كيف خلق الإنسان المعنى وهو الكائن الفاني؟

لوك فيري يضع 5 أجوبة للخلاص في «أجمل قصة في تاريخ الفلسفة»

كيف خلق الإنسان المعنى وهو الكائن الفاني؟
TT

كيف خلق الإنسان المعنى وهو الكائن الفاني؟

كيف خلق الإنسان المعنى وهو الكائن الفاني؟

إن المتأمل في كتب الفلسفة، وخصوصا المدرسية منها، يتبين له أن المقصود من لفظة «فلسفة» هو تلك المادة التي تضع النقد في صلب اهتمامها، أي أنها ترفض الجاهز من الأجوبة إلا بعد التمحيص والتدقيق. بكلمة واحدة، هي تدريب على الشك وتعلم تعليق الأحكام إلا بعد بذل الجهد.
يرى الفيلسوف لوك فيري في هذا التعريف للفلسفة ابتذالا واختزالا لها، لأن النقد والسؤال ليسا حكرا على الفلاسفة، بل أمر يقوم به حتى العلماء والتقنيون والحقوقيون والصحافيون وغيرهم، فهم ليسوا بحاجة إلى الفلسفة لاكتساب فكر نقدي. لهذا يلح لوك فيري على أنه إذا كانت الفلسفة مجرد تعليم وتدريب على الشكوك والنقد، فهي ربما لا تستحق منا ولا حتى ساعة عناء واحدة. إذن ما الفلسفة؟ وماذا ننتظر منها؟ وأي خدمة يمكن أن تقدمها للبشرية؟ ألا نزال في حاجة إليها؟
يرى لوك فيري أن مهمة الفلسفة عبر تاريخها كانت أكبر من هذا الاختزال الذي ألحق بها، فهي كانت ولا تزال ذلك الاكتشاف الباهر من قبل الإنسان، لإمكاناته الخاصة والخالقة للمعنى. إنها عبرت عن الأمل في العثور على علامات هادية إلى الخلاص، في ظل إحساس إنساني دائم بضياع المصير المنفلت على الدوام من بين يديه. إنها ذلك المسعى الدؤوب لإنقاذ حياتنا من السخف الذي يسحقنا ويهدد وجودنا، نحن الكائنات الفانية. وبكلمة واحدة، تعد الفلسفة بحثا عن حل لأكبر سؤال يجابهه الإنسان على الدوام، وهو: ما الذي يجعل الحياة تستحق أن تعاش، على الرغم من الموت؟ ما الذي يبرر أن نصرف جهودنا فيها؟
يعتقد فيري أن الفلسفة قدمت أجوبة، ولا تزال قادرة على الخوض في هذه المهمة العسيرة، الأمر الذي دفعه إلى تقسيم التاريخ إلى خمسة مراحل كبرى، كل مرحلة منها بمثابة رؤية للعالم وجواب عن سؤال الخلاص، فما هي هذه المراحل؟
سنعتمد من أجل ذلك كتابه الشيق «أجمل قصة في تاريخ الفلسفة»، وهو من ترجمة محمود بن جماعة، وأصدرت دار التنوير طبعته الأولى عام 2015.

* الخلاص عن طريق التناغم مع «الكون»
* إنها المرحلة اليونانية، التي كانت ترى أن خلاص الإنسان، يكمن في أن يكون قطعة من الكون (الكوسموس)، أي أن الحياة الطيبة هي العمل على التوافق مع التناغم الكوني. فالعالم اليوناني بحسب تصور أساطيره، أو بحسب فلاسفته، منظم وعادل وجميل وحسن ومرتب. فكل كائن له مكانته التي تناسبه. والمرء السعيد هو من يجد نفسه في المكان المناسب ضمن سيمفونية هذا العالم. وهو ما يفسر لنا، بحسب لوك فيري، سبب رفض «أوليس»، وهو أحد أبطال الأساطير اليونانية، الخلود الذي اقترحته عليه «كليبسو»، إذ إن قبوله بذلك يعني تنكره لمنزلته كبشر فانٍ، فهو فضل أن يكون بشرا سويا على أن يكون إلها قبيحا.
إن أمر التناغم مع الكوسموس سيبدو بوضوح عند الفيلسوف أفلاطون، عند حديثه عن المجتمع العادل، إذ لا بد، من وجهة نظره، أن يكون الحكماء، ويقصد الفلاسفة، في أعلى المراتب. وهم من عليهم مهمة تسيير العامة. أما من هم أقل معرفة، ولكن يمتلكون فضيلة الشجاعة، فتصلح لهم حماية المدينة. وأخيرا، من يظلون في غفلة عن نظام الكون، وفي حاجة إلى أن يساسوا من قبل آخرين، فدورهم هو القيام بمهام وضيعة ومادية، وهي تجد لنفسها مرتبة عند الحرفيين والعمال والعبيد. فالعدالة هي أن تجد المكانة التي تليق بك، وأن لا تلعب دورا لا يناسبك، فالعالم يسير كسيمفونية ينبغي أن نكون قطعة منها.، بل حتى الفيلسوف أرسطو، سيقدم فيزياء تتناسب والنظرة القائمة على التناغم مع الكوسموس، فسقوط حجر إلى الأسفل مرده اشتياقه وحنينه إلى موطنه وأصلها الترابي. وبالمثل، يقال عن تطاير الدخان إلى أعلى. فكل شيء يسير إلى مكانه اللائق به. والطبيعة لا تفعل شيئا باطلا، كما يقول أرسطو نفسه.

* الأديان والخلود بعد الموت

* مع الأديان، ستعرف البشرية منعطفا جديدا في رؤية العالم، إذ سيصبح المعنى، أي الخلاص، ليس في أن يكون المرء قطعة من التناغم الكوني، بل سيكون الخلاص بالجسد والنفس معا، فمسألة النجاة فردية وشخصية وأبدية. وهذا يعد انتصارا حقيقيا على الموت أقوى من كل فلسفات العصر القديم. يرى لوك فيري أن جواب الأديان على سؤال الموت، وإن كان شديد الإغراء ويوفر الهناء والطمأنينة، وذلك بتقديمه وعودا بالبقاء ما بعد الموت، شريطة الالتزام بالوحي والإيمان به من دون نقاش، إلا أنه جواب يتم بحسب لوك فيري، على حساب الإنسان. إذ تتم المغامرة بالتفكير الذي هو أعز ما يملك، على عكس الفلسفة التي تريد الهناء، نعم ولكن ليس على حساب التفكير. فهما معا مطلبان بشريان لا يجب المغامرة بهما في هذه الحياة البشرية المحدودة.

* الخلاص عن طريق التقدم

* في هذه الحقبة، ستدخل البشرية مرحلة النزعة الإنسانية، إذ سيعمل مؤسس الزمن الحديث، وهو ديكارت، على تحرير الإنسان من كل السلطات الخارجية، ويجعل مصدر المعنى ليس من الخارج، بل من داخل الذات. فالذات بحسب المنظور الحداثي أصبحت قادرة على رفض الخضوع بلا تمحيص للأفكار الجاهزة. لقد بادر ديكارت بفعله الثوري، إلى مسح الطاولة وتنظيف العقل من كل ما هو آت من الماضي، وجميع الأحكام السابقة المشكوك فيها، إذ لن يقبل منها سوى الواضح والمتميز، أو تعليق الأحكام إلى أجل غير مسمى.
إذن، في الزمن الحديث، لم يعد الجواب عن مسألة الحياة الطيبة، ينطلق من فكرة التناغم الكوني اليوناني، بل من الذات الإنسانية، فهي أصبحت قادرة على صناعة المعنى باستقلال بطولي، وكأنها تتملك زمام أمرها، بل قادرة على تحسين مصير الإنسان، وهو ما جرى الترويج له، خصوصا بعد نجاحات العلم وهيمنه على الطبيعة. وهنا يذكرنا لوك فيري بالتماثيل التي توضع في الأماكن العامة للعظماء، كمؤشر للخلود في العالم اللائكي، وهو بديل عن الخلاص الديني. بعبارة أخرى، لقد أصبح المثل الأعلى للخلود هو أن تنجز شيئا يذكر للبشرية.

* الخلاص في الحاضر

* وهو الجواب الذي بدأ مع فلاسفة التفكيك، تفكيك أغلفة الوهم المكبلة لطاقات الإنسان الحيوية. إنها مرحلة جرى الترويج فيها إلى أن السعادة تكمن في استغلال بعد الحاضر. وذلك لأن الحاضر عابر ويتميز بالتلاشي والندرة، والنادر ثمين، لذلك فهو له القيمة العالية. إن الحاضر كتحفة فنية وكتجربة دائمة الانسحاب، تجعل الإنسان يحس بالجمال. إن الحاضر لا يعوض. فهو فريد من نوعه، ومن يَعِش التكرار فهو يعلن انتصار الموت على الحياة. فالحاضر لا يعاش باسم ماض ولى، أو باسم مستقبل مجهول، بل باسم الحاضر نفسه. أي باسم انقضائه وتلاشيه المستمر. ناهيك بأن الحرية لا تتحقق إلا في الحاضر. فهل سأحققها في الماضي؟ هذا مستحيل، لأنه زمن انتهى. وهل يمكن أن أعيش حريتي في المستقبل؟ أيضا، الجواب بالنفي، لأن المستقبل لا أملكه بيدي. إذن يبقى لنا الحاضر. فعلى الرغم من تلاشيه، فهو الحيز الوحيد المتبقي قصد الفعل والإنجاز والإبداع. إذن الحاضر زمن الحرية بامتياز. ففيه أحقق تفردي وخصوصيتي. إنها لحظتي أنا، ولا يملكها أحد غيري. فإما أهدرها وأضيعها وأفقد المعنى في حياتي، وإما أنجز فيها وجودي بطريقة كيفية ومتميزة، فلا أكون نسخة من الآخر، فأصنع بذلك هويتي الخالصة.

* الخلاص في الحب

* نصل إلى الجواب الخامس الذي يقدمه لوك فيري، على أساس أنه أطروحته الملائمة لزماننا هذا، لدرجة أنه سيؤلف كتابا خاصا لذلك سماه «ثورة الحب». وخلاصته هي التالية: يرى لوك فيري أن المعنى بالنسبة للإنسان الغربي هو الآن يتشكل ويتمثل في تنامي قوة المشاعر والحب، الذي يبدو أنه سيصبح الملاذ النهائي، على الأقل في أوروبا. وهو الأمر الذي ينبئ بميلاد نمط جديد من المقدس أصبح يؤثر في الإنسانية كثورة هادئة لكن فعالة. ولا يقصد لوك فيري بالمقدس، ذلك المعنى الديني، بل يقصد به كل ما يمكن أن نضحي من أجله ونهب روحنا لصالحه. وإذا كانت دواعي التضحية التي كان الإنسان مستعدا للموت من أجلها ثلاثة، وهي: الموت من أجل الله، أو من أجل الوطن، أو من أجل الأفكار الثورية الكبرى، فإن هذا الأمر لم يعد مقنعا في أوروبا الحاضر. وهنا يقول لوك فيري: نعم، هناك حقا من لا يزال يموت من أجل الله، وهناك كثير من المتعصبين لوطنيتهم، وأيضًا ما زال كثير من الثوريين. لكن الديمقراطيات العريقة قامت بإعادة النظر في كل القناعات القديمة، التي أضفت المعنى على وجود الإنسان. فالمقدس لم يعد يتجسد في فكرة الكوني المتناغم اليوناني، ولا في الإلهي الديني، ولا في الوطنية، ولا في الأفكار الثورية، ولا حتى في أن يكون المرء اسما منحوتا على الرخام لمنجز قدمه للبشرية، فهذه الأمور قد جرى تفكيكها. ولم يبق للأوروبيين سوى خط واحد هاد للمعنى، متمثل في الحب، المرتبط أساسا بظهور الأسرة الحديثة، إذ أصبح من الممكن التضحية بوجودنا من أجل كائنات بشرية بلحم ودم، وبالأساس أطفالنا.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.