لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام

بعد مغادرته وزارة الخارجية الفرنسية

لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام
TT

لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام

لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام

غادر وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس هذا الأسبوع، في أعقاب تعديل وزاري أجراه رئيس الحكومة مانويل فالس. ومع أن هذه النقلة لا تشكل نهاية الحياة السياسية الحافلة لإحدى ألمع الشخصيات السياسية الفرنسية خلال العقود القليلة الماضية، لكنها تشكل على الأقل عند المعجبين بفابيوس، الذي سبق له أن كان رئيسًا للوزراء ورئيسًا لمجلس النواب، نكسة لوزارة الخارجية التي ستفتقد هالة لافتة وثقلاً كبيرًا على المسرح الدولي.
لن يصبح لوران فابيوس وزير الخارجية الراحل عن الدبلوماسية يومًا رئيسًا للجمهورية، وهو المنصب الوحيد الذي لم يصل إليه في الجمهورية الفرنسية، رغم محاولته مرتين الحصول على ترشيح الحزب الاشتراكي. فالرجل تنقل بين المناصب العليا بفضل قربه من الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران، الذي حارب الجنرال ديغول وأدخل اليسار إلى قصر الإليزيه لولايتين امتدتا 14 سنة (1981 – 1995). ميتران أدخل فابيوس المتحدر من عائلة ثرية والمتدرِّج في أرقى المعاهد الفرنسية والمتخرج في المدرسة العليا للإدارة ENA المرموقة إلى عالم السياسة من الباب الواسع إذ عيّنه مباشرة بعد انتخابه رئيسًا وزيرا للخزانة في أولى حكوماته، ثم عهد إليه بوزارة الصناعة والبحث العلمي، قبل أن يرقيه إلى منصب رئيس للحكومة وهو في سن السابعة والثلاثين من عمره، ليغدو أصغر رئيس للحكومة في الجمهورية الخامسة بفرنسا.
لا تزال الطبقة السياسية تتذكر كلمة فابيوس الذي سأله يوما أحد الصحافيين عن علاقته بميتران، «الأب الروحي». وكان جوابه قاطعا ومقتضبا: «أنا أنا.. وهو هو»، وبذلك أراد أن يؤكد أن له شخصية متميزة وآراؤه الخاصة وسياسته المستقلة. لكن الحقيقة أن هناك جيلا كاملا من السياسيين الفرنسيين (وفابيوس أولهم)، ومنهم الرئيس الحالي فرنسوا هولاند ورفيقة دربه السابقة ووزيرة البيئة في الحكومة الحالية سيغولين رويال، ورئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان ووزير الاقتصاد ميشال سابان، وكثيرون آخرون هم من يسمون في باريس «جيل ميتران».
وبينما كان الرئيس الأسبق جاك شيراك يعرّف الآن جوبيه الذي تسلم منه فابيوس وزارة الخارجية بأنه «الألمع في ما بيننا»، كانت الطبقة السياسية تطلق على فابيوس لقب «ابن ميتران المدلل». بيد أن هذا «الابن» الذي انضم باكرا إلى الحزب الاشتراكي وانتخب نائبا عن إحدى ضواحي مدينة روان في منطقة النورماندي وشغل مناصب وزارية «الخزانة، الصناعة، الاقتصاد وأخيرا وزارات الخارجية والسياحة والتجارة الخارجية» كما تولى رئاسة البرلمان مرتين والأمانة العامة للحزب الاشتراكي وكان له مؤيدوه وتياره، لم يكن أبدًا رجلاً يتمتع بشعبية إذ إن صورته الشخصية لم تلعب أبدا لصالحه. فهو «نخبوي»، وحتى عندما أخذ يقدم نفسه على أنه ينتمي إلى الجناح اليساري للحزب الاشتراكي، وأنه صوت في استفتاء عام 2005 ضد الدستور الأوروبي بينما كان الخط الرسمي للحزب الاشتراكي هو الدعوة لإقراره، فإن ما وقف حائلا دون وصول فابيوس إلى أعلى المناصب في الدولة ربما شخصيته.
ففي وزارة الخارجية، لن يترك فابيوس وراءه للعاملين في هذه الوزارة السيادية صورة إيجابية إذ إنه حسب وصف البعض سلطوي، بارد، يعين ويقيل من غير رادع أو وازع وأحيانًا من غير سبب واضح أو من غير سبب بتاتًا. ونعرف جيدا حالات كثيرة لسفراء أو مسؤولين أساسيين في الوزارة فقدوا مراكزهم لغرض يجهلونه ولكنه «في نفس يعقوب».
يبدو الرجل في مظهره الخارجي ولغته التكنوقراطية أرستقراطي الأداء. لكن ما حال دون طموحاته العليا أنه وجد دائما من يقف بوجهه. المرة الأولى، في العام 2002 كان العائق اسمه ليونيل جوسبان، الذي رأس حكومة «اليسار المتعدد» لمدة خمس سنوات (1997 – 2002)، وبالتالي أصبح «المرشح الطبيعي» للحزب الاشتراكي. وما بين الرجلين عداء سياسي قديم، لا بل حرب ضروس، عندما كان فابيوس رئيسا للحكومة وجوسبان - بفضل ميتران - أمينا عاما للحزب الاشتراكي. وبعدها بخمس سنوات وعقب إقرار مبدأ الانتخابات التمهيدية لتعيين مرشح الاشتراكيين للرئاسة، قطعت سيغولين رويال، أول امرأة فرنسية طامحة للوصول إلى الإليزيه، الطريق على فابيوس وعلى غيره بحصولها على ستين في المائة من أصوات «الرفاق» بينما لم يحصل الأخير إلا على 12 في المائة من الأصوات.
الهزيمة كانت مرة الطعم بين الطامحين للمنصب الأول. وبعد خمس سنوات، صعد نجم فرنسوا هولاند الذي لم يكن أحد داخل الحزب الاشتراكي يعتقد أن له حظًا بالوصول يومًا إلى الرئاسة، فإذا بفابيوس يدعم منافسته الوزيرة السابقة مارتين أوبري، رئيسة بلدية مدينة ليل (شمال فرنسا) حاليًا، وابنة جاك ديلور رئيس المفوضية الأوروبية الأسبق وإحدى الشخصيات الأكثر شعبية في فرنسا. والفرق بين فابيوس ورئيس الحكومة الحالية مانويل فالس أن الأول بقي إلى جانب مارتين أوبري بعد الدورة الأولى بينما الثاني وقف إلى جانب هولاند. ولقد عرف هولاند أن يسامح وأن يجيّر فابيوس لصالحه فكلفه بالملف الاقتصادي وبالبرنامج الإصلاحي لأشهر رئاسته الأولى. وعندما فاز بالرئاسة وهزم منافسه اليميني الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، عهد لفابيوس بوزارة الخارجية. واحتفظ الأخير بحقيبته، التي أضاف إليها في عام 2004 وزارتي السياحة والتجارة الخارجية 45 شهرا، وقطع خلالها آلاف الكيلومترات وهو أمر مرهق.
ولكن في الأشهر الأخيرة أخذت مظاهر التعب تبدو على فابيوس لا بل إنه «غفا» للحظات خلال الاجتماع مع مسؤولين جزائريين. كذلك، فإن كثيرين لاحظوا عنده ارتجافًا في اليدين مما يؤشر لإصابته بمرض باركنسون. وخلال اختتام «قمة المناخ» التي رأسها نهاية العام الماضي، بدا الارتجاف واضحا عندما أراد أن يعلن نهاية أعماله رافعًا المطرقة الخشبية التي أهداها له وفد البيرو.
من الخارجية، سينتقل فابيوس إلى رئاسة المجلس الدستوري الواقع قريبا من متحف اللوفر. ومهمة المجلس المكون من تسعة أعضاء، يضاف إليهم رؤساء الجمهورية السابقون مدى الحياة (هم حاليا فاليري جيسكار ديستان وجاك شيراك ونيكولا ساركوزي)، مراقبة مدى تلاؤم القوانين التي تسن مع الدستور الفرنسي، ويعطي رأيه القاطع فيها كما يراقب ويعلن رسميا نتائج الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات وخلاف ذلك من المهام. ولذا فإن كمية العمل والمهام الموكولة إليه، وهي تقنية بالدرجة الأولى، لا تقارن بمهام ومسؤوليات وزير الخارجية. ولكن للمنصب فوائد وتشريفات، وفابيوس البالغ من العمر 69 سنة سيكون رئيسا له لتسع سنوات يستطيع خلالها أن يرتاح وأن يبقى في الوقت نفسه في قلب الحدث في فرنسا.
بيد أن طموح الأخير لا يتوقف عند هذا الحد، إذ إنه قرر البقاء رئيسا لقمة المناخ حتى نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل عندما تنتقل الرئاسة للمغرب. وفي حديث صحافي صباح الخميس، أكد أنه لا تضارب في الصلاحيات بين الوظيفيتين، وأنه في حال حصل أمر كهذا فإنه «سينأى» بنفسه مؤقتا عن المجلس الدستوري لتجنب أي نزاع. لكن الأهم في بقائه رئيسا لقمة المناخ 21 احتفاظه بمكتب وسكرتارية في وزارة الخارجية. ويقول عارفون إن فابيوس يرنو للفوز بجائزة نوبل للسلام بفضل المساهمة التي يعتبرها «حاسمة» في إنجاح قمة المناخ التي استضافتها فرنسا، ورأسها هو شخصيًا بعد الإخفاقات الكثيرة التي أصابتها في السابق. وتكفي مراجعة الكلمات التي ألقاها الوزير الفرنسي إن في بداية القمة أو في ختامها لاستكناه صورة الدور الذي ينسبه فابيوس لنفسه في نجاح قمة المناخ.
لكل سياسي ورجل عام أمور يريد أن يطويها الزمن أو أن يخبئها عن أعين الجمهور. ميتران سعى لإخفاء عائلته «الثانية» وابنته غير الشرعية مازارين بانجو التي اعترف بها في آخر أيامه وأصبحت اليوم كاتبة معروفة. وشيراك أبعد عن الأضواء لورانس، ابنته المريضة. وقبلهما الجنرال ديغول الذي كانت له أيضًا ابنة مريضة اسمها آن وتوفيت في العشرين من عمرها. أما «وجع» فابيوس فمزدوج: شخصي وآخر سياسي: الشخصي اسمه «توماس» ابنه البكر الذي أصبح شهيرًا على صفحات الجرائد خصوصا تلك التي تهتم بالفضائح. فهذا الابن «غير البار» بوالده، مولع بالقمار، وتحديدًا بلعبة البوكر التي أوقعته في الكثير من المشكلات وستقوده حتمًا في الأسابيع المقبلة أمام المحاكم. ولقد أسس شركة أفلست بسبب الاحتيال، واشترى شقة تطل على بولفار سان جيرمان الشهير في باريس بستة ملايين يورو بينما يفتقر لمداخيل «رسمية». ودار في كازينوهات لاس فيغاس الأميركية تاركا وراءه ديونا بمئات الآلاف من الدولارات. وبعكس أخيه فيكتور، البعيد عن الأضواء، فإن توماس فابيوس لطخ اسم والده الذي لم يأتِ أبدًا على ذكر فضائح ابنه علنًا، كما أن الصحافة الفرنسية لا تربط أبدًا بينه وبين ابنه.
أما جرح فابيوس الثاني فعنوانه فضيحة الدم الملوّث التي تعود للفترة التي كان يشغل فيها منصب رئيس الحكومة. وفحوى القصة أن «المركز الفرنسي لنقل الدم» سوق لدم فاسد ملوث بفيروس الإيدز داخل فرنسا وخارجها رغم علمه بأن كمية كبيرة من هذا الدم فاسدة وخطرة على صحة المرضى. وعلاقة فابيوس بذلك أنه كان رئيسا للحكومة الاشتراكية في تلك الفترة ولذا قدمت شكاوى بحقه وحق ثلاثة وزراء، إلا أن العدالة برأت في النهاية ساحة السياسيين بمن فيهم فابيوس.
ماذا سيبقى من «إرث» فابيوس الدبلوماسي؟
ربما سيحفظ له تاريخ الخارجية أنه أسس لما يسمى «الدبلوماسية الاقتصادية»، إذ اعتبر أن عمل الدبلوماسي في الزمن الراهن قد تغير، وأن مهمة السفراء والبعثات هي مساعدة اقتصاد فرنسا والترويج له في الخارج. وهذا معنى ضم وزارتي التجارة الخارجية والسياحية لوزارته الأصلية حتى تتوافر له «الأدوات» المؤسساتية الضرورية لعملية الترويج. ولم يتردد فابيوس في أن يتحول كذلك إلى داعية لـ«المطبخ الفرنسي» وفنون الطاولة على الطريقة الفرنسية.
بالطبع، يريد فابيوس أن يعترف له التاريخ بدوره في تلافي مآسي الاحتباس الحراري وما سيفضي إليه ارتفاع حرارة الأرض من كوارث بيئية واجتماعية وديموغرافية وهجرات وحروب بفضل التزامات قمة المناخ التي يتعين مراقبة مدى تنفيذ الالتزام بها. لكنه يرغب أيضًا بأن يعرف العالم أنه لعب دورا مهما في التوصل إلى الاتفاق «التاريخي» بخصوص برنامج إيران النووي الذي وقع في فيينا في 14 يوليو (تموز) الماضي. ويروي الوزير الفرنسي أنه «حذّر» المجتمعين في فيينا من أنه سيعود إلى باريس للمشاركة في العيد الوطني صباح 14 يوليو سواءً وقع الاتفاق أو لم يوقع. وهو يتساءل عما إذا كان لهذا دور في دفع الأفرقاء المتفاوضين لوضع حد لمسار تفاوضي بلا نهاية. وفي أي حال، فإنه يعتبر أنه «نجح» في الحصول على اتفاق «متين» وعلى ضمانات لجهة «شفافية» البرنامج الإيراني مما يعد في نظره مساهمة في تجنيب العالم، وخصوصًا منطقة الشرق الأوسط سباقا للحصول على السلاح النووي.
من جهة أخرى، يترك فابيوس الخارجية والملف السوري الذي استحوذ على الكثير من وقته، ما زال على حاله: «الحرب مستمرة والمعارضة التي دعمته باريس في وضع حرج والتدخل الروسي متزايد والولايات المتحدة متأرجحة». وبما أنه يغادر منصبه الوزاري، فقد استفاد فابيوس من أيامه الأخيرة لـ«يصفي حساباته» مع واشنطن بهجوم حاد اتهمها فيه بـ«الغموض» وبالازدواجية ما بين الأقوال والأفعال. لكنه في الوقت عينه شن هجومًا قاسيًا على روسيا وإيران «الشريكيتين» في عمليات القتل في سوريا. كذلك فإن فابيوس يترك الدبلوماسية وملف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي على حاله. وليست آخر تصريحاته التي يعلن فيها عن عزم بلاده على الدعوة إلى مؤتمر دولي لإيجاد حل سياسي ينهض على قيام دولتين - فلسطين وإسرائيل - والتهديد بالاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية إذا فشلت جهود السلام إلا من باب «رفع العتب». فالوزير المغادر يعرف أن مبادرة بلاده لن تقدم أو تؤخر طالما أن واشنطن فاترة تجاهها وأن الأوروبيين غير متحمسين بينما إسرائيل ترفضها كلية.
يبقى أن الدبلوماسية الأوروبية - ومن ضمنها الفرنسية - بقيت عاجزة عن التفاهم من أجل عمل جماعي وفاعل في ملف الهجرات الجماعية الزاحفة باتجاه «القارة القديمة» أو بشأن التعامل مع الملف الليبي والتعاون بين ضفتي المتوسط والجوار العربي للاتحاد الأوروبي الغارق في أزماته.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.