في الشهر الماضي، انعقد في واشنطن مؤتمر «التنوع في تدريس الفلسفة للأطفال»، كجزء من المؤتمر السنوي للجمعية الفلسفية الأميركية. وتبنى مؤتمر الأطفال معهد تدريس الفلسفة للأطفال، التابع لكلية التربية في جامعة مونتكلير (ولاية نيوجيرسي).
في جانب من القاعة، كانت هناك إشارة إلى «الرقم العقلاني» (راشونال نمبر). لكنها كانت إشارة فكاهية، بهدف تسهيل فهم مواضيع فلسفية معقدة.
ولا توجد صلة مباشرة بين «الرقم العقلاني» والفكر العقلاني المتعارف عليه. لكن الأمر يتصل بتدريس الأطفال بأن «العلاقة العقلانية» بين أي رقمين هي علاقة واحدة لا تتغير. ولا تؤثر عليها إنسانيات، أو عواطف، أو ثقافات، أو روحيات.
مثلا، إذا وجد في صحن أربع برتقالات وثلاث ليمونات، تصير العلاقة هي أربعة إلى ثلاثة. أيضًا، إذا قسم أي رقم على «صفر»، سيكون الحاصل «صفرا».
وهذه معادلات لا يمكن أن تتغير، ولكن، يمكن أن تتطور، وتقود إلى معادلات رياضية. أو تتطور، وتقود إلى معادلات تطبق على الناس والأشياء.
وقال توماس بوست، أستاذ في كلية التربية في جامعة منيسوتا إن «الخطوة الأولى في التفكير العقلاني التي يجب أن تدرس للتلاميذ، خاصة في رياض الأطفال، هي عقلانية الأرقام. هذه عقلانية لا تتغير، ولا تؤثر عليها العواطف: جمع الأرقام، وطرحها، وضربها، وتقسيمها. بالإضافة إلى أجزائها، ونسبها، وتفاعلاتها. تصير الخطوة التالية هي تحويل عقلانية الأرقام إلى عقلانية في التفكير: إلى الأمام، إلى الخلف، التخطي، المشاركة».
يسمى الأميركيون هذه المرحلة الدراسية «روضة الأطفال» (كندرغارتن)، أو «حضانة» (نيرساري)، أو «قبل المدرسة» (بري سكول). ويدرس فيها الأطفال عندما تكون أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات. وهي مرحلة اختيارية (قبل التعليم الابتدائي الإجباري).
* جون ديوي
في مؤتمر واشنطن، كانت هناك محاضرة عن جون ديوي (توفي عام 1952)، وهو أبو التعليم الأميركي الحديث. والذي أدخلت نظريته في المقررات المدرسية الحرية، والواقعية، والعملية، والسيطرة على النفس.
في عام 1936، كتب جون ديوي، عن الصراع بين العاطفة والعقل في المقررات المدرسية. وانتقد الميل نحو المقررات الإنسانية (آداب وفنون) على حساب المقررات العلمية (كيمياء، فيزياء، أحياء). وأشار إلى نوعين من مصادر العقلانية:
أولا: عقلانية الفلاسفة، مثل أفلاطون، وأرسطو، وسنت توماس، وكانت، ونيتشه.
وثانيا: عقلانية العلماء، مثل كوبيرنيكاس، ونيوتن، واينشتاين.
ومال نحو عقلانية العلماء، اعتمادا على الرأي السابق بأن العقلانية تبدأ بتعليم التلاميذ عقلانية الأرقام. وانتقد وصف الآداب والفنون بأنها «علوم».
وقال ديوي: «في الحقيقة، تستهلك العلوم الإنسانية جزءا كبيرا من المقررات المدرسية كان يمكن أن يستهلك في الأبحاث العلمية. لهذا، يقود التركيز على الدراسات الإنسانية إلى التركيز على الثقافة. وتقود هذه إلى التركيز على العواطف، والأديان. وتقود هذه إلى التصرفات البشرية التي يمكن أن تكون غير عقلانية».
ويضيف: «حتى فلاسفة المنطق الذين يركزون على الخطأ والصواب، يقدرون على استنباط ذلك من الطبيعة التي حولهم (دون مناقشات بيزنطية). وذلك لأن الطبيعة البشرية واحدة، لا تتغير، في كل مكان وزمان. هذه هي الحقيقة. ويجب أن تركز عليها المقررات المدرسية».
ولا يمنع ذلك من وجود نظريات فلسفية حول حاجات الإنسان. مثل: الأكل، والشرب والسكن، والعمل، والإنجاب، والترفيه. هذه كلها فيها فلسفات ونظريات مختلفة. ولا بد من تدريسها، ولا بد من إثارة النقاشات حولها.
لكن، ديوي ركز على أن النظريات الإنسانية يمكن أن تنطلق من حقيقة علمية محددة، وهي الطبيعة. مثلما أن النظريات العلمية يمكن أن تنطلق من حقيقة علمية محددة، وهي الأرقام.
* الفلسفة للأطفال
عن هذا الموضوع، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» مؤخرا: «يوجد اعتقاد بأن الفلسفة موضوع يدرسه الطلاب في الجامعات. وأن تلميذ المدرسة الابتدائية لا يقدر على أن يكتب، مثلا، عن فلسفة ديفيد هيوم (البريطاني) حول الطبيعية».
وأضافت: «صارت أعداد متزايدة من طلاب المدارس الابتدائية تأتي من عائلات فقيرة أو متوسطة الحال (مهاجرين وأقليات من العالم الثالث). وصار واضحا أن هؤلاء لا يعرفون كثيرا التفكير الحر والمستقل، الذي هو أساس التعليم».
لهذا، ظهرت حركة «الفلسفة للأطفال» (يشار إليها بالإنجليزية: بي فور سي). وتهدف إلى الآتي:
أولا: تشجيع الأطفال ليفكروا تفكيرا فرديا (دون التأثر بالعائلة، والمجتمع).
ثانيا: تعتمد على «الحوار الباحث، الفضولي» (أنكواياري ديالوغ).
ثالثا: تسير على خطى فلاسفة اليونان القدماء، مثل أفلاطون، وسقراط، وأرسطو.
مثل هؤلاء الفلاسفة، يعتمد تدريس الفلسفة للأطفال على الاختلاف في الرأي، وعلى «الحوار الباحث».
ففي جانب، نجد نظرية سقراط بأن البحث عن الحقيقة يمكن أن يكون عن طريق البحث في العالم الذي حولنا. وعلى الجانب الآخر، نرى نظرية أفلاطون بأن البحث عن الحقيقة تعوقه حدود التفكير البشري، وأن هناك غيبيات لا يعرفها الإنسان.
وعند تدريس الأطفال البحث عن الحقيقة، يقوم المدرس بدور أرسطو، حيث يدير الحوار بين نظريتين مختلفتين: العلوم، والغيبيات. وطبعا، لا يدرس الأطفال ماذا قال هؤلاء؛ لأن الأطفال لا يفهمون ذلك. لكن، يدرس الأطفال فن التفكير المستقل الذي يمحص مختلف الآراء والفلسفات والنظريات.
وحسب تقرير صحيفة «واشنطن بوست»، أثبتت الأبحاث أن تدريس الأطفال التفكير المستقل يساعد على تقدمهم في مجالين آخرين:
أولا: مجال الرياضيات (قد توجد صلة بين «الرقم العقلاني» والعقلانية).
ثانيا: مجال القراءة (ربما لأن التفكير المستقل يجعل القراءة ليست فقط فهم ما يقرأ، ولكن، أيضًا، التساؤل حوله).
* تدريس العقلانية
في مؤتمر واشنطن، كان هناك نقاش عن العقلانية، وعن تدريسها للأطفال، ليس فقط في المرحلة الابتدائية، ولكن، أيضًا، في روضة الأطفال. وكان هناك السؤال الأساسي: ما هي العقلانية؟
قال خبير التعليم النفسي ستيف ماكراكر: «كل من يفسر العقلانية يفسرها تفسيرا فرديا يعتمد على ثلاثة مصادر: أولا: الفطرة. ثانيا: التربية. ثالثا: التفكير المستقل».
وأضاف: «يعنى هذا أن الفردية هي أساس العقلانية. كل شخص حسب فطرته، وحسب تربيته، وحسب تفكيره المستقل. ولأن التفكير المستقل يعتمد، إلى حد ما، على ما وراء الوعي، يصير صعبا الاتفاق على طريق واحد».
وخلص إلى أن تدريس الفلسفة للأطفال يجب أن يعتمد على الآتي:
أولا: لكل عملة وجهان، ولكل موضوع رأيان، ولكل حقيقة تفسيران.
ثانيا: عودة إلى «الرقم العقلاني»، يجب أن يعتمد التفكير على «واحد زائدا واحد يساويان اثنين».
ثالثا: كل ما غير ذلك هو تفكير غير عقلاني، مثل القول إن «واحد زائدا واحد يساويان خمسة».
وفي دراسة نشرها معهد تدريس الفلسفة للأطفال في جامعة مونتكلير (الذي تبنى النقاش في مؤتمر واشنطن في الشهر الماضي)، جاء الآتي: «يجب أن يعتمد تعليم الأطفال، ليس على موضوع التفكير، ولكن على طريقة التفكير. لا يحدث هذا كثيرا في المدارس الأميركية لأن أغلبية الآباء والأمهات ترى أن أطفالهم أصغر من القدرة على التفكير المستقل».. وهي رؤية يجانبها الصواب، بحسب التقرير.
تدريس «العقلانية» في رياض الأطفال الأميركية
الأبحاث تؤكد أن دراسة «التفكير المستقل» المبكرة تسهم في التقدم في القراءة والرياضيات
تعليم الأطفال يجب أن يعتمد على طريقة التفكير وليس على موضوع التفكير
تدريس «العقلانية» في رياض الأطفال الأميركية
تعليم الأطفال يجب أن يعتمد على طريقة التفكير وليس على موضوع التفكير
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
