«آلهة مصر» يفتح العين على تاريخ الفراعنة في هوليوود

يؤكد أن لا مكان للأقليات حتى في الأفلام المناسبة

جيرارد بتلر في «آلهة مصر» - إليزابيث تايلور كما ظهرت في «كليوباترا» (1962)
جيرارد بتلر في «آلهة مصر» - إليزابيث تايلور كما ظهرت في «كليوباترا» (1962)
TT

«آلهة مصر» يفتح العين على تاريخ الفراعنة في هوليوود

جيرارد بتلر في «آلهة مصر» - إليزابيث تايلور كما ظهرت في «كليوباترا» (1962)
جيرارد بتلر في «آلهة مصر» - إليزابيث تايلور كما ظهرت في «كليوباترا» (1962)

بات معتادًا أنه كلما وجد المخرج نفسه محشورًا بين فشل فيلمه في تسجيل الإيرادات العالية وخسارته لحلم النجاح على مستويات متعددة، أن يهاجم نقاد السينما بضراوة ويعلّق عليهم أسباب فشل الفيلم. هذا كان حال المخرج أليكس بروياس الذي عزا فشل فيلمه الجديد «آلهة مصر» إلى هجوم النقاد على الفيلم.
كتب المخرج المولود في الإسكندرية ذاتها من أبوين يونانيين، على صفحته في «فيسبوك» قائلاً: «اجلب ناقدًا واحدًا وضعه في غرفة مقفول عليها واتركه مع (أي) فيلم وستجد أنه لا يعرف ماذا سيكتب عنه». وبعد أن أوحى بأن بعضهم ينقل عن بعض وكلهم جبناء يخشون الاختلاف، أضاف: «إنهم أقل من عديمي الأهمية. أي واحد يمكن له أن يطلق رأيًا من الفيلم إلى الأحذية إلى الهمبرغر، أي قيمة لذلك - لا شيء».
بروياس لم يقل هذا الكلام عندما وقع النقاد في غرام فيلمه الجيد «دارك سيتي» سنة 1998 ولا نصفه عندما استقبل فيلمه الآخر «أنا.. روبوت» باستحسان. لكن «آلهة مصر» مختلف: لقد بنى عليه شخصيًا الكثير من الآمال. حققه لغاية تجارية بحتة. استبعد عنه ومنه كل قيمة فنية ووجد عند شركة ليونزغايت البيت الإنتاجي الهوليوودي المنشود والتمويل اللازم: 140 مليون دولار والنتيجة: 14 مليون دولار في ويك - إند افتتاحه!
كليوباترا من جيل لآخر
حال «آلهة مصر» مع التاريخ الفرعوني لمصر تفاوت اهتمامًا ومستوى ودقة من فيلم لآخر. هناك أفلام احترمت ذلك التاريخ وأخرى احترمت رغبتها في إثارة الخيال والترفيه وحدهما. أفلام تناولت شخصيات التاريخ المصري باهتمام جاد وأخرى تعاملت معها كبادرة لأغراض مختلفة. لكن الغالب من الأفلام، الجادّة حول الموضوع وتلك السهلة، قصد ما قصدته هوليوود من كل فيلم تاريخي يوفر فرصة مشاهدة جنود بتنانير حمراء وسيوف ممشوقة وتصاميم إنتاجية عاكسة للفترة: النجاح التجاري. هذا شأن دائم سواء أكان التاريخ إغريقيًا، رومانيًا، ساكسونيًا، سكندنافيًا أو، كما الحال هنا، فرعونيًا.
لكن الأفلام التي تتعاطى والتاريخ المصري القديم فيها إضافة لافتة وجذّابة: إنها أرض الشرق ومفتاح أفريقيا والجزء الغامض من التاريخ الذي بنى كل تلك الحضارة التي لا تزال من علامات الزمن إلى اليوم وفي متناول كل سائح أن يراها. روما القديمة اندثرت. الحرب البيزنطية لم تترك أثرًا. التاريخ الإسكندنافي لأهل الشمال الأوروبي اندثر. وحدها، بين الحضارات القديمة، ما زال قائمًا كما كان قبل 4000 سنة.
وهناك شخصيات ذلك التاريخ المثيرة للاهتمام فيما لو عرفت هوليوود كيف تحيكها: كليوباترة التي كانت موضوع أفلام عدّة منذ عام 1912 عندما قام تشارلز غازكيل بتحقيق فيلم من 100 دقيقة بعنوان «كليوباترا» لعبت بطولته نجمة ذلك الحين هيلين غاردنر. بعد خمس سنوات من تاريخه قام ج. غوردون إدواردز بتحقيق «كليوباترا» آخر حيث قامت الفاتنة تيدا بارا بالدور الصامت. تبعه سيسيل ب. دميل في نسخته بالعنوان نفسه سنة 1934 (راويًا أيضًا علاقتها بروما وجوليوس سيزار)، وهو الفيلم الذي قامت ببطولته كلوديت كولبرت.
الخمسينات كانت ثرية في مدلولاتها التاريخية حول مصر القديمة وكليوباترا وباقي الشخصيات الفرعونية أو الرومانية: الإيطاليون حققوا، عام 1953 «ليلتان مع كليوباترا» الذي شارك في كتابته المخرج الراحل إيتوري سكولا وقامت ببطولته صوفيا لورين.
في العام نفسه قام الأميركي ويليام كاسل بتحقيق «أفعى النيل» حول الموضوع نفسه: دراما عاطفية لا تخلو من مشاهد القتال مع روندا فليمنغ في الدور اللاهب. هذان الفيلمان، على الأخص، عاشا لبعض الوقت ثم ماتا باكرًا من البال على عكس «كليوباترا» الذي وافقت شركة فوكس على إنتاجه في أواخر الخمسينات وانطلق تصويره في عام 1960 وتوقف، ثم تواصل ثم توقف ثم تواصل وانتهى العمل عليه بعد عامين بكلفة 40 مليون دولار في حينها.
لعنة المومياء
حسبان هذه التكلفة اليوم يجعل «كليوباترا» (الذي حققه جوزف مانكوفيتز من بطولة إليزابيث تايلور) أغلى فيلم في التاريخ فبسعر اليوم واقتصادياته تصل الكلفة إلى 326 مليون دولار.
وفي حين أن الكثير من النقد أصبغ على معظم هذه الأفلام بأقلام نقاد مصريين وعرب إلا أن الاستعانة بحكايات الأمس الفرعوني لم يتوقف بالطبع واستمر ليتأرجح بين أفلام تاريخية وأفلام حاضرة تعود إلى التاريخ. في المقام الأول شاهدنا في السنوات العشرين الأخيرة مثلاً «ألكسندر» لأوليفر ستون (مع كولين فارل وأنطوني هوبكنز وروزاريو دوسون وأنجلينا جولي) كما «هجرة: آلهة وملوك» لريدلي سكوت الذي عاين الحروب اليهودية والفرعونية أكثر مما بحث في الأديان ذاتها.
في المقام الثاني، يكفينا ذكر «المومياء» ذلك الفيلم الذي وضعه وأخرجه ستيفن سومرز وفيه يكتشف المشاغبون والمنقبون المومياء التي ما زالت تحمل لعناتها على كل من يكشفها. هدف برندون فريزر وراتشل وايز البقاء حيين وسط جحافل الانتقام المصرية (مع ما يشوبه ذلك من تشويه).
الثابت أنه بصرف النظر عما لو عادت هوليوود إلى التاريخ القديم للاستيحاء منه، أو استعارت من ذلك التاريخ أفلاما خيالية على شاكلة «المومياء» و«سكوربون كينغ» وسواهما، فإنها تقدم على ذلك لأن الجمهور عادة هناك. هذه الأفلام تستفيد من عنصر ما زال جاذبًا ولو في أحيان كثيرة دون أخرى قليلة.
«آلهة مصر» لم يكن من تلك الناجحة. لكن ليس بسبب نقاد السينما (الجمهور السائد عادة ما يذهب ضد آراء النقاد) بل بسبب الفيلم وخلله المتواصل. في المقدّمة أن الفيلم يبدو إنتاجًا كبيرًا لكنه سريع العطب، مثل جسر بُني لكي ينهار بعد قليل من افتتاحه.
كذلك هو عمل مكوّن من بطولات «بيضاء» على طول الخط الرئيسي. في الكومبارس سود وسمر وبشرات أخرى، لكن المشاركين في الأدوار الأولى، مثل جيرارد بتلر وبرنتون ثوايتس وجيفري راش وروفوس سيوول، كلهم من البيض، وبلكنات تتراوح بين الأميركية والاسكوتلندية مع شخصية ثانوية يقوم بها ممثل أسود هو شادويك بوزمن ومن دون أي ممثلين مصريين ولو من باب إتاحة قدر من التأسيس للتاريخ وواقعيته. الملك حورس (كما أداه نيكولاي كوستر والدو) كان يمكن أن يذهب إلى خالد أبو النجا أو خالد النبوي أو عمرو واكد وبسهولة.
تلتقي هذه النقطة مع ما يُثار في هوليوود من أن للأقلية والتعددية العرقية فيها مكانا محدودا.
وحتى لو استبعدنا كل ما سبق من ملاحظات ونظرنا إلى الفيلم من موقع نقدي سينمائي بحت، فإن ما لدينا قوله لن يغيّـر من رأي المخرج بروياس: فيلمه جيد ونحن المخطئون.



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.