انقسام بين المثقفين السعوديين بعد اعتماد اللائحة الجديدة للأندية الأدبية

مثقفون أبدوا ملاحظات.. وآخرون وجدوا أنها تدفع العمل الثقافي للأمام

أعضاء جمعية عمومية في أحد الأندية الأدبية.. التصويت للكفاءة أم الفئوية
أعضاء جمعية عمومية في أحد الأندية الأدبية.. التصويت للكفاءة أم الفئوية
TT

انقسام بين المثقفين السعوديين بعد اعتماد اللائحة الجديدة للأندية الأدبية

أعضاء جمعية عمومية في أحد الأندية الأدبية.. التصويت للكفاءة أم الفئوية
أعضاء جمعية عمومية في أحد الأندية الأدبية.. التصويت للكفاءة أم الفئوية

أحدثت لائحة الأندية الأدبية في السعودية، التي اعتمدها أمس الدكتور عادل بن زيد الطريفي، وزير الثقافة والإعلام، جدلاً في الساحة الثقافية، أسوة باللائحة السابقة التي اعتمدت في السابع من مايو (أيار) 2011.
ففي حين اشتكى مثقفون من أن اللائحة الجديدة لا تختلف في جوهرها عن اللائحة السابقة، لاحظ آخرون أن الفروقات التي تضمنتها اللائحة الجديدة جاءت شكلية ولا تراعي التطور الهام الذي شهدته المملكة، ويعيشه المشهد الثقافي السعودي.
رؤساء وأعضاء أندية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ولاحظوا أنها تؤسس لتطور في أداء النشاط الثقافي، وتطلق العنان للمثقفين لكي ينهضوا بمؤسساتهم الثقافية، على أساس المشاركة، خاصة أنها أقرّت مبدأ تشكيل مجالس إدارات الأندية على أساس الانتخاب.
وترسم اللائحة الجديدة المكونة من 18 مادة، أهدافا رئيسية لعمل الأندية الأدبية وهي: خلق بيئة أدبية تفاعلية منتجة. ونشر الأدب باللغة العربية الفصحى. وإبراز واقع الأدب وتاريخه في نطاق النادي خاصة وفي المملكة عامة بما يعزز الانتماء الوطني. وتوثيق أواصر الصلات الأدبية بين الأدباء. والتعاون مع الجهات ذات الصلة. واستقطاب المواهب الأدبية الشابة ورعايتها وتشجيعها. وتمثيل الأدباء أمام الجهات ذات العلاقة فيما يتصل باختصاصات النادي. ودعم المبادرات الأدبية والثقافية ذات الصلة.
قلّصت اللائحة الجديدة وظائف الهيئة الإدارية للأندية، فألغت منصب نائب الرئيس وأبقت على رئيس النادي (رفعت مكافأته إلى 5000 ريال) شهريًا، والمسؤول الإداري (أصبحت مكافأته 4000 ريال) شهريًا، والمسؤول المالي (مكافأته 4000 ريال) شهريًا. كما أحدثت تغييرات في مكافآت أعضاء مجلس الإدارة (600 ريال لكل جلسة، بعد أن كانت 750 ريالا لكل جلسة). وقلّصت رسوم العضوية، فأصبحت عضوية العامل 200 ريال بعد أن كان 300 ريال، وعضوية المشارك 100 ريال بعد أن كان 200 ريال.
وفي شرط المؤهل، نصّت اللائحة الجديدة أن يكون العضو العامل «حاصلاً على مؤهل علمي يتصل باللغات وآدابها»، وكانت اللائحة السابقة خولت مجلس الإدارة تحديد المؤهل العلمي للعضو العامل. كما حددت اللائحة الجديدة أن يكون العضو العامل «قد أصدر كتابًا أدبيا مطبوعًا أو أكثر على أن يكون مفسوحًا نظامًا»، ولم يكن شرط الفسح منصوصًا في اللائحة السابقة.
قسمت اللائحة عضوية الأندية الأدبية إلى ثلاث فئات: عضوية عاملة، وهي متاحة للسعوديين فقط ممن يقيمون في نطاق النادي، ولا تقل أعمارهم عن 25 عامًا، ويشترط أن يكونوا حاصلين على مؤهل علمي يتصل باللغات وآدابها. أو أن يكونوا قد أصدروا كتابًا أدبيًا مطبوعًا أو أكثر، على أن يكون مفسوحًا نظامًا. وأن يدفعوا رسوم العضوية.
والعضو العامل هو الذي يتمتع بحق الترشح لعضوية مجلس الإدارة «وفق ضوابط اللائحة»، ويحق له أيضا انتخاب أعضاء مجلس الإدارة، وحضور اجتماعات الجمعية العمومية، والتصويت في اجتماعاتها.
أما الفئة الثانية من العضوية، فهي عضوية مشاركة، وهي تمنح للسعوديين والمقيمين من غير السعوديين من داخل نطاق النادي أو من خارجه، ولا يقل عمر العضو المشارك عن (18) سنة، وأن يكون قد دفع رسوم العضوية.
ويتمتع العضو المشارك بمميزات دون حق التصويت على القرارات أو حق الترشيح والانتخاب.
الفئة الثالثة هي عضوية شرفية، وتمنح للشخصيات الداعمة لنشاطات النادي وبرامجه معنويًا أو ماديا، وأوكلت اللائحة لمجلس إدارات الأندية تحديد حقوق العضوية الشرفية، وشروطها بما يخدم أهداف النادي بعد موافقة الوزارة.
الدكتور عبد الله الحيدري، رئيس النادي الأدبي في الرياض، قال لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن اللائحة الجديدة أضافت هدفا جديدا تصدر أهداف الأندية، وهو: «خلق بيئة أدبية تفاعلية منتجة»؛ مما يعني رغبة الوزارة في أن تلبس الأندية الأدبية ثوبا جديدا، مع حث مجالس الإدارة القادمة على الاستفادة من معطيات التقنية، وهذا واضح من خلال كلمة «تفاعلية».
وأضاف: إن تحقيق هذا الهدف يحتاج من مجالس الإدارات الحالية إلى تحفيز من يرون أنهم قادرون على تحقيق هذا الهدف للالتحاق بالجمعيات العمومية.
الحيدري الذي كشف لـ«الشرق الأوسط» أنه يترشح للمجلس القادم، لاحظ أنه «في شروط الالتحاق بالجمعية العمومية نصت اللائحة الجديدة على أن يكون حاصلا على مؤهل علمي يتصل باللغات وآدابها، في حين كان الشرط في اللائحة الحالية: «مؤهل علمي يحدد مستواه مجلس الإدارة»، ولا شك أن الصياغة الجديدة أدق وأوضح.
كما لاحظ أن اللائحة الجديدة تضمنت تخفيضا لرسوم الحصول على عضوية النادي العاملة والمشاركة؛ «مما يعني أن هناك معالجة للعزوف عن التفاعل مع الأندية الأدبية، وتحفيز الشباب تحديدا على الانضمام لها».
ولاحظ الحيدري أنه في اللائحة الجديدة تقديم وتأخير فيما يخص وسيلة الانتخاب، ففي اللائحة الحالية جاءت العبارة: (إلكترونيا أو ورقيا)، وفي الجديدة (ورقيا أو إلكترونيا)، ومعنى ذلك أن صياغة الجديدة نظرت إلى بعض المشكلات التي نتجت عن انتخابات عام 1432هـ، وجعلت الأولوية للانتخابات الورقية ثم الإلكترونية، وهذه نقطة في الغاية من الأهمية.
في حين قال لـ«الشرق الأوسط» حسن الزهراني، رئيس نادي الباحة الأدبي، أنه من «المؤسف جدا أن ينتظر المثقفون كل هذا الوقت وتخرج اللائحة بهذا المستوى»، وأضاف: «أرى أن التغيير فيها عن السابقة لا يكاد يذكر»، ومضى يقول: «كنا ننتظر أن تكون صلاحيات الأندية والجمعيات العمومية أكبر، وكنا ننتظر تغييرا فيما يخص النشاطات والطباعة والمكافآت؛ خصوصا مكافآت المثقفين المشاركين في النشاطات ولكنني أعتقد أنها ستتغير قريبا كالمعتاد».
أما رئيس نادي المنطقة الشرقية الأسبق، القاص جبير المليحان، فقال لـ«الشرق الأوسط»: «اعتماد اللائحة خطوة إيجابية من الوزارة، ولعلها أولى الخطوات التي ينتظرها الأدباء والمثقفون من وزارة الثقافة، بعد انشغالها عن الشأن الثقافي مدة طويلة».
وأضاف المليحان: «لعلنا نذكر الوزارة بمتابعة تطبيق اللائحة بشكل سليم، خاصة ما يتعلق بالعضوية، وانعقاد الجمعيات العمومية. وكذلك إحياء جائزة الدولة التقديرية التي ترقد في غرفة الإنعاش. وكذلك تفعيل توصيات مؤتمرات الأدباء الأربعة».
ولفت المليحان إلى «حاجة المملكة الآن وبهذا الحجم السياسي والاقتصادي والعسكري إلى اتحاد للكتاب يمثل المملكة أدبيا وثقافيا».
الشاعر وعضو نادي الرياض الأدبي، الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الزيد، قال لـ«الشرق الأوسط»: «ستبقى الأندية الأدبية ولوائحها ومشروعاتها رهينة للفشل، لأن هذه الأندية، وكل ما يتعلق بها تفتقر إلى الاستراتيجية الثقافية التي تحفظ الحقوق وتضمن النجاح لأي نشاط ومشروع».
ورأى الزيد أن هذه اللائحة «ينقصها من حيث المبدأ التخطيط والتنظيم اللذين هما ناتج تلقائي للاستراتيجية، وينقصها من قبل ذلك السند المرجعي القوي المتمثل في الوزارة.. وما رابطة الأدباء عنا ببعيد في هذه المسألة تحديدا»، وقال إن «لوائح الأندية تخضع للرؤى الفردية، ولا تستند إلى النظام الثقافي القوي»، مضيفًا: «عندما تقرأ نص اللائحة ستشدك الجمل المثالية والعناوين البراقة، ولكنها ستنتهي على أسطح مكاتب رؤساء الأندية إلى نوع من التعليمات المجانية التي ليس لها أي رصيد». وقال عبد الجليل الحافظ، من نادي الأحساء الأدبي، إن اللائحة الجديدة تضمنت شرط «المنتج الأدبي» وكذلك تم تقليص عدد الشهادات إلى حملة شهادات الآداب سواء أدب عربي أو أجنبي مما سيقلل من نسبة الدخلاء على مجال الأدب.
لكنه أضاف: «هناك بعض الأخطاء في اللائحة فهي مثلا تشترط وجود محاسب قانوني ثم تجعل الجمعية تصوت على وجوده، كما أن اللائحة أهملت وجود دور لأعضاء المجلس الآخرين غير قرارات التصويت وكان ينبغي إيجاد أدوار مسجلة ومطالبين بها لزاما»، وأضاف: «كما أن اللائحة لم تقرر مقدار الدعم الذي تتحصل عليه الأندية ولم تقر ميزانيات إدارية ومصاريف المباني للأندية».
من جهته قال الناقد يونس البدر، المحاضر في كلية الآداب بجامعة الملك فيصل، وعضو النادي الأدبي بالأحساء، شرقي السعودية: «اللائحة الجديدة تختلف بشكل طفيف جدا عن اللائحة السابقة؛ فمثلاً، اختلفت رسوم اشتراك العضويات لمبلغ أقل من السابق، كانت (300) وأصبحت (200) والمناصب الإدارية كانت أربعة مناصب (رئيس ونائب ومسؤول مالي ومسؤول إداري) والآن أصبحت ثلاثة فقط بإلغاء منصب نائب الرئيس».
وأضاف البدر: «الهاجس الأهم في الوسط الثقافي كان يتعلق بآلية تشكيل هذا المجلس وقد ظن الكثيرون أنه سيكون بالتعيين ولكن المفاجأة التي حملتها هذه اللائحة أنها أقرت آلية الانتخاب لجميع أعضاء المجلس وهذا مؤشر إيجابي يدل على ثقة الوزارة في أعضاء الجمعيات العمومية».



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.