في العام الماضي، أصدرت منظمة التنمية الأوروبية تقريرا عن تكاليف الدراسة الجامعية في الدول الغربية، وجاء فيه أن الولايات المتحدة هي الثانية بعد بريطانيا في قائمة الدول الغربية الأكثر تكلفة في الدراسة الجامعية، فيما كانت إيطاليا هي الأقل. على حين لا يدفع الطالب شيئا في دول أوروبية مثل: الدنمارك، وإستونيا، وسلوفينيا.
في الولايات المتحدة، حسب تقرير نشرته مؤخرا «كرونيكلز أوف هايار إديوكيشن» (سجلات التعليم العالي)، صار الأميركيون يشتكون من ارتفاع تكاليف الدراسة الجامعية في النصف الثاني من القرن الماضي. وخاصة في الثمانينات، عندما نفذ الرئيس الأسبق رونالد ريغان نظريته الاقتصادية «ريغانوميكز»، التي تقضي بتخفيض دور الحكومة في الدولة، بما في ذلك في المجال التعليمي. بل كان يريد إلغاء وزارة التعليم.
منذ ذلك الوقت، خفضت الحكومة الاتحادية، وأيضا حكومات الولايات، دعمها للجامعات. فاضطرت هذه إلى زيادة المصروفات الجامعية.
مؤخرا، عقدت صحيفة «واشنطن بوست» ندوة تحريرية لكتاب الرأي فيها للحديث عن هذا الموضوع. وهذا ملخص آراء بعضهم:
* كاثرين باركر.. زيادة 540 في المائة:
قالت كاثرين باركر إنه منذ عام 1985، ارتفعت تكاليف التعليم الجامعي في الولايات المتحدة بنسبة 540 في المائة.
نحن، طبعا، نشتكي من زيادة تكاليف العلاج، التي وصلت إلى 290 في المائة منذ عام 1985، ونشتكي من زيادة تكاليف المشتريات الاستهلاكية، التي وصلت إلى 120 في المائة منذ ذلك العام. لكن، قارنوا ذلك بنسبة زيادة تكاليف الدراسة الجامعية: 540 في المائة.
يعنى هذا أن المصروفات الجامعية زادت أربع مرات قدر زيادة تكاليف المشتريات الاستهلاكية.
صار متوسط المصروفات السنوية للطالب الجامعي 50.000 دولار. في عام 1985، كان 10.000 دولار. وفي عام 1975، كان 5.000 دولار. وفي عام 1965، كان 2.000 دولار فقط.
أسوأ من هذا كله، حسب تقرير أصدره المجلس الأميركي لأمناء الجامعات وخريجيها، صارت الجامعات تعاني من المشاكل الآتية:
أولا: نقص الصرامة الأكاديمية.
ثانيا: تضخم في درجات الاختبارات.
ثالثا: زيادة تكاليف الإداريين.
رابعا: نقص في التنوع الأكاديمي.
* كاثرين راميل.. نفاق السياسيين:
وقالت كاثرين راميل إنه «ليس سبب زيادة المصروفات الجامعية هو فقط زيادة الصرف على الفرق الرياضية (خاصة فريق كرة القدم). أو زيادة الصرف على الإداريين ومكاتبهم الفارهة. أو زيادة الصرف على المستشارين النفسيين (صاروا مثل كلية جامعية). السبب الرئيسي هو نفاق السياسيين (خاصة في الولايات). وخلال الثلاثين عاما الأخيرة، صاروا يخفضون ميزانيات الجامعات بصورة مستمرة.
صاروا يفعلون ذلك لأكثر من سبب:
أولا: عقيدة سياسية رأسمالية يمينية بتخفيض دور الحكومة في المجتمع.
ثانيا: جبن من رفع الضرائب لمواجهة الزيادة في تكاليف الحياة (وليس فقط المصروفات الجامعية).
ثالثا: نفاق بين تقديم وعودهم خلال الحملات الانتخابية، ومواجهة الأمر الواقع بعد فوزهم.
لهذا، ننظر اليوم، ونرى أن الجامعات كانت «مسؤولية الولاية»، ثم صارت «اهتمام الولاية»، ثم صارت «موجودة في الولاية».
وحسب تقرير اتحاد التعليم العالي في الولايات، انخفض دعم مصروفات الطالب الجامعي في كل ولاية بنسبة 30 في المائة خلال الخمسة أعوام الأخيرة. لهذا، اضطرت الجامعات لزيادة مصروفات الطلاب.
لكن، بينما متوسط انخفاض الميزانيات الجامعية في الولايات هو ألفا دولار لكل طالب، فإن متوسط زيادة الجامعات لمصروفاتها هو ألف دولار.
يعني هذا أن الجامعات، رغم زيادة المصروفات، تواجه نقصا ماليا كبيرا. لهذا، لجأت إلى الإجراءات الآتية:
أولا: زيادة عدد الطلاب في كل فصل (وفي كل غرفة في الداخليات).
ثانيا: زيادة الأساتذة المتعاونين (على حساب الأساتذة المتفرغين).
ثالثا: تخفيض الدراسات العلمية (لأن أساتذتها يكلفون أكثر).
* كاترينا هوفيل.. نريد الاشتراكية:
أما كاترينا هوفيل فتوضح أنه «في ولاية كاليفورنيا، ظهرت حركة شعبية (اشتراكية) تريد استفتاء عاما ليكون التعليم الجامعي مجانا في الولاية. ويشترط ذلك الآتي: فقط لطلاب الولاية، وفقط لأربعة أعوام، وفقط للطلاب الذين يحرزون نتائج عالية في نهاية كل عام».
حسب اقتراح الاستفتاء، يدفع كل شخص في الولاية يزيد دخله السنوي على نصف مليون دولار ضريبة إضافية تبلغ خمسة في المائة من دخله.
يبدو هذا الاقتراح غريبا على كثير من الأميركيين. لكن، الحقيقة هي أن التعليم الجامعي المجاني ليس جديدا على الأميركيين. وبعد الحرب العالمية الثانية، دفع برنامج «جي آي» مصروفات جامعية كاملة لملايين الجنود الذين عادوا من الحرب.
تصوروا لو ظل هؤلاء الملايين من دون تعليم جامعي. وتصوروا ماذا كان سيحدث لأولادهم وبناتهم، ثم للجيل الثالث من بعدهم.
ولا تنسوا أن ملايين الجنود العائدين أنجبوا كثيرا بعد عودتهم. (يستعمل الأميركيون كلمة «بومارز»، جيل الطفرة السكانية، لوصف هذا الإنجاب الكبير).
* ريتشارد كوهين.. ليس المال هو كل شيء:
ومن جانبه، يقول ريتشارد كوهين «يجب ألا نفاجأ بأن كل شيء في الولايات المتحدة صار يقيم اقتصاديا».
بل اقترح بعض الناس أنه إذا اشتكى مسافر في طائرة بأن المسافر الذي يجلس في المقعد الذي أمامه يميل المقعد كثيرا نحوه، يجب أن تحل المشكلة اقتصاديا. يعني ذلك أن الذي يشتكي يجب أن يدفع للذي أمامه عشرة دولارات إذا مال المقعد درجة واحدة، وعشرين دولارا إذا مال درجتين. (ثم يعتمد ذلك على طول الرحلة).
واقترح آخرون أن المسافر في حافلة يجب ألا يترك مقعده لامرأة حامل إلا إذا دفعت دولارا إذا كان حملها خفيفا، ودولارين إذا كان حملها ثقيلا. (ثم يعتمد ذلك على طول الرحلة).
وهكذا، صرنا نحسب التعليم الجامعي حسب تكاليفه، وليس حسب الفائدة منه.
أنا رجل كبير في السن، وعندما كنت في الجامعة، لم يكن التعليم يكلف كما يكلف اليوم. وأفهم جيدا شكوى الناس هذه الأيام من زيادة التكاليف. لكن، أريد أن أقول بأنني استفدت من التعليم الجامعي أكثر كثيرا من الدولارات التي دفعتها. لولا التعليم الجامعي لما وجدت وظيفة محرر، ثم وظيفة كاتب عمود، في هذه الصحيفة «واشنطن بوست». وبفضل التعليم الجامعي، حققت حلم حياتي، وهو أن أكون صحافيا.
لهذا، بعد أربعين عاما من حصولي على شهادتي الجامعية، أقول إن الفائدة تساوي الدولارات التي دفعتها مرات مضاعفة.
لماذا ترتفع تكاليف الدراسة الجامعية في أميركا؟
كتاب الرأي في «واشنطن بوست» يتحدثون عن تجاربهم
الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة هي الثانية بعد بريطانيا الأكثر كلفةً (رويترز)
لماذا ترتفع تكاليف الدراسة الجامعية في أميركا؟
الدراسة الجامعية في الولايات المتحدة هي الثانية بعد بريطانيا الأكثر كلفةً (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
