بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز

الاشتراكي اليهودي العجوز الطامع بمفاتيح البيت الأبيض

بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز
TT

بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز

بيرني ساندرز.. ظاهرة أميركية «أقلياتية» بامتياز

يوم الثلاثاء قبل الماضي، في الانتخابات التمهيدية بولاية نيوهامبشير الأميركية، حقّق السناتور بيرني ساندرز فوزًا ساحقًا على وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون. وبدا أنه يهدد فرصتها للترشح باسم الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ومن ثم أن تكون، إذا فازت، أول امرأة ترأس الولايات المتحدة. غير أن الوقت ما زال مبكرًا للحسم، فحتى الآن، شهدت ولايتان فقط هما آيوا ونيوهامبشير اختبارات تمهيدية. وتبقى ولايات كثيرة. ثم أنه ما زالت هناك فترة تقارب العشرة أشهر تفصلنا عن يوم الاقتراع الموعود. وحتمًا من الآن، وحتى ذلك الوقت، يمكن أن يحدث أي شيء بالنسبة لأي من المرشحين.
مع هذا، يمثل السناتور ساندرز ظاهرة جديدة في الانتخابات الرئاسية الأميركية، لجملة من الأسباب، أبرزها:
أولاً: أنه أكبر المرشحين - الديمقراطيين والجمهوريين - سنًا (75 سنة).
ثانيا: أنه وإن لم يكن أول سيناتور مستقل، لكنه أطولهم مدة في شغل المنصب (10 سنوات تقريبًا).
ثالثًا: أنه ليس شخصية وسيمة وأنيقة وذات جاذب تلفزيوني، والشيء نفسه ينطبق على زوجته.
رابعًا: أنه اشتراكي (العضو الوحيد في مجلسي الكونغرس الذي يعلن اشتراكيته صراحة).
خامسًا: أنه يهودي (المرشح الوحيد غير المسيحي بين جميع مرشحي الحزبين).
سادسًا: أنه من ولاية فيرمونت، ثاني أصغر الولايات الأميركية من حيث عدد السكان (بعد ولاية وايومينغ)، وبالتالي ثاني أقلها وزنًا في الانتخابات.
طبعًا، لا يثار كثيرًا في الحملة الانتخابية موضوع يهوديته. وحتمًا ما كان سيترشح للرئاسة كاشتراكي حتى في ولايته الليبرالية التقدمية. وللعلم، لا يوجد في الولايات المتحدة راهنًا حزب اشتراكي (بعدما حل الحزب نفسه عام 1972). ومع أنه يوجد حزب شيوعي صغير، يُقال إن نصف أعضائه عملاء سرّيون في مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف بي آي)، أو جواسيس من اليمين المتطرف.

ولد برنارد «بيرني» ساندرز في عائلة يهودية في مدينة نيويورك عام 1941. كان والداه يهوديين متدينين بولنديين، هاجرا من بولندا إلى أميركا مع بداية الحرب العالمية الثانية، قبل أن يحتل الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر بولندا، ويرسل يهودها إلى أفران الغاز. ووفق التقارير أرسل النازيون إلى أفران الغاز بعض أعمام ساندرز وعماته الذين رفضوا نصائح أخيهم بالهجرة مثله إلى أميركا.
عندما كان ساندرز صغيرًا أرسله والداه إلى مدرسة يهودية مسائية في نيويورك (بالإضافة إلى المدرسة الابتدائية الحكومية). وبعدما أكمل دراسته الثانوية في نيويورك، التحق بكلية بروكلن التابعة لجامعة مدينة نيويورك، ولكنه انتقل منها بعد سنة واحدة إلى جامعة شيكاغو المرموقة، حيث تخرج حاملاً درجة بكالوريوس في العلوم السياسية. وفيها التقى بزوجته الأولى ديبورا شيلينغ التي تزوجها عام 1964 وتطلقا عام 1966 ولم ينجب منها. لكنه أنجب ابنه الوحيد ليفي عام 1969 من صديقته سوزان كامبل موت. وفي عام 1988 تزوّج ثانية، من جين أومارا دريسكول، التي غدت لاحقًا رئيسة كلية بيرلينغتون.
جامعة شيكاغو، لم تعرّف ساندرز على زوجته الأولى فحسب، بل حدثت له هناك ثلاثة أشياء مهمة حددت مسار حياته: أولها، أنه صار زعيمًا طلابيًا إذ فاز برئاسة اتحاد الطلبة. وثانيها، أنه صار صهيونيًا، ومن ثم انتخب رئيسًا لاتحاد الطلبة الصهاينة في الجامعة، وأمضى سنة واحدة متطوعًا في مزرعة جماعية (كيبوتز) في إسرائيل. وثالثها، أنه اعتنق الفكر الاشتراكي. ثم اختير رئيسًا لاتحاد الطلبة الاشتراكيين في الجامعة. ولاحقًا، انضم إلى الحزب الاشتراكي الأميركي (قبل أن يحل نفسه عام 1972). وأيضًا، إبان فترة الجامعة، نشط في صفوف حركة الحقوق المدنية، وسافر إلى ولايات الجنوب للدفاع عن حقوق الزنوج، مع وفود طلابية (كانت غالبيتهم من اليهود).
وعام 1962، قاد ساندرز مظاهرة طالبت باستقالة جورج بيدل، رئيس جامعة شيكاغو، وذلك بسبب سياسة الجامعة العنصرية التي كانت تفصل داخلية الطلاب السود عن داخليات الطلاب البيض. ثم قاد ثلاثين طالبًا احتلوا مكتب مدير الجامعة.
وفي عام 1963، اعتقلته شرطة شيكاغو لقيادته مظاهرة ضد التفرقة العنصرية في مدارس المدينة. وأمضى في السجن يومًا واحدًا، لكن، بعد ذلك، صارت الشرطة تتجسس عليه، وتتابع نشاطاته.
واستمر ساندرز بنشاطاته في هذا الاتجاه، ففي عام 1964، قاد وفدًا طلابيًا من الجامعة توجه إلى العاصمة واشنطن، حيث شاركوا في مظاهرة الحقوق المدنية الشهيرة في واشنطن. وهي التظاهرة التي ألقى فيها مارتن لوثر كينغ، زعيم حركة الزنوج، خطبته المشهورة «لدي حلم».
بعد ذلك، عام 1968، قاد مظاهرة طلابية ضد التدخل العسكري الأميركي في فيتنام، وذلك أمام قاعة المؤتمر العام للحزب الديمقراطي (الذي رشّح السناتور جورج ماكغفرن لرئاسة الجمهورية ضد ريتشارد نيكسون) في شيكاغو.
* الناشط المزمن
بعد التخرّج في جامعة شيكاغو، عمل «بيرني» ساندرز في مهن كثيرة، بينها التعليم والنجارة. لكنه قرر عام 1968 مغادرة نيويورك والانتقال للعيش في ولاية فيرمونت الريفية الصغيرة لانجذابه (كما قال ذات يوم) لجمال الريف وسكينته. وبالفعل انتقل إلى مدينة بيرلينغتون الصغيرة التي تعد المدينة الوحيدة من حيث الحجم السكاني في ولاية فيرمونت. وهناك في فيرمونت، امتهن النجارة والكتابة وإنتاج الأفلام والمواد التعليمية وبيعها للمدارس. وواصل كذلك العمل السياسي، ولا سيما قيادة المظاهرات ضد التدخل العسكري الأميركي في فيتنام. وبعد حل الحزب الاشتراكي الأميركي نفسه (عام 1972)، أسّس ساندرز مع آخرين حزب «ليبرتي يونيون» (اتحاد الحرية). وتعاون مع حزب اشتراكي صغير آخر هو «بيبولز بارتي» (حزب الشعب).
وفي عام 1972، عندما كان عمره 31 سنة، ترشح ساندرز لمنصب حاكم فيرمونت، وكان أول مرشح اشتراكي لحكم ولاية في تاريخ الولايات المتحدة، لكنه خسر. ثم ترشح لشغل معقد فيرمونت الوحيد في مجلس النواب الأميركي، ومجددًا خسر. ثم ترشح لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، وخسر للمرة الثالثة.
وفي عام 1980، وبسبب هزائمه المتواصلة، ترك حزب «اتحاد الحرية»، وتخلّى عن الحديث الكثير عن «الاشتراكية الأميركية». ومن ثم، ترشح لمنصب عمدة مدينة بيرلينغتون، وهذه المرة فاز بالمنصب، ثم فاز بثلاث دورات متتالية.
طوال هذه الفترة لم يتخلّ ساندرز عن قناعاته الاشتراكية. ومع أنه كان يترشح ويفوز كمستقل كان يكرر أنه اشتراكي. بل إنه خلال تلك السنوات، أسهم في تأسيس تنظيمات اشتراكية صغيرة ظلت هامشية، منها «سيتيزن بارتي» (حزب المواطنين)، و«بروغريسيف كوأوليشن» (التحالف التقدمي).
كذلك، فإنه تحالف مع يساري يهودي آخر يعد من ألمع المثقفين الأميركيين التقدميين، وربما أهمهم في نقد السياسة الخارجية الأميركية هو ناعوم تشومسكي بروفسور الألسنية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) وحتى اليوم. ومثلما انتقد الرجلان معًا بشدة التدخل العسكري الأميركي في فيتنام، يقودان حاليًا ما يعتبرانه التدخل العسكري الأميركي في الدول العربية والإسلامية.
بعد دخول ساندرز الكونغرس، نائبًا في مجلس النواب عام 1991، فإنه لم يتحدث داخل الكونغرس عن نفسه كاشتراكي، بل كمستقل. غير أنه مع ذلك أسس تحالف «النواب التقدميين» (حسب القاموس السياسي الأميركي، «التقدمي» يميل إلى اليسار أكثر من «الليبرالي»). وخلال ذلك العام عارض ساندرز مشروع قانون الكونغرس الذي منح الرئيس السابق جورج بوش الأب حق إعلان الحرب على العراق (حرب تحرير الكويت). وعام 2003، عارض مشروع قانون الكونغرس الذي منح ابنه الرئيس جورج بوش الابن حق غزو العراق، مع أنه كان قبل ذلك بسنتين، قد أيد بوش الابن في مسألة غزو أفغانستان، وبرّر موقفه بأنه يفعل ذلك للرد على هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية.
وبالإضافة إلى ما سبق، صوّت ساندرز في الكونغرس ضد قوانين أخرى، من بينها: قانون «باتريوت» الذي منح الرئيس الأميركي حق الحرب العالمية ضد الإرهاب، وقانون «حماية الولايات المتحدة من الإرهاب» الذي عرقل محاولات الرئيس باراك أوباما لإغلاق سجن غوانتانامو العسكري الأميركي في كوبا، وقانون «حماية النظام الاقتصادي الأميركي» الذي وضعه الكونغرس بعد الكارثة الاقتصادية عام 2008، واعتبر ساندرز أنه يحمي الشركات الرأسمالية.
* محاكمة بوش
في عام 2006، مع تورّط القوات الأميركية في العراق، بدأت حملة أميركية لمحاكمة الرئيس بوش الابن. وانطلقت الحملة من فيرمونت، ولاية ساندرز. ولقد تحالف عُمد ومشرّعون في مدن صغيرة وريفية هناك، ووقّعوا على عريضة تطلب من الكونغرس محاكمة بوش، وخططوا لـ«حملات ريفية» مماثلة في ولايات أخرى. وأيّد ساندرز محاكمة بوش، لكنه قال إنها «مستحيلة» بسبب سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس. ولم تقتصر معارضات ساندرز على المسائل السياسية، بل ركز أكثر على مواضيع اقتصادية. فحتى قبل الكارثة الاقتصادية عام 2008، قاد من داخل الكونغرس حملات متواصلة ضد سيطرة الشركات العملاقة على الاقتصاد الأميركي. ووقف ضد تبرّعات الشركات للمرشحين السياسيين. وضد نقل الشركات مصانعها ومقراتها الرئيسة إلى خارج الولايات المتحدة. وضد ما اعتبره «حرب» الغرفة التجارية الأميركية (من رئاستها في واشنطن) على نقابات العمال.
وعام 2007، قبل الكارثة الاقتصادية بسنة واحدة، تنبأ بأن «الرأسمالية القبيحة» ستقود الولايات المتحدة والعالم إلى «الخراب»، حسب كلامه. ثم عارض منح قروض حكومية (بلغ إجماليها قرابة مليار دولار) للبنوك الأميركية التي أفلست أو كادت تفلس. وتساءل: «لماذا ينقذ دافع الضرائب الأميركي المسكين هذه البنوك العملاقة التي لا تخاف الله؟». كذلك صوّت ساندرز ضد تجديد فترة الآن غرينسبان، رئيس البنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفيدرالي)، كما صوّت ضد تعيين تيموثي غايتنر وزيرًا للخزانة، بحجة أنهما على حد قوله يمثلان «الرأسمالية القبيحة». وهنا نشير إلى أنه خطب ذات مرة لثماني ساعات متواصلة في مجلس الشيوخ ضد «الرأسمالية القبيحة»، وظل يفرق بين «الرأسمالية الإنسانية» و«الرأسمالية القبيحة».
* ساندرز الاشتراكي
وفي العام الماضي، في خطاب أمام طلاب جامعة جورجتاون، في العاصمة واشنطن، وصف ساندرز نفسه بأنه «اشتراكي ديمقراطي»، وأشاد بالأنظمة الاشتراكية الديمقراطية في الدول الإسكندنافية كالسويد والنرويج والدنمارك. وعندما سأله طالب: «عرّف لنا اشتراكيتك»، أجاب: «لا أريد أن تسيطر الحكومة على كل متجر وشركة، بل أريد أن أنصف الطبقة الوسطى التي تخوض، كل يوم، العمل الجاد والشاق، الذي هو سبب تطورنا وتقدمنا. أنا لا أريد إعلان حرب على الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات. لكنني أريد منها أن تنصف الأميركيين. إنها تواصل تصدير المصانع إلى خارج أميركا، وتواصل التهرب من دفع الضرائب المستحقة إلى الخزانة الأميركية». ومن هذه المنطلقات صوّت ضد اتفاقيات «نافتا» (التجارة الحرة مع دول أميركا اللاتينية) و«كافتا» (مع الصين)، و«بانتا» (مع دول حوض المحيط الهادي). وقال إن الكونغرس فعل ذلك بسبب «ضغوط ورشى» قدمتها هذه الشركات. وتابع أن هذه الشركات تريد «استغلال شعوب العالم الثالث» و«تحويل المواطن الأميركي إلى مستهلك، بدلاً من أن يكون منتجًا».
وخلال سنواته في مجلس الشيوخ، قاد سن قوانين ليبرالية، منها «أوباما كير» (التأمين الصحي الشامل) و«ستيودنتز كير» (تخفيض عبء المصاريف الجامعية) و«ماريدج ديفنس» (الدفاع عن الزواج)، وفي المقابل، دافع عن حقوق المثليين والمثليات. وفي العام الماضي، عندما أعلنت المحكمة العليا دستورية زواج المثليين والمثليات، أيدها.
* ... واليهودي
على صعيد آخر، كما يسعى ساندرز لإقناع أميركا بفضائل الاشتراكية من دون أن يقول إنه اشتراكي، فإنه يؤيد إسرائيل تأييدًا قويًا من دون أن يقول إنه صهيوني، أو يركز على يهوديته.
وخلال الشهر الماضي، كتبت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا قالت فيه إن ساندرز «لا يؤمن بالمؤسسات الدينية»، ويقول إنه «يهودي علماني»، وإنه «يؤمن بالله، لكن من دون واجبات دينية». ولاحقًا، قال في مقابلة على تلفزيون «إن بي سي»، ردًا على سؤال طرح عليه بهذا الشأن: «أنا هو ما أنا. لست متدينًا لكنني روحاني. روحانيتي هي أننا كلنا روحانيون. لكن، لا يكفي هذا، يجب أن نكون، أيضًا، روحانيين إنسانيين». وفي العام الماضي، عندما زار البابا فرانسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية، الولايات المتحدة رحّب به ساندرز، وقابله واشترك في مناقشات دينية. ومما قاله: «مشكلة الأديان المؤسسة هي أنها تدعو من دون أن تفعل، ولهذا تحولت إلى الروحانية الإنسانية التي لا تدعو لكنها تفعل».
وهكذا، يظل الموضوع الديني يواجه ساندرز في هذه الحملة الانتخابية. ويتوقع أن يقلل التأييد له في ولايات الجنوب (الأكثر تدينًا من ولايته التي اكتسحها في الأسبوع الماضي).
حتى الآن، لم يُثر موضوع يهوديته، وأنه، إذا فاز، سيكون أول رئيس أميركي يهودي. لكن، لا بد أن يثار الموضوع.



ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.