«تطبيقات الأجهزة الذكية» يد جديدة تمد لخدمة الحجيج

اتخذتها الجهات الحكومية للإرشاد والتوعية وتنظيم الحشود

حاج يستخدم هاتفا ذكيا في مكة المكرمة أمس (تصوير: خضر الزهراني)
حاج يستخدم هاتفا ذكيا في مكة المكرمة أمس (تصوير: خضر الزهراني)
TT

«تطبيقات الأجهزة الذكية» يد جديدة تمد لخدمة الحجيج

حاج يستخدم هاتفا ذكيا في مكة المكرمة أمس (تصوير: خضر الزهراني)
حاج يستخدم هاتفا ذكيا في مكة المكرمة أمس (تصوير: خضر الزهراني)

تصدرت تطبيقات الأجهزة الذكية مشهد خدمة الحجيج في الكثير من القطاعات الحكومية والأهلية بالسعودية، فباتت تلك التطبيقات البديل السريع والفوري لتقديم الخدمة لوفود الرحمن في المشاعر المقدسة، بعد أن كانت إرشاداتهم لمواقع إقامتهم وتوجيهاتهم لأداء المناسك تتم عبر خرائط ومستندات ورقية تثقل حاملها ومقدمها في ذات الوقت.
بل إن الاستفادة من تلك الخدمات الإلكترونية لم تقتصر على مجرد الإرشاد المكاني لتتعداه إلى الإرشاد الديني عبر الفتاوى التي تقدمها مراكز الإفتاء الدينية التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية عبر رسائل قصيرة للهواتف النقالة، فيما تعتمد الجهات الأمنية باستهداف حشود الحجيج في تحذيرهم من مخاطر الازدحام في بعض المواقع بالمشاعر المقدسة على تطبيقات الأجهزة الذكية.
وتذهب الكثير من الجهات للاستفادة من تطبيقات الأجهزة الذكية لفرض الحماية والسلامة لضيوف الرحمن، كما هي الحال لدى جهاز الدفاع المدني، الذي كشف عنه العميد صالح العايد مدير الإدارة العامة للعلاقات والإعلام، ضمن المرحلة الثانية من تطبيق الدفاع المدني على أجهزة الهواتف الذكية والخدمات، التي يتم تقديمها لمستخدمي هذه الأجهزة خلال موسم الحج.
وأشار العايد إلى أن خدمات الهواتف الذكية تشمل خدمة الأخبار والإرشادات التوعوية، وخدمة الإبلاغ عن مخالفات السلامة في الحج، ورسائل توعوية للتصرف السليم في حوادث الغاز، والتعريف بدلالات أنظمة الإنذار وغيرها من مفاهيم السلامة.
وأكد العايد أهمية تلك التطبيقات كونها ساعدت جهاز الدفاع المدني في تطوير خدمات التنبيهات السريعة والمشاركة الجماعية في إرسال الرسائل التحذيرية والإرشادية خلال موسم الحج عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي ذات السياق، أصدرت جمعية الكشافة العربية السعودية هذا العام ثلاثة إصدارات مطورة من برنامج الإرشاد الإلكتروني لإرشاد الحجاج التائهين، ضمن برامجها التقنية المطورة، التي درجت عليها في إطار تحويل عملها ضمن ما يسمى بالحكومة الإلكترونية، الذي أطلقته منذ خمس سنوات، لما تشكله تلك التقنية من أهمية في مواكبة التقنية الحديثة.
وأوضح سعيد أبو دهش مسؤول تقنية المعلومات بمعسكرات الخدمة العامة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، أن النسخة الأولى من الإصدارات خاصة بالأجهزة والجوالات، ونسخة لأجهزة الحاسب في مراكز الإرشاد، ونسخة للأجهزة الذكية.
وعن أنشطة الإعداد للبرنامج الإلكتروني وتنفيذ فعالياته قال أبو دهش: «تم تكوين لجنة لرفع إحداثيات المخيمات بالمشاعر المقدسة، عن طريق أجهزة رفع الإحداثيات (جارمن)، ومن ثم تطبيق الإحداثيات على أرض الواقع للتدقيق والمعاينة، وإدخال الإحداثيات في البرنامج الإلكتروني، ثم ربط الإحداثيات المرفوعة بأسماء المكاتب الميدانية وعناوينها، حسب تصنيف مشروع ترقيم المشاعر وتوزيعها على مناطق مشعر منى، قبل أن يتم تدريب الفرق الكشفية على استخدام البرنامج الإلكتروني عن طريق الأجهزة العامة بمواقع الإرشاد أو الأجهزة الخاصة للمستفيدين».
وأشار مسؤول تقنية المعلومات بمعسكرات الكشافة إلى أن الجمعية عملت هذا العام على تطوير برنامج الإحصاء الإلكتروني، الذي يتم من خلاله تفريغ البيانات الواردة من الفرق الكشفية العاملة في مجال إرشاد التائهين، مشيرا إلى أنه يتضمن إدخال بيانات فترات العمل اليومية وإعداد الحجاج الذين تم إرشادهم، سواء بالإيصال إلى مخيماتهم أو بالإرشاد عن طريق الخرائط، بما يؤدي في النهاية إلى الحصول على إحصاء دقيق يعتمد عليه في رسم الخطط المستقبلية في العمل.
يشار إلى أن جامعة أم القرى أنشأت عام 2007 مركز التميز البحثي في الحج والعمرة، الذي يعد من أهم الصروح الأكاديمية بالسعودية في تقديم الاستشارات العلمية لخدمة الحجيج، حيث ركز في مرحلته الأولى على الجوانب المتعلقة بالحركة والنقل وإدارة الحشود المرتبطة بحركة وتنقلات الحجاج والمعتمرين والزائرين، وذلك في المواقع المختلفة، مثل المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف ومحيطهما والمشاعر المقدسة، إضافة إلى السعي الحثيث لتوطين النظم والتطبيقات الذكية وتقنيات الاتصالات المتقدمة في إدارة وقياس أداء نظم الحركة والنقل وإدارة الحشود.



أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.


اليابان... أمام التحوّلين السياسي والاقتصادي

تاكاييتشي فرحة بوضع علامات على أسماء الفائزين من مرشحي حزبها (آ ب)
تاكاييتشي فرحة بوضع علامات على أسماء الفائزين من مرشحي حزبها (آ ب)
TT

اليابان... أمام التحوّلين السياسي والاقتصادي

تاكاييتشي فرحة بوضع علامات على أسماء الفائزين من مرشحي حزبها (آ ب)
تاكاييتشي فرحة بوضع علامات على أسماء الفائزين من مرشحي حزبها (آ ب)

الانتخابات العامة المبكّرة الأخيرة في اليابان لم تكن «تصويتاً على برنامج» بقدر ما كانت استفتاءً على اتجاه يشبه «لحظة حسم» داخل السياسة اليابانية: هل تواصل طوكيو التحول التدريجي نحو دولة «أكثر صلابة» أمنياً وأقل تردّداً اقتصادياً، أو تعود إلى الحذر التقليدي الذي ميّز السياسة اليابانية لعقود؟ نتيجة صناديق الاقتراع حسمت المسألة لمصلحة التيار اليميني المتشدد المرتبط برئيسة الوزراء سانايي تاكاييتشي، عبر غالبية ساحقة في مجلس النواب (316 من أصل 465 مقعداً للحزب الديمقراطي الحر المحافظ الحاكم)، ما يمنحها تفويضاً سياسياً نادراً ليس فقط لإدارة الحكومة، بل لإعادة ترتيب أولويات الدولة نفسها في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذه الغالبية لا تعني فقط «راحة تشريعية»، بل تحمل أيضاً دلالتين متزامنتين قد تبدوان متناقضتين: فمن جهة تفتح الباب أمام قرارات كبيرة بسرعة وبكلفة سياسية أقل؛ ومن جهة أخرى تضع الحكومة تحت «اختبار الأسواق» و«اختبار الإقليم» في آن واحد. غير أنها تفتح الباب أيضاً أمام إعادة تشكيل ثلاثة ملفات متداخلة: اقتصاد مثقل بالدَّين لكنه يحتاج لنمو واستقرار أسعار. دولة تتخلص من قيود ما بعد 1945 إلى تعريف جديد للأمن القومي. وسياسة خارجية تصطدم أكثر مع الصين وروسيا وتتعانق أكثر مع الولايات المتحدة وشركاء المحيطين الهندي والهادئ. وبقدر ما يبدو الانتصار كبيراً، فإن «الكلفة» ستكون في إدارة المخاطر: أسواق السندات والين من جهة، وردود الفعل الإقليمية (الصين/الكوريتان/روسيا) من جهة ثانية.

الناخب الياباني لم يمنح هذا التفويض لأن ملف «الأمن القومي» وحده طغى على الانتخابات، بل لأن الاقتصاد، بكل تفاصيله اليومية، كان يضغط: تضخم كلفة الغذاء والطاقة، وشعور واسع بأن الأجور الحقيقية لا تلحق بموجة الأسعار.

هذا المناخ جعل وعود تخفيف العبء الضريبي على الغذاء أكثر جاذبية من نقاشات الإصلاح الهيكلي الطويلة الأمد. لكن المفارقة أن الاستجابة لهذا الضغط عبر حزم إنفاق أو خفض ضرائب تضع اليابان فوراً في مواجهة حساسيتها الكبرى: سوق السندات العامة، وثقة المستثمرين بقدرة الدولة على الجمع بين التحفيز والانضباط المالي.

تفويض مزدوج

وبقدر ما عُد الانتصار الانتخابي تفويضاً شخصياً فإنه كان أيضاً تفويضاً حزبياً. إذ نسبت تقارير عدة الزخم إلى شعبية تاكاييتشي وقدرتها على تحويل المنافسة الانتخابية إلى خيار واضح بين «حكومة قوية» ومعارضة مفكّكة، وهو نمط غير مألوف في السياسة اليابانية التي تميل إلى التصويت على أساس الحزب لا القائد.

أيضاً، عُد حجم الانتصار تغييراً في ميزان القوى داخل المعسكر الحاكم، إذ حين يغدو الحزب قادراً على تمرير تشريعات بسهولة في مجلس النواب، تقل قدرة الحلفاء والخصوم داخل الائتلاف على «ابتزاز» الحكومة عبر التهديد بإسقاط مشاريع القوانين. لكن الأهم أن التفويض يُستخدم عادة لتصفية الحسابات داخل الحزب نفسه، بما فيه ترسيخ التيار اليميني، وإعادة ترتيب الأولويات بين «النمو والإنفاق» وبين «الانضباط المالي»، وبين «الردع» و«التهدئة».

قواعد اللعبة الدستورية

في أي حال، «انتصار» تاكاييتشي يعيد طرح سؤال كان مؤجلاً: إلى أي حدّ تستطيع الحكومة فعلاً تغيير قواعد اللعبة الدستورية؟

صحيح أن السيطرة على مجلس النواب تمنح رئيسة الحكومة قدرة كبيرة، لكن تعديل الدستور في اليابان يتطلب أيضاً غالبية الثلثين في المجلس الأعلى... ثم في استفتاء شعبي. لذلك، «القوة البرلمانية» شرطٌ لازم لكنه غير كافٍ، ما سيدفع تاكاييتشي غالباً إلى استراتيجية «التدرّج»، بدءاً بتعديلات أقل إثارة للانقسام (إدارة الكوارث/صلاحيات الطوارئ/الاعتراف الرمزي بقوات الدفاع الذاتي) قبل الاقتراب من المادة التاسعة في الدستور.

وعود التحفيز وتهديد الأسواق

هنا تبرز معضلة ما بعد الفوز: رئيسة الحكومة جدّدت تعهدها بتخفيض/ تعليق الضريبة على الغذاء، لكنها في الوقت نفسه حاولت طمأنة المستثمرين بأنها لا تريد فتح باب ديون جديدة بلا سقف، ما يعني أن معركة التمويل، من أين وكيف وبأي أثر على العجز، ستتحول إلى ساحة سياسية واقتصادية يومية.

ومع تضاؤل نفوذ المعارضة البرلمانية، قد يأتي «الفيتو» الحقيقي من الأسواق لا البرلمان. إذ أن ارتفاع عوائد السندات وتقلب الين يملكان قدرة على كبح أي اندفاعة مالية إذا فُهمت بأنها خروج عن المسار.

ولأن اقتصاد اليابان ليس منعزلاً، فإن ردود الفعل لا تتوقف عند طوكيو. فالتوقعات بزيادة التحفيز انعكست في تحرّكات سريعة لأسواق العملة، حيث شهد الين تقلّباً ملحوظاً في الأيام التالية للانتخابات، مع ربط ذلك بتوقعات الإنفاق العام وبحساسية العوائد اليابانية.

هذا التقلّب مهم لأنه يفتح ملفاً شديد الحساسية في العلاقة مع واشنطن: أي ضعف كبير ومستدام في سعر الين قد يُقرأ أميركياً، في ظل مزاج حمائي متصاعد، كمصدر أفضلية تنافسية للصادرات اليابانية، حتى عندما يكون الضعف ناتجاً عن عوامل داخلية وأسواقية.

في خلفية هذا المشهد، يتقدّم سعر صرف الين من كونه مؤشراً مالياً إلى كونه «سياسة» بحد ذاته، وتذبذبه لا يهم المستثمرين فقط. فهو يضع الحكومة الجديدة أمام معادلة دقيقة: فأي سياسة مالية توسعية تُقرأ سريعاً في سوق السندات وتنعكس على الين، الذي يرتد بدوره إلى الداخل عبر كلفة الواردات والطاقة والغذاء، ويعود إلى السياسة عبر شعور الناخبين بالغلاء.

والأكثر حساسية أن الين ليس ملفاً داخلياً صرفاً. فالولايات المتحدة تنظر تاريخياً إلى تحركات العملات لدى كبار الشركاء من زاوية التنافس التجاري، ما يضيف طبقة ضغط خارجية على سياسة طوكيو المالية والنقدية. وبهذا المعنى، فإن مساحة مناورة الحكومة الجديدة لا تُحدَّد فقط بأرقام المقاعد في البرلمان، بل أيضاً بحدود ما يمكن أن تحتمله الأسواق، وبمدى استعداد واشنطن لتقبّل ضعف الين في لحظة تنافس تجاري متصاعد.

من «القيود» إلى «دولة ردع»

لكن قراءة فوز تيار اليمين المتشدد لا تكتمل من دون وضعه في سياق تحوّل أكبر، في لحظة تشعر فيها اليابان أن بيئتها الاستراتيجية تتدهور بسرعة:

- ضغط صيني حول تايوان

- تعاون روسي صيني أوثق

- سباق تسلح إقليمي

- وتحوّل في توقعات الحليف الأميركي بشأن «تقاسم الأعباء».

من ثمّ، فاليابان تتحرك من نموذج «الدولة الاقتصادية الحذرة» إلى نموذج «الدولة الاقتصادية – الأمنية»، حيث يصبح الأمن القومي جزءاً من السياسة الصناعية والمالية، لا مجرد ملف دفاعي.

هذا التحول ليس جديداً بالكامل، لكنه يتسارع مع هذا التفويض. فالكلام لم يعُد فقط عن تعزيز الدفاعات أو شراء منظومات، بل عن بناء قدرة ردع أوسع، وعن توسيع أدوات «الأمن الاقتصادي» في سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والطاقة.

من هذه الزاوية، يبدو الانتصار انتخابياً كأنه صوّت لنسخة أكثر وضوحاً من «اليابان الاستراتيجية»، أي: زيادة الإنفاق الدفاعي، وتخفيف بعض القيود على التعاون الصناعي الدفاعي، وتعزيز شبكة الشراكات في المحيطين الهندي والهادئ.

مصادر متعدّدة لفتت إلى أن الفوز الكبير يُضعف المقاومة الداخلية لبرنامج أمني أكثر تشدداً، ويُسهّل تمرير خطوات كانت تُدار سابقاً بتوازنات دقيقة خشية ردود الفعل الشعبية أو الحزبية. وهذه التحولات تُقرأ إقليمياً بطريقتين: حلفاء طوكيو يرونها «تكيّفاً دفاعياً»، بينما خصومها يصفونها بـ«عودة إلى العسكرة».الصين... تردد أم احتكاك

في قلب هذا التحول تقف الصين. فالمسافة السياسية بين طوكيو وبكين اتّسعت أصلاً بسبب الاحتكاكات البحرية، وبسبب ملف تايوان، وبسبب اتجاهات «فك الارتباط الجزئي» في التكنولوجيا.

ومع قيادة يابانية تُعد أكثر «صقورية»، تُصبح العلاقة مرشّحة لمزيد من الاحتكاك: ضغط أكبر على الصين في ملف الأمن الإقليمي، مقابل سعي ياباني لتقليل قابلية الاقتصاد الياباني للابتزاز في المواد الاستراتيجية وسلاسل التوريد.

لكن هذا لا يعني قطيعة سهلة أو قريبة، فالصين ما زالت شريكاً تجارياً مؤثراً، وأي تصعيد غير مُدار قد يرتد على شركات يابانية تعتمد على السوق الصينية أو على حلقات إنتاج مرتبطة بالصين. ثم إن أدوات بكين ليست رمزية فقط. فهناك القيود أو التضييقات على مواد استراتيجية (كالعناصر النادرة أو مواد التصنيع) التي تصبح جزءاً من «سلاح سلاسل الإمداد»، وقد تناولت مراكز أبحاث هذا النوع من الضغط بعدّه رسالة ردع اقتصادي. لذا يُرجَّح أن تسير طوكيو في معادلة مزدوجة: ردع أمني وتحصين اقتصادي، مع تجنّب صدام اقتصادي شامل قدر الإمكان.

حسابات روسيا وشمال شرقي آسيا

أما روسيا فتدخل في المعادلة من بوابة التداخل بين حرب أوروبا واصطفافات آسيا. تقارب موسكو مع بكين يجعل طوكيو ترى جبهتها الشمالية الشرقية جزءاً من صورة ردع أوسع، لا مجرد ملف ثنائي.

وفي الوقت نفسه، فأي تحرك ياباني نحو تعديل دستوري أو توسيع صلاحيات الطوارئ أو إعادة تعريف دور القوات - حتى إن كان تدريجياً - سيوفر لموسكو وبكين مادة سياسية جاهزة للحديث عن «عودة العسكرية»، إذ سيُربط غالباً بين إعادة تسلّح اليابان وسردية «مراجعة التاريخ». وستُستخدم ملفات مثل تايوان لتصوير طوكيو كطرف يُسهم في التصعيد، في خطاب يُستخدم لتأليب الرأي العام الإقليمي وتبرير سياسات مضادة.

في المقابل، القراءة اليابانية ترى روسيا جزءاً من «حزام التهديد» في الشمال والغرب، لا سيما مع تداخل الملفات الروسية - الصينية في شرق آسيا. وهنا يغدو التفويض الانتخابي وقوداً لرفع مستوى الجاهزية. لكن السؤال الأعمق آسيوياً ليس ما إذا كانت اليابان «ستزداد تسلحاً»، بل ما طبيعة الدور الذي تريده لنفسها؟

من منظور دول جنوب شرقي آسيا وكوريا الجنوبية، المشهد مركّب. فثمة من يرى في «يابان أقوى دفاعياً» شريكاً يوازن الصين ويُسهم في أمن البحار وسلاسل الإمداد. وفي المقابل، ثمة من يخشى انزلاق المنطقة إلى سباق تسلح تُستَخدم فيه «الذاكرة التاريخية» كسلاح سياسي. هذه الحساسية ليست تفصيلاً، فقدرة طوكيو على توسيع دورها الأمني إقليمياً تعتمد أيضاً على الخطاب، وعلى إدارة ملفات التاريخ والرموز، وعلى تقديم نفسها «مدافعاً عن الوضع القائم» لا كقوة تسعى لتغييره بالقوة.

النظام الدولي

أما عالمياً، فتتقاطع دلالات هذا الفوز مع سؤال أكبر يعيشه النظام الدولي: هل تتجه اقتصادات كبرى إلى إعادة ترتيب أولوياتها بحيث تصير السياسة الصناعية جزءاً من الردع؟ وبحكم ثقلها التكنولوجي والمالي، يرى البعض أن اليابان مرشحة لأن تكون نموذجاً لهذا الاتجاه عبر: دعم صناعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات، وربط الاستثمار العام باعتبارات الأمن الاقتصادي، وتوسيع الشراكات مع الحلفاء في المعادن الحرجة والطاقة والتقنيات.

في الحصيلة، الانتصار الكبير لا يعني أن اليابان «حسمت» اتجاهها نهائياً، لكنه يعني أنها حصلت على نافذة زمنية نادرة لتغيير قواعد اللعبة. ونجاح هذا التغيير سيُقاس ليس بتمرير القوانين فحسب، بل بقدرة طوكيو على إدارة التوازن بين ثلاثة مخاوف متزامنة: خوف الناخب من الغلاء، وخوف السوق من الانفلات المالي، وخوف الإقليم من أن يتحول الردع إلى استفزاز. أي ضعف كبير ومستدام في سعر الين قد يُقرأ أميركياً،