فضاء الذكريات والانكسارات خلال مسيرة 4 عقود

حسين عبد الرحيم يأخذ السينما لعباءة السرد في مجموعته «زووم إن»

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

فضاء الذكريات والانكسارات خلال مسيرة 4 عقود

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

إلى السينما وعالمها السحري وما ينطوي عليه من إثارة ومتعة، يأخذنا القاص والروائي «حسين عبد الرحيم» من خلال مجموعته القصصية «زووم إن». فمنذ الوهلة الأولى يطالعك العنوان بمصطلحه السينمائي، فتتهيأ لمشاهدة قصص تغلب عليها الصورة السينمائية، ونراها جليّة في قصة «عبده فلاش» والتي يقول فيها: «دفقات الموج الصاخب تصطدم بالصخور الإسمنتية عند المدينة الساحلية وترتج السماء، ويدوي الرعد ويلمع البرق في المدينة، فترى ألواح الصاج تتطاير من فوق أسطح المنازل، وينزلق رجل وامرأة وطفل صغير أسفل طور الثكنات العسكرية فيرتجف الجندي بزيه الكاكي ويتشبَّث بسلاحه الميري». (ص9). في هذا المقطع تبرز عناصر المشهد السينمائي: الموسيقى «أصوات الأمواج، الرعد، البرق، الرياح والمطر»، الإضاءة «ليل - خارجي»، الشخوص: «الرجل، المرأة، الطفل والجندي»؛ وغيرها من التفاصيل الدقيقة التي يحيلها المشهد إلى لوحة فنية.
فكاتبنا «البورسعيدي»، مدينته الساحلية لا تفارقه، ذكرياته فيها تطارده حتى وإن فارقها بجسده، فهي تصاحبه في كل خطواته. ومن «الإهداء» الذي يتصدر المجموعة يتبيّن لنا أن هذه الشخوص التي سنتعرّف عليها من خلال القراءة، هي شخصيات عرفهم الكاتب واقترب منهم وصادقهم، فهم من واقع عاشه ويحدثنا عنه، وستجدها في قصص: «عبده فلاش» وهي قصة تحمل اسمه وكذلك الكابتن أحمد عمار في قصة «يا حمام الروح»، وياسر مصطفى محمود ابن الحاجة فاطمة بنت الحاج حسن في قصة «وهذا البلد»، وحمادة فوزي في قصة «يوم جمعة».
ومن خلال السرد يطالعنا «حسين عبد الرحيم» بلغة حادة قوية، تشعر فيها وكأنه ينحت حروف كلماتها، ليُخرِج لنا من خلالها صيغة غاية في القوة والرقة في آن واحد، وكذلك اهتمامه بتفاصيل الشخوص وهيئتهم، ويسردها بشاعرية ونعومة، نلمسهما مثلاً في قصة «يا حمام الروح»، التي يقول فيها عن بائع العصافير الذي صادفه في سوق وسط المدينة في القاهرة، والذي رأى فيه صديقه القديم «الكابتن أحمد عمار»: «جلس على كرسي خشب ووضع اليانك الأزرق فوق رأسه وأمسك بطرف حبل مبروم تدلَّت منه عشرات العصافير المذبوحة. وضع ساقًا فوق ساق فبانت أناقته مع ارتدائه الحُلة البحرية الزرقاء في أبيض، والحذاء «الهاف بوت، الكِرب الهافان» ونظارته الشمسية «بيرسول الفامية». (ص14)، كما أن لغة الحوار في قصص المجموعة تنطقها الشخوص ولا يستنطقها المؤلف، ويتبين ذلك جليّا في الحوار بين البطل «جمال الأكيابى» وبائع العصافير في القصة نفسها:
- «انت منين يا ريس»؟!
فرد قائلاً:
- ليه؟ من بورسعيد يا سيدي، وتركتها، ودي شغلتي من خمسين سنة.. هتحقق معايا انت كمان؟» (ص15)
وببراعة مخيلة يمزج الكاتب العاشق للسينما، بين رقص الكابتن أحمد عمار على أنغام السمسمية، وهو يلّوح بيديه ويضرب الأرض بقدميه، وسط الفتيات من الجاليات الأجنبية التي كانت تعيش هناك حينها (عام 1975)، ورقصة «زوربا اليوناني» الشهيرة للممثل «أنتوني كوين» في الفيلم؛ وجعلنا وكأن الصفحة أمامنا شاشة سينما منقسمة إلى قسمين بالتساوي، أحدهما لزوربا «اليوناني» يرقص مختالاً، والنصف الآخر لأحمد عمار «البورسعيدي»، نقلها إلينا بحرفية عالية وبأسلوب ولغة غاية في التحكم والسيطرة عليها من جانبه.
كما يتذكر أيام التهجير بعد عدوان 1967، في القصص التي تحمل عناوين: (جووب موف - طفولة - فهمي الجمال - طيري يا طيارة)، وذكرياته في مدينة «طلخا» ومدرسة (قنصوه الغوري) الابتدائية هناك، و«فهمي الجمال» المهندس السابق في السد العالي العاشق للنيل، ووفاة جمال عبد الناصر وهو مع أسرته أثناء التهجير في قرية «البصراط» النائية التابعة لمحافظة الدقهلية، وكان ساعتها يبلغ من العمر ثلاث سنوات، وفي مشهد غاية في الأسى والحزن ينقل لنا «حسين عبد الرحيم» صورة الجموع الحاشدة من أهل القرية وهي تسير خلف نعش «وهمي» للزعيم الراحل، والذي يصف لنا فيها حالة الطفل (المؤلف ساعتها) فيقول: «كان غطاء التابوت يصعد لأعلى وأنت تعتلي مناكب الرجال طويلي القامة. تبكي، تقفز فوق التابوت، تنزع الغطاء القرمزي، تصرخ ثم تبتسم. ترى وجهًا يحمل البراءة، يذرف الدمع، ينظر للفقراء ويبتسم. يطل على العالم. ينظر إلى السماء. تراه ممددًا بالتابوت، بحلته وشعره المتساوي. وجه كالبدر. قمر في استدارته». (ص60)
تتوالى الذكريات لدى الكاتب، فيحدثنا عن ميلاد ابنته «فرح» في قصته (كم أنت بعيد يا فرح)، التي لم يستطع أن يتخفى كثيرًا وراء اسم «جاسر» الذي اختاره لبطل قصته ليعلنها صراحة: «الدكتور قال بنت يا «جاسر» (والله بنت يا حسين) (ص38)، والتي يقول عنها بقلب الأب الحنون المحب: «فرح صارت ملح الأرض بعد ما زادت كآبتي في أعوامي الأخيرة وأمي الصديقة تقول: كأنك حزين، كأنك مفارق، لماذا تنظر إلى ابنتك هكذا؟!» (ص39)
هنا يأخذنا الكاتب إلى منحى جديد في المجموعة، تبز فيه دلالات الانكسار والقهر في قصة (مشوار)، الوحدة واليأس (قفزة أخرى لطائر وحيد)، القضاء والقدر (طريق) ثم الموت (يوم جمعة).
ففي لوحة سردية مفعمة بالعذوبة نرى «الانكسار والقهر» في أبشع صورهما، في قصة «مشوار»، من خلال لواء الجيش، الذي لم يصرّح الكاتب برتبته، ولكن تكتشفها من خلال (النسر والسيفين المتقاطعين) اللذين سيأتي ذكرهما من خلال السرد. فمن خلال هذه الشخصية التي ترى في أواخر أيامها أن كل ما حاربت ودافعت من أجله، ينهار ويُباع من خلال سياسة الانفتاح الاقتصادي عام 1974، وبعدها ما سميت بمعاهدة السلام مع العدو الإسرائيلي عام 1977 في عهد السادات، ثم ما سُمي «بالخصخصة» في عهد مبارك؛ والتي تم من خلالها تصفية القطاع العام آخر مكاسب ثورة يوليو (تموز) 1952. عند هذه النقطة يكتشف أن حياته على طولها كانت عبثية، النياشين والأوسمة التي حصل عليهما أثناء خدمته عبث، حياته مع زوجته الخالية من الحب والعواطف.. عبث. وببراعة عبّر الكاتب عن حالة القهر التي اجتاحته، وهو يرى حالة الانهيار التي راحت إليها البلاد؛ فيقرر الانتحار ليضع نهاية لهذا المشوار العبثي الذي عاشه طوال سبعة وأربعين عامًا: «انتعل نصفي حذائه الأماميين. توجَّه نحو الشرفة الخالية وهو يترنَّح. حدَّق في عمق السماء. أحس بالنجوم البراقة وهى تتهاوى نحو صفحة النيل». (ص24)
وفي قصة «قفزة أخرى لطائر وحيد»، يحدثنا عن حالات «الوحدة واليأس» التي تنتابنا وتجعلنا ساعتها نشعر بالاختناق، وهو يصفها لنا من خلال بطله «محمود» البالغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا، والتي يعبر بها عن حالة شريحة عامة من الشباب في مثل هذا العمر، ومونولوجه داخل أغوار نفسه: «مخنوق يا محمود.. كبت وحرمان وشقاء ويقظة بلا حدود. الوعي عبء وأنت مثقل بالأنين دومًا». (ص19).
ولكن تأتي اللحظة الفارقة عند هرولته لنجدة الطفل الغريق وإعادته إلى أمه الملهوفة، وساعتها يشعر بالتحرر والانطلاق، خارجًا من شرنقته، ليبدأ بعدها حياة جديدة، ينغمس فيها مع الناس من حوله، يفرح لفرحتهم، ويسارع لإسعادهم، كل هذه المعاني يقول عنها الكاتب بعبارات جزلة: «خرجت سنوات العمر الفائت عبثًا تفر مع الرياح.. خلف طائر النورس الوحيد. هرول راكضًا ليصعد درجات السلَّم المنتصب. تجرد من ملابسه وقفز إلى الأعماق الباردة». (ص21)، في إشارة واضحة إلى انتقاله من حالة الاختناق والوحدة التي كان يعاني منهما، ليعود بعدها مغتسلاً متطهرًا متسقًا مع المجتمع من حوله. وعن «الموت» يقول في قصة «يوم جمعة»؛ وبكلمات موجزة، وبنبرة يشوبها الحزن والحسرة، عند سماعه بخبر وفاة صديقه «حمادة فوزي» كما كان يناديه: «عمري ثلاثون عامًا من عمره، أنا الحزين الذي خصته الأقدار بتوديع الأحباب، عند المغارب، أيام الجُمع، أين سيكون المستقر يا حسن؟» (ص57)
ثم أخيرا في قصة (زووم إن)، التي تحمل اسم المجموعة، يحدثنا الكاتب عن السينما المصرية وعشقه لأسماء بعينها تكررت في الأفلام التي سردها: بشير الديك (سكة سفر) - محمد خان (الحريف - طائر على الطريق) - عاطف الطيب (سواق الأتوبيس - الغيرة القاتلة - الهروب) - خيري بشارة (آيس كريم في جليم)، والتي كان يرى من خلال مشاهدته لهذه الأفلام وكأنه يرى نفسه في أبطالها؛ بكل معاناتهم وإحباطهم.
وفي الختام وفي جملة بليغة، كأنها وقفة مع النفس، يلخص مشوار حياته الطويل وذكرياته ونظرته إلى المستقبل المجهول، قائلا: «آن للحكواتي، ابن عصره وكل العصور قاطبة، أن يفتش في أدراج رياح التحول، بعيدًا عن كابوسية (كافكا) وعبث بوتزاني في (صحراء التتار)، وغنوة ذرياب في حديقة حلمه المجهض، وصوت إيقاع بشارف (حادي الجمال) وهو يدون أثره على الرمال، منصتًا لصوت الأيام في البرية، ذارفًا دمعة أخيرة متحجرة على سريان التلون الميلودي المخترق أذنيه وهو يراقب محطات عمره من أعلى سطح القطار المتجهم الذاهب للمجهول». (ص76)



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».