هل ساهمت «بي بي سي» في الإطاحة بشاه إيران؟

كتاب يلقي الضوء على سياسة هيئة الإذاعة البريطانية ـ القسم الفارسي تجاه طهران في عهودها المختلفة

«بي بي سي والمصالح البريطانية في إيران» - أنابيل سربيرني ومعصومة طرفة - صادر عن دار نشر «آي بي توريس»، لندن 2014
«بي بي سي والمصالح البريطانية في إيران» - أنابيل سربيرني ومعصومة طرفة - صادر عن دار نشر «آي بي توريس»، لندن 2014
TT

هل ساهمت «بي بي سي» في الإطاحة بشاه إيران؟

«بي بي سي والمصالح البريطانية في إيران» - أنابيل سربيرني ومعصومة طرفة - صادر عن دار نشر «آي بي توريس»، لندن 2014
«بي بي سي والمصالح البريطانية في إيران» - أنابيل سربيرني ومعصومة طرفة - صادر عن دار نشر «آي بي توريس»، لندن 2014

«كل هذا من صنع الإنجليز!» قول مأثور قديم يبقى له وقع خاص في أذهان الإيرانيين، حتى عندما يُقال على سبيل الفكاهة. يعود تاريخ هذا القول إلى القرن التاسع عشر، وهو يشير إلى الاعتقاد بأن بريطانيا العظمى – التي يعرفها الإيرانيون بـ«أرض الإنجليز» – هي «اليد الخفية» التي تصنع السياسات الدولية. وهناك عبارة في رواية «عمي نابليون» - أشهر روايات الأدب الفارسي المعاصر – تقول: «حتى الشمس لا تشرق إلا بأمر أرض الإنجليز».
ومنذ أن بدأ نجم الإمبراطورية البريطانية في الأفول مع تراجع قدراتها العسكرية على ممارسة أي ضغوط تُذكر، بات السؤال الذي يتردد دائما: كيف يمكن لـ«سيدة العالم» أن تمارس دورها في التأثير على الأحداث فيما وراء حدودها؟
والإجابة على ذلك السؤال يتمثل بالنسبة للكثير من الإيرانيين - لا سيما شاه إيران السابق – في ثلاثة أحرف هي «بي بي سي».
وفي هذا السياق، لا تشير الثلاثة أحرف إلى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) كما يعرفها ويستمع إليها البريطانيون في بلادهم. فالقسم الذي يثير الكثير من الشكوك وسط الكثير من الإيرانيين هو الإذاعة العالمية باللغة الإنجليزية «بي بي سي وورلد سيرفيس» (BBC World Service)، وهو أحد الأقسام المميزة في هذا الكيان الإعلامي العام. وحتى وقت قريب، كانت الحكومة هي التي تمول «بي بي سي وورلد سيرفيس» التي كانت تخضع لرقابة مزدوجة من قبل وزارة الخارجية ووزارة الخزانة. وحيث إن وزارة الخزانة كانت تشرف أيضا على الأجهزة السرية، كان الافتراض الغالب –الذي لم يكن دقيقا على الدوام – أن الاستخبارات البريطانية لها يد في كيفية عمل شبكة «بي بي سي».
في كتاب «بي بي سي والمصالح البريطانية في إيران»، وهو كتاب رائع ودقيق، نرى انابيل سربيرني ومعصومة طرفة وهما تحاولان أن تقليا الضوء على الدور الذي لعبته خدمة إذاعة «بي بي سي» باللغة الفارسية (أحد أقسام بي بي سي وورلد سيرفيس) في أهم الأحداث في تاريخ إيران المعاصر.
وتقسم سربيرني وطرفة الكتاب الذي بين أيدينا إلى خمس مراحل تاريخية:
تبدأ المرحلة الأولى بقرار إنشاء قسم «بي بي سي» باللغة الفارسية بعد بداية الحرب العالمية الثانية مباشرة. في ذلك الوقت، كان حاكم إيران الشاه محمد رضا بهلوي يحاول إبقاء بلاده بعيدا عن الحرب، متبنيا موقفا محايدا. غير أنه كان واضحا أن الشاه يتعاطف مع دول المحور، لا سيما ألمانيا. وعليه، وكما يوضح الكتاب، فقد كانت مهمة قسم «بي بي سي» باللغة الفارسية الأساسية هي تشويه سمعة الشاه، وتشجيع المعارضة للاحتجاج ضد حكمه الاستبدادي، وفي الوقت ذاته، تجهيز الإيرانيين لغزو بلادهم من قبل البريطانيين وحلفائهم السوفيات.
ثم يجري الانتقال إلى المرحلة التاريخية الثانية خلال الحديث عن قصة قسم «بي بي سي» باللغة الفارسية، وفي هذه المرحلة يتناول الكتاب أزمة تأميم النفط، حيث تقول سربيرني وطرفة أن الحكومة البريطانية استخدمت «بي بي سي» باللغة الفارسية كأداة للدعاية ضد دكتور محمد مصدق، الذي عينه الشاه في منصب رئيس الوزراء لتنفيذ خطة تأميم النفط الإيراني. وأعطت وزارة الخارجية تعليمات لـ«بي بي سي» بتصوير مصدق على أنه سياسي غوغائي ومتعصب يقود إيران نحو كارثة محققة.
وتتناول المرحلة التاريخية الثالثة في الكتاب الفترة ما بين عامي 1954 و1978 عندما أصبح قسم «بي بي سي» باللغة الفارسية طي النسيان. في تلك الفترة وبفضل العلاقات القوية بين لندن وطهران، لم يكن مطلوبا من قسم «بي بي سي» الفارسي ممارسة أي نوع من الضغوط على القادة الإيرانيين.
وتغطي المرحلة التاريخية الرابعة الفترة بين سبتمبر (أيلول) 1978 واستيلاء آية الله الخميني في فبراير (شباط) 1979. في بداية أيام الثورة الإيرانية، حاول قسم «بي بي سي» الفارسي أن يلتزم الحذر من خلال تبنيه لتقليد «بي بي سي» العريق الذي يعطي فرصة للجميع لإبداء رأيه، باسم الموضوعية الصحافية. (يصف المخرج السينمائي الفرنسي الشهير، جان - لوك غودار، هذا النوع من الممارسة الصحافية بصيغة يجري خلالها إعطاء خمس دقائق لكل من هتلر واليهود للحديث عن الهولوكوست) لكن القسم الفارسي تحول سريعا لتبني موقف متعاطف مع الحركات المناهضة لحكم الشاه.
تقول المؤلفتان: «لم يحظ قسم (بي بي سي) الفارسي مطلقا بمثل الشهرة التي حظي بها خلال العام الذي سبق الثورة. إلا أنه لم يكن بمثل هذا التحيز أبدا خلال بثه للأخبار والتقارير كما كان خلال تلك السنوات، حتى أن البعض كان يرى أن القسم قد تجاوز الخطوط الحمراء».
وتعرض المؤلفتان تقرير – كتبه وقرأه باقر معين – يبدو متحيزا بشكل واضح للخميني، كمثال عن «تجاوز الخطوط الحمراء». وقد أخبر معين مؤلفتي الكتاب أنه كان متعاطفا مع «الثورة». غير أنه ليس من العدل التلميح إلى أن معين كان يعمل ضد سياسات «بي بي سي» أو الحكومة البريطانية، ولهذا ثبت فيما بعد أن هذا التقرير لم يكن هو السبب وراء ترقية معين حتى صار رئيسا لقسم «بي بي سي» الفارسي.
في ذلك الوقت، حاول وزير الخارجية السابق جورج براون أن يتلاعب بالقضية حينما زعم أن أقسام «بي بي سي» باللغات الأجنبية، بما فيها القسم الفارسي، تعكس رأي العاملين بها، وليس رأي الحكومة البريطانية. وكتب براون ساعتها أن تلك الأقسام «يعمل بها اللاجئون والمهاجرون، الذين تركوا بلادهم والذين يعادون النظام الحاكم ولهذا السبب هم لاجئون في المقام الأول».غير أنه لم يكن أي من العاملين في قسم «بي بي سي» الفارسي في ذلك الوقت من اللاجئين أو المهاجرين. وقد صرح أحد العاملين في القسم الفارسي آنذاك، لطف علي خونجي، أنه و80 في المائة من العاملين بقسم «بي بي سي» فارسي كانوا متعاطفين مع الثورة. كما أخبر أندرو وايتلي، كبير مراسلي «بي بي سي» في طهران في ذلك الوقت، أنه كان متعاطفا مع الثوار لأن «الحق كان في جانبهم».
ويدعي وايتلي أن تقارير «بي بي سي» ساهمت في التعجيل بانتصار الثورة، أو بمعنى آخر، بانتصار الجانب الذي كان يدعمه.
وتنقل مؤلفتا الكتاب عن كريس راندل، رئيس قسم الأبحاث في «بي بي سي» اعترافه بأنه جرى توفير مزيد من الوقت لأنشطة المعارضة الإيرانية خلال الثورة، كما تشير المؤلفتان إلى أن محاولة أنصار الشاه عرض وجهة نظرهم عن الأحداث باءت بالفشل، كما لم يتم إجراء أي مقابلة مع أنصار الشاه، سواء داخل أو خارج إيران. حتى عندما زار وزير مالية الشاه لندن، أجرى تلفيزيون ITV الخاص، وليس «بي بي سي» مقابلة معه. وقد حاول سيد حسين نصر، أستاذ جامعي شيعي كان يرأس مكتب الإمبراطورة فرح شاه في ذلك الوقت، أن يقنع «بي بي سي» بإعطاء أنصار الشاه الفرصة ليوصلوا صوتهم للعالم، لكن تلك المحاولة باءت بالفشل أيضا.
وبعد أن يثبت الكتاب وجهة النظر بأن «بي بي سي» كانت متحيزة للمعسكر المناوئ للشاه، تصر المؤلفتان على أن ذلك «لا يبدو أنه كان محاولة من جانب الحكومة البريطانية كانت لديها النية لزعزعة حكم شاه إيران». وتشيران إلى أن قسم «بي بي سي» الفارسي أخذ جانب المعارضة لدوافع نبيلة بحتة. يقول ديفيد بيرمان، من «وورلد سيرفيس» الذي يُعتبر قسم «بي بي سي» الفارسي جزءا منها أن «غالبية العاملين لم يكونوا على علم بمن هو آية الله، ولم يتصور أحد منا أنه (الخميني) سيصبح زعيما لإيران في يوم الأيام من الأيام. لقد أردنا أن تصبح إيران دولة ديمقراطية».
تغيرت سياسة بريطانيا تجاه الشاه عندما أصبح واضحا أنه لم يعد قادرا على الاحتفاظ بالسلطة. وكان نيكولاس بارينغتون، رجل وزارة الخارجية الذي كان مسؤولا عن الإشراف على أقسام «بي بي سي» التي تبث بلغات أجنبية في ذلك الوقت، نصح بعدم اتباع سياسة «المواءمة قصيرة الأمد» مثل إرضاء الشاه. وكان المنطق وراء إنشاء أقسام «بي بي سي» الناطقة باللغات الأجنبية هو كما يقول بارينغتون «العمل على المدى المتوسط والبعيد من أجل التأثير في أولئك الذين من الممكن أن يشكلوا في يوم من الأيام حكومة بديلة للسلطة القائمة».
ثم تتناول المرحلة التاريخية الخامسة إيران تحتكم حكم الملالي. بعد عام 1979، ضعف تأثير «بي بي سي» في الخلفية السياسية مرة أخرى. وبعد الثورة، تبنى قسم «بي بي سي» الفارسي الحياد التام تجاه نظام الخميني، وفي المقابل جرى السماح له بالاحتفاظ بمكتب دائم في طهران. وقد ظلت العلاقة مع النظام الجديد يسودها الود على مدى ثماني سنوات، هي فترة رئاسة هاشمي رفسنجاني، الذي استطاع فصيله السياسي البقاء في السلطة عندما خلفه في كرسي الرئاسة محمد خاتمي. كان قسم «بي بي سي» الفارسي متحمسا للرئيس خاتمي، لا سيما عندما أطلق الرجل وعودا كثيرة بضرورة عمل إصلاحات وتوفير مزيد من الحريات. وعليه، لم يكن غريبا أنه خلال فترة رئاسة خاتمي، تبنى قسم «بي بي سي» الفارسي سياسة وزارة الخارجية البريطانية التي كانت تقوم على دعم الرئيس «الإصلاحي». في ذلك الوقت زار وزير الخارجية جاك سترو طهران خمس مرات، أكثر من أي عاصمة أخرى في العالم، وأشاد علنا بالرئيس خاتمي كصديق للديمقراطيات الغربية.
ومع وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى كرسي الرئاسة، تغيرت الأمور مرة أخرى. فبعد إلحاقه الهزيمة بفصيل رفسنجاني، بدأ نجاد في تفكيك شبكة الاتصالات التي بناها وزير الخارجية البريطاني جاك سترو. وبطبيعة الحال، وحتى يعكس كراهية الحكومة البريطانية لأحمدي نجاد، تبنى قسم «بي بي سي» الفارسي لهجة حادة تجاه الجمهورية الإسلامية.
وردت لندن على تأييد مناصري «الثورة الخضراء» بأن قامت بإنشاء تلفزيون «بي بي سي» الفارسي بميزانية سنوية تبلغ 22 مليون دولار أميركي.
وقد صار الكثير من الأعضاء البارزين في فصيل رفسنجاني معلقين دائمين وأعضاء في الهيئة الاستشارية لـ«بي بي سي» باللغة الفارسية، من بينهم كبير فريق العلاقات الخارجية في عهد خاتمي، علي أصغر رمضان بور، ومساعد رفسنجاني للشؤون البرلمانية، عطا الله مهاجراني.
وقد أحيا انتخاب حسن روحاني رئيسا لإيران الآمال في إحياء النفوذ البريطاني في طهران. فقد استؤنفت العلاقات الدبلوماسية، التي جرى تجميدها في عهد أحمدي نجاد، كما قام وفد برلماني بريطاني بزيارة طهران.
وتظهر المؤلفتان تعاطفا تجاه الرئيس روحاني وهو ما يبدو في تأكيدهما على أنه فاز بمنصب الرئاسة بعد تحقيق «انتصار مدهش من أول جولة». لكن الحقيقة تبقى أن جميع رؤساء إيران الستة السابقين فازوا جميعا بالانتخابات في الجولة الأولى. وقد كان فوز روحاني في حقيقة الأمر هو الأضعف بين كل الرؤساء السابقين، فقد حصل على نسبة 50.7 في المائة خلال الانتخابات، التي شهدت الإقبال الأضعف منذ الثورة الإسلامية.
ويعني تبني سياسة حسن النية تجاه روحاني التغاضي عن سجله، بما في ذلك الارتفاع الدرامي في عدد حالات الإعدام والاعتقالات السياسية وغلق الكثير من وسائل الإعلام وتوزيع المناصب بين أعضاء فصيل رفسنجاني.
تقول مؤلفتا الكتاب «ومن المأمول أن يخلق الرئيس روحاني بيئة مواتية للإعلام في إيران» ويسمح لـ«بي بي سي» بأن تعمل كما تعمل «أي وسيلة إعلامية أخرى مفيدة».



«مهرجان أبوظبي» يعود في دورته الـ23 تحت شعار «حكمة الثقافة»

«مهرجان أبوظبي» يعود في دورته الـ23 تحت شعار «حكمة الثقافة»
TT

«مهرجان أبوظبي» يعود في دورته الـ23 تحت شعار «حكمة الثقافة»

«مهرجان أبوظبي» يعود في دورته الـ23 تحت شعار «حكمة الثقافة»

أعلنت مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون إطلاق الدورة الثالثة والعشرين من المهرجان تحت شعار «حكمة الثقافة»، على أن تُقام فعالياتها ضمن البرنامج الرئيسي لعام 2026، مع اختيار الولايات المتحدة الأميركية «دولة ضيف الشرف» لهذه الدورة.

وحسب المعلومات الصادرة فإن عودة المهرجان هذا العام تأتي بالتزامن مع احتفالية مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون بمرور 30 عاماً على تأسيسها، فيما يسلّط الضوء على مرور 50 عاماً على العلاقات الدبلوماسية والصداقة بين دولة الإمارات والولايات المتحدة، في سياق رؤية ثقافية تؤكد أن الثقافة جسرٌ لوصل الأمم وتعزيز الحوار والتبادلَيْن المعرفي والفني.

وشدد الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي، الراعي الفخري المؤسس لمهرجان أبوظبي، على الدور الذي يضطلع به المهرجان منذ انطلاقه عام 2004، بوصفه نموذجاً رائداً للدبلوماسية الثقافية والقوة الناعمة، يُسهم في تعزيز مكانة دولة الإمارات «منارة عالمية للفكر وملتقى لحوار الثقافات والتلاقي الإنساني».

وقال إن اختيار شعار «حكمة الثقافة» في الدورة الثالثة والعشرين يجسّد رؤية دولة الإمارات لأهمية الثقافة والفنون في «نشر قيم التفاهم والتعايش والسلام بين الشعوب، وتحقيق التنمية والرخاء المستدامَيْن في المجتمعات».

وأضاف الشيخ عبد الله بن زايد أن المهرجان، على مدى أكثر من عقدين، جسّد ريادة الإمارات في الجمع بين الهوية والأصالة من جهة، والحداثة والابتكار من جهة أخرى، عبر أعمال الإنتاج المشترك والتكليف الحصري الأول مع كبريات المؤسسات الثقافية والمهرجانات الدولية، مؤكداً أن «دورة 2026» ستستكمل هذا المسار من خلال استضافة كبار الفنانين العالميين على مسارح أبوظبي «عاصمة الثقافة ومدينة الموسيقى»، مع الحرص على حضور المبدعين الإماراتيين إلى جانب شركائهم من مختلف دول العالم.

ولفت إلى أن اختيار الولايات المتحدة الأميركية ضيف شرف للدورة الحالية -المزمع إعلان توقيتها لاحقاً- يعكس متانة العلاقات الاستراتيجية التي تجمع البلدَين وعمق التعاون بينهما في مختلف المجالات، ومنها الثقافية، بالإضافة إلى الالتزام المشترك «بتعزيز السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي، ونشر قيم التسامح والأخوة الإنسانية بين الشعوب».

ويأتي شعار «حكمة الثقافة» ليشكّل عنواناً لدور المهرجان في إبراز مكانة الثقافة بوصفها «لغة عالمية جامعة» تقرّب بين الشعوب والهويات، وتُلهم الإبداع وتدفع عجلة الابتكار وتقوي الروابط عبر الحدود. كما يرسخ المهرجان موقع أبوظبي منصة للتلاقي الثقافي، من خلال أجندة حافلة بعروض الأداء الموسيقية العالمية، وشراكات مع مؤسسات ومهرجانات ثقافية دولية مرموقة، وبرامج ومبادرات تبرز الإبداع الفني في الإمارات والمنطقة العربية وتربطهما بالعالم.

وبوصف الولايات المتحدة دولة ضيف الشرف، سيخصص المهرجان مساحة واسعة لإبراز مسار العلاقات الثقافية بين البلدَين، والاحتفاء بمرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة وأكثر من 50 عاماً من العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات، عبر برنامج فعاليات ملهم ومشاريع مشتركة تعكس الرؤية المتقاربة للطرفَين في دعم الابتكار الفني والتبادل الثقافي.

وتتزامن الدورة الجديدة مع احتفاء مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون بمرور 30 عاماً على مسيرتها في إثراء المشهد الثقافي لأبوظبي وتمكين الصناعات الثقافية والإبداعية في دولة الإمارات، برعاية الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، عبر الاستثمار في الشباب ودعم الفنانين وإلهام الجمهور. ومع استمرار ازدهار دولة الإمارات مركزاً عالمياً للإبداع وملتقى للثقافات، يرسخ مهرجان أبوظبي مكانة العاصمة منارة للتبادل الثقافي ومصدر إلهام للتقدم والازدهار، وحاضنة للمواهب، ولاعباً رئيسياً في صياغة مستقبل يرتكز على الحكمة والسلام وحوار الفنون والثقافات.


محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب
TT

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر الرائد بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير، وكما يقال فالشاعر نسيج وحده. وهذه التجربة الفنية والعميقة تتيح للناقد والقارئ، على حدٍ سواء، الفرصة للولوج إلى عالمه السراني، وربما الإشراقي، وشبه الكابوسي، من مداخل عدة، تشجع على تقديم مقاربات نقدية وثقافية جديدة من زوايا يتفرد بها البريكان وقصيدته معاً.

فمثلما ظل الشاعر في حياته اليومية حبيس بيته، وربما رهين محبسه الأليف، مثل المعري، كما أشار الشاعر نفسه إلى ذلك في إحدى المرات، ظلت قصائده حبيسة أسراره وشعريته.

هذا التعاضل في الكتابة الشعرية، بقدر ما يشكل معضلة شائكة للناقد، فإنه يتيح له إمكانية الحفر عميقاً في الأُسس اللسانية والمعرفية والفلسفية لتجربة الشاعر. والناقد أمام معضلة القراءة وتفكيك شفرات النص الشعري لشعر البريكان يجد نفسه في امتحان عسير وتحدٍ غير مسبوق، ولذا فهو يجتهد في أن يرى ما لا يرى، ما دام يجد نفسه في حضرة شاعر رؤيوي visionary بكل معنى الكلمة.

الشاعر محمود البريكان شاعر إشكالي problematic، بمعنى أنه لا يستطيع أن يتصالح بسهولة مع العالم الخارجي، ولذا فهو يصطنع له قوة ذاتية وروحية يحتمي بها من الآخر والمجتمع. فهو يعيش بصورة دائمة في حالة اغتراب روحي، حيث نلحظ تماهياً كبيراً بين شخصية الشاعر وشعره. إنه يعاني من «فوبيا» الآخر و«فوبيا» الخارج، معاً، وهذا ما يتجسد بشكل مثير في تجربته الشعرية.

حياة الشاعر وتجربته الشعرية، يعانيان معاً من حالة اغتراب alienation شامل، وهو اغتراب زماني ومكاني وسيكولوجي وفلسفي في آن واحد.

ولذلك لكي يحتمي الشاعر من ضغوط الخارج يصطنع له قوقعة خاصة يتمترس داخها، وهي قوقعة الذات، وقوقعة القصيدة الملغزة، التي تعاني مثل الشاعر حالة انكفاء وإحباط، وخوف يصل حد الرعب من كل شيء. ومثلما كان الشاعر على المستوى الحياتي واليومي يغلق أبوابه أمام الآخرين نراه أيضاً يغلق الأبواب أمام قراء قصائده الذين يضطرون إلى ولوج باب التأويل بحثاً عن الأسرار المخبأة.

شعرية محمود البريكان المركبة تنطوي على عدة طبقات للمعنى والدلالة، وهو ما يدعو الناقد إلى البحث عن مفاتيح جديدة نقدية وسيميائية قد يتمكن بها من فتح مغاليق قصائد الشاعر، التي تبدو أحياناً عصية على البوح والاستنطاق والاستسلام لمجسات النقد.

وتطفو في قصائد الشاعر ظاهرة الاغتراب كواحدة من ثيمات الشاعر المركزية. واستطاع البريكان بفضل هذه الآلية في الكتابة الشعرية، أن يخلق له عبر كتاباته الشعرية وحياته، أسطورته الخاصة، التي لا تشبه غيرها من الأساطير.

ويمكن أن نعد قصيدته «البدوي» مانيفستو اغترابه.

«ضائع في الزمان

ضائع في العوالم

فاقدٌ للبصيص من الذاكرة

سادرٌ في شوارع لا يتذكر أسماءها

تائه في زحام المدن».

ويتوسل الشاعر بالرب أن يساعده في استعادة روحه الضائعة وفي استعادة وجهه الغريب:

«هبني الشجاعة» أن أتأمل وجهي الغريب

أعني لكي أتنفس ثانية في سمائي

لكي أستعيد روائح أرضي

أعني لكي أعثر يوماً على روحي الضائعة

أعني لكي أعبر الفاجعة».

يتقمص البريكان قناع البدوي ومحنته في مواجهة الصحراء والمجهول والضياع، فقد كتب الله ألا يموت هذا البدوي وألا يرى وجهه أحد:

«وجهه الأول المستدير البهي

الذي غضنته المهالك وافترسته الحروب

وحطت عليه المآسي علاماتها». (المجموعة الكاملة، ص150)

إنه يعيش غربة هذا البدوي الذي رفضته الصحارى والقصور

«أنا هو ذاك

أنا البدوي الذي لفظته الصحارى

الذي رفضته القصور

الذي أنكرته الشموس». (ص150)

في هذه القصيدة التي هي قصيدة قناع، يبحث الشاعر عن اسمه ومسقط رأسه، وقد ضاع منه كل شيء.

وفي قصيدة «حارس الفنار» يتقمص الشاعر شخصية حارس الفنار الذي ينتظر على الشاطئ، دون جدوى، سفينة الأشباح:

«أنا في انتظار سفينة الأشباح تحدوها الرياح». (ص51).

لكنه لا يلمح ظلاً لأي سفينة:

«الأفق الطويل خالٍ وليس هناك ظل سفينة». (ص51).

ويعلن أنه «الشاهد الوحيد» الذي رأى كل المآسي والحروب:

«شاهدت ما يكفي وكنت الشاهد الحي الوحيد في ألف مجزرة بلا ذكرى

وقفت مع المساء». (ص53).

ويظل ربما مثل غودو في انتظار عبثي لا نهاية له:

«أنا في انتظار اللحظة العظمى

سينغلق المدار/ سينغلق المدار

الساعة السوداء سوف تُشلُّ تجمد في المدار». (ص54).

وفي قصيدة «تدمير رجل ما» (ص92) يشعر بأنه أمسى غريباً على ذاته، بعد أن ملَّ من الانتظار:

«هنا رجلٌ تم تدميرهُ/ والهب بالسم تفكيرهُ

هنا رجلٌ ملَّ ما ينتظر/ وأمسى غريباً على ذاته

ففي كل ثانية ينشطر

وما من مدى لانقساماته». (ص92).

وفي إحدى قصائده يتحدث الشاعر عن موت الإنسان في داخله خلافاً لبقية المخلوقات، حيث يقترب هذا الموت بغيبوبة الذكرى:

«وحده يموت في داخله الإنسان

في العالم الباطن

في مركز السريرة الساكن

يموت في غيبوبته الذكرى

يموت في لحظة

يكابد القيامة الكبرى». (ص158).

ينظر البريكان إلى العالم عبر منظور فلسفي شخصي اجترحه لنفسه أداةً ومجساً لسبر غور العالم الخارجي. لذا يمكن أن نصفه بالشاعر المتفلسف أو الشاعر الفيلسوف. فكل المرئيات والوقائع والشخصيات تمر عبر عدسة الفيلسوف الشعرية.

وشعر محمود البريكان مغموس بفلسفة شخصية عميقة هي فلسفة الشاعر في الحياة على وفق قيمه وثقافته وخبرته اليومية، حتى ليمكن أن ندرج شعره ضمن الشعر الفلسفي أو الشعر المتفلسف، أو الشعر الذي يحلق بجناحي الخيال والفلسفة معاً.

لو قيض لشعرية محمود البريكان أن تكتشف وتنتشر في وقت مبكر، قبل السياب، أو بالتزامن معه، ربما لأعيدت كتابة تاريخ حداثة الشعر، وجرى التساؤل حول الريادة في الشعر الحداثي في العراق.

يخيل لي أن تجربة البريكان أعمق وأغزر وأخصب من تجارب الكثير من مجايليه وربما يقف، في هذا، منافساً خطيراً للسياب نفسه، وهو يختلف عن السياب الذي كان يفتقد هذا الانغماس في الهم الفلسفي والرؤيوي والكوني، المجرد أحياناً.

تجربة البريكان تبتعد إلى حدٍ كبير عن النزعة الغنائية، التي وجدناها حاضرة أيضاً في شعر بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، فالشاعر ينحو نحو لون من الموضوعية التي دعا إليها في وقت مبكر في مطلع القرن العشرين الشاعر ت. س. إليوت بوصفها أحد أبرز مقومات الحداثة في الشعر. لكن موضوعية البريكان تنحو منحى أسطورياً ورؤيوياً وفلسفياً أيضاً، ولكنها لا تتجاوز الأطر السردية لحكاية الخلق والتكوين، فهي معجونة بهذه الكينونة السرية التي تتلبس كل شيء.

كما نجد لدى الشاعر، من جهة أخرى، ميلاً إلى التجريد واختزال الكائنات والمرئيات إلى علامات مجردة تتلاشى في سيرورة التاريخ والزمن. واللغة التي هي تشكيل علامي تبدو له مخادعة:

«فزعت من خديعة اللغة

هنيهة؟ من ملمس العالم في القرار

وكتلة الموت الهلامية». (ص198،ج1).

في قصيدة «أسطورة حقيقية»، يشعر الشاعر بالغربة المطلقة، حيث تنكره الأشياء، وينكره الواقع، ويبدو طافياً فوق بحيرة ذاكرة آفلة:

«عدت إلى بيتي

فلم أجد بيتي في مكانه المعهود

وهزّ بي الجميع

رؤوسهم

بيت كهذا لم يكن موجوداً

قلت لهم بيتي أمام الشجرة

كان هنا

قالوا جميعاً ولم تكن هناك يوماً شجرة». (ص215).

ويزداد رعب الشاعر وهو يواجه هذا الإقصاء في المكان والزمان، فراح يتساءل بوجع فاجع:

«والآن ماذا ينبغي علي أن أفعل؟

وكيف لي أن أنسف الذاكرة» (ص 213).

ويتساءل الشاعر بخوف فيما إذا كان كل شيء مجرد عبث. فالأسود والأبيض على حدٍ سواء، عواطف الآباء والأمهات، وقوة اللغات، عبث ليس إلا:

«أكان الحزن والفرح

ذاكرة من التاريخ

وقوة اللغات

جميعها عبث؟» (ص223).

يحس الشاعر أحياناً، بأن العالم قد مزقه مزقاً، فقد جاء أناس واقتسموا جسده، وجاء الأصدقاء فسرقوا هويته، وارتدوا ثيابه:

«وجاء أصدقائي

فاختلسوا هويتي

ثم ارتدوا ثيابي». (ص228).

شعرية محمود البريكان المركبة تنطوي على عدة طبقات للمعنى والدلالة

وفي قصيدة «في إعدام الأبنية» يشعر الشاعر بأنه نسي كل شيء حتى وجهه:

«هل أتذكر بعض الوجوه

هل أتذكر وجهي؟» (ص26).

فالعالم بالنسبة للشاعر مجرد وهم:

«هل يتذكر أحدٌ أحداً

في هذا الأفق المتحرك؟

في هذا العالم

الممحو كوهم؟» (ص261).

وفي قصيدة «ظهور ناقص» يحدد البريكان وظيفة الشاعر السرية،

وحلمه الأبدي، في اقتناص الزمن وتجسيم رؤيته عبر مرايا الزمن:

«إنه حلم الشاعر الأبدي

اقتناص الزمن

أن يجسم رؤيته ودوي عوالمه دفعة واحدة». (ص281).

ومن الثيمات المركزية المهمة في شعر البريكان ثيمة الموت، فكل الأشعار آيلة إلى الموت: الملوك والعبيد والسماسرة كلهم آفلون. ولذا غالباً ما يقترن الاغتراب بالموت:

«الحب والعقاب

دبيب موت خافت ورعشة اغتراب». (ص235).

ويقترن الضياع والاغتراب لدى الشاعر بفقدان الذاكرة، حيث يفقد الشاعر ذاكرته:

«سادرٌ في شوارع لا يتذكر أسماءها

تائه في زحام المدن

يتعثر في حدقات العيون

عسى أن يرى يوماً صديقاً

قديماً سيعرفه

ويعرّفه باسمه

ويساعده في الوصول إلى بيته

والى أهله الشاحبين». (ص339).

ويتمنى الشاعر أن تأتيه الشجاعة ليتأمل وجهه الغريب:

«هبني الشجاعة أن أتأمل وجهي الغريب

أعني لكي أتنفس ثانية في سمائي

لكي أستعيد روائح أرضي

أعني لأعثر يوماً على روحي الضائعة». (ص340).

وأقسى شكل من أشكال الغربة، عند الشاعرعندما يكتشف أنه غريب حتى عن نفسه، ويتحرك بلا وعي أو إرادة:

«مسحوراً بنداء لا يفهمه

منتزعاً في مملكة الأفراح الأرضية

مغترباً حتى عن نفسه

يخطو نحو الباب». (ص348).

ويحتفي البريكان بالأشياء الآفلة، التي تسير نحو الفناء أو التلاشي أو الموت. ففي قصيدة «احتفاء بالأشياء الآفلة» نجد هذا الانشغال بما هو زائل:

«أجمل ما في العالم

مشهده العابر».

ويختتم ذلك بسيرورة الزوال:

«طوبي لك

إن كنت بسيط القلب

فستفهم مجد الأرض».

ثم تأتي الضربة الحاسمة، عندما يعانق الشاعر لحظة الأفول والزوال:

«وجمال أواصر لا تبقى

وسعادة ما هو زائل». (ص358).

يشعر الشاعر هنا أن وجهه لا يشبه أياً من الوجوه، الرجل الذي يحمل هداياه، المريض الداخل غرفة العمليات، الطفل المهزول من الجوع، فهو غريب ولا مكان له في هذا العالم:

«لا يشبهك أحد ولا أمل لك أن تشبه أحداً»

فهو مجرد كائن مُسَجّى، ورقي ليس إلا:

«ليس العالم مكانك،

بل المعجم، فحتى وجهك، ليس هو وجهك». (ص416).

محمود البريكان، مثل طلسم محاط بالأسرار والأقفال، وهو بحاجة إلى جهاز نقدي خاص لتحليل وتفكيك وتأويل شعريته ذات الطبيعة الإشراقية وربما الغنوصية.

محمود البريكان، العصي على الاستكناه، شاعر لم ولن يتكرر في تاريخ الشعرية العراقية، وحان الوقت لكي يستعيد مكانته التي يستحق.


قصص قصيرة من أفريقيا

قصص قصيرة من أفريقيا
TT

قصص قصيرة من أفريقيا

قصص قصيرة من أفريقيا

ضمن سلسلة «آفاق عالمية» التي تصدرها «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، صدرت «أنطولوجيا القصة القصيرة السواحيلية» التي تضم عدداً من النصوص الإبداعية لمجموعة متنوعة من الأدباء مكتوبة جميعاً باللغة السواحيلية التي تميز دول شرق أفريقيا، ترجمة وتقديم الدكتور محمد يسري محمد.

وتتعدد القضايا والهموم التي يطرحها مؤلفو المجموعة، من القتل المجَّاني، وعنف الحروب الأهلية، إلى التعبير الشاعري عن الطبيعة، والتدين الشكلي، ونفاق البعض للسلطة، وتوتر العلاقات الأسرية، وصراع الأجيال، وتبدُّل المفاهيم بين الماضي والحاضر.

وأشار المترجم في مقدمته إلى أن الترجمة هي الوسيلة الأكثر فاعلية التي من خلالها تمتد جسور التواصل بين الشعوب والثقافات المختلفة، لافتاً إلى أن اللغة السواحيلية لغة أصيلة في الشرق الأفريقي تتحدث بها تنزانيا وكينيا وأوغندا ورواندا وبروندي (دول منابع النيل)، كما أنها تعد اللغة الثانية في القارة الأفريقية بعد العربية؛ لافتاً إلى أن السواحيلية تعد كذلك اللغة الأولى لعدد من الأدباء الأفارقة المرموقين الواردة نصوصهم في الكتاب، مثل: كلارا موماني، وشافي آدم، وجون هابوي، وكيالو أميتيلا، وواريا تيمامي، وغيرهم ممن قدموا أعمالاً أدبية في جميع فروع الأدب المكتوب، من قصة قصيرة ومسرح ورواية وشعر.

وتعد تلك المختارات القصصية بمنزلة خطوة أولى على درب الترجمة عن السواحيلية، وما تتضمنه من أدب مجهول لدى القراء العرب، يتماس مع البيئات العربية بشكل أو بآخر، ولا سيما أن الأدب الأفريقي لا يزال خصباً، وفي حاجة إلى مزيد من البحث والتنقيب؛ خصوصاً بعد أن حاز الأفريقي التنزاني عبد الرازق قرنح جائزة نوبل في الأدب عام 2021. ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ في قصة «اللاجئ» للكاتب الكيني جون هابوى:

«حين غادر قطاع الطرق المنزل بعد انتهائهم من جريمتهم الوحشية، غادرتُ الردهة، وتحركتُ في منزلنا الذي أصبح مكشوفاً؛ إذ دُمرت أبواب المنزل كلها، واستطعت أن أرى جثث إخوتي بالإضافة إلى جثة أمي الحبيبة التي توفيت بمرارة شديدة وهي تعض على شفتها السفلى بأسنانها، وعيناها جاحظتان كالتي كانت تحارب العالم الذي أعطاها ظهره.

أصابت جسدي البرودة الشديدة برؤية تلك الجثث، وقفت مصدوماً مدة، حتى سمعت صوتاً من الخارج، فتملَّكني الخوف فجأة، وهرولت خارج المبنى الذي كان منزلنا منذ مدة قصيرة قد مضت.

مررتُ بسرعة ودخلت غابة كانت موجودة أسفل المنزل، وأخفيت نفسي بداخلها. رأيت مجموعة من الخنازير البرية التي تجري هنا وهناك، وقد أدخلت في نفسي حالة من الخوف. تمنيت الهروب إلى مكان آخر بسبب الرعب الذي أدخلته عليَّ تلك الحيوانات ذات الأسنان الحادة البارزة إلى الخارج كالمقص، ولكن أين سأهرب؟ لم يعد هناك أي مكان آخر يُطلق عليه منزل. أصبحت بلا إخوة أو حتى أبوَيَّ، أصبحت وحيداً».