اللجوء السوري «كارثة» العصر.. وجيل كامل من الأطفال «معلق في الهواء»

أزمة سوريا نقلتها من ثاني أكبر مستضيف للاجئين إلى المصدر الثاني عالميا

اللجوء السوري «كارثة» العصر.. وجيل كامل من الأطفال «معلق في الهواء»
TT

اللجوء السوري «كارثة» العصر.. وجيل كامل من الأطفال «معلق في الهواء»

اللجوء السوري «كارثة» العصر.. وجيل كامل من الأطفال «معلق في الهواء»

تخطى عدد السوريين الذين اضطروا إلى الفرار من منازلهم بسبب النزاع المستمر منذ ثلاث سنوات في بلدهم تسعة ملايين شخص مما أدى إلى أكبر مجموعة من النازحين في العالم، بحسب الأمم المتحدة.
وقال رئيس المفوضية العليا للاجئين أنتونيو غوتيريس إن «من غير المقبول أن تحصل كارثة إنسانية بهذا الحجم أمام أعيننا دون أي مؤشر إلى مطلق تقدم من أجل وقف حمام الدم». وأضاف غوتيريس في بيان: «يجب عدم ادخار أي جهد من أجل تحقيق السلام وتخفيف معاناة شعب لا ذنب له يحاصره النزاع ويرغمه على الرحيل عن بيته وأهله وعمله ومدرسته».
«الشرق الأوسط» تواصل اليوم تغطيتها للذكرى السنوية الثالثة للثورة السورية وتتناول أزمة اللاجئين إلى الخارج والنازحين في الداخل، وتتناول أيضا أوضاع الأقليات وكيف أضعفت جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المعارضة بممارساتها وانتهاكاتها خاصة في معقلها بالرقة.

كانت ثلاث سنوات من عمر الأزمة كفيلة بنقل سوريا من الدولة الثانية عالميا لناحية عدد اللاجئين الذين تستضيفهم على أراضيها إلى الدولة الثانية المصدرة للاجئين، إذ لم تتفوق عليها سوى أفغانستان التي فر منها أكثر من خمسة ملايين لاجئ من الحرب والقمع والفقر، توجه معظمهم إلى إيران وباكستان خلال العقود الثلاثة الماضية.
وإذا كانت إحصاءات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تفيد بأنه لا يزال هناك 2.55 مليون لاجئ أفغاني، خارج بلدهم، فإن السوريين الفارين من الحرب يقتربون من أن يصبحوا أكبر مجموعة من اللاجئين في العالم حيث اقتربوا من تجاوز عدد اللاجئين الأفغان.
وتتوقع المفوضية، بحسب ما أوردته في «خطة الاستجابة الإقليمية للأزمة السورية لعام 2014»، أن يبلغ عدد اللاجئين السوريين بنهاية عام 2014 4.1 مليون لاجئ، بازدياد يعادل 1.7 مليون خلال العام الحالي، مشيرة إلى أن موجات تدفق السوريين هي «الأكبر في التاريخ الحديث»، في حين أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن «1.2 مليون طفل سوري أصبحوا لاجئين يعيشون في خيام أو في المجتمعات المضيفة».
أكثر من 2.5 مليون لاجئ سوري، يُستثنى منهم اللاجئون الفلسطينيون الذين فروا من سوريا، مسجلون حاليا لدى مفوضية اللاجئين، بوصفهم «لاجئين في دول مجاورة لسوريا في الشرق الأوسط»، في حين تشير تقديرات دولية إلى أن عدد النازحين داخل سوريا بلغ 6.5 مليون شخص.
وكانت وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة أطلقت نداء تمويل بقيمة 4.2 مليار دولار أميركي لمساندة اللاجئين السوريين حتى نهاية العام الحالي، لم تتسلم منه إلا 600 مليون دولار، أي ما يعادل 14 في المائة من المبلغ المطلوب. وتصف مفوضية اللاجئين في تقريرها حول خطة الاستجابة الإقليمية لسوريا خطة التمويل بأنها «واحدة من أضخم النداءات الطارئة للاجئين التي أطلقت حتى الآن»، علما بأنه مع عدم وجود أفق لانتهاء الأزمة قريبا يصبح إيجاد وسائل جديدة وإضافية للتمويل تحديا متزايدا.
ويتصدر لبنان، المتخبط أمنيا وسياسيا واقتصاديا بفعل أزمة سوريا، قائمة دول الجوار باستضافته أكثر من 962 ألف سوري مسجلين، عدا الذين يقيمون على نفقتهم الخاصة والعمال السوريين الموجودين أصلا في لبنان منذ ما قبل بدء الأزمة. وتحتل تركيا المرتبة الثانية بإيوائها نحو 635 ألف سوري، يليها الأردن الذي يستضيف أكثر من 584 ألف سوري، فالعراق حيث يتواجد 227 ألف سوري ومصر التي تستضيف بدورها 135 ألف سوري.
وينعكس عدم وفاء الدول والجهات المانحة بالتزاماتها المالية واستجابتها الفاعلة لنداءات التمويل بشكل سلبي على حياة اللاجئين السوريين، وعلى المجتمعات المضيفة في آن معا. فاللاجئون الذين يختارون الهرب من منازلهم وبلداتهم وأرضهم بحثا عن أمن وأمان مفقودين في سوريا، يعيشون في دول الجوار، وتحديدا في لبنان والأردن، معاناة من نوع آخر.
صحيح أن أحدا منهم لم يمت جوعا، ومنظمات الإغاثة الدولية والحكومات والهيئات المحلية تبذل قصارى جهدها لمساندتهم، لكن ذلك لا ينفي أن مستوى المعيشة والخدمات في أماكن إقامتهم لا سيما في الخيم (660 ألفا منهم) تحت رحمة المطر شتاء والحر صيفا، يبقى أقل بكثير من المستوى المطلوب. تكافح أسر اللاجئين للحصول على الخدمات الأساسية ودفع الإيجار وتوفير لقمة العيش وتلقي الرعاية الصحية، عدا عن تعرض الفئات الأكثر تهميشا منهم كالنساء والفتيات للعنف الجنسي والعنف القائم على نوع الجنس ويجبرن على الزواج المبكر. على سبيل المثال، تفيد إحصاءات المفوضية على الصعيد الصحي، بأن هناك حاليا 41 ألف امرأة حامل في أوساط اللاجئات السوريات، اللواتي قد يحتجن إلى رعاية صحية عاجلة قبل الولادة وخلالها وبعدها. وتشير إلى أن «كلا من الأمهات والرضع معرضون للخطر بسبب نقص فرص الحصول على الخدمات الطبية، والتي في كثير من الحالات قد تكون مصحوبة بالصدمة وسوء التغذية والمرض والتعرض للعنف وإجبارهم على العيش في بيئات صعبة».
على الصعيد الغذائي، ورغم كل المساعدات المحلية والدولية، يعاني 70 في المائة من اللاجئين في مصر ولبنان من انعدام الأمن الغذائي، علما بأن نصف إنفاق الأسر السورية اللاجئة في لبنان يذهب إلى الطعام وأكثر من ثلثها في الأردن، في حين تعتمد الغالبية العظمى من الأسر التي تعيش في مخيمات اللاجئين على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم اليومية من الغذاء. ولا تقتصر المعاناة على اللاجئين فحسب، إذ يشكل استمرار وجودهم مع فشل مساعي الحل السياسي، عبئا ثقيلا على دول الجوار المضيفة، لا سيما لبنان والأردن اللذين يئنان من تبعات اللجوء السوري على الصعد كافة، وتحديدا الاقتصادية والأمنية. تلحظ خطة الاستجابة الإقليمية للأزمة السورية للعام الحالي، والتي وضعتها مفوضية اللاجئين، مساعدة سكان المجتمعات المضيفة والذين يقدر عددهم بـ2.7 مليون شخص، انطلاقا من أن الحماية الكافية للاجئين لا يمكن الحفاظ عليها من دون تعزيز التماسك الاجتماعي والاستثمار في البنى التحتية والاقتصاد والنظم الاجتماعية المحلية في المجتمعات المضيفة.
ويعد الأطفال الفئة الأكثر تضررا من النزاع السوري خلال 3 سنوات، إذ حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) قبل أيام من أن مستقبل 5.5 مليون طفل في داخل سوريا ولاجئين في دول الجوار «معلق في الهواء» بينما يسبب العنف وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية والضيق النفسي الشديد وتدهور الوضع الاقتصادي للعائلات في «تدمير جيل كامل».
وتقدر المنظمة الدولية، في تقرير بعنوان «تحت الحصار، الأثر المدمر على الأطفال خلال ثلاثة أعوام من النزاع في سوريا»، عدد الأطفال «الذين يتعرضون للأذى الأكبر بمليون طفل داخل سوريا»، قالت: إنهم «عالقون في المناطق المحاصرة أو في مناطق من الصعب الوصول إليها أو تقديم المساعدات الإنسانية فيها بسبب استمرار العنف»، في وقت تبدو «إمكانية وصول الأطفال اللاجئين في دول الجوار إلى المياه النقية والطعام المغذّي وفرص التعليم محدودة للغاية».
من ناحيتها، تتوقع مفوضية شؤون اللاجئين أن يتجاوز عدد الأطفال اللاجئين عتبة المليونين بحلول شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، في موازاة إشارتها إلى أن 60 في المائة منهم، ممن هم في سن الدراسة، غير ملتحقين بالمدارس. في مصر، لا يذهب 90 في المائة من الأطفال إلى المدرسة، أما في لبنان فأقل من 25 في المائة من الأطفال اللاجئين مسجلون في التعليم العام. وفي الأردن يبدو الوضع أفضل مع انخراط 55 في المائة من الأطفال اللاجئين في المدارس. وفي موازاة دق المنظمات الصحية المعنية ناقوس الخطر بعد تجدد ظهور فيروس شلل الأطفال بسبب البيئة الصحية والخدمية غير الآمنة، تكرر الجهات المانحة ومنظمات الإغاثة دعواتها للمساعدة بشكل عاجل لمنع «ضياع جيل كامل» من الأطفال السوريين، علما بأن 7 آلاف طفل على الأقل قتلوا خلال 3 سنوات من أزمة سوريا.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.