سليم الجبوري: نسعى لأن تكون علاقاتنا العربية في المستوى المطلوب

رئيس برلمان العراق قال لـ {الشرق الأوسط} إن مقولة «خطورة الوضع» ستنتهي خلال العام الحالي

سليم الجبوري
سليم الجبوري
TT

سليم الجبوري: نسعى لأن تكون علاقاتنا العربية في المستوى المطلوب

سليم الجبوري
سليم الجبوري

قال سليم الجبوري رئيس البرلمان العراقي إن بلاده لن تكون خارج الإجماع العربي ولن يتكرر مشهد العلاقة بين لبنان ودول الخليج، مشيرًا في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، أمس، إلى حرص المملكة العربية السعودية على استقرار العراق، ووجود نيات صادقة لدى بلاده لتجديد العلاقة للأفضل.
وحول موقف البرلمان العراقي من الانضمام إلى التحالف العسكري الإسلامي، أوضح أنه إذا كان هدفه ضرب الإرهاب والتطرف والعنف، فهذا أمر جيد وسوف ندعمه، كما تطرق للأوضاع الداخلية في العراق، مشددًا على أهمية الحاجة لتشكيل حكومة جديدة قادرة على تنفيذ البرنامج الحكومي بالاتفاقيات السابقة نفسها التي تتحدث عن الإصلاح والمصالحة والعفو العام.
أفاد الجبوري بأن مقولة خطورة الوضع في العراق سوف تنتهي هذا العام مع إخلاء «داعش» من العراق، إلا أنه أكد الحاجة لوضع استراتيجية شاملة لتحقيق التعايش السلمي وجمع السلاح الموجود خارج إطار الدولة، وكشف عن اعتزام زيارة وفد برلماني عراقي للملكة العربية السعودية قريبًا، وطالب بإصلاحات في آليات عمل الجامعة العربية بحيث تكون قادرة على تنفيذ قراراتها، وطالب بالحفاظ على دورية انعقاد القمة العربية. وفيما يلي أهم ما جاء بالحوار:
* لأول مرة ينعقد اجتماع لرؤساء البرلمانات العربية، هل مثل هذه الاجتماعات تحقق المستهدف منها؟
- هذه الاجتماعات مهمة جدا، لأنها أولا: تستكشف توجهات الدول العربية بشكل صريح. ثانيا: مناقشة الحلول للأزمات التي تهدد المنطقة. ثالثا: تخلق بيئة مشتركة للتفاهم نحتاج إليها في هذه المرحلة للحفاظ على الأمن القومي العربي الذي نعتبره مطلبًا للجميع، سواء بالممارسة العسكرية أو إزالة كل الأسباب التي تؤدي إلى التوتر والعنف والإرهاب، وبالتالي من شارك في هذا الاجتماع كان يمثل الشعوب العربية ونحن بصراحة نجد أنفسنا مسؤولين أمامهم في تحقيق الأمن والاستقرار، ولهذا نعتبر هذه اللقاءات مهمة وحيوية ويتبلور عنها ترجمة عملية للتعامل مع الأزمات التي نمر بها، وهذا ما عبرت عنه اليوم، وهو عمل تشريعات تحقق الاستقرار.
* ألا ترى أن دور الجامعة العربية ومؤسساتها يتراجع ولم يعد فاعلا في حل أي قضية، وكذلك سيطرة حالة من الإحباط على الشعوب، وعدم وجود قرارات مناسبة لاجتياز المرحلة؟
- بصراحة، الانقسامات كثيرة، وسببها اللجوء إلى الهويات الفرعية من الانتماءات المذهبية والقومية والطائفية وأيضًا تدخلات دول كثيرة لا تريد لنا أن يستقر الحال برؤية موحدة شاملة، والمطلوب للخروج من هذه الحالة أن تترك كل دولة لبناء ذاتها وقوتها وسيطرتها على أرضها، ولكن ما يحدث هو التشرذم وبحث البعض عن ملاذات آمنة، وهي في الحقيقة مؤقتة كالعشيرة والإقليم وغيرها من الحلول الضيقة.
* هل الوضع في العراق ما زال خطيرًا كما يبدو في تصريحات المسؤولين العرب والمجتمع الدولي؟ ومتى تختفي هذه الصفة؟
- لم يعد كما كان، بالعكس هناك بعد آخر، وهو أن العراق سوف يتخلص من تنظيم داعش هذا العام، من خلال التطورات الأمنية التي حصلت في الرمادي وسوف تكون في نينوى بشكل واضح، والخطر الأكبر هو ما بعد «داعش»، ويجب أن نتنبه له، أن نخطط من اليوم لوضع استراتيجية للتعايش السلمي، وعمليات نزع السلاح الموجودة خارج إطار الدولة، وعدم عودة التفاوض من جديد بلون وثوب واسم آخر، وهذه كلها تحديات لا ينفرد بها العراق وإنما في دول المنطقة، وكذلك زوال صور التطرف والإرهاب وإنهاء حالة العوز المادي والفقر والجوع، وعدم ترك الشباب العربي للآلة الإرهابية التي تستثمرهم كيفما تشاء، وإيجاد حالة من العدالة الاجتماعية وإصلاح سياسي، وهذه كلها قضايا مهمة.
* ألا ترى أن هذه المطالب يصعب توفيرها في المنظور القريب؟ وهل من معالجات سريعة لإخماد الفتنة التي قد يسببها غياب هذه المطالب؟
- أعتقد أن التكافل العربي مطلوب، والمساعدة يجب أن تتكامل، ومن لم يستطع فعليه ألا يكون عاملا في إشعال الأجواء.
* بالنظر إلى الوضع السياسي في العراق، والعلاقة بين الحكومة وأعضائها والأحزاب؛ هل هناك حاجة تدعو إلى تشكيل حكومة تكنوقراط كما أعلن رئيس الوزراء؟
- نحن في حاجة إلى حالة من التجديد، خصوصًا إذا شعر رئيس الوزراء بأن هذا التجديد سوف يساعده في تنفيذ برنامجه وتحقيق مصالحة تؤدي إلى المزيد من الاستقرار، لكن تشكيل الحكومة الجديدة لا يكون على حساب الكيانات السياسية أو تجاهل الاتفاقات السابقة التي تم إبرامها، والمهم أن تنطلق أي حكومة من مبدأ تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
* ألا ترى أن هذه الرؤية قد تؤدي إلى إعادة إنتاج المحاصصة في الحكومة؟
- نرفض المحاصصة، وهناك فرق بين تجاهل الكتل السياسية وتفاهماتها بشأن الاتفاقات، وأعني بها عدم الانفراد لطرف بتحقيق الإصلاح وقوانين العفو والمصالحة.
* علاقاتكم مع إيران والمناكفات التي تقوم بها ضد عدد من الدول العربية وتدخلها في الشأن العربي وتأثيرها في بعض القرارات، كما حدث أخيرًا بين لبنان ودول الخليج بسبب حزب الله، كيف ترون ذلك؟
- إيران دولة لها وجودها، والخيار ببناء علاقة معها أو حتى مع غيرها قائم على أساس مصالح، ونحن رافضون لأي تدخل في شؤوننا أو حتى استخدام حالة الضعف التي نعيشها في سبيل أن تظهر إمكانياتها في التأثير. هذا أمر يثير القلق ويجب أن نرفضه بشكل واضح، وما حدث أخيرًا بسبب حزب الله في لبنان وعلاقته مع دول الخليج لن يتكرر في العراق، وقد تضامن العراق مع السعودية ورفض الاعتداء على سفارتها وقنصليتيها في طهران، ولن يكون العراق أبدًا خارج الإجماع العربي.
* كيف ترى العلاقة الراهنة بين المملكة العربية السعودية والعراق؟
- لدينا نيات صادقة لتجديد العلاقة بشكل صحيح، ونرى أن المملكة حريصة على استقرار العراق، والسفير السعودي يمارس مهامه في العراق بما يدعم هذه العلاقة، كما نعتزم كوفد برلماني زيارة المملكة العربية السعودية، ونسعى لأن تكون علاقاتنا مع كل الدول العربية بشكل أفضل مما هي عليه الآن.
* هل سينضم العراق إلى مبادرة المملكة بتشكيل تحالف عسكري إسلامي؟ وهل سيوافق البرلمان عليها؟
- العراق عبر عن موقفه، وبالنسبة للبرلمان نرى أن الأمن العربي أولوية وخلق بيئة جيدة مناسبة من التفاهمات، ونرى أن أي توجه من هذا القبيل يحظى بمباركة الدول الأعضاء، وإذا كان يهدف إلى ضرب العنف والتطرف والإرهاب فهذا أمر جيد لا بأس به، وسنمضي باتجاهه وندعمه.
* كيف ترى تأجيل القمة العربية، واعتذار المغرب عن رئاستها واستضافتها؟
- الجامعة العربية تحتاج إلى تجديد في آليات العمل والخطاب، وإلى أبعد من ذلك، وهو طريقة إدارة الجامعة والاستفادة من زخم الأحداث وتفاعل الدول العربية معها، وأن تستثمرها في بناء استراتيجية وعدم الاكتفاء بالإدانة والخطاب وبلورة ما هو موجود إلى واقع عملي ملزم وقرارات تلتزم كل الدول بتنفيذها.
* هل أنتم مع رؤية المغرب في وضع شروط على انعقاد القمة العربية كي تسجل مرحلة جديدة من الصحوة وإنهاء الخلافات والانقسامات؟
- إذا شئنا أن نصحح فلا بأس، لكن على ألا يؤدي ذلك إلى تعطيل العمل وإلى الإشعار بأن الوضع في صورة الانهيار، وبالتالي نحن مع انعقاد القمة والإصلاح في الوقت ذاته.
* كيف ترون التوافق والإعلان الروسي - الأميركي عن وقف إطلاق النار في سوريا؟
- هذا أمر جيد ونحن نبارك وندعم هذا التوجه لأن البعد الإنساني يجب أن يكون حاضرًا بالنظر إلى المأساة التي أصابت الشعب السوري، لكن، أيضًا يجب أن تفكر هذه الدولة في مرحلة أخرى قد لا يكون فيها الأسد أو الشخصيات التي كانت سببًا في الدمار.
نحن مع وقف إطلاق النار وإيجاد حلول عبر التفاهم والحوار، ومن المهم أيضًا الانتقال إلى مرحلة أخرى، وهى كيف يمكن تحقيق الأمن والاستقرار مع عدم ترك ثغرة لأطراف كانت متسببة في الدمار الذي أصاب سوريا.
* هل ترى أن هذا الجديد في سوريا قد ينسحب على تحقيق الاستقرار في العراق خصوصًا فيما يتعلق بالدواعش؟
- الأزمة في سوريا تنعكس على اليمن وأيضًا العراق، ونحن نحرص على إغلاق المنافذ والحدود لأي تأثير من هذا القبيل، لأن تنظيم داعش ما زال يستفيد من الثغرات الأمنية والتحالف مع مجاميع متشددة بعضها عربي والبعض من دول متعددة، وهي تستخدم الحدود وسيلة لتنفيذ أهدافها.



أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.