العلاقة بين «القاعدة» وإيران في {الميزان} الغربي

الإعلام الأميركي تجاهل الإشارة إليها رغم تأكيدها بحكم قضائي أميركي في أحداث 11 سبتمبر

العلاقة بين «القاعدة» وإيران في {الميزان} الغربي
TT

العلاقة بين «القاعدة» وإيران في {الميزان} الغربي

العلاقة بين «القاعدة» وإيران في {الميزان} الغربي

كان الحكم القضائي الأميركي الذي أصدره أخيرًا القاضي جورج دانيالز، في مدينة نيويورك الأميركية، بتغريم السلطات الإيرانية تعويضات لأسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة حدثًا مهمًا مع أنه لم يكن من حيث بُعده السياسي جديدًا تمامًا. إنه مهم لأنه يثبت بصورة قاطعة العلاقة المريبة بين القيادة في إيران وتنظيم «القاعدة» الذي نفذ أفراد فيه الاعتداءات في نيويورك وضواحي واشنطن وولاية بنسلفانيا. أما إنه ليس جديدًا تمامًا، فذلك لأنه منذ العام 2012 كانت ثمة دلائل على وجود هذه العلاقة. القاضي أصدر حكمه بعدما رأى، وفق نطقه، أن طهران أخفقت في الدفاع عن نفسها ضد الادعاءات التي تفيد بتورطها في اعتداءات 11 سبتمبر. وكانت «الشرق الأوسط»، قد نشرت بالفعل خلال الأيام الفائتة ست وثائق كانت قد حصلت عليها، واستند إليها القاضي دانيالز في حكمه الذي يفرض على إيران دفع أكثر من عشرة مليارات دولار أميركي لذوي الضحايا.

عندما بدأ حسن نصر الله، أمين عام ميليشيا «حزب الله» في لبنان البحث عن حجج لتدخله دعمًا لنظام بشار الأسد في وجه ثورة الشعب السوري، كانت حجته الأولى الدفاع عن مواطنين لبنانيين يقيمون في بلدة القصير وقرى محيطة بها عبر حدود لبنان الشمالية الشرقية مع سوريا.
وبعد ذلك، مع اتساع نطاق الحرب والقمع وتورط «حزب الله» وعدد من الميليشيات الشيعية ولا سيما العراقية والأفغانية دعمًا للنظام، تحولت الحجة من حماية مواطنين لبنانيين إلى الدفاع عن الأماكن الشيعية المقدسة داخل سوريا وفي مقدمها مقام السيدة زينب قرب العاصمة دمشق. غير أن الثورة استمرت، ومعها استمر القمع والتورّط الميليشياوي، بإشراف إيراني كان في البداية مستترًا، قبل أن يصبح مكشوفًا، ويسقط عدد من القادة الميدانيين الإيرانيين وتظهر صور لقائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني وهو يتفقد الجبهات، وخصوصًا بالشمال السوري، حول «الجيوب» الشيعية مثل الفوعة ونبّل والزهراء وكفريا. وعند هذه النقطة صار واضحًا أن القرار بالتدخل لحماية نظام الأسد أكبر من «حزب الله» وحده، ومشاركة ميليشيات عراقية وإيرانية وغيرها، تأكد أن القرار متخذ في طهران وتنسيق العمليات جارٍ معها. كذلك، في هذه المرحلة تغيّرت لهجة أمين عام «حزب الله» ومعها حجة التدخل لتصبح قتال الجماعات «التكفيرية» التي اتهمها أولاً بأنها صنيعة إسرائيلية وأميركية ثم صارت حسب اتهاماته سعودية وخليجية وتركية.
ولكن مع إثارة موضوع الجماعات «التكفيرية»، وفي مقدمها تنظيم داعش و«جبهة النصرة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، كانت التقارير تتزايد عن دور إيراني بتغذية بعض هذه الجماعات «التكفيرية» لتبرير دعم النظام والتستر على جرائم قصفه المدنيين وتهجيره ملايين المواطنين السوريين. وكان لافتًا ظهور جدل وتهم متبادلة بين قيادات «داعش» و«جبهة النصرة» منها تهم الارتباط بعلاقات مشبوهة مع طهران.

* الصمت الغربي الغريب
كان من المفترض أن يثير الكشف عن علاقة تنظيم القاعدة بالسلطات الحاكمة في إيران، وبالأخص، عبر مرجعيات قضائية أميركية، عاصفة من السخط على القيادة الإيرانية. غير أنه لم يسجل حتى اللحظة أي رد فعل في مستوى خطورة الاعتداءات التي ارتكبت سواءً في نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001. أو لندن أو مدريد أو غيرها في الفترة اللاحقة.
كان هذا سيكون رد الفعل الطبيعي، أولاً في ظل اعتبار دول غربية كبرى في مقدمها الولايات المتحدة الأميركية – المستهدفة باعتداءات 11 سبتمبر التي قضى فيها نحو ثلاثة آلاف قتيل – مكافحة الإرهاب في رأس أولوياتها الأمنية. وثانيًا، بعد ظهور تنظيمات متطرفة تسير على خطى «القاعدة» وتهدد الدول الغربية في أعقاب حصولها على «أرضية» لها في العراق وسوريا واليمن وليبيا، بل وفي مناطق عدة بغرب أفريقيا. وثالثًا، اكتشاف خلايا لهذه التنظيمات داخل الدول الغربية، سواء على شكل خلايا نائمة أو بفعل تسلل إرهابيين وسط جموع اللاجئين إلى غرب أوروبا من غرب آسيا وشمال أفريقيا.
بل كان الإحجام عن التدخل العسكري ضد النظام السوري، المدعوم من إيران جزءًا أساسيا من قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما. ووجود «داعش» و«جبهة النصرة» (التابعة لـ«القاعدة»). وبالتالي، في ضوء التفاهم حول الملف النووي الإيراني، بل على الطريق نحو هذا التفاهم، اقتنع البيت الأبيض بأن إيران قد تلعب «دورًا إيجابيًا» بالنسبة لواشنطن في حرب مشتركة ضد الإرهاب بوجهه الإسلاموي السنّي، كما يزعم «داعش» وتزعم «القاعدة» ومعها «جبهة النصرة».
ثمة سؤال يفرض نفسه هو: لماذا تحاشي أو إهمال تحميل إيران مسؤولية اعتداءات 11 سبتمبر؟

* الإعلام الأميركي يجامل إيران
في الولايات المتحدة، بالذات، كان لافتًا إهمال وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية قرار القاضي دانيالز في المحكمة الاتحادية بنيويورك خلال الأسبوع الماضي تحميل إيران مسؤولية هجمات 11 سبتمبر وتغريمها مليارات الدولارات تعويضات لعائلات الضحايا، وذلك بالمقارنة مع تركيز الإعلام الأميركي منذ تلك الهجمات، على تحميل المملكة العربية السعودية مسؤولية الهجمات. وفي هذا السياق أصدر مركز «آكيوراسي إن ميديا» (الدقة في الإعلام) في العاصمة الأميركية واشنطن، الذي يرصد الإعلام الأميركي منذ تأسيسه عام 1979. تقريرًا اتهم فيه أجهزة الإعلام الأميركية الرئيسية بـ«مجاملة إيران»، خاصة خلال، وبعد، مفاوضات الأسلحة النووية الإيرانية، التي أسست للتفاهم الحالي بين واشنطن وطهران.
وجاء في التقرير ما يلي «بعدما دأبت إيران على البصق في وجه الأمم المتحدة وفي وجه الرئيس أوباما، الذي يحاول الدفاع عن شرف إيران، ويحاول أن يبرر أخطاءه نحوها، وجدت إيران صحافيين أميركيين يجاملونها». وأشار التقرير مفصّلاً إلى شبكة تلفزيون «سي إن إن»، فقال: إنه «يواصل حجب الحقائق عن الشعب الأميركي»، وأضاف التقرير «تحرص أجهزة الإعلام الأميركي الكبرى، مثل (سي إن إن) على أن يعيش الشعب الأميركي في الظلام حول هذه الصفقة الكارثية مع إيران».
ومن ناحية أخرى، أعاد التقرير إلى الذاكرة مناسبات أخرى جاملت خلالها شبكة «سي إن إن» – التي صنعت سمعتها على ريادتها الإخبارية – فيها حكومة إيران، مشيرًا إلى مقابلة أجريت في عام 2013 مع الرئيس الإيراني الجديد – في ذلك الوقت – حسن روحاني. ولقد نشرت صحف إيرانية مقابلة روحاني ذاتها. لكن بينما نشرت الصحف الإيرانية كلام روحاني بحذافيره حول من ينكرون «المحرقة اليهودية» (الهولوكوست) على أيدي ألمانيا الهتلرية، خففت «سي إن إن» من تصريحات روحاني.
في ذلك الوقت، قال جوناثان توبين، الكاتب في مجلة «كومنتري» (اليمينية التي تنتقد حكومة إيران كثيرًا) معلّقًا «ليس ثمة شك في أن (سي إن إن) خففت من تصريحات روحاني لكي يقبلها الرأي العام الغربي».
كذلك انتقد موقع «واشنطن فري بيكون» الإعلامية الأميركية – الإيرانية الأصل كريستيان أمانبور، التي أجرت المقابلة، وقال: إنها أثنت كثيرًا على روحاني مطرية على ما وصفته بـ«سياساته المعتدلة»، ورأى أنه كان لمجاملات أمانبور صلة بخلفيتها الإيرانية.
وفي الاتجاه نفسه، انتقد خبراء في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» ما وصفه بـ«تجاهل» الإعلام الأميركي مناورات إيران خلال مفاوضات الأسلحة النووية، وكذلك خروقات إيران للاتفاق النووي بعد التوقيع عليه. وخلال الأسبوع الماضي، قال دنيس روس، وهو مستشار عدد من الرؤساء الأميركيين السابقين لشؤون الشرق الأوسط، إن «النظام الإيراني لن يتغير»، وإن على الشعب الأميركي أن يعرف ذلك على الرغم من «التغطية الإعلامية الإيجابية للاتفاق النووي». وأردف روس قائلا: «يجب أن يفهم الأميركيون دور الحرس الثوري، ليس فقط فيما حدث أخيرا (اعتقال بحارة الزوارق الأميركيين في مياه الخليج العربي)، ولكن أيضا، خارج إيران، مثل ما يحصل راهنًا في العراق وسوريا».

* بريطانيا.. تجاهل شبه كامل
لم يُثر خبر تورّط النظام الإيراني في اعتداءات 11 سبتمبر التي غيّرت العالم اهتمام الرأي العام البريطاني، أو بالأصح الإعلام البريطاني. لم يبرز الإعلام البريطاني تغريم طهران المليارات في قضية 11 سبتمبر، لا في عناوين الصفحات الأولى ولا في النشرات الإخبارية الصباحية، بل لم يناقش الأمر في البرلمان البريطاني كغيره من التطورات البارزة على الساحة العالمية.
على الرغم من أهمية الحكم القضائي الأميركي، على صعيد تبرئة المملكة العربية السعودية من شبهات تورّطها في الاعتداء الإرهابي وإدانة إيران وعملائها في المنطقة بكل وضوح، واستنادا على وثائق وشهادات، لم يعر الإعلام البريطاني ذرّة اهتمام لهذا التطور البارز بل فضّل التركيز على قضايا جانبية تعلّقت برفض طهران إعادة طالبي لجوء رفضت إقامتهم في أستراليا، أو المهرجان السينمائي المنظم في طهران بمناسبة حلول العام الإيراني الجديد (النوروز).
وفي أحسن الأحوال، اكتفت أبرز الصحف البريطانية بنشر خبر مختصر عن قرار المحكمة الأميركية، نقل في معظمه من وكالة «أسوشيتدبرس»، ولم يحظَ باهتمام كبير على مواقعها الإلكترونية التي يجري تحديثها على مدار الساعة. ولكن، في المقابل، نشرت الصحف نفسها ردّ وزارة الخارجية الإيرانية التي اعتبرت الحكم «سخيفًا» و«مضحكًا»، بينما اتهم الإعلام الإيراني الأكثر تشددا الحكومة الأميركية «بالتواطؤ» مع المؤسسة القضائية ضدّها.
مراقبون في لندن يتابعون الساحة السياسية البريطانية برون أن سبب تجاهل الإعلام البريطاني تورط إيران في أحداث 11 سبتمبر له دوافع سياسية واضحة، مدعومة برغبة في إنجاح فرص الاتفاق النووي وتحسين نظرة الرأي العام البريطاني، والغربي عامّة تجاه طهران، وحكومتها الموصوفة بـ«المعتدلة».
بموازاة ذلك، شهد الإعلام البريطاني والأميركي اهتمامًا خاصًا بالسعودية في الفترة الأخيرة، على مختلف المستويات الاجتماعية والحقوقية والعسكرية والسياسية. حتى إن بعض المنابر الإعلامية، على غرار هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في نسختيها العربية والإنجليزية، كرّست سلسلة تقارير خاصّة مصوّرة على موقعها الإلكتروني لهذا الغرض، شملت حوارات وتحقيقات (ريبورتاجات) ومقاطع إخبارية.
وفي المقابل، تكشف عملية بحث بسيطة في أرشيف الصحف البريطانية عن علاقة السعودية بـ«القاعدة» ودورها المزعوم في هجمات سبتمبر، عن عشرات التقارير الإعلامية حول الدعوى القضائية ضد المملكة وعرض مفصّل عن تفاصيلها. ومعلوم أن القاضي دانييلز، وهو نفسه القاضي الذي بتّ في القضية المرفوعة ضد إيران وأدانها وغرّمها، كان قد برّا السعودية من جميع التهم الموجّهة إليها لغياب أدلّة تدينها.

* فرنسا: فتش عن التطبيع
أما فيما يتعلق بالموقف الإعلامي الفرنسي، فيقول الأكاديمي والباحث الدكتور خطار أبو دياب، إن «الإعلام الفرنسي المكتوب والمرئي – المسموع والإلكتروني تعود التركيز على الحدث الساخن والاستطالة في معالجته والتعليق عليه. ورغم أن وزن مجموعات الضغط (اللوبيات) في أوروبا عمومًا، وفرنسا خصوصًا، لا يقارن بمزاج الولايات المتحدة في هذا الخصوص، فإن اللافت رغم حرية الإعلام وعدم تبعيته من حيث المبدأ، ركوبه على موجة حملات ضد بلدان معينة وتحميلها مسؤوليات ونسج تصورات عنها. وهذا بالفعل ما تعرّضت له قطر في فرنسا إبان آخر حقبة نيكولا ساركوزي بعد ضخها استثمارات كبيرة في هذا البلد. ومنذ فترة، وتحديدًا منذ «عاصفة الحزم» هناك حملة ضد المملكة العربية السعودية وربط ذلك بالدور الهجومي الجديد للرياض».
ويتابع أبو دياب: «في المقابل، بعد التطبيع مع إيران والتهافت نحو (الإلدورادو - أرض الذهب) الإيراني، هناك حملة إبراز لإيجابيات التعاون مع هذا البلد وإغفال حقبة صعبة بين البلدين». ويضيف: «بالطبع هناك السير وراء التيار ومماشاة الواقف كما يقال. لكن الأدهى اليوم أن هناك حكمًا أصدره قاضي محكمة نيويورك الفيدرالية، الأسبوع الماضي، وقضى بتغريم إيران مليارات الدولارات تعويضًا لعوائل أميركيين قتلوا في هجمات 11 سبتمبر، ولشركات التأمين التي تحملت أضرارًا مالية، لدور إيران في تسهيل مهمة تنفيذ العمليات الإرهابية التي استهدفت نيويورك وواشنطن. وهو يكشف مدى تورط إيران وعملائها في المنطقة، وبينها (حزب الله)، في هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، التي أودت بحياة الآلاف من الأميركيين».
ورغم أهمية هذا التطور لتحديد المسؤولية في صنع الإرهاب والتلاعب بأدواته والاستثمار فيه، فإن الصحافة المكتوبة وكبرى محطات التلفزيون والإذاعة تعاملت مع الحدث كأنه لا حدث ولم تنبس ببنت شفة.. فقط بعض المواقع الإلكترونية ذكرته بسرعة ومن دون تعمق».
وحسب الدكتور أبو دياب «إن التغاضي وشبه التجاهل يمثل محاباة لإيران وإغفالا للحقائق، ويكشف عن توجه خطر عند الدوائر الغربية في محاولة تبرئة ساحة إيران وتنصيبها شريكًا فيما يسمى الحرب ضد الإرهاب، وكشريك أساسي في الشرق الأوسط». ويستطرد موضحًا «كانت أحداث 11 سبتمبر المنطلق لتعزيز الإسلاموفوبيا في الغرب عامة، وفي فرنسا خاصة. وما الاستمرار في عدم السعي لفهم هذه الأحداث والمسؤولين الحقيقيين عنها إلا ضربًا من تعمية الرأي العام ومنع إيصال الحقيقة له. وهكذا يفقد الإعلام دوره، في تجاهل متعمد، على الأرجح، كي تلتصق بذهن الرأي العام رواية واحدة يريدون فيها تحميل الإرهاب لبلدان بعينها بقصد الاستمرار بالابتزاز أحيانًا أو لغايات أخرى في نفس يعقوب».

* ردة الفعل الإيرانية
الجدير بالذكر، أن رد فعل إيران تمثل بشنها هجومًا عنيفًا ضد حكم القاضي دانيالز في نيويورك. ولقد وصف المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية، حسين جابري الأنصاري، الحكم القضائي بـ«الظالم» و«السخيف».
وورد في تصريحات أدلى جابري يوم الاثنين الفائت، قوله: إن هذا الحكم «هو أحدث منتجات نظام العدالة الأميركي في إطار سعيه الحثيث لاتباع السيناريوهات الصهيونية المعادية لإيران». وأضاف: «الحكم هزلي وسخيف لدرجة أنه يجعل من مبدأ العدالة ذاته أضحوكة، في الوقت الذي يزيد من تردي سمعة القضاء الأميركي».
وعلى صعيد آخر، أكدت الحكومة الإيرانية أن المحكمة الأميركية طلبت منها المشاركة في المحاكمة بتمثيل لها، لكنها رفضت لأن أحدًا من المسؤولين لم يأخذ الأمر على محمل الجد. ويأتي الحكم الصادر عن المحكمة الأميركية ليضيف قضية أخرى لمجموعة القضايا المثيرة للخلاف بين صفوف القيادات الإيرانية حول العلاقات مع واشنطن.
ومن جانبها، نظرت صحيفة «كيهان» اليومية، المعروفة بأنها تعكس آراء المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، إلى الحكم القضائي الذي يدين دور إيران في اعتداءات 11 سبتمبر باعتباره «مؤشرًا آخر على أن إدارة أوباما غير صادقة في ادعائها برغبتها في تحسين العلاقات مع الجمهورية الإسلامية».
وفي حين يعتمد حكم المحكمة بنيويورك على تقرير اللجنة المعنية بالتحقيق في اعتداءات 11 سبتمبر، الذي ذكر أن بعض المتورطين بالهجمات انتقلوا عبر إيران ولم يجر ختم جوازات سفرهم، ادعت مصادر إيرانية أنه من الممكن أن يكون الجناة قد مرّوا عبر إيران في طريقهم إلى أوروبا من خلال تركيا سرًا بنتيجة تفاهمات بينهم وبين حكومة طالبان التي كانت مسيطرة على مقاليد الحكم آنذاك في كابل. وزعمت أنه، بطبيعة الحال، لم تعلم طهران أن «العرب الأفغان» المارين عبر أراضيها كانوا ينوون القيام بأي عمل ضد واشنطن. وهذا، بينما أعرب مسؤول إيراني عن اعتقاده بأن مثل هذه الأحكام تبعث برسالة «بالغة الخطورة والأهمية» إلى الإرهابيين وحلفائهم مفادها «إنكم بمأمن ويمكنكم المضي في قتل أبناء الشعب الأميركي وآخرين حول العالم لأننا لن نكتفي بعدم ملاحقتكم ردًا على جرائمكم، وإنما سنستهدف أقوى أعدائكم وأكثرهم فاعلية».
ومن ثم، عبّر المسؤول الإيراني عن أسفه من أن التوجه «المخالف للمنطق والصواب والأخلاق» الذي تنتهجه الخارجية الأميركية تسبب في وضعها إيران لسنوات على قائمة ما يدعي بالدول الراعية للإرهاب. ثم أضاف: «هذه الخطوة شكّلت الأساس لتجاهل جميع مبادئ المحاكمة العادلة أو حتى المنطق في أحكام سياسية صادر عن محاكم أميركية معينة». وقال: «رغم أن هذه الخطوة تستهدف بوضوح الشعب والحكومة في إيران، فإن الشعب الأميركي وعائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر هم من تعرّضت حقوقهم، نهاية الأمر، للانتهاك جراء هذه الأحكام (المضللة) الصادرة عن المحاكم الأميركية» على حد زعمه.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.