنوك للفحم في تسريع انهياره. واستمرت جماعات مثل «رينفورست أكشن نتورك» في الضغط على البنوك لشهور لتقليص القروض لمشروعات الفحم.
* ضغوط دولية
«مع توجه جزء كبير من العالم للمحافظة على استقرار المناخ، يتعين على البنوك اتباع إجراءات سريعة لإنهاء تمويل جميع مشروعات الفحم»، وفق بن كولينز، ناشط بجماعة «رينفورست أكشن نتورك».
بيد أن تراجع البنوك قد يتسبب في خسائر غير مباشرة لصناعة يعمل بها عشرات الآلاف من العمال وتحتاج إلى التمويل، ليس فقط لاستمرار العمل بل أيضا لتنظيف مناجم الفحم بعد إغلاقها. إذا كانت شركات مناجم الفحم عاجزة عن سداد قيمة إصلاح تلك المناجم، فسيكون دافعي الضرائب في موقف لا يحسدون عليه عندما يسددون تكلفة تنظيف تلك المناجم، وفق مسؤولي صناعة الفحم. وفي أحدث تقرير عن نشاطه السنوي، قال «دويتش بانك» إنه يعمل حاليا على الوقف التدريجي لتمويل مشروعات مناجم الفحم، التي يؤكد اختصاصي البيئة ضررها الكبير. غير أن التصريح الذي تناول سياسات البنك لم يلتزم بنمط التقليص الكبير الذي انتهجته البنوك الأميركية في الشهور الأخيرة.
وفى تصريح منفصل، قالت متحدثة باسم البنك إن «دويتش بانك» هو «أحد أكبر البنوك فيما يتعلق بتمويل الطاقة النظيفة»، مضيفة أن البنك «يتبع قواعد صارمة تحكم قرارات التمويل، حيث نجري تحليلا دقيقا ومفصلا عن كل حالة تمويلية وندرس بعمق التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للمشروع».
* سياسة مالية متباينة
حتى أغلب البنوك الأميركية لا تقدم على قطع التمويل بين عشية وضحاها، فحتى هذه اللحظة لا يزال الفحم يعتبر مصدرا هاما للطاقة، خاصة خارج الولايات المتحدة. على سبيل المثال، قلص بنك «جي بي مورغان» تمويل محطات الكهرباء الجديدة التي تعمل بالفحم في الدول الغنية مثل الولايات المتحدة، لكنها ستستمر في تمويل المحطات في الدول النامية التي لا يزال الفحم منتعشا فيها. وحتى تتلقى التمويل اللازم، يتحتم على تلك المحطات استخدام تكنولوجيا بيئية ملائمة، بحسب سياسة البنك الجديدة.
وتسببت تغيرات سياسة الإقراض البنكي في «بنك أوف أميركا» في حالة توتر بين القيادات العليا وباقي موظفي البنك. أفاد جيكس موهني، مسؤول الشؤون العامة بالبنك، وأحد من عملوا في صياغة سياسة الفحم الجديدة، أن كبار القادة يتطلعون لأن تعكس استراتيجية الإقراض البنكي تحولا من اقتصاد بمخرجات ذات نسب كربون مرتفعة إلى اقتصاد بنسب كربون منخفضة. ويبذل بنك «أوف أميركا» جهدا في هذا الصدد في الوقت الحالي في إطار ما يسمى بـ«التنمية المسؤولة» التي ترمى إلى الابتعاد عن الصناعات الضارة، بحسب ماهوني. لكن هذا التحول لم يكن مريحا لبعض رجال البنوك التي تخدم صناعة الفحم. «فقد وضعهم الاتجاه الجديد في موقف صعب أمام الشركات التي عملوا معها لسنوات طويلة، فكيف سيستطيعون الآن أن يقولوا لهم أننا توقفنا»، وفق ماهوني، الذي تابع أن «الأمور باتت تسير عكس نهجنا كشركة تهتم بخدمة عملائها».
وفى كلمة خلال مؤتمر عن البيئة في الأمم المتحدة في يناير (كانون الثاني) الماضي، اعترف براين موينهان، المدير التنفيذي لبنك أوف أميركا، بحالة القلق الداخلي بشأن الفحم، إلا أنه قال إن البنك حاول الانسحاب التدريجي من ذلك القطاع.
وأضاف موينهان أنه «عندما يتعلق الأمر بعملاء حقيقيين للبنك يصبح اتخاذ مثل تلك القرارات أمرا صعبا»، مضيفا: «لكن أعتقد أن نظرة موظفي البنوك ممن يعملون في هذا الأمر هي أنه يجب عليهم مساعدة العاملين في قطاع الفحم على التحول».
* العملاق الأميركي الكسير
بدا هذا التحول سريعا الأسبوع الماضي بعد التحذير الذي صدر عن شركة بيبودي للفحم بأنها سوف تخسر 71 مليون دولار كمدفوعات فوائد. أحد أفضل آمال شركة بيبودي لتفادي الإفلاس، وفق محللين، هي بيع ثلاثة مناجم لشركة «بوي ناتشورال ريسورسيس». وتعتبر شركة بوي أحد أبناء صناعة الفحم التي نجحت في توسيع عملياتها، فقد ركزت على ولاية أوتا التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على الفحم في توليد الكهرباء. وحتى وقت قريب، كانت شركة بوي تواجه صعوبات في تدبير مبلغ 650 مليون دولار أميركي كدين لشراء تلك المناجم.
في حالات كتلك، تسدد البنوك فارق العجز، لكن «دوتش بانك» و«سيتي غروب» وافقتا فقط على بذل أقصى جهدهما لرفع سقف الدين على شركة بوي، ولم يعرضا المساهمة بأموالهما، كما كان يفعل أي ضامن تقليدي في السابق. لكن مثل هذا الجهد قد لا يكون كافيا.
* خدمة «نيويورك تايمز»



حاكم بنك فرنسا: حرب الشرق الأوسط ستقودنا إلى «تضخم أعلى ونمو أقل»

فرنسوا فيليروي دي غالهو حاكم بنك فرنسا يتحدث في باريس (رويترز)
فرنسوا فيليروي دي غالهو حاكم بنك فرنسا يتحدث في باريس (رويترز)
TT

حاكم بنك فرنسا: حرب الشرق الأوسط ستقودنا إلى «تضخم أعلى ونمو أقل»

فرنسوا فيليروي دي غالهو حاكم بنك فرنسا يتحدث في باريس (رويترز)
فرنسوا فيليروي دي غالهو حاكم بنك فرنسا يتحدث في باريس (رويترز)

توقّع حاكم بنك فرنسا، فرنسوا فيليروي دي غالهو، يوم الأربعاء، أن تؤدي الحرب في الشرق الأوسط إلى «مزيد من التضخم وقليل من النمو».

وقال، في تصريح له لإذاعة «آر تي إل»: «مع الأسف، فإن معنى هذه الأزمة يصبح أوضح مع مرور الأيام: هذا يعني اقتصادياً مزيداً من التضخم وقليلاً من النمو».

ورغم ذلك، أشار إلى أن «التضخم في فرنسا سيظل منخفضاً. أقرأ أحياناً مصطلح الركود التضخمي الذي يتردد كثيراً في الأيام الأخيرة، هذا ليس الركود التضخمي، وأودّ أن أؤكد ذلك بوضوح، هذا الصباح»، وفق «وكالة الأنباء الفرنسية».

ويُشير الركود التضخمي إلى الجمع بين ركود النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار، وهو سيناريو من بين المخاوف التي تُتابعها «المفوضية الأوروبية».

وأكد دي غالهو أن رفع أسعار الفائدة الرئيسية من قِبل البنك المركزي الأوروبي، للسيطرة على التضخم، لا يبدو ضرورياً في هذه المرحلة. وقال: «سأقول ذلك نيابةً عن البنك المركزي الأوروبي، لدينا اجتماع لمجلس المحافظين الأسبوع المقبل: لا أعتقد، بالنظر إلى الوضع الحالي، أنه يجب رفع الفائدة الآن».

وأضاف: «لكننا لن نسمح بترسخ التضخم (...) نحن مُلزَمون بهذه اليقظة، وبالتالي بهذا الضمان تجاه الفرنسيين. نحن الضامنون للحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض».

كان بنك فرنسا قد توقّع، في فبراير (شباط) الماضي، نمواً بنحو 1 في المائة في فرنسا خلال عام 2026، ومن المقرر أن يصدر توقعاته الجديدة في 25 مارس (آذار) الحالي.

وأشار غالهو إلى أن «الكثير سيعتمد على مدة الصراع» بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، مضيفاً: «في توقعاتنا السنوية، يجب أن نأخذ بعض الحيطة تجاه كل ما يحدث منذ عشرة أيام. لقد لاحظتم، مثلي، بشكل خاص أن سعر النفط متقلب بشكل كبير».


توقعات بزيادة التضخم الأميركي في فبراير قبل تصاعد حرب الشرق الأوسط

يتسوق الناس في سوبر ماركت في مدينة نيويورك (رويترز)
يتسوق الناس في سوبر ماركت في مدينة نيويورك (رويترز)
TT

توقعات بزيادة التضخم الأميركي في فبراير قبل تصاعد حرب الشرق الأوسط

يتسوق الناس في سوبر ماركت في مدينة نيويورك (رويترز)
يتسوق الناس في سوبر ماركت في مدينة نيويورك (رويترز)

من المرجح أن تكون أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة قد ارتفعت خلال فبراير (شباط)، مدفوعة بزيادة تكاليف البنزين تحسباً لتصاعد الحرب في الشرق الأوسط. ومع ارتفاع أسعار النفط نتيجة الصراع، يُتوقع أن يواجه التضخم ضغوطاً إضافية خلال مارس (آذار).

كما تعكس الزيادة المتوقعة في مؤشر أسعار المستهلكين الشهر الماضي استمرار تأثير الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب بموجب قانون مخصص لحالات الطوارئ الوطنية، قبل أن تلغيها المحكمة العليا الأميركية لاحقاً.

ومن المتوقع أن يُظهر تقرير التضخم الاستهلاكي الصادر عن وزارة العمل، يوم الأربعاء، ارتفاعاً طفيفاً في ضغوط الأسعار الأساسية خلال الشهر الماضي، مدعوماً بتراجع نسبي في أسعار السيارات المستعملة وتذاكر الطيران. ومن غير المرجح أن يكون لهذا التقرير تأثير مباشر على السياسة النقدية في المدى القريب، إذ يُتوقع أن يُبقي مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه الأسبوع المقبل.

وقالت كبيرة الاقتصاديين في «ويلز فارغو»، سارة هاوس: «من المرجح أن يُظهر تقرير مؤشر أسعار المستهلكين لشهر فبراير أن التقدم في خفض التضخم قد توقف مرة أخرى». وأضافت: «رغم أن الصراع في الشرق الأوسط بدأ في أواخر فبراير، فإن أسعار النفط والبنزين كانت قد بدأت بالفعل الارتفاع خلال الشهر نفسه تحسباً لتصعيد محتمل».

وتوقع استطلاع أجرته «رويترز» لآراء الاقتصاديين أن يرتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.3 في المائة الشهر الماضي، بعد زيادة بلغت 0.2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، مع تراوح التقديرات بين ارتفاع قدره 0.1 في المائة و0.3 في المائة.

وخلال الاثني عشر شهراً المنتهية في فبراير، يُتوقع أن يكون مؤشر أسعار المستهلكين قد ارتفع بنسبة 2.4 في المائة، وهي النسبة نفسها المسجلة في يناير، وذلك نتيجة خروج القراءات المرتفعة من العام الماضي من حسابات المقارنة السنوية.

ويتبع البنك المركزي الأميركي مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي بوصفه مقياسه المفضل لتحقيق هدف التضخم البالغ 2 في المائة.

وقدّر اقتصاديون أن أسعار البنزين ارتفعت بنحو 0.8 في المائة ضمن تقرير مؤشر أسعار المستهلكين، بعد تراجعها لشهرين متتاليين.

كما قفزت أسعار البنزين في محطات الوقود بأكثر من 18 في المائة، لتصل إلى 3.54 دولار للغالون منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية. وارتفعت أسعار النفط بشكل كبير لتتجاوز 100 دولار للبرميل، قبل أن تتراجع يوم الثلاثاء عقب تصريح ترمب بأن الحرب قد تنتهي قريباً.

مخاطر ارتفاع أسعار الغذاء نتيجة الحرب

قال كبير الاقتصاديين الأميركيين في «بي إن بي باريبا» للأوراق المالية، آندي شنايدر: «يشير الارتفاع الأخير بنسبة 15 في المائة وحده إلى احتمال زيادة التضخم الرئيسي بما يتراوح بين 0.15 و0.30 نقطة مئوية، وذلك حسب تطورات النزاع».

ومن المرجح أن تكون أسعار المواد الغذائية قد واصلت الارتفاع بوتيرة معتدلة، إلا أن شنايدر أشار إلى أن «صدمة مستمرة في أسعار النفط سترفع تكاليف الأسمدة والنقل، مما قد يدفع التضخم الغذائي إلى مستويات أعلى لاحقاً هذا العام».

وباستثناء مكونَي الغذاء والطاقة المتقلبين، من المتوقع أن يكون مؤشر أسعار المستهلكين قد ارتفع بنسبة 0.2 في المائة بعد زيادة قدرها 0.3 في المائة خلال يناير. ويرجح أن يكون انخفاض أسعار السيارات المستعملة، إلى جانب زيادات طفيفة في الإيجارات وأسعار تذاكر الطيران، قد حدّ من تسارع التضخم الأساسي.

في المقابل، يُرجح أن تكون أسعار سلع، مثل الملابس والأثاث المنزلي، قد ارتفعت بشكل ملحوظ نتيجة تمرير الشركات آثار الرسوم الجمركية إلى المستهلكين. وأظهر تقرير مؤشر أسعار المنتجين لشهر يناير اتساع هوامش الربح في عدد من القطاعات، بما في ذلك تجارة التجزئة للملابس والأحذية والإكسسوارات.

ورغم أن الشركات تحملت جزءاً كبيراً من رسوم الاستيراد حتى الآن، فإن الاقتصاديين يرون أنه من غير المرجح استمرار ذلك لمدة طويلة، مشيرين إلى استمرار ارتفاع تكاليف المدخلات في استطلاعات معهد إدارة التوريد.

وقد ردّ ترمب على قرار المحكمة العليا بفرض تعريفة جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة، قال إنها سترتفع لاحقاً إلى 15 في المائة.

وقال كبير الاقتصاديين الأميركيين في «سانتاندير يو إس كابيتال ماركتس»، ستيفن ستانلي: «تكمن المشكلة في أن الأدلة تشير إلى استمرار ارتفاع تكاليف المدخلات، حتى مع استقرار مستوى التعريفات الجمركية إلى حد كبير». وأضاف أن هذا التأثير قد يستمر لفترة من الوقت.

ومن المتوقع أن يرتفع معدل التضخم الأساسي لمؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 2.5 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في فبراير، وهو المعدل نفسه المسجل في يناير، ويعكس أيضاً تأثيرات قاعدة المقارنة المواتية.

ويرى اقتصاديون أن قراءات التضخم الأساسي المعتدلة في مؤشر أسعار المستهلكين من غير المرجح أن تُترجم إلى تباطؤ مماثل في التضخم الأساسي لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي خلال فبراير. ومن المتوقع أن تُظهر بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يناير، المقرر صدورها يوم الجمعة، ارتفاعاً ملحوظاً في التضخم الأساسي.

وقال كبير الاقتصاديين في شركة «رايتسون آيكاب»، لو كراندال: «من المرجح أن تؤدي اختلافات الأوزان والقوة غير المتوقعة في أسعار خدمات مؤشر أسعار المنتجين إلى زيادة أكبر بكثير في مقياس التضخم الأوسع نطاقاً».

وأضاف: «من المرجح أن تمنح تأثيرات مماثلة مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي ميلاً تصاعدياً في بيانات فبراير المقرر صدورها في التاسع من أبريل (نيسان)».


وزراء طاقة «مجموعة السبع» مستعدون لاتخاذ «الإجراءات اللازمة» بشأن احتياطات النفط

تعمل مضخات النفط بينما تتوقف أخرى عن العمل في حقل بيلريدج النفطي بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
تعمل مضخات النفط بينما تتوقف أخرى عن العمل في حقل بيلريدج النفطي بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

وزراء طاقة «مجموعة السبع» مستعدون لاتخاذ «الإجراءات اللازمة» بشأن احتياطات النفط

تعمل مضخات النفط بينما تتوقف أخرى عن العمل في حقل بيلريدج النفطي بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
تعمل مضخات النفط بينما تتوقف أخرى عن العمل في حقل بيلريدج النفطي بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

أعلن وزراء طاقة «مجموعة السبع»، يوم الأربعاء، استعدادهم التام لاتخاذ «جميع الإجراءات اللازمة»، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، لمواجهة ارتفاع أسعار النفط الخام نتيجةً للحرب في الشرق الأوسط.

وصدر بيان عن وزراء الطاقة قبيل ترؤس الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجموعة الدول السبع المتقدمة اقتصادياً، مؤتمراً عبر الفيديو لقادة المجموعة لمناقشة التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، وفقاً لما ذكرته الرئاسة الفرنسية.

وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال»، ذكرت يوم الثلاثاء، نقلاً عن مسؤولين مطّلعين على الأمر، أن وكالة الطاقة الدولية اقترحت أكبر عملية إطلاق لاحتياطات النفط في تاريخها، لمواجهة الارتفاع الحاد بأسعار النفط الخام الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وبعد اجتماع افتراضي عُقد، يوم الثلاثاء، مع المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، صرحوا، في بيان: «سيدرس أعضاء مجموعة السبع بعنايةٍ التوصيات الصادرة خلال هذه المناقشات». وأضافوا: «من حيث المبدأ، ندعم تنفيذ إجراءات استباقية لمعالجة الوضع، بما في ذلك استخدام الاحتياطات الاستراتيجية»، مؤكدين أنهم ينسّقون داخل «مجموعة السبع»، ومع الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، وخارجها.

وجاء في البيان: «اتفقنا على الاستعداد لاتخاذ جميع التدابير اللازمة بالتنسيق مع أعضاء وكالة الطاقة الدولية».

وفي سياق منفصل، صرّح وزير المالية الفرنسي، رولان ليسكور، بأنه لم يُتخذ أي قرار «في هذه المرحلة». وقال في بثٍّ على قناة BFMTV/RMC يوم الأربعاء: «علينا أن نوجّه رسالة واضحة للغاية، وهي أنه إذا لم نتمكن من إعادة فتح مضيق هرمز، فسوف نستبدله بنفط آخر سيأتي من أماكن أخرى ويتداول في أنحاء العالم».

واجتمع وزراء مالية «مجموعة السبع» يوم الاثنين، ووزراء طاقة المجموعة يوم الثلاثاء؛ لمناقشة إمكانية الإفراج عن مخزونات الطوارئ.

وقال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجموعة الدول السبع المتقدمة اقتصادياً، يوم الثلاثاء: «نريد أن نكون على أهبة الاستعداد للتحرك في أي لحظة».

وقد واصلت الأسهم الآسيوية مكاسبها، يوم الأربعاء، بينما استقرت أسعار النفط بعد تقرير صحيفة «وول ستريت جورنال».

وشهدت سوق النفط الخام تقلبات حادة منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما على إيران، في نهاية الشهر الماضي، وردّت طهران بمهاجمة أهداف في جميع أنحاء الخليج الغني بالنفط، ما أدى فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز الحيوي.

وتمتلك الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية حالياً أكثر من 1.2 مليار برميل من مخزونات النفط الطارئة العامة، بالإضافة إلى 600 مليون برميل أخرى من المخزونات الصناعية المحتفَظ بها بموجب تفويضات حكومية.

ولضمان أمن الطاقة، تفرض وكالة الطاقة الدولية على أعضائها التزاماً بالاحتفاظ بمخزونات نفطية طارئة تُعادل 90 يوماً على الأقل من صافي واردات النفط.