بين ليلة وضحاها، صار اسمها علما على ألسنة العالم، وبعد أن كانت تعمل في بقعة شبه منسية على الكرة الأرضية، نجحت المعلمة الفلسطينية حنان الحروب في أن تلفت الأنظار مجددا إلى قضية بلادها الإنسانية، عبر انتهاجها الدعوة إلى نبذ العنف وسط بيئة تحاصرها كل مسببات التوتر.. وهي القدرة التي أهلتها لاقتناص جائزة ولقب «أفضل معلم في العالم» للعام الحالي عن جدارة واستحقاق، بعد تصفيات شهدت ترشح أكثر من 8 آلاف اسم معلم ينتمون إلى 148 دولة حول العالم.
الحروب، على عكس اسم عائلتها الذي تفتخر به، تدعو إلى التسامح، وهو منهج قريب من اسمها.. وهي المعلمة التي تدرس في مدرسة «سميحة خليل» الثانوية الحكومية في مدينة البيرة الفلسطينية. وأكدت عقب فوزها بالجائزة الدولية التي نظمتها مؤسسة «فاركي فاونديشن» البريطانية المرموقة، أن أمنيتها تتلخص في كلمات بسيطة «نريد لأطفالنا العيش بحرية وسلام مثل باقي أطفال العالم»، داعية إلى أن يكون هذا العام عام المعلم الفلسطيني.
وأشارت الحروب بعد تكريمها الأسبوع الماضي، من خلال الحصول على الجائزة التي تبلغ قيمتها مليون دولار وتقدم سنويا على هامش «منتدى التعليم العالمي» الذي يقام في إمارة دبي بالإمارات العربية المتحدة، إلى أن «معلمي فلسطين يزرعون الأمل في نفوس أطفالنا»، مستشهدة بكلمات الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
كانت الحروب المرشحة العربية الوحيدة للجائزة في القائمة النهائية، ومن بين آلاف المعلمين من دول العالم كافة، كانت رسالتها لنبذ العنف وأسلوبها المميز لتنشئة أطفال أسوياء أمرين، يجعلان من ترشحها شيئا مميزا أمام لجنة تحكيم تضم شخصيات دولية مرموقة.
سيرة الحروب الذاتية، التي تخطت منذ بضع سنوات عتبة الأربعين من العمر، تعد وحدها قصة كفاح ونجاح.. كفاح إنساني على المستوى الشخصي، وأمثولة نجاح لمعلمي العالم. فبحسب المعلومات المتاحة عنها، وفقا لمقربين لها، نشأت حنان في مخيم للاجئين قرب مدينة بيت لحم، تحديدا في «مخيم الدهيشة»، حيث كان هناك القليل من فرص اللهو أو المتعة باعتبارها طفلة، خصوصا في سنوات مطلع سبعينات القرن الماضي، التي شهدت صراعا وحروبا ضروسا بين العرب وإسرائيل.
تزوجت حنان مبكرا، قبل أن تدخل الجامعة.. لكن إصرارها المبكر على المستويين الدراسي والإنساني أعانها على الاستمرار، لتدخل جامعة القدس المفتوحة، وتتخرج فيها بعد معاناة نتيجة الظروف المحيطة رغم تفوقها العلمي عام 2005، لتحمل رسالتها إلى الدنيا. وكابنة لمخيم لاجئين، وطفلة عاشت في زمن حرب واحتلال، ثم زوجة لأسير، ربما كان من الطبيعي أن تؤثر تلك التجارب سلبا على شخصيات كثيرة، لكن الحروب عكست المسار، فعلمت تلاميذها من أبناء الصف الثاني الابتدائي التسامح والسمو والمقاومة عبر نبذ العنف.
وتحكي حنان عن نفسها في بعض أحاديثها الإعلامية أن منهجها الخاص في التعليم يعتمد على اللعب لغرس قيم الأمل والطموح والجد في نفوس الأطفال الذين انعكست الأوضاع الأمنية الصعبة سلبا على نفسياتهم وتصرفاتهم.
ومثل أغلب العالم ترى حنان أن الطفل الفلسطيني تحديدا لا يكاد يشعر بطفولته لكثرة ما يراه من أحداث القتل والعنف والاعتداءات اليومية داخل أحياء المدن والقرى والمخيمات والحواجز، مما انعكس سلبا على شخصيته التي أصبحت تميل إلى العنف بكل أشكاله. لكنها انطلقت في تجريب منهجها الجديد على أطفالها الذي عاشوا صدمة عنيفة على أثر إطلاق قوات الاحتلال الرصاص عليهم وعلى أبيهم خلال عودتهم من المدرسة، فأصابت أباهم بجروح. وقد حقق المنهج الجديد نتائج إيجابية جدا مع أطفالها، حيث تجاوزوا مرحلة الصدمة والخوف، وعادوا إلى طبيعتهم مثل أطفال يلعبون ويمرحون مع أصدقائهم، ويحققون نتائج إيجابية في دروسهم، وتقوت ثقتهم في نفوسهم، بل إنهم بدأوا يكررون الألعاب نفسها مع أصدقائهم في الحي.
وتؤكد الحروب أنها حاولت تعميم التجربة رغم الصعوبات التي لاقتها في البداية، حيث لم يرغب كثيرون في مشاركتها في تبني المنهج الجديد، غير أنه مع النجاحات الكثيرة التي حققتها انتشر منهجها في التدريس انتشار النار في الهشيم، وبدأ زملاء لها ومعلمون ومستشارون يستفيدون من دورات تدريبية تنظمها.
كما أصدرت الحروب كتابا بعنوان «نلعب ونتعلم»، معززا بالصور يتضمن ألعابا تعليمية وتربوية كثيرة تساعد الأطفال على تجاوز التحديات التي تواجههم، وتمكنهم من تعلم الكثير انطلاقا من اللعب.
وعقب فوزها بالجائزة، علق سوني فاركي، مؤسس مؤسسة «فاركي»، بقوله إنه يأمل أن «تلهم قصة حنان الحروب أولئك الذين يتطلعون إلى دخول مهنة التدريس».
وشهد الحفل حضورا عالميا لافتا من الشخصيات السياسية والفنية والمعنية بمجال التعليم، في مقدمتهم الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، وإيرينا بوكوفا المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو).
وعقب إعلان النتائج وفوز الحروب، توالت التهنئات من أبرز الشخصيات الدولية، ووجه كل من بيل كلينتون الرئيس الأميركي الأسبق، وجو بايدن نائب الرئيس الأميركي، وبابا الفاتيكان فرنسيس، كلمات تهنئة للحروب وزملائها المتأهلين إلى التصفيات النهائية، باعتبارهم أبرز قدوة للمعلمين حول العالم.
كما وجهت المنظمات الإقليمية والدولية التهنئة إلى الحروب، مثل جامعة الدول العربية، ومنظمة المرأة العربية، وقالت الأخيرة إن الحروب «أثبتت للعالم جدارة وكفاءة المرأة العربية عامة والفلسطينية خاصة في بناء الإنسان على القيم والأخلاق والإبداع والمعرفة والعلم، وتنشئة المجتمع الإنساني القادر على المشاركة الواقعية في تجسيد الخارطة الحضارية المتطورة للإنسانية».
حين صارت «الحروب» رمزًا لـ«السماحة» انطلاقًا من مدرسة فلسطينية
«أفضل معلمة في العالم» 2016.. تجربة ملهمة تدعو إلى نبذ العنف
حنان الحروب.. المعلمة الفلسطينية التي فازت بجائزة أفضل معلم في العالم لهذا العام (إي بي إيه)
حين صارت «الحروب» رمزًا لـ«السماحة» انطلاقًا من مدرسة فلسطينية
حنان الحروب.. المعلمة الفلسطينية التي فازت بجائزة أفضل معلم في العالم لهذا العام (إي بي إيه)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
