هل ساهمت «بي بي سي» في الإطاحة بشاه إيران؟

كتاب يلقي الضوء على سياسة هيئة الإذاعة البريطانية ـ القسم الفارسي تجاه طهران في عهودها المختلفة

«بي بي سي والمصالح البريطانية في إيران» - أنابيل سربيرني ومعصومة طرفة - صادر عن دار نشر «آي بي توريس»، لندن 2014
«بي بي سي والمصالح البريطانية في إيران» - أنابيل سربيرني ومعصومة طرفة - صادر عن دار نشر «آي بي توريس»، لندن 2014
TT

هل ساهمت «بي بي سي» في الإطاحة بشاه إيران؟

«بي بي سي والمصالح البريطانية في إيران» - أنابيل سربيرني ومعصومة طرفة - صادر عن دار نشر «آي بي توريس»، لندن 2014
«بي بي سي والمصالح البريطانية في إيران» - أنابيل سربيرني ومعصومة طرفة - صادر عن دار نشر «آي بي توريس»، لندن 2014

«كل هذا من صنع الإنجليز!» قول مأثور قديم يبقى له وقع خاص في أذهان الإيرانيين، حتى عندما يُقال على سبيل الفكاهة. يعود تاريخ هذا القول إلى القرن التاسع عشر، وهو يشير إلى الاعتقاد بأن بريطانيا العظمى – التي يعرفها الإيرانيون بـ«أرض الإنجليز» – هي «اليد الخفية» التي تصنع السياسات الدولية. وهناك عبارة في رواية «عمي نابليون» - أشهر روايات الأدب الفارسي المعاصر – تقول: «حتى الشمس لا تشرق إلا بأمر أرض الإنجليز».
ومنذ أن بدأ نجم الإمبراطورية البريطانية في الأفول مع تراجع قدراتها العسكرية على ممارسة أي ضغوط تُذكر، بات السؤال الذي يتردد دائما: كيف يمكن لـ«سيدة العالم» أن تمارس دورها في التأثير على الأحداث فيما وراء حدودها؟
والإجابة على ذلك السؤال يتمثل بالنسبة للكثير من الإيرانيين - لا سيما شاه إيران السابق – في ثلاثة أحرف هي «بي بي سي».
وفي هذا السياق، لا تشير الثلاثة أحرف إلى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) كما يعرفها ويستمع إليها البريطانيون في بلادهم. فالقسم الذي يثير الكثير من الشكوك وسط الكثير من الإيرانيين هو الإذاعة العالمية باللغة الإنجليزية «بي بي سي وورلد سيرفيس» (BBC World Service)، وهو أحد الأقسام المميزة في هذا الكيان الإعلامي العام. وحتى وقت قريب، كانت الحكومة هي التي تمول «بي بي سي وورلد سيرفيس» التي كانت تخضع لرقابة مزدوجة من قبل وزارة الخارجية ووزارة الخزانة. وحيث إن وزارة الخزانة كانت تشرف أيضا على الأجهزة السرية، كان الافتراض الغالب –الذي لم يكن دقيقا على الدوام – أن الاستخبارات البريطانية لها يد في كيفية عمل شبكة «بي بي سي».
في كتاب «بي بي سي والمصالح البريطانية في إيران»، وهو كتاب رائع ودقيق، نرى انابيل سربيرني ومعصومة طرفة وهما تحاولان أن تقليا الضوء على الدور الذي لعبته خدمة إذاعة «بي بي سي» باللغة الفارسية (أحد أقسام بي بي سي وورلد سيرفيس) في أهم الأحداث في تاريخ إيران المعاصر.
وتقسم سربيرني وطرفة الكتاب الذي بين أيدينا إلى خمس مراحل تاريخية:
تبدأ المرحلة الأولى بقرار إنشاء قسم «بي بي سي» باللغة الفارسية بعد بداية الحرب العالمية الثانية مباشرة. في ذلك الوقت، كان حاكم إيران الشاه محمد رضا بهلوي يحاول إبقاء بلاده بعيدا عن الحرب، متبنيا موقفا محايدا. غير أنه كان واضحا أن الشاه يتعاطف مع دول المحور، لا سيما ألمانيا. وعليه، وكما يوضح الكتاب، فقد كانت مهمة قسم «بي بي سي» باللغة الفارسية الأساسية هي تشويه سمعة الشاه، وتشجيع المعارضة للاحتجاج ضد حكمه الاستبدادي، وفي الوقت ذاته، تجهيز الإيرانيين لغزو بلادهم من قبل البريطانيين وحلفائهم السوفيات.
ثم يجري الانتقال إلى المرحلة التاريخية الثانية خلال الحديث عن قصة قسم «بي بي سي» باللغة الفارسية، وفي هذه المرحلة يتناول الكتاب أزمة تأميم النفط، حيث تقول سربيرني وطرفة أن الحكومة البريطانية استخدمت «بي بي سي» باللغة الفارسية كأداة للدعاية ضد دكتور محمد مصدق، الذي عينه الشاه في منصب رئيس الوزراء لتنفيذ خطة تأميم النفط الإيراني. وأعطت وزارة الخارجية تعليمات لـ«بي بي سي» بتصوير مصدق على أنه سياسي غوغائي ومتعصب يقود إيران نحو كارثة محققة.
وتتناول المرحلة التاريخية الثالثة في الكتاب الفترة ما بين عامي 1954 و1978 عندما أصبح قسم «بي بي سي» باللغة الفارسية طي النسيان. في تلك الفترة وبفضل العلاقات القوية بين لندن وطهران، لم يكن مطلوبا من قسم «بي بي سي» الفارسي ممارسة أي نوع من الضغوط على القادة الإيرانيين.
وتغطي المرحلة التاريخية الرابعة الفترة بين سبتمبر (أيلول) 1978 واستيلاء آية الله الخميني في فبراير (شباط) 1979. في بداية أيام الثورة الإيرانية، حاول قسم «بي بي سي» الفارسي أن يلتزم الحذر من خلال تبنيه لتقليد «بي بي سي» العريق الذي يعطي فرصة للجميع لإبداء رأيه، باسم الموضوعية الصحافية. (يصف المخرج السينمائي الفرنسي الشهير، جان - لوك غودار، هذا النوع من الممارسة الصحافية بصيغة يجري خلالها إعطاء خمس دقائق لكل من هتلر واليهود للحديث عن الهولوكوست) لكن القسم الفارسي تحول سريعا لتبني موقف متعاطف مع الحركات المناهضة لحكم الشاه.
تقول المؤلفتان: «لم يحظ قسم (بي بي سي) الفارسي مطلقا بمثل الشهرة التي حظي بها خلال العام الذي سبق الثورة. إلا أنه لم يكن بمثل هذا التحيز أبدا خلال بثه للأخبار والتقارير كما كان خلال تلك السنوات، حتى أن البعض كان يرى أن القسم قد تجاوز الخطوط الحمراء».
وتعرض المؤلفتان تقرير – كتبه وقرأه باقر معين – يبدو متحيزا بشكل واضح للخميني، كمثال عن «تجاوز الخطوط الحمراء». وقد أخبر معين مؤلفتي الكتاب أنه كان متعاطفا مع «الثورة». غير أنه ليس من العدل التلميح إلى أن معين كان يعمل ضد سياسات «بي بي سي» أو الحكومة البريطانية، ولهذا ثبت فيما بعد أن هذا التقرير لم يكن هو السبب وراء ترقية معين حتى صار رئيسا لقسم «بي بي سي» الفارسي.
في ذلك الوقت، حاول وزير الخارجية السابق جورج براون أن يتلاعب بالقضية حينما زعم أن أقسام «بي بي سي» باللغات الأجنبية، بما فيها القسم الفارسي، تعكس رأي العاملين بها، وليس رأي الحكومة البريطانية. وكتب براون ساعتها أن تلك الأقسام «يعمل بها اللاجئون والمهاجرون، الذين تركوا بلادهم والذين يعادون النظام الحاكم ولهذا السبب هم لاجئون في المقام الأول».غير أنه لم يكن أي من العاملين في قسم «بي بي سي» الفارسي في ذلك الوقت من اللاجئين أو المهاجرين. وقد صرح أحد العاملين في القسم الفارسي آنذاك، لطف علي خونجي، أنه و80 في المائة من العاملين بقسم «بي بي سي» فارسي كانوا متعاطفين مع الثورة. كما أخبر أندرو وايتلي، كبير مراسلي «بي بي سي» في طهران في ذلك الوقت، أنه كان متعاطفا مع الثوار لأن «الحق كان في جانبهم».
ويدعي وايتلي أن تقارير «بي بي سي» ساهمت في التعجيل بانتصار الثورة، أو بمعنى آخر، بانتصار الجانب الذي كان يدعمه.
وتنقل مؤلفتا الكتاب عن كريس راندل، رئيس قسم الأبحاث في «بي بي سي» اعترافه بأنه جرى توفير مزيد من الوقت لأنشطة المعارضة الإيرانية خلال الثورة، كما تشير المؤلفتان إلى أن محاولة أنصار الشاه عرض وجهة نظرهم عن الأحداث باءت بالفشل، كما لم يتم إجراء أي مقابلة مع أنصار الشاه، سواء داخل أو خارج إيران. حتى عندما زار وزير مالية الشاه لندن، أجرى تلفيزيون ITV الخاص، وليس «بي بي سي» مقابلة معه. وقد حاول سيد حسين نصر، أستاذ جامعي شيعي كان يرأس مكتب الإمبراطورة فرح شاه في ذلك الوقت، أن يقنع «بي بي سي» بإعطاء أنصار الشاه الفرصة ليوصلوا صوتهم للعالم، لكن تلك المحاولة باءت بالفشل أيضا.
وبعد أن يثبت الكتاب وجهة النظر بأن «بي بي سي» كانت متحيزة للمعسكر المناوئ للشاه، تصر المؤلفتان على أن ذلك «لا يبدو أنه كان محاولة من جانب الحكومة البريطانية كانت لديها النية لزعزعة حكم شاه إيران». وتشيران إلى أن قسم «بي بي سي» الفارسي أخذ جانب المعارضة لدوافع نبيلة بحتة. يقول ديفيد بيرمان، من «وورلد سيرفيس» الذي يُعتبر قسم «بي بي سي» الفارسي جزءا منها أن «غالبية العاملين لم يكونوا على علم بمن هو آية الله، ولم يتصور أحد منا أنه (الخميني) سيصبح زعيما لإيران في يوم الأيام من الأيام. لقد أردنا أن تصبح إيران دولة ديمقراطية».
تغيرت سياسة بريطانيا تجاه الشاه عندما أصبح واضحا أنه لم يعد قادرا على الاحتفاظ بالسلطة. وكان نيكولاس بارينغتون، رجل وزارة الخارجية الذي كان مسؤولا عن الإشراف على أقسام «بي بي سي» التي تبث بلغات أجنبية في ذلك الوقت، نصح بعدم اتباع سياسة «المواءمة قصيرة الأمد» مثل إرضاء الشاه. وكان المنطق وراء إنشاء أقسام «بي بي سي» الناطقة باللغات الأجنبية هو كما يقول بارينغتون «العمل على المدى المتوسط والبعيد من أجل التأثير في أولئك الذين من الممكن أن يشكلوا في يوم من الأيام حكومة بديلة للسلطة القائمة».
ثم تتناول المرحلة التاريخية الخامسة إيران تحتكم حكم الملالي. بعد عام 1979، ضعف تأثير «بي بي سي» في الخلفية السياسية مرة أخرى. وبعد الثورة، تبنى قسم «بي بي سي» الفارسي الحياد التام تجاه نظام الخميني، وفي المقابل جرى السماح له بالاحتفاظ بمكتب دائم في طهران. وقد ظلت العلاقة مع النظام الجديد يسودها الود على مدى ثماني سنوات، هي فترة رئاسة هاشمي رفسنجاني، الذي استطاع فصيله السياسي البقاء في السلطة عندما خلفه في كرسي الرئاسة محمد خاتمي. كان قسم «بي بي سي» الفارسي متحمسا للرئيس خاتمي، لا سيما عندما أطلق الرجل وعودا كثيرة بضرورة عمل إصلاحات وتوفير مزيد من الحريات. وعليه، لم يكن غريبا أنه خلال فترة رئاسة خاتمي، تبنى قسم «بي بي سي» الفارسي سياسة وزارة الخارجية البريطانية التي كانت تقوم على دعم الرئيس «الإصلاحي». في ذلك الوقت زار وزير الخارجية جاك سترو طهران خمس مرات، أكثر من أي عاصمة أخرى في العالم، وأشاد علنا بالرئيس خاتمي كصديق للديمقراطيات الغربية.
ومع وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى كرسي الرئاسة، تغيرت الأمور مرة أخرى. فبعد إلحاقه الهزيمة بفصيل رفسنجاني، بدأ نجاد في تفكيك شبكة الاتصالات التي بناها وزير الخارجية البريطاني جاك سترو. وبطبيعة الحال، وحتى يعكس كراهية الحكومة البريطانية لأحمدي نجاد، تبنى قسم «بي بي سي» الفارسي لهجة حادة تجاه الجمهورية الإسلامية.
وردت لندن على تأييد مناصري «الثورة الخضراء» بأن قامت بإنشاء تلفزيون «بي بي سي» الفارسي بميزانية سنوية تبلغ 22 مليون دولار أميركي.
وقد صار الكثير من الأعضاء البارزين في فصيل رفسنجاني معلقين دائمين وأعضاء في الهيئة الاستشارية لـ«بي بي سي» باللغة الفارسية، من بينهم كبير فريق العلاقات الخارجية في عهد خاتمي، علي أصغر رمضان بور، ومساعد رفسنجاني للشؤون البرلمانية، عطا الله مهاجراني.
وقد أحيا انتخاب حسن روحاني رئيسا لإيران الآمال في إحياء النفوذ البريطاني في طهران. فقد استؤنفت العلاقات الدبلوماسية، التي جرى تجميدها في عهد أحمدي نجاد، كما قام وفد برلماني بريطاني بزيارة طهران.
وتظهر المؤلفتان تعاطفا تجاه الرئيس روحاني وهو ما يبدو في تأكيدهما على أنه فاز بمنصب الرئاسة بعد تحقيق «انتصار مدهش من أول جولة». لكن الحقيقة تبقى أن جميع رؤساء إيران الستة السابقين فازوا جميعا بالانتخابات في الجولة الأولى. وقد كان فوز روحاني في حقيقة الأمر هو الأضعف بين كل الرؤساء السابقين، فقد حصل على نسبة 50.7 في المائة خلال الانتخابات، التي شهدت الإقبال الأضعف منذ الثورة الإسلامية.
ويعني تبني سياسة حسن النية تجاه روحاني التغاضي عن سجله، بما في ذلك الارتفاع الدرامي في عدد حالات الإعدام والاعتقالات السياسية وغلق الكثير من وسائل الإعلام وتوزيع المناصب بين أعضاء فصيل رفسنجاني.
تقول مؤلفتا الكتاب «ومن المأمول أن يخلق الرئيس روحاني بيئة مواتية للإعلام في إيران» ويسمح لـ«بي بي سي» بأن تعمل كما تعمل «أي وسيلة إعلامية أخرى مفيدة».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.