رئيس القمة العالمية للحكومات: نحن أمام أشكال جديدة من الاقتصاد المعرفي

القرقاوي لـ «الشرق الأوسط»: القمة تحولت إلى فعالية عالمية بشراكات مع منظمات دولية

محمد القرقاوي
محمد القرقاوي
TT

رئيس القمة العالمية للحكومات: نحن أمام أشكال جديدة من الاقتصاد المعرفي

محمد القرقاوي
محمد القرقاوي

كشف محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء في الإمارات رئيس القمة العالمية للحكومات، أن الدورة الرابعة من القمة شهدت تغيرات كبيرة في اسمها ومضمونها وفلسفتها وبرامجها وآليات تبادل المعرفة عبر مختلف منصاتها، منوها بأن التغيير الأكبر يتمثل في تحويل القمة من حدث سنوي إلى مؤسسة دولية، لأن استشراف المستقبل يتطلب جهدًا يوميًا مكثفًا وليس عملاً سنويًا موسميًا.
وقال، في حوار مع «الشرق الأوسط» على هامش القمة، إن أعمال هذه القمة ستتواصل وتستمر في الأبحاث واستنباط المعرفة، مشيرًا إلى معطيات جديدة على وسائل تحقيق التنمية المستدامة، وعلى ضرورة تحقيق هذه التنمية بتعاون إقليمي ودولي.. كما كشف عن أمور أخرى في الحوار التالي:
* ما الجديد في القمة العالمية للحكومات في دورة 2016؟
- جديد القمة هو أنها تحولت من حدث محلي وطني إلى فعالية عالمية دائمة الانعقاد، بالشراكة مع منظمات دولية مهمة ومؤسسات بحثية مختصة بالدراسات والمشاريع العلمية بمختلف تخصصاتها. إن القمة العالمية للحكومات هذا العام تنطلق وفق الرؤية السديدة للشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، الذي يسعى لترسيخ دولة الإمارات باعتبارها منصة رئيسية للتغيير الإيجابي في العالم. القمة أيضًا تنطلق بمتابعة دقيقة ويومية من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي يؤمن بأن المستقبل يمتلكه من يستطيع استشرافه وبأن الاستعداد للمستقبل هو جزء أساسي من عمل الحكومات.
تنطلق القمة العالمية الحكومية هذا العام بفلسفة جديدة واتجاهات جديدة، وبحضور دولي كبير، لدينا أكثر من 3 آلاف مشارك، و120 متحدثًا من 125 دولة، سيتحدثون ويناقشون ويستشرفون مستقبل الحكومات والعالم في أكثر من 70 جلسة تغطي كل القطاعات التي تهم الإنسان. وكما رأيتم، بدأت فعاليات اليوم الأول بكلمة للرئيس الأميركي باراك أوباما عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، كما شهدت القمة مشاركة ومتابعة من قبل الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي. كما أجرى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في اليوم الأول للقمة، حوارًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع أكثر من 10 ملايين متابع بعنوان «حوار المستقبل». بالإضافة إلى ذلك، القمة تحتوي على عدد من الطاولات المستديرة والجلسات المغلقة، التي سيناقش فيها شركاؤنا سبل تحقيق التنمية المستدامة، وعلى رأسها البنك الدولي وهيئة الأمم المتحدة، وشهدنا أيضًا على هامش القمة إطلاق القمة الإنسانية، ولدينا أيضًا جائزة أفضل وزير في العالم، التي تهدف إلى إبراز نماذج حكومية قيادية ناجحة على مستوى العالم وتبادل الخبرات فيما بينها، وجائزة الخدمات الذكية بحلة جديدة، وكثير من التقارير العالمية التي سيتم إطلاقها عن طريق القمة، كما لدينا طبعًا «متحف المستقبل» الذي يتيح للحضور تجربة تقنيات لم تطبق بعد، وابتكارات الحكومات الخلاقة الذي يعرض أمام المشاركين 11 تجربة مميزة للحكومات حول العالم.
* شهدت القمة تغيرات كثيرة هل يعني ذلك أن المعطيات شهدت اختلافًا واسعًا عما كانت عليه خلال السنوات الماضية؟
- من الطبيعي أن يكون هناك تغير في المعطيات، والسرعة في هذه المتغيرات يتطلب من الحكومات تحديث أنظمتها وطرق إدارتها، الإدارة الحكومية اليوم علم يدرس في الجامعات ويتطور باستمرار. علم يجيب عن كثير من التساؤلات، كيف تطور الحكومات علاقتها مع مواطنيها، كيف تؤمن لهم استمرارية الخدمات، وكيف تحدثها باستمرار، كما أن هناك تطورات علمية شهدتها كل القطاعات التي تقدم من خلالها الحكومات خدماتها للجمهور. هناك تطورات على قطاع الصحة، كيف يمكن أن نتعامل معها؟ وكيف يمكن للحكومات امتلاكها؟ اليوم هناك إمكانية للتخلص من الإعاقات عن طريق طباعة الأطراف والأعضاء البشرية، ثم هناك تطورات على قطاع التعليم. هناك ما يسمى «المدارس السحابية»، في المستقبل القريب لن يعرف أبناؤنا عماذا نتحدث عندما نذكر الشكل القديم للمدارس أمامهم. هناك معطيات على شكل أخطار وهواجس من المستقبل الرقمي والتقني، هناك تساؤلات: عن مستقبل الإنسان في حال أصبحت الروبوتات تقوم بكل الوظائف اليومية، هناك معطيات تغيرت على قطاع الاقتصاد، كيف سيكون شكل الاقتصاد العالمي في ظل تنامي التجارة والعولمة الإلكترونية، والاقتصاد التشاركي الذي ينافس الحكومات على قطاع الخدمات اليوم.. هناك معطيات تغيرت على صعيد سوق العمل وإدارة رأس المال البشري، وتحديات الهجرة وظاهرة الهجرة المعاكسة للعقول، وزيادة متوسط حياة البشر وكيف سيؤثر هذا على سن التقاعد والنمو الاقتصادي.
كما أن هناك معطيات جديدة على وسائل تحقيق التنمية المستدامة، وعلى ضرورة تحقيق هذه التنمية بتعاون إقليمي ودولي. هناك اليوم مفاهيم جديدة حول مدن المستقبل التي ستتجاوز المدن الذكية بعد الثورة الجديدة في عالم المواصلات التي قد تضعنا أمام إمكانية السفر بسرعة الصوت في وقت سريع، جميع هذه المعطيات متغيرة باستمرار، لذا على الحكومات مواكبتها واستباقها لتضمن لنفسها ولشعوبها مكانة تليق بها.
* يتهم كثيرون بأن إدخال التقنية إلى القطاع العام سيتسبب في إلغاء كثير من الوظائف التي يشغلها البشر.. كيف يمكن معادلة ذلك؟
- إدخال التقنية إلى القطاع العام لا يعني إضعاف القطاع، بل يعني توسيعه واستحداث وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل، كما يعني استحداث قطاعات جديدة موازية تساهم في توفير فرص العمل والوظائف المتنوعة، ولو عدنا إلى التاريخ سنلاحظ أن اختراع الآلة لم يأت على حساب العمال، بل ساهم في توسيع قطاع الصناعات ليشمل مجالات جديدة لم تكن معروفة قبل الآلة، وكانت النتيجة زيادة عدد الفرص والوظائف في المجتمعات الصناعية، ورفع مستوى كفاءة الأفراد ليتولوا مهام جديدة بفضل التطور في برامج التدريب والتدريس التي استحدثتها الثورة الصناعية، بينما المجتمعات البدائية التي تأخرت في تبني «الأتمتة» ظلت تعاني تخمة البطالة وضعف أسواقها وعدم قدرتها على المنافسة. نحن أمام أشكال جديدة من الاقتصاد والعمل.. منظومات بكاملها تستحدث وتخرج حيز التنفيذ، فكيف ستكون عليه حال الوظائف في المستقبل؟ هذه مسؤوليتنا جميعًا دون استثناء، لهذا، أنا أعتقد أن تبني التقنيات الحديثة سيجعل الحكومات قادرة على تنمية اقتصادها وابتكار أعمال ووظائف جديدة، وهذا ما سيؤثر على سوق العمل بشكل سلبي.
* يشير البعض إلى أن أفكار ونظريات المستقبل التي يتطلب تطبيقها على القطاع العام فيها بعض المبالغة.. ما صحة ذلك؟
- استمعنا في إحدى جلسات القمة العالمية للحكومات في يومها الأول إلى حديث كلاوس شواب، مؤسس ورئيس المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي قال: «إننا أمام الثورة الصناعية الرابعة». موضحا أن أهم مميزات هذه الثورة أنها ستأتي بالمتغيرات التي ستصاحبها بسرعة، وستجتاح نظم العمل والإدارة القديمة مثل تسونامي، وشاهدنا مع الحضور «متحف المستقبل»، ورأينا كيف يتحول الخيال إلى حقيقة. رأينا كيف يمكن أن تصبح تقنيات العلاج والتفكير متطورة بشكل يفوق التوقعات. ورأينا كيف يمكن أن تتصل الآلة بدماغ الإنسان ومشاعره. فأدركنا كم نحن قريبون من تغيير أنماط حياتنا بالكامل. كثير من الأدلة تشير إلى أننا بدأنا عصر هذه الثورة، هناك تقنيات كثيرة تم اختراعها، وهي الآن تحت الاختبار، وقد تصبح واقعًا معاشًا في المدى القريب، معظم النظريات العلمية الجريئة كانت غير متوقعه وغريبة، تبدو وكأنها خيال علمي حتى أصبحت مكونًا أساسيًا في منظومة أدواتهم، ولم يستطيعوا الاستغناء عنها. الأمثلة على ذلك كثيرة وبين أيدينا، فالهاتف الجوال كان فكرة معقدة ويصعب استيعابها من قبل الجمهور، كذلك الطائرات، والخدمات الإلكترونية، والعالم الرقمي، لكن من منا اليوم يستطيع أن يحيا يومه من دونها؟
* تنشط دبي بشكل كبير في المنطقة والعالم في التفكير بالمستقبل، بينما يطلب البعض التفكير في الحاضر وإيجاد حلول له قبل الذهاب إلى المستقبل.. ما رأيك حول هذه المعادلة؟
- إن مفتاح الحل لأغلب التحديات المستقبلية هو عن طريق صياغة رؤية حقيقية للمستقبل، تقنع الشعوب وتلهمهم للانخراط بها بوعي وقناعة. هذه القناعة ستكون نتيجة إيمان الشعوب بهذا المستقبل، وبأنه سيعالج مشكلاتهم الحالية. تجربتنا في دولة الإمارات العربية المتحدة دليل كبير على ما قلته لكم. انطلقت هذه الدولة من خيمة في الصحراء، يقودها حلم لقائدين مؤمنين بإمكانية التغيير.. القائدان لم ينشغلا في التفكير بواقعهما السيئ، بل وضعا لنفسيهما خطة وحلمًا وطريقة لتنفيذه، حتى لو كانت بطيئة، لكنها كانت واثقة، فوصلنا إلى ما نحن عليه الآن.. من هنا نستكمل مهمتنا في تطوير الحلم وكيفية تفكيرنا بإبداع طرق لتحقيقه، وكانت هذه القمة بمثابة دعوة للجميع، لمشاركتنا هذا الحلم، ولوضع آليات تحقيقه.
* كيف تقيم نتائج الدورات السابقة للقمة العالمية للحكومات؟
- الأمور تقيَّم بنتائجها، وبمدى استدامة هذه النتائج واستجابتها لتوجهات الحكومة. ما نحن بصدده الآن من تحول القمة الحكومية إلى قمة عالمية للحكومات، وما يعنيه هذا من رفع مستوى تأثير القمة وتوسيع مساحة فعلها، هو نتيجة لما راكمته الدورات السابقة للقمة الحكومية من إنجازات، ومؤشر على صوابية الرؤية في التوجه والسياسات العامة، وعلى مدى الثقة التي حازتها القمة من مختلف المحافل الدولية. هذه النتائج نحصدها القمة من خلال استجابة أكثر من مائة حكومة لحضور الدورة المقبلة للقمة، لقد سعت القمة الحكومية منذ بداياتها لتوفير كل الشروط للتحول إلى حكومة ذكية بمدينتها وخدماتها ومؤشرات السعادة والاستقرار الاجتماعي، وتوفير شروط التنمية المستدامة في كل المجالات، باعتبار التنمية هي السياج المعنوي للإنجازات الحضارية التي حققتها القمة في تاريخها المميز. نظرة سريعة لما نحن عليه اليوم من تميز ومنجزات كفيل بتقييم القمة الحكومية من دون أي إضافات نظرية.
* ما التحديات التي تواجه تطوير الحكومات في العالم بشكل عام وفي المنطقة بشكل خاص؟
- جميع الحكومات العربية أو غير العربية تواجه التحديات نفسها ولو باختلافات على مستوى تطور كل دولة. الحكومات العربية عليها متطلبات من شعوبها، ولديها موارد محددة لا بد من إدارتها بطريقة فعالة لتحقيق هذه المتطلبات، وبالتالي، ليس هناك فرق بينها وبين دول العالم الأخرى، في ضرورة تطوير رأس المال البشري والتخطيط للمستقبل، ووضع أنظمة للأداء والجودة في الحكومات، والعمل بشكل مستمر على استشراف المستقبل والتخطيط له، واستخدام الأدوات الحديثة في تطوير القطاعات التعليمية والصحية والعمرانية. المعرفة هي السلاح الأقوى اليوم للقضاء على المشكلات التي تعاني منها المجتمعات، والمعرفة المستدامة يعني تنمية مستدامة.
* ما الآلية المتبعة في تحويل النقاشات إلى مشاريع ومن ثم إلى برامج، وهل من الضرورة أخذ كل التوصيات الناتجة عن القمة أو المشاركين؟
- راعت القمة العالمية للحكومات توفير آلية تحويل النقاشات إلى مشاريع وبرامج، من خلال انتقالها من قمة محلية إلى مؤسسة عالمية مستقلة دائمة الانعقاد، لمتابعة تنفيذ ما يتم التوصل إليه. كما عقدت شراكات مع مؤسسات علمية متخصصة في الأبحاث والدراسات لصياغة مشاريع ومبادرات تطال كل مجالات العمل الحكومي، مثل البنك الدولي، وهيئة الأمم المتحدة، ومجلس التعاون الخليجي، وجامعة الدول العربية، ومؤسسات بحثية وأكاديمية عالية الاختصاص، ولكي تكون لهذه المشاريع والمبادرات نصيبها من الاهتمام ولكي تتحول إلى مشاريع وبرامج، عقدت القمة شراكات مع منظمات عالمية ذات صلاحية تنفيذية ونفوذ دولي واسع.



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.