الرئيس السنغالي: الملك سلمان رجل عملي ويسعى للتحكم في الواقع كأي قائد عظيم

ماكي صال يقول لـ {الشرق الأوسط} إن بلاده أقرب إلى العالم العربي وما يجري في الشرق الأوسط يمس بشكل مباشر أفريقيا

الرئيس السنغالي ماكي صال
الرئيس السنغالي ماكي صال
TT

الرئيس السنغالي: الملك سلمان رجل عملي ويسعى للتحكم في الواقع كأي قائد عظيم

الرئيس السنغالي ماكي صال
الرئيس السنغالي ماكي صال

مضت أربع سنوات من حكم الرئيس السنغالي الشاب ماكي صال، مليئة بالتحديات.. حاول خلالها أن يترك بصمته في بلد اشتهر بشيخوخة رؤسائه بدءا من الشاعر الفيلسوف ليوبولد سيدار سنغور وصولا إلى السياسي العتيق عبد الله واد.
تميزت سنوات صال الأربع الأولى في الحكم بانتخابه لمرتين متتاليتين على رأس مبادرة رؤساء أفريقيا لتحقيق التنمية (نيباد)، وانتخابه رئيسًا للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، بالإضافة إلى انتخاب بلاده عضوًا غير دائم في مجلس الأمن. وراء هذا النجاح تكمن رؤية هادئة لسياسة هذا البلد الغرب أفريقي الذي اشتهر دائما أنه يمسك العصا من الوسط، ويتمتع بالحكمة والرزانة. السنغال اليوم ليس البلد الذي يجلب المستثمرين فحسب ولكنه أحد النماذج الديمقراطية الاستثنائية في أفريقيا، حيث يعتبر رئيسه أحد أكثر الرؤساء الأفارقة ثقة لدى المجتمع الدولي، فكان حضوره لافتًا في قمة العشرين، وأغلب الاجتماعات الدولية ذات الطابع التنموي، وعرف عنه حمله الدائم للهم الأفريقي، ونضاله المتواصل من أجل تحقيق التنمية والاستقرار في القارة السمراء.
لدى الرئيس صال وجهة نظر خاصة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب، الذي يراه ظاهرة عالمية لا تقتصر على منطقة دون أخرى، فيؤكد أن ما يجري في سوريا يؤثر بشكل كبير على أمن منطقة غرب أفريقيا التي تقع فيها السنغال، من هنا استمد صال مبرراته لتكون السنغال أحد أكثر البلدان تحمسًا للاستراتيجية الأمنية ضد الإرهاب في العالم الإسلامي، والتي تقودها المملكة العربية السعودية عبر «التحالف العسكري الإسلامي ضد الإرهاب». لم يتأخر صال في استشارة برلمان بلاده لإرسال ألفي جندي سنغالي إلى المملكة العربية السعودية من أجل المساهمة في التحالف الإسلامي. وكانت موافقة البرلمان سريعة، ففي هذه البلاد لا يمكن تأخير أمر يهم الدفاع عن المقدسات الإسلامية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ذلك ما يؤكده الرئيس صال الذي فتح قلبه أخيرا لـ«الشرق الأوسط» عندما استقبلنا في «صالة الموسيقى» بالقصر الرئاسي القديم بالعاصمة السنغالية دكار. لكن اللافت في حديثه تلك النظرة الخاصة للعلاقات مع العرب عامة ودول الخليج بشكل خاص، وتقديره الكبير لدور المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في استقرار العالم الإسلامي. وفيما يلي نص الحديث:
* السيد الرئيس، سأبدأ الحوار معكم بالقضايا المحلية وخاصة حديث الساعة في السنغال، حيث يثور الجدل حول قرار المجلس الدستوري رفض تقليص مدة الولاية الرئاسية الحالية، ومبادرتكم المتمثلة في اقتراح مشروع لتعديل الدستور سيعرض على استفتاء شعبي يوم 20 مارس (آذار) الحالي. ما موقفكم من هذا الجدل. وكيف تلقيتم قرار المجلس الدستوري؟
- في البداية، أود التذكير بأنه انطلاقًا من قناعة شخصية رغبت في تقليص فترة ولاية رئيس الجمهورية، وتحديد عدد الولايات الرئاسية في اثنتين فقط، وبما أنه جرى انتخابي في نظام دستوري يحدد مدة الولاية الرئاسية في سبع سنوات، فقد أضفت لبرنامجي الانتخابي أنني عندما أصبح رئيسًا للجمهورية سأقترح تقليص الولاية الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات، وأنني سأعمل على تطبيق ذلك على الولاية الرئاسية الحالية؛ ولكن كما تعرفون فإن السنغال بلد ديمقراطي وفيه سيادة القانون، وبالتالي اقترحت تنظيم استفتاء شعبي لتقليص مدة الولاية الرئاسية، وإذا تم هذا الاستفتاء بنجاح فإن جميع رؤساء السنغال سينتخبون لولاية رئاسية مدتها خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. ولأنه منذ استقلال بلادنا ونحن نتأرجح ما بين ولاية رئاسية متقلبة من خمس سنوات إلى سبع سنوات، ثم أصبحت مدتها، مرة أخرى، خمس سنوات، قبل أن نعود إلى سبع سنوات، والآن سنعود إلى خمس سنوات، مما يعني أن هذه اللعبة ستستمر. ولوضع حد لها اقترحنا مادة في الدستور تجعل سنوات الولاية الرئاسية غير قابلة للمراجعة، وانطلاقًا من ذلك أعتقد أن الأمر مفيد للديمقراطية ودولة القانون.
وبالنسبة لتقليص الولاية الحالية فذلك ما كنت أرغب فيه، واقترحته ضمن التعديل الدستوري، بيد أنه رفض من لدن المجلس الدستوري. والآن يدور نقاش حول ما إذا كنت سأحترم رأي المجلس الدستوري. وأود أن أقول هنا أنه في جمهورية وبلد ديمقراطي ودولة القانون فإن رئيس الجمهورية ملزم بقرارات المؤسسات التشريعية، ليس المجلس الدستوري وحده وإنما جميع المؤسسات القانونية والتشريعية التي تصدر لنا استشارات يومية. فنحن ملزمون بها ونحترمها، وإذا لم نحترمها فإننا نتجاوز دولة القانون. ولولا استشارة المجلس الدستوري لكنا قدمنا اقتراح تقليص الولاية الرئاسية الحالية إلى الاستفتاء مباشرة، وننتظر نتيجته لأننا يجب أولاً أن نكون متأكدين أن الشعب السنغالي سيقول: «نعم» في هذا الاستفتاء، ولكن المهم هو أن هذه المسألة كانت هي إرادتي، وقمت بما يجب علي القيام به من أجل تحقيقها، بيد أنني وجدت نفسي في هذه الوضعية.
المهم اليوم هو أن نطبق تقليص الولاية الرئاسية إلى خمس سنوات وتحديد عددها بشكل نهائي، بالإضافة إلى اعتماد بقية الإجراءات التي تضمنها مشروع التعديل، والتي يصل عددها إلى خمسة عشر إجراءً. إذن القضية ستطرح على الشعب السنغالي الذي سيقول كلمته في الاستفتاء المباشر يوم 20 مارس (آذار) المقبل.
* هناك حديث في الأوساط السياسية بالسنغال مفاده أن هذا التعديل الدستوري المرتقب سيمنحك إمكانية الترشح لولاية رئاسية ثالثة، تكون هي الثانية لك بعد التعديل الدستوري، بحيث إن الولاية الحالية ستكون خارج نطاق الدستور المقبل، هل تفكر حقا في الترشح لولاية رئاسية ثالثة؟
- في البداية، أعتقد أنه على الفاعلين في المشهد السياسي أن يكونوا أكثر جدية، لأنه يجب التعامل مع الدستور بقدر كبير من المسؤولية، نحن في عام 2016. ونتحدث عن تقليص ولاية رئيس الجمهورية، وعندما جرى انتخابي كان عدد الولايات الانتخابية محدد، بمعنى أن سبع سنوات هي مدة الولاية الرئاسية، بيد أن عددها المحدد بالدستور هو ولايتان فقط.
لا أفهم كيف سأسعى لتغيير ذلك. بالفعل من الممكن التأويل بأنه عند اعتماد التعديل الدستوري الجديد يمكننا حساب الولايات الانتخابية من جديد، ولكن في الحقيقة أنا لست هنا من أجل ذلك، ولا أريد أن أسلك ذلك الطريق؛ وبالنسبة لي من العبث الحديث عن أمور ستقع عام 2024. يجب أولاً أن يعاد انتخابي في عام 2019. إذن هذا النقاش بالنسبة لي عبثي ولا يمت بصلة للتحديات التي أمامنا، لأن عدد الولايات الرئاسية محدد في الدستور قبل مشروع التعديل الأخير، وبالتالي لا جديد في هذا الموضوع.
* السيد الرئيس لنخرج من بلدكم السنغال ونتوجه نحو أفريقيا التي تواجه تحديات كثيرة ذات طابع اقتصادي وسياسي وأمني، كيف يواجه قادة أفريقيا وأنت واحد منهم هذه التحديات؟
- نحن كقادة نواجه تحديات كبيرة وذات طبيعة متنوعة، داخلية وخارجية، تحديات الأمن والاستقرار والتنمية، وتحديات مكافحة الأمراض، رئيس الدولة عبارة عن تحدٍ مستمر، ومن دون التحديات لن يكون هنالك قادة، إنها المبرر الحقيقي لوجودنا، ويجب علينا مواجهة هذه التحديات والتغلب عليها، وهذا ما نحاول العمل عليه وفق إمكانياتنا، أولاً عبر الجهود الوطنية، ولكن أيضًا عبر التعاون الإقليمي والدولي، وأعتقد أننا نبذل أقصى جهودنا من أجل ذلك.
* هل الاتحاد الأفريقي قادر على تنسيق وتنظيم هذه الجهود أم أنه يحتاج في نظركم إلى إعادة هيكلة ليكون أكثر قدرة على التأثير في القارة؟
- يجب علينا توجيه تحية للاتحاد الأفريقي بوصفه خطوة في عملية اندماج القارة الأفريقية، نحن لم نصل حتى الآن إلى الهدف من هذه العملية الذي قد يكون الولايات المتحدة الأفريقية، وما دمنا لم نصل بعد إلى ذلك حيث ستكون كل القارة عبارة عن أمة واحدة، فإننا بالطبع سنعمل على تفعيل مساحة التقارب والاندماج، ولكن الدول موجودة، وهي دول تبقى لديها سيادتها الكاملة، والاتحاد الأفريقي تفاعل مع عدد من المشاكل السياسية والأمنية والاقتصادية، ولكن الاتحاد الأفريقي لا يحكم القارة. فكل دولة تحظى بكامل سيادتها، إذن يجب أن نكون صبورين، وأن نعمل على بناء الوحدة الأفريقية. ونحن منخرطون في هذه العملية.
* القارة الأفريقية تعد قارة صاعدة بقوة وتنمو بسرعة كبيرة، وتثير اهتمامًا متزايدا لدى قوى الاقتصاد العالمي، كيف تعمل الدول الأفريقية وخاصة بلدكم السنغال على الاستفادة من هذه الوضعية لتحقيق التنمية المستدامة، وكيف تقوم مبادرة رؤساء أفريقيا لتحقيق التنمية (نيباد)، التي تتولون رئاستها بالعمل من أجل تحقيق ذلك؟
- نحن في زمن العولمة، والدور الأفريقي كان حاضرًا وقويًا في قمة المناخ العالمية لأننا ذهبنا إلى هنالك موحدين من أجل الدفاع عن مصالحنا، لأننا الأقل تلويثًا للمناخ في العالم حيث لا توجد لدينا صناعة بحجم كبير، أفريقيا تساهم في تلويث المناخ العالمي بنسبة لا تزيد على أربعة في المائة فقط، وأفريقيا تتضرر بشكل كبير من التغير المناخي عبر اختفاء الغابات، فالغطاء النباتي الأفريقي يزول الآن، وأيضا عبر التصحر والجفاف، وكل تأثيرات التغير المناخي بما في ذلك التأثير المباشر على النشاط الزراعي الذي نعاني منه الآن، وتزداد وتيرته كل سنة، وبالتالي نحن ضحايا مباشرون لقضية المناخ، وانطلاقًا من ذلك دعونا إلى القيام بعمل تنموي حقيقي من خلال مساهمة الدول الصناعية في تمويل «الصندوق الأخضر» حتى لا تدفع أفريقيا تنميتها وازدهارها ثمنًا لأخطاء يقوم بها الآخرون، وسيمكننا هذا الصندوق من التوجه نحو الطاقة البديلة والمتجددة باستخدام الشمس والرياح المتوفرة بكثرة في القارة.
وحتى لا نقع في الأخطاء الحاصلة في بقية العالم أي في الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند؛ تم اعتماد الصندوق الأخضر في أفريقيا، والآن يجب على الدول المساهمة وضع يدها في جيوبها والصرف من أجل تمويله، وأن تكون هذه التمويلات حقيقية وملموسة وليست مجرد أرقام يتم الإعلان عنها في المؤتمرات وعندما تنتهي هذه المؤتمرات يختفي كل شيء. نحن سنواصل العمل حتى نتمكن من الحصول على هذه التمويلات التي تم الالتزام بها، وذلك من أجل تمكين أفريقيا من تحقيق تنمية مستدامة ولكن تنمية تستجيب للمعايير البيئية السليمة، وتجعلها تلتحق بالركب العالمي.
* لقد شكلت أفريقيا دائمًا ساحة للصراع والتنافس بين القوى العالمية وخاصة بين الأميركيين والأوروبيين والصينيين، وغيرهم.. كيف تعمل السنغال على تحقيق التوازن بين هذه القوى المتنافسة حتى تحافظ على مصالحها وتجلب الجميع إليها وترضيهم؟
- السنغال بلد مستقل وله سيادة، ويحدد سياساته ونهجه الدبلوماسي، فلسفتنا هي أننا منفتحون على الجميع ونرغب في صداقة الجميع مع المحافظة في نفس الوقت على مصالحنا، إذن بلدنا منفتح على جميع الاستثمارات سواء كانت أميركية أو عربية أو أوروبية أو صينية، فلا أهمية لمصدر هذه الاستثمارات بل إن ما يهمنا هو ما يجلبه المستثمرون وما نقدمه نحن وما نربحه مجتمعين، هذا هو العامل الرئيسي في تعاملنا مع الاستثمارات، نحن بعيدون عن الدخول في تصنيف الاستثمارات وفق الموقع الجغرافي أو الجنسية أو اللون، ونسعى دومًا لبناء شراكات رابح - رابح، ربما تشاهد في مناطق أخرى صينيين أكثر أو أتراكًا، أما بالنسبة لنا، نحن بالفعل لدينا صداقات تقليدية مثل فرنسا التي كانت القوة الاستعمارية السابقة، وهنالك أيضًا الغرب عمومًا، وأيضًا العالم الإسلامي الذي نتقاسم معه الإسلام. لكن اليوم توجد قوى اقتصادية صاعدة بقوة ولا يمكن تجاهلها مثل الصين التي تقوم بأشياء لا يمكن للآخرين القيام بها، حيث قدمت 60 مليار دولار لتنمية القارة الأفريقية، أين هو البلد الآخر الذي يمكنه أن يقوم بذلك؟ ولماذا نريد من أفريقيا أن ترفض ما قدمته الصين؟ هذا لا معنى له؛ ولكن في نفس الوقت يوجد مكان للآخرين إذ يجب عليهم أن يأتوا للمشاركة جميعًا في تنمية القارة، وأن يربح الجميع في العملية، وأفريقيا مستعدة كل الاستعداد للتعاون والدخول في شراكات رابحة، نحن تجاوزنا مرحلة ومنطق المساعدات، ونعتقد أنه يتوجب علينا أن نقدم مساعدتنا أيضًا في شراكة مبنية على ربح جميع أطرافها، والجميع له مكانه خاصة المستثمرين العرب.
* من المعروف أن التنمية التي تتحدثون عنها مرتبطة بالاستقرار والأمن، ونحن نلاحظ منذ فترة صعودًا لافتًا للجماعات الإرهابية في عدة مناطق من أفريقيا، وتمكنت هذه الجماعات من استهداف عواصم أفريقية، هل تعتقدون أن البلدان الأفريقية قادرة على مواجهة هذه المجموعات الإرهابية، وكيف يمكن ذلك؟
- عندما تنظرون إلى تاريخ القارة الأفريقية ستجدون أن الإرهاب ظاهرة مرحلية بالنسبة إلى أفريقيا التي مرت بعصور وقرون طويلة من المشاكل المرتبطة بالأمن والاستعمار والأمراض، وبالتالي فإنه ليست ظاهرة الإرهاب هي التي ستمنع القارة الأفريقية من النمو والازدهار، ولكنها مشكلة مرحلية، وتجب علينا مواجهتها ولكن بعد سنوات ستنتهي ونتجاوزها إلى أمور أخرى، بالفعل اليوم نحن في وسط العاصفة ولكن يجب النظر إلى ما يجري على أنه عقبة سنتجاوزها لأن أفريقيا قادرة على تجاوزها وليست هذه المشكلة هي التي ستهزم أفريقيا وتمنعها من تحقيق النمو، سنعيشها ولكن من المؤكد أننا سنتجاوزها.
* الإرهاب أصبح يشكل تحديًا عالميًا، والسنغال انخرط في التحالف الإسلامي ضد الإرهاب الذي تقوده المملكة العربية السعودية، ما أهمية هذا التحالف بالنسبة لبلد مثل بلدكم بعيد نسبيًا عن منطقة الخليج؟
- الإرهاب لا يضرب في الخليج فقط وإنما في كل مكان من العالم، إنه هنا في مالي التي بجوارنا، لذا فإنه من الضروري أن تكون لدينا رؤية شاملة لمواجهته، والعالم اليوم، كما يقال، قرية كونية، فما يجري في الشرق الأوسط يعني بشكل مباشر القارة الأفريقية، ولكم أن تنظروا إلى ما يجري في سوريا. إذ يتم ضرب قواعد تنظيم داعش للقضاء عليها، فتظهر في ليبيا من جديد، وبينما يتم ضرب التنظيم في سوريا يمنح فرصة للعمل على وضع أسس دولة جديدة في ليبيا، والتي ستؤثر بشكل مباشر على الأمن في أفريقيا. فبعد ليبيا سيأتي الدور على النيجر ثم مالي فالسنغال، وهلم جرا، إذن نحن معنيون بشكل مباشر. ولا تعتقد أبدأ أن ما يجري في الشرق الأوسط بعيد عنا وأننا غير معنيين به، كما أن ما يجري هنا يهم أيضًا أصدقاءنا في بلدان الخليج العربي والولايات المتحدة وفرنسا وحتى الصين واليابان، لأن العالم اليوم في حركة دائمة، حيث يتحرك الأشخاص ويتحرك السلاح والمخدرات، وتنشط شبكات تهريب البشر، وبالتالي لا بد من رؤية شاملة وتعاون واسع، وهذا ما نرغب في تحقيقه مع جميع البلدان التي تسعى للتعاون معنا في هذا المجال.
* السيد الرئيس كيف ترون العلاقات بين السنغال والبلدان الأفريقية عمومًا، وبلدان الخليج العربي خاصة مع بلد مركزي محوري مثل المملكة العربية السعودية، على مختلف الصعد الاقتصادية والسياسية والأمنية؟
- بالنسبة للسنغال، أعتقد أنها أقرب إلى العالم العربي ودول الخليج من بقية البلدان الأفريقية، خذ مثلا عددا من مدننا، وستجد الناس يتحدثون اللغة العربية في الشارع. إن روابطنا مع العرب قوية ومتينة. أما ما يربطنا بالمملكة العربية السعودية فهو أقوى وأكبر. أولاً وقبل كل شيء ثمة رباط الدين، فنحن بلد أغلبيته مسلمة، والمشاعر المقدسة لجميع المسلمين توجد في المملكة العربية السعودية، هذا هو الرابط الأساسي، المسجد الحرام والمسجد النبوي يوجدان في مكة والمدينة المنورة، ونبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يرقد في المدينة المنورة، إذن هذا أمر يتجاوز كل الاعتبارات الأخرى ويجعل ارتباطنا بالمملكة العربية السعودية قويا ومتينا جدًا. فكل سنة يتوجه السنغاليون إلى المملكة العربية السعودية لأداء مناسك الحج. بالإضافة إلى ذلك، بنيت العلاقات بين البلدين على صداقة قوية منذ عدة عقود وعلى المصالح المشتركة التي نسعى إلى المحافظة عليها دائما، إذن علاقاتنا مع المملكة العربية السعودية علاقات تتجدد وتتعزز كل يوم، وذلك ما يؤكد التأثير المباشر للدين على العمل الدبلوماسي. وإلى جانب الدين هنالك رؤية استراتيجية مشتركة لدى البلدين إزاء الكثير من القضايا الدولية.
* لقد التقيتم عدة مرات بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، عندما كان وليًا للعهد، وبعد أن أصبح ملكًا وخادما للحرمين الشريفين. ما هي الانطباعات التي خرجتم بها من لقاءاتكم عن شخصيته؟
- الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود قائد كبير وشخصية فذة ورجل متميز وإنسان في غاية الكرم، ولكنه أيضًا قائد له مكانة رفيعة وعلى قدر كبير من الثبات، ولمست في شخصيته خلال المحادثات التي أجريتها معه حسًا إنسانيًا كبيرًا، كما عرفت أنه رجل مرتبط إلى حد كبير بالتقاليد العربية الأصيلة، زِد على كل ذلك أنه يمتلك رؤية ثاقبة لبلده المملكة العربية السعودية والتي تعد بلدًا كبيرًا وقوة اقتصادية عالمية، فهو المنتج الأول للنفط على مستوى العالم، وهذا ليس أمرًا بسيطًا.
إن المملكة العربية السعودية أيضًا بلد استراتيجي لأنها تجسد مركزا محوريا في العالم الإسلامي لوجود مكة والمدينة المنورة فيها، وبالنسبة لبلد بهذه المواصفات فإن قائده لا محالة سيكون موقعه متقدمًا بين قادة العالم؛ ومن مواصفات الملك سلمان بن عبد العزيز أنه رجل عملي ولا يترك الأمور تنفلت ويسعى للتحكم في الواقع كما يفعل أي قائد عظيم، إنني أكن له الكثير من الاحترام والإعجاب والتقدير.
* فيما يتعلق بالوضع الأمني في منطقة الساحل، هل تعتقدون أن المنطقة خرجت من النفق؟
- الوضع لا يزال مقلقًا في منطقة الساحل الأفريقي. بكل تأكيد فإن التهديد خفت وتيرته بعد أن تم إضعاف المجموعات الإرهابية. إن ما تواجهه المنطقة الآن هو هجمات متفرقة وهذا ليس قوة عضوية ملموسة يمكن مواجهتها بشكل مباشر، فهي عبارة عن شخص يرغب في الانتحار عبر سيارة مفخخة أو حزام ناسف ويريد أن يقتل معه أشخاصا آخرين. هذا إرهاب ولكنه مختلف عما عرفناه في شمال مالي عام 2012. عندما قامت مجموعات إرهابية بمهاجمة مالي من أجل القضاء عليها كدولة، ولقد تم القضاء على القوة التي تمتلكها هذه المجموعات والتي مكنتها من إلحاق الضرر بدولة مالي. نفس الشيء في نيجيريا أيضًا عندما امتلكت جماعة بوكو حرام قوة نارية معتبرة. واليوم تم أضعاف هذه القوة النارية إلى حد كبير، وما يجري الآن هو هجمات متفرقة تجب مواجهتها ولكنها ليست بالأمر السهل. فعندما يرغب الانتحاري في قتل نفسه فماذا بمقدورنا أن نفعل ؟ لا يمكننا فعل أي شيء من أجله، ما يمكننا فعله فقط هو تقليص حجم الخسائر ومحاولة تحسين النظام الأمني، ولكنه يبقى من الصعب إيقاف شخص يرغب في الانتحار وقتل آخرين معه، خاصة إذا كان لا يمكننا التنبؤ بذلك.
* عرفت السنغال أخيرا اكتشاف مخزون هائل من الغاز قبالة شواطئها على المحيط الأطلسي، ما مدى تأثير ذلك على الاقتصاد السنغالي والدول المجاورة لها؟
- فعلاً، نحن الآن في مرحلة التطوير بعد أن تجاوزنا مرحلة الاكتشاف، ولكن التقديرات الأولية تشير إلى أن الاحتياطي يبلغ على الأقل 450 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، جزء منه يقع على الحدود المشتركة ما بين موريتانيا والسنغال، وقد اتفقنا مجتمعين، على مستوى الرئيسين والحكومتين، أن نعمل معًا وبتنسيق تام من أجل تسيير والاستفادة من هذا المخزون الغازي الهائل، في شراكة أخوية بعيدًا عن الصراع، فلا فائدة في أن نتصارع من أجل بعض الموارد مهما كانت درجة أهميتها. وأحيي هنا الرؤية الواضحة التي امتلكها الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز حين تقاسم معي نفس الرؤية التي تؤكد ضرورة تسيير مشترك لهذه الموارد، وبعد ذلك يسير كل منا على حدة بقية الموارد الموجودة في أراضيه؛ ولكن من جهة أخرى هناك نظام نفطي يحدد القوانين والعائدات التي سيتم تقاسمها، ومن الطبيعي أن كل ذلك سيتم وفق هذه الضوابط، وبمجرد أن نتجاوز مرحلة التطوير ويتم تحديد المخزون بشكل دقيق، يمكننا أن نبدأ في مرحلة تقاسم العائدات، ونحن من جهتنا سنعمل على وضعها في خطط لتنمية السنغال.
* هل نفهم من كلامكم أن هذا المخزون الغازي سيكون نقطة إيجابية في تعزيز العلاقات بين السنغال وموريتانيا لا سيما أن العلاقات بين البلدين عرفت في السابق توترا كبيرا؟
- بكل تأكيد، فوجود مصالح اقتصادية مشتركة سيعزز العلاقات بين البلدين، ولكن هذه العلاقات تبقى متنوعة وغنية، هنالك تعاون في مجال الصيد والتنمية الحيوانية حيث نستقبل كل عام الكثير من القطعان الموريتانية.
في الحقيقة، نحن لدينا علاقات متعددة الأبعاد مع موريتانيا، وليس مجرد مخزون من الغاز، نحن الآن لدينا شبكة كهرباء مشتركة تنطلق من سد مانانتالي التابع لمنظمة استثمار نهر السنغال. وباختصار أقول إن الأسباب التي تربطنا بموريتانيا كثيرة ولا شك أن الغاز سيساهم في تعزيز هذه العلاقات التاريخية.
* خلال السنوات الأخيرة ماذا قدمتم من أجل تسهيل جلب الاستثمارات الأجنبية، وخاصة الاستثمارات الخليجية والعربية، وهل أنتم راضون عن مستوى حضور هذه الاستثمارات في السنغال؟
- فيما يتعلق بما قمنا به من أجل تحسين مناخ الأعمال في السنغال، فإننا وضعنا إطارًا ملائمًا لتطوير الاستثمارات، وهذا الإطار تم تقييمه بشكل إيجابي جدًا من طرف جميع وكالات التقييم الدولية خلال السنوات الثلاث الماضية، فالسنغال حسب «دوانينغ بزنيس»، التابع للبنك الدولي، من ضمن الدول العشر الأكثر تطويرًا لمناخ الأعمال عبر العالم، أما مؤشر مكافحة الفساد على مستوى العالم فقد وضع بلدنا ضمن أفضل عشرة بلدان، وضمن أفضل ثلاث دول أفريقية، وهناك مؤشرات أخرى تؤكد تمكن السنغال من تحسين مناخ الأعمال أولاً عبر مكافحة الفساد ثم الشفافية في المعاملات، ونحن سنواصل هذه الجهود لأنها ليست جهودًا تتم مرة واحدة ولكنها جهود ذات طابع مستمر ودائم حتى تؤتي أكلها ويحس المستثمر الأجنبي أنه آمن في السنغال، وهذا ما سنواصل العمل على تحقيقه.
أما فيما يتعلق بالاستثمارات العربية والخليجية فيمكنني أن أقول إنها ليست كبيرة حتى الآن في أفريقيا، وهذا مؤسف للغاية لأنني أعتقد أن العرب بإمكانهم أن يأتوا ويستثمروا. إن المستثمرين الآخرين موجودون هنا في أفريقيا لأن هنالك فائدة من وراء وجودهم وليس فقط لأنهم يتسمون باللطف، إنهم يجدون هنا استفادة كبيرة، ومنذ قرون وهم هنا ولم يغادروا رغم ارتفاع درجات الحرارة، ورغم كل ما يقال عن أفريقيا بقوا هنا، إذن هناك استفادة من وراء وجودهم في أفريقيا، ويجب على العرب أيضًا أن يأتوا ليكتشفوا ماذا يجري هنا. في أفريقيا توجد فرص وأعمال كبيرة وأموال طائلة يمكن ربحها. وإذا كان لدي الحق في توجيه رسالة، فإنني أوجهها لرجال الأعمال العرب لأدعوهم للقدوم إلى أفريقيا من أجل الاستثمار فيها، لقد بدأ بعض الاهتمام أخيرا ولكنه لا يزال خجولاً جدًا ويقتصر على القطاع المالي، ولكني أعتقد أنه من المفيد لهم أن يستثمروا في قطاع المنشآت والبنى التحتية خلال العشرين أو الثلاثين سنة المقبلة، وأيضا في قطاع الاتصالات، وهذا بدأ بالفعل مع بعض الشركات الخليجية الحاضرة في القارة.
أفريقيا اليوم لديها 800 مليون هاتف جوال، وهذا أكثر من الولايات المتحدة وأوروبا، إذن هنا في أفريقيا توجد فرص اقتصادية كبيرة، وهناك طبقة وسطى يبلغ تعدادها أكثر من 300 مليون نسمة، وكل هؤلاء الأشخاص لديهم احتياجاتهم التنموية والاستهلاكية، وبالتالي أعتقد أنه يجب علينا أن نبذل جهدًا مضاعفًا في الترويج لفرص الاستثمار الأفريقية في العالم العربي.



«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.