«داعش» في الرقة: نموذج أرعب الغرب وبرر إحجامه عن دعم المعارضة

بعد جلد النساء والإعدامات الميدانية وفرض الجزية على المسيحيين

«داعش» في الرقة: نموذج أرعب الغرب وبرر إحجامه عن دعم المعارضة
TT

«داعش» في الرقة: نموذج أرعب الغرب وبرر إحجامه عن دعم المعارضة

«داعش» في الرقة: نموذج أرعب الغرب وبرر إحجامه عن دعم المعارضة

طغى جلد 10 فتيات في الرقة، بتهمة مخالفة قوانين زي المرأة، على سائر ممارسات تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروف بـ«داعش»، في مدينة الرقة، شمال شرقي سوريا. كان متوقعا، بحسب ما يقول ناشطون، أن ينفذ عناصر التنظيم الإعدام الميداني «بحق من يخالفه الرأي»، أو إجبار المسيحيين «على دفع الجزية»، أو اضطهاد الصحافيين والناشطين، واختطافهم، لكن جلد النساء لأسباب بسيطة: «كشف عن صورة مرعبة، لا توازي إلا صورة التنظيمات المتشددة التي سيطرت على مدن في الصومال وأفغانستان، وصولا إلى مالي»، بحسب ما يقول ناشطون مدنيون.
ولم تصدر من المدينة، التي تعد أول مركز محافظة يفقد النظام السوري سيطرته عليها، إلا أخبار ممارسات «داعش» الداخلية، واضطهاد السكان. هذه الصورة، قوّضت إلى حد كبير حماسة الغرب للتغيير في سوريا، رغم أن المواقف الدولية شهدت تبدلا منذ بدء معركة الكتائب الإسلامية مع «داعش» في ريفي إدلب وحلب: «لكن التوجس الغربي بقي في وتيرة مرتفعة»، ما ألزم السوريين بالنضال لإعادة صورة الثورة الأولى، ذات الوجه المدني والمعتدل، لتقديم تطمينات إلى الغرب.
ويتحسر الناشطون على الحال الذي وصلت إليه الرقة، بعد سيطرة «داعش» عليها، كما تصدرت هذه المدينة حصيلة الانتهاكات بحق الصحافيين والناشطين الإعلاميين واختطاف الصحافيين الأجانب. ويقول ناشط رفض الكشف عن اسمه، نظرا لإقامته في الرقة، إن الهدف الذي قام عليه الحراك الثوري في بلاد، لتغيير نظام حكم الرئيس السوري بشار الأسد: «سقط بسيطرة داعش»، وبالتالي: «فقد الحراك روحيته، بدليل منع رفع علم الثورة في المنطقة». في هذا الوقت، لا تُرفع إلا رايات سوداء، توحي بأن المدينة «خارج الحراك الثوري، وتحولت إلى إمارة إسلامية». ولا يخلو يوم من غير صدور تعاليم جديدة، وقوانين «لم يعرفها السوريون من قبل»، والبدء بتنفيذ إجراءات «تقوض حركة السكان».
ونقلت «داعش» معظم المقرات الحكومية إلى عهدة التنظيم، حتى باتت مكاتبا له. أما المحاكم، فتحولت إلى محاكم شرعية، فيما استخدمت الساحات العامة في المدينة لتنفيذ أحكام تلك المحاكم. ويقول ناشطون إن أغلب المناهضين لحكم «داعش»، باتوا مطلوبين للتنظيم. «بعضهم فرّ من المنطقة، والبعض الآخر يلتزم الصمت أو يعمل في الخفاء»، وسط أنباء عن أن عدد الناشطين الذين عرفوا خلال الحراك الثوري، والمطلوبين الآن لـ«داعش»، تخطى الـ250 ناشطا.
ومنذ سيطرة التنظيم على المدينة، تبدلت صورة الحياة فيها. ويقول محمد (أحد سكان الرقة سابقا) الذي نزح مع عائلته إلى بيروت، إن قوانين غريبة، تتحكم بحياة السكان: «تراعي الشكل بما يتخطى المضمون»، مشيرا إلى أن أحد أبرز تلك التدابير «معاقبة من لم يقص أظافره بالجلد، واعتقال من يرتدي سروالا، كما اعتقال من يحلق ذقنه». وتمددت إجراءات «داعش» إلى صالونات حلاقة الرجال، ومتاجر بيع الألبسة، والمدارس والكليات. أما من تلفظ باسم «داعش»، فإنه يعاقب بالجلد نحو 70 جلدة في المرة الأولى، ويعتقل في المرة الثانية. فهذه الكلمة «تستفزّ عناصر التنظيم الذين عدد الأجانب منهم، يفوق عدد السوريين، ولا ينشغلون إلا بتطبيق الشرائع في المدينة، بدلا من قتال قوات النظام».
وأثارت قرارات «داعش» تحفظا كبيرا في أوساط المعارضين السوريين، وتحديدا القرارات المرتبطة بالمسيحيين، نظرا لتأثيرها على «البنية الاجتماعية السورية»، في ظل نزوح عدد كبير من المسيحيين في الرقة باتجاه الأراضي التركية ومحافظات سورية أخرى، كما يقول ناشطون. وكان التنظيم وضع شروطا على المسيحيين ليعيشوا في الرقة، حمل اسم «عهد الأمان لنصارى الرقة مقابل التزامهم بأحكام الذمة»، مقابل أن «لا يبنوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب منها، وأن لا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في طرق المسلمين أو أسواقهم، ولا يستعملوا مكبرات الصوت عند أداء صلواتهم وكذلك سائر عباداتهم»، إلى جانب شروط أخرى بينها «الامتناع عن القيام بأعمال عدوانية تجاه (الدولة الإسلامية)، كإيواء الجواسيس والمطلوبين قضائيا لها، أو من تثبت حرابته من النصارى أو من غيرهم، أو مساعدتهم في التخفي أو التنقل أو غير ذلك، وإذا علموا بوجود تآمر على المسلمين فعليهم التبليغ عن ذلك».
وإلى جانب مخاوف السوريين من نظام حكم «داعش»، أثارت تلك الممارسات والتدابير مخاوف في الغرب. ولا ينفي ممثل الائتلاف الوطني السوري المعارض في الولايات المتحدة نجيب الغضبان، أن تكون تلك الممارسات «أساءت إلى الثورة السورية، قبل إثارة مخاوف الغرب»، عادا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنها «أساءت أيضا إلى قيم الإسلام»، مؤكدا أن «ثقافة المنطقة ترفض تلك الممارسات كذلك تاريخ السوريين، وتطال قيم الثورة السورية التي قامت ضد النظام، وترفض أن يحكمها نموذج ضلالي».
ويرى الغضبان أن ممارسات «داعش» عززت تردد الغرب في دعم الثورة السورية، وأراحته إلى حد كبير في تقديم أعذاره عن اتخاذ مواقف حاسمة. ويوضح أن «المسؤولين الغربيين كانوا، قبل حكم داعش في الرقة، يتحدثون مع ممثلي المعارضة عن ضمانات بشأن الأقليات وتمثيل المرأة وشكل الائتلاف»، لافتا إلى أن «ظهور داعش أراح الغرب لجهة البحث عن ذرائع تمنعه من تقديم موقف حاسم بشأن مساعدة الثورة».
ولم تكن مخاوف الغرب من النموذج المتشددة، وليدة سيطرة «داعش» على الرقة، وبعض مدن ريف حلب. يقول الغضبان إن الغربيين «كانوا ينظرون بشك وتخوف من نموذج الجماعات المتطرفة وبينها جبهة النصرة، ما دفع الولايات المتحدة لإدراجها على لائحة الإرهاب»، مشيرا إلى أن المعارضة السورية «كان التقدير مختلفا، لأن وضع المتشددين، هو أكثر تعقيدا من حصرها بالنصرة، في حين كانت الجبهة تقدم السلاح والمال للمعارضين، بينما كانت المعارضة المدنية عاجزة عن تقديم الدعم للمقاتلين». ويشير إلى «أننا طالبنا الغرب بدعم المعارضين العلمانيين مقابل دعم المتشددين للسوريين، بهدف وقف اجتذابهم، وسحب الذرائع ممن ينضمون إلى الطرف المتشدد».
وفي مقابل المخاوف الغربية، اتخذت فصائل المعارضة الإسلامية المعتدلة، والعلمانية، مواقف حاسمة من «داعش»، مطلع العام الحالي، حين انقلبت عليها، وحاربتها من مناطق واسعة في ريفي حلب وإدلب، من غير أن يتمدد القتال إلى الرقة.
وترى المعارضة أن قتال «داعش»: «واجب مثل قتال النظام». ويقول الغضبان إن «التناغم بين داعش والنظام يُستدل إليه من السماح لها بالتمدد، من غير استهدافها»، مستبعدا في الوقت نفسه، الشكوك حول ارتباطهما. ويوضح: «النظام يستفيد من وجود داعش التي كرست صورة التشدد باسم الإسلام، ما يضاعف مخاوف الغرب، علما بأن هذا النموذج مرفوض من السوريين والمعارضة التي تؤكد دائما على ثوابت الثورة».
وكانت «داعش» أحكمت سيطرتها على مدينة الرقة، مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد قتل عدد من مسلحي جبهة النصرة، والكتائب الإسلامية الموجودة في المدينة، وأعلنت فرض نظام الدولة الإسلامية فيها. وفي خضم الحرب على «داعش» في شمال سوريا، خسرت «داعش» بعض مواقعها في الرقة، قبل أن تستعيدها مجددا في منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي. واتخذت «داعش» مجموعة من التدابير الداخلية، أهمها إصدار قرارات الإعدامات الميدانية، وإنشاء الشرطة النسائية لاعتقال الناشطات، وإنشاء المحاكم الإسلامية التي حكمت مرات كثيرة بالجلد.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.