مشاهدات صحافي دولي جال في سوريا في 5 أيام بحماية روسية

الجولة نظمتها وزارتا الخارجية والدفاع الروسيتان لمجموعة من المراسلين الدوليين

قاذفات روسية جاثمة في مطار حميميم القريب من اللاذقية (أ.ب)
قاذفات روسية جاثمة في مطار حميميم القريب من اللاذقية (أ.ب)
TT

مشاهدات صحافي دولي جال في سوريا في 5 أيام بحماية روسية

قاذفات روسية جاثمة في مطار حميميم القريب من اللاذقية (أ.ب)
قاذفات روسية جاثمة في مطار حميميم القريب من اللاذقية (أ.ب)

للوهلة الأولى، لا يبدو ميناء اللاذقية المطل على البحر المتوسط مدينة تعصف بها الحرب، حيث تعج الشوارع بحركة السيارات والنساء الأنيقات اللائي وقف بعضهن لتبادل أطراف الحديث تحت النخيل، بجانب روعة بساتين البرتقال الممتدة لأميال.
بيد أنه مع إمعان النظر، ازدادت دلائل الحرب وضوحًا، مثل رجل يرتدي زيًا مموهًا يتسوق وهو يحمل بندقية «كلاشينكوف» على كتفه، ونقاط التفتيش العسكرية التي مررت بها من وقت لآخر، والمباني التي توقف بناؤها جراء الحرب الأهلية المشتعلة في سوريا منذ خمس سنوات حتى الآن.
وبالنسبة لمجموعة من المراسلين الدوليين شاركوا في جولة على مدار خمسة أيام داخل سوريا، نظمتها وزارتا الخارجية والدفاع الروسيتان، بدت التناقضات مذهلة. مع بداية الجولة، ركبنا حافلة ترافقها حماية عسكرية، ومررنا عبر شوارع اللاذقية التي بدت هادئة تحت أشعة الشمس الساطعة. يذكر أن المدينة تقع في قلب الموطن العلوي للرئيس بشار الأسد.
وأثناء جولتنا، مررنا بدبابات وناقلات جنود مدرعة وحافلات مدمرة ومحترقة داخل المناطق التي شهدت معارك مؤخرًا. وأثناء وجودنا بقرية جبلية، تعرضنا لسقوط قذائف حولنا، ما دفعنا إلى الفرار نحو الشارع لركوب شاحنة مصفحة بحثًا عن الأمن.
من على الجدران والنوافذ بشوارع اللاذقية المزدحمة، تتدلى صور الأسد ووالده، حافظ. وتنتشر في المدينة المقاهي والمطاعم التي تقدم أطباق الكباب والحمص. ومع ذلك، فإنه على بعد قرابة خمسين كيلومترًا فقط (قرابة ثلاثين ميلاً)، كانت توجد الخطوط الأمامية لحرب أهلية مشتعلة منذ عام 2011 أسفرت حتى الآن عن مقتل ربع المليون شخص وتشريد نصف أبناء سوريا.
مع اقتراب مجموعتنا من تلك الخطوط الأمامية، بدأت المباني التي لم ينجز بناؤها تمامًا في التلاشي، لتحل محلها منازل دمرها القتال. في بعض الأماكن، جرت الاستعاضة عن بعض الجدران بألواح، بينما ظهرت بعض المدارس المعلقة عبر مناطق خربة، في إشارة إلى وجود حياة في خضم الدمار.
ومع اقترابنا من ميادين القتال، بدا الجنود في نقاط التفتيش أكثر توترًا وأكثر جاهزية لإطلاق النار.
وعبر قلب حماه، رافقتنا شاحنة مصفحة يعلوها مدفع رشاش وجندي حرص باستمرار على مراقبة المنطقة المحيطة. وعند تقاطع طرق خارج حماه، جرى نقلنا إلى مركبات مدرعة تخص الجيش الروسي، في مؤشر واضح على الخطر الذي ينتظرنا. ومضينا في طريقنا في ظل حماية جنود روس.
داخل قرية معرزاف، الواقعة على بُعد نحو 15 كيلومترًا (تسعة أميال) إلى الغرب من مدينة حماه، استقبلنا العشرات من الرجال المسلحين بشدة من المنتمين إلى ميليشيا خاصة تعرف باسم ميليشيا الشيخ أحمد مبارك، وهو زعيم بارز بالمنطقة. وقد شاهدناه يوقع اتفاقا يتعهد بمقتضاه باحترام وقف إطلاق النار الذي بدأ 27 فبراير (شباط). وكان عمر بعض مقاتليه لا يتجاوز 15 عامًا، ومع ذلك بدوا فخورين بأسلحتهم.
وعندما بدأت شاحنة روسية في إنزال مساعدات إنسانية، تزاحم المقاتلون مع المقيمين للوصول إلى بعض منها، بل وهدد أحدهم بإطلاق النار لإبعاد بعض الصبية المشاكسين. إلا أنه بوجه عام، كان الشعور العام بالفضول أكبر من الشعور بالخطر. وسرعان ما تحولت مسؤولة إعلامية من وزارة الدفاع الروسية لبؤرة الاهتمام، مع تزاحم الرجال لالتقاط صورة معها.
في المقابل، جاءت زيارة قرية جبلية قرب الحدود مع تركيا، مروعة بدرجة أكبر، حيث عانت معظم منازل قرية غنيمية، على سبيل المثال، التي سيطرت عليها قوات الجيش السوري من أيدي مسلحين مؤخرًا، من الدمار، مع وضوح آثار القذائف على الجدران وغياب النوافذ والأبواب كلية. وبدت الصدمة على وجوه سكان القرية الذين عادوا إليها بعد فرارهم لتفقد منازلهم.
بعد ذلك، انتقلنا إلى كنسبا، التي تقع على تل يطل على طريق استراتيجي يقود إلى إدلب وحلب، التي كانت فيما مضى العاصمة التجارية لسوريا وتركزت عليها مؤخرًا حملة هجومية بدعم من ضربات جوية روسية.
وأخبرنا جنرال سوري بدت على ملامحه مشاعر اللامبالاة، أن وقف إطلاق النار لا يزال صامدًا رغم بعض أعمال القصف من قبل مقاتلي جبهة النصرة، وهي فرع تنظيم القاعدة داخل سوريا، جرى استثناؤها من وقف إطلاق النار. من جانبهم، بدا على الجنود الروس بعض التوتر، وحثوا المراسلين على عدم الوقوف على أطراف جرف يطل على تلال يسيطر عليها المسلحون.
ولم يبد المراسلون اهتمامًا كبيرًا بالأمر، حيث التقطوا بعض الصور للمشهد العام، ثم اتجهوا للأسفل لتبادل الحديث مع بعض السكان. فجأة دوى صوت انفجار وارتفعت سحابة من الدخان من على منحدر جبلي على بعد قرابة مائتي متر بالأسفل. في البداية، لم أدرك ما حدث، لكن سرعان ما صاح ضابط روسي إلى جواري: «انخفضوا جميعًا! إننا نتعرض لهجوم!».
وتزايد سقوط القذائف باتجاهنا، وأدركت أن واحدة منها قد تسقط علينا مباشرة. وسارعت ناقلة أفراد مدرعة بالانتقال نحونا لتوفير غطاء لنا، الأمر الذي مكننا من الصعود على تل، والاختباء بمكان كانت تقف فيه عدة مركبات مدرعة. وتسارعت أنفاسي بشدة بعد أن عدوت لمسافة ليست بالقصيرة، بينما تعثر مراسلون آخرون، وسقطوا وساعدهم جنود روس على الوقوف من جديد.
وسرعان ما دخلنا إلى المركبة، وانطلق جنود روس بدا عليهم التوتر الشديد في الصياح بأسمائنا، للتأكد من أننا جميعًا بخير، ثم سارعت المركبة للانطلاق عبر طريق وعر، بينما سيطر على الجميع شعور بالخوف الشديد.
وفي غضون فترة قصيرة، بلغنا نقطة وجدنا عندها حافلتنا بانتظارنا، في مؤشر على زوال الخطر. وقام أطباء بعلاج البعض ممن سقطوا على الأرض وتعرضت أيديهم وأرجلهم لجروح.
في يوم آخر، نقلتنا طائرة عسكرية روسية إلى العاصمة دمشق، حيث عاينا أحياء كاملة تسبب القتال في محوها، ولا يكاد يوجد بها مبنى واحد سليم. ومع ذلك، فإنه على بُعد أميال قلائل رأينا أحياء لم تتعرض لأي أضرار، مع ازدحام الشوارع بحركة المرور والمحلات المزدحمة.
بعد ذلك، انتقلنا نحو الشمال أكثر باتجاه منطقة معلولة المسيحية، التي تبادلت أطراف مختلفة السيطرة عليها على امتداد الحرب. تقع المدينة على جانب أحد الجبال وتتمتع بطبيعة خلابة. كما أنها تطل على دير القديس سيرغيوس، دير كاثوليكي يعرف محليًا باسم دير مار سركيس، ويعود تاريخ إنشائه للحقبة البيزنطية. ويؤدي شعب ضيق إلى دير يوناني أرثوذكسي هو دير سانت تكلا، الذي يعود تاريخ إنشائه للسنوات الأولى من عمر المسيحية.
وداخل قاعدة حميميم الجوية، التي تستخدمها القوات الروسية غرب سوريا قرب اللاذقية، ذكر مسؤولون عسكريون أن غالبية الطائرات الحربية لم تبرح الأرض منذ إقرار وقف إطلاق النار، ما عدا بعض المهام القليلة بمحافظة الرقة الواقعة شمال شرقي البلاد وتقع تحت سيطرة «داعش». ويقف الهدوء الذي خيم على القاعدة على النقيض مما عاينته خلال زيارة سابقة للقاعدة ذاتها في يناير (كانون الثاني)، عندما كانت الطائرات الروسية في حركة إقلاع وهبوط على مدار الساعة.
أما رحلتنا الأخيرة فكانت إلى العيسوية، قرية تقع على بعد 15 كيلومترًا جنوب الحدود مع تركيا، بهدف توصيل مساعدات إنسانية. وينتمي غالبية سكان القرية إلى التركمان، وهي أقلية عرقية تعدها تركيا قريبة منها. اللافت أن هذه القرية نجت من مغبة القتال، وعلى خلاف قرى أخرى شاهدناها لم يكن سوى القليل من صور الأسد، ولم تعل صيحات مرددة اسمه. وبدا أفراد الأمن السوري الذين رافقونا متوترين وحثونا على البقاء معًا للحيلولة دون تعرض أحدنا للخطف.
* خدمة «أ.ب»/«واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.