مهند مبيضين: الربيع العربي كان يحتاج لأساطير كاذبة كي ينجح

قال لـ {الشرق الأوسط}: جماعة «الإخوان» التحفت ثوب الإصلاح للوصول للسلطة

د. مهند مبيضين
د. مهند مبيضين
TT

مهند مبيضين: الربيع العربي كان يحتاج لأساطير كاذبة كي ينجح

د. مهند مبيضين
د. مهند مبيضين

عدّ الدكتور مهند مبيضين، الأستاذ في التاريخ والحضارة، والباحث والمؤلف في الحركات الإسلامية والتاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي، أن مسألة إحياء «دولة الأمة»، أو إلغاء فكرة الدولة القُطرية الماثلة اليوم وتزداد رسوخا، غير واردة، مشددا على أن الدولة الإسلامية التي قدمتها نماذج الإسلام السياسي من أفغانستان إلى السودان، ومشروع الإخوان المسلمين في مصر، أثبتت فشلها.
وأشار في هذا الحوار الذي أجري معه خلال زيارته للرياض ومشاركته في ندوة «حركات الإسلام السياسي»، ضمن الفعاليات الثقافية لمهرجان الجنادرية لهذا العام، (الشهر الماضي) إلى أن واقع الحراك العربي ما زال غير ممنهج، لافتا إلى أن هذا الواقع فرض تحديات على الدول العربية مجتمعة، «أبرزها مهمة استعادة أفرادها ثقة المواطنة، والعدالة الاجتماعية، والحد من الفساد، وهذا يحتاج لمتغير ثقافي يبعث المجتمع من جديد ويؤثر فيه».وهنا نص الحوار:

* كيف نشأت حركات الإسلام السياسي؟
- إن نشأة حركات الإسلام السياسي كانت مرتبطة بزمن ما بعد إلغاء الخلافة الإسلامية في 3 مارس (آذار) 1924، على يد مصطفى كمال أتاتورك.. كان الجدل بعدها على من يكون خليفة للمسلمين، وشعرت النخب العربية بوجوب نصب خليفة، وحصلت بيعات مختلفة لأكثر من زعيم. كان إلغاء الخلافة آخر مظهر يتعلق بمظاهر «دولة الأمة»، وآنذاك بدأت النزعة الوطنية تتكون في الدول العربية الواقعة تحت الانتداب والاستعمار، لكن الحركة الإسلامية المؤسسة لجماعات الإسلام السياسي اليوم، وهي حكرا «الإخوان المسلمين»، التي بدأت عام 1928 على يد حسن البنا، لم تأت في سياق المقاومة، على خلاف ما كان سائدا في الجزائر مثلا في نشاط «جمعية العلماء المسلمين» المقاومة، بل على العكس، فإن جماعة «الإخوان» التحفت ثوب الإصلاح لتجنب الصدام مع السلطة القائمة في مصر ومع الاحتلال البريطاني وبقايا جذوره المتجذرة في السلطة المصرية آنذاك.
* تقول إن حركة «الإخوان» في مصر لا تمتلك رصيدا في مواجهة الاستعمار؟
- كان لافتا في مصر، منبع الحركة الإسلامية (جماعة الإخوان) أن الجماعة نأت أيضا عن مواجهة استبداد الحكم في مصر، على الرغم من أن الحكم آنذاك كان متلحقا بالغرب، ورهن مصر وخيراتها للغرب، ونهب ثروات الشعب، إلا أنه وفي عام 1933، أي بعد خمس سنوات على تأسيسهم الجماعة في مصر، وصف حسن البنا الملك فاروق، الذي كانت كل القوى الوطنية تخوض نضالا ضده، بأنه «ذخرا للإسلام». وبينما كانت شوارع مصر تغلي وتنتفض ضد مهاتراته وإسقاط مصر في أحضان الغرب، وصف البنا فاروق: «إنه ضم القرآن إلى قلبه ومزج به روحه». وبينما كان فاروق يغرق في الملذات ويوصف بأنه زير نساء، فطالب النحاس باشا بالحد من سلطات الملك، معولا على دعم الشعب له، وهو ما حدث، فخرج الشعب يهتف: «الشعب مع النحاس باشا».. إلا أن «الإخوان» أظهروا كل انتهازية واستغلال للفرص كما هم دوما. وفي عام 1938 نادت صحفهم بفاروق خليفة، وفي عام 1942 بميدان عابدين عاهدوا الملك فاروق على البر به والولاء له، ثم أيدوا حملة حكومة الملك فارق عام 1946 عندما شنت اعتقالات ضد الوطنيين من الطلبة والعمال والمثقفين وأغلقت معها عشرات الصحف، وقالوا في صحفهم: «إن ما جرى تحتمه الظروف، وإن سلامة الأمة والمجتمع فوق كل شيء». وهم في ذلك الموقف والموقف التقريري للواقع، يخالفون الشرع وجهاد الكلمة ضد السلطان الجائر، ولا أراهم إلا كما رأى عبد الرحمن الكواكبي رحمه الله أقرانهم في زمن الاستبداد الحميدي، حين قال إن أخطر أنواع الاستبداد هو علماء الإقرار بالواقع والرافضين إسداء النصح، فهم من يزين للمستبد استبداده.

* الدولة القُطرية والدولة المدنية
* هل نجحت هذه الحركات في إحياء فكرة الدولة الإسلامية بمفهومها التاريخي، وإلغاء فكرة الدولة القُطرية أو الوطنية؟
- الحقيقة الواقعة اليوم أن الدولة القُطرية ماثلة وتزداد رسوخا، وأن مسألة «الدولة - الأمة» غير واردة. والمهم اليوم تقوية عناصر الوحدة الممكنة ثقافيا واقتصاديا، والدولة الإسلامية التي قدمتها نماذج الإسلام السياسي من أفغانستان إلى السودان ومشروع «الإخوان» في مصر، أثبتت فشلها.
* هل وجود الحركات الإسلامية ضرورة للتعددية، أم يتعارض مع مفهوم الدولة المدنية؟
- الدولة المدنية تقوم على تقاسم واضح للأدوار والسلطة والتعاقد والاعتراف بالآخر، وهي دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية. ومن أهم مبادئ الدولة المدنية ألا يخضع أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر. ومن مبادئ الدولة المدنية الثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة، كذلك مبدأ المواطنة الذي يعني أن الفرد لا يُعرف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرف تعريفا قانونيا اجتماعيا بأنه مواطن.
* وهل تتعارض تلك المواصفات للدولة المدنية مع تجربة الإسلام السياسي؟
- إذا طبقنا تلك المواصفات للدولة المدنية، التي يطول شرحها، على الكيفيات والطرائق التي حكم بها الإسلاميون عندما وصلوا في نماذج عدة إلى الحكم، فإنهم أبعد الناس عن المفهوم وتطبيقه.. هم قد يقبلون بخيار الدولة المدنية مرحليا، لكي يحصلوا على اطمئنان القوى الوطنية إليهم كما حصل في مصر مع بداية ربيعها الراهن، وفي الأردن في حراكهم المستمر وكذلك في تونس، وإذا تمكنوا مارسوا الغلبة واغتصبوا السلطة وأقصوا الناس، وإذا قالوا إنهم جاءوا بالصناديق، فهم جاءوا بمظلة الدين والتأثير على الناس من خلاله، وهو يتنافى قطعيا مع مفهوم الدولة المدنية التي لا تعرف أحزابا على أساس ديني.
* أين في نظركم نقاط الالتقاء والتعارض عند حركات الإسلام السياسي مع مفهوم الدولة المدنية؟
- هم يريدون الحرية لهم وحدهم ويأبونها على غيرهم. الحركات الإسلامية أجبرت، من خلال الرفض الشعبي لسعيها نحو أسلمة أو أخونة الدولة، على التخلي مرحليا عن بعض الأهداف.. هم يتفقون على أن الشورى أقرب أشكال الديمقراطية، والديمقراطية مختلفة تماما لأنها نتاج قيم وفكر سياسي وضعي وتجربة وتعبير عن أقصى حالات الرأسمالية، أما الشورى فهي نظرة خلاصية كانت في حينها لوأد خلاف الأمة، وهذا يجب أن يسحب على الحديث عن مؤسسات الشورى الحديثة في الدولة الوطنية وهي مؤسسات تعمل في إطار الدولة وليس الحزب.
في هذا الصدد ينبغي التوكيد على أن البنية السياسية الهرمية للحركات والأحزاب السياسية الإسلاموية لا تنسجم والفكر الديمقراطي المدني الحديث؛ إذ جلها ترفل في ثوب بطريركي سلطوي، وهناك أخرى سرية التنظيم، ومع ما يعارض مفاهيم الحكم المدني.
تم تبني أفكار الدولة المدنية عند حركات الإسلام السياسي للهروب من مواجهة المجتمع، في حال وصولهم للسلطة، وقبل القبول بها طرحت شعارات إسلامية بحتة مثل «الإسلام هو الحل» و«استعادة الحياة الإسلامية» وغيرها. وفي حال تمكن الإخوان المسلمين، وهم رأس الإسلام السياسي، نجدهم الأكثر إقصاء واستحواذا على السلطة.

* الربيع وأساطيره
* يعيش العالم العربي واقعا مأزوما، وعدم وضوح.. ما قراءتكم لهذا الواقع؟
- العرب اليوم في حالة مخاض فكرية وسياسية وثقافية، واليوم التنوير العربي الذي حكم التغيرات وأثر سياسيا في حياة العرب طيلة القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر، كما هي الحال في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية والحركة السنوسية والحركة المهدية، أو في نشاط الجمعيات العربية في أواخر القرن التاسع عشر أو مع مفتتح القرن العشرين، نجده غائبا، لا بل هو تنوير ميت، بالمعنى التأثيري الذي يخلق واقعا جديدا ويدفع لأجله، وقد أسهمت في موته أسباب كثيرة؛ أولها الانقلابات العسكرية التي بشرت بالتقدمية وطالبت بها، وانتهت بالاستبداد و«القائد الضرورة». والتنوير مات لأن فئة ما قالت إنها تحتكر الإسلام وتدعي أنها الجماعة المؤمنة الموكول إليها هدف استعادة الإسلام والحكم به، وهم جماعات الإسلام السياسي.
نحن اليوم نشهد غلبة السياسي على الثقافي، ونشهد تحديات جديدة، على رأسها تحدي الطاقة والبطالة والفقر والتنمية، ولأن الدولة ظلت تصر على أن تكون الراعي الوحيد للمجتمع، فإنها اليوم تواجه مشكلة اعتبارها مؤسسة حمائية والراعي الوحيد للفرد، ولهذا كلما أرادات التحلل من دورها، ثارت ثورة الناس على ذلك التوجه.
* ماذا بشأن الحراك الأخير الذي اصطلح عليه (الربيع العربي) كيف تراه؟
- واقع الحراك العربي، فما زال غير ممنهج، وصوت الناس الغلابة والمساكين يستثمر أحيانا من قبل قوى سياسية ورجال أعمال ونخب تبحث عن مكاسب وتموضع سياسي محدد أو وضعية دينية في لبوس من التشدد، وهذا الواقع فرض تحديات على الدول العربية مجتمعة وهي مهمة استعادة أفرادها وبناء ثقافة المواطنة والعدالة الاجتماعية والحد من الفساد. لكن ذلك يحتاج لمتغير ثقافي يبعث المجتمع من جديد ويؤثر فيه.

* البوعزيزي.. قادح التاريخ
* كيف تقرأ مخرجات «الربيع العربي»، وما الهزات على المستوى الفكري والثقافي التي أنتجتها التحولات السياسية في الوطن العربي؟
- الربيع العربي كان في أسئلته الأولى مفتاحا لإشاعة ثقافة الحرية من جديد، لكنه فيما بعد نكص عن أهدافه، صحيح أن له فضلا في تثبيت عودة الدولة العربية لرعاية مواطنيها وضبط إنفاقها وتخفيف الفساد وسماع أصوات الناس، وصحيح أنه كان مناسبة لظهور فاعلين جدد في المجتمع وممثلين عن الأطراف، لكنه كان سيظهر عجزا مجتمعيا وثقافيا وسياسيا، إذ أنه أظهر بأن الناس لم ينتظموا بعد على أساس المصالح والأفكار. لقد أثبت الربيع عجز الأحزاب عن خلق دوائر تأثير، لذلك صعدت مقولات ديمقراطية الميادين وديمقراطية الأقدام، لأن الديمقراطية غير موجودة كسلوك.
الربيع كان يحتاج لأساطير كاذبة أحيانا لكي ينجح ويعتاش عليها، فمحمد البوعزيزي مثلا لم يكن متعطلا عن العمل ولم يكن من أصحاب الشهادات والصورة التي نشرت له وهو يحرق نفسه ليست له، والناس لم يروه، وقبل البوعزيزي هناك حالات كثيرة سبقته بالانتحار، وهو فعلا أساء لعاملة البلدية التي قيل بأنها ضربته، والعائلة استثمرت في ذلك، ورضيت بذلك وتلقت دعما من عدة جهات. أعني أن البوعزيزي كان يمثل ما يسمى قادح التاريخ، أو التغيير، فكل فعل يحتاج لقادح أو شرارة بدء، ومع ذلك، كانت عدوى الربيع التونسي سريعة نحو المشرق، لكنه اليوم يعود إليها ولم ينجح إلا بها، وهذا أمر مؤقت بعد ولم يختبر.
* ألا تشعر أن تونس لديها تميز مختلف؟
- نعم..! ما حصل يؤكد أن تونس لها خصوصيات ثقافية ومبادرات تغيرية، إذ كانت صدرت منها بدايات التنوير والعقلانية منذ ابن خلدون ومرورا بإعلان الدستور أول مرة أو ما سمي عهد الأمان 1857 وهناك أفكار التجديد على يد خير الدين التونسي وهي بلد القيروان المرجعية الفكرية المتنورة، ومن ثم تطور فيها بناء الدولة على أسس مدنية مع الحبيب بورقيبة ومنحت المرأة حقوقا مساوية للرجل. لكن تونس لا يمكن أن تعبر عن نموذج مصر، والثورة التونسية ليست نموذجا للتصدير، ولا أظن أن العقل التونسي السياسي اليوم يفكر بتصدير نموذجه.
* لماذا ظل الهاجس الإسلامي حاضرا في الحراك السياسي العربي، وهل ترون أن التيار الديني سيبقى مستأثرا بحركة الشارع؟
- ليس هاجسا إسلاميا، وخطأ أن ننسب ما تتبناه الحركات الإسلامية أو الإسلام السياسي إلى (الإسلام)، فما جرى هو التقاء مصالح مع الغرب وبحث عن «الدولة الغنيمة». تمكين الإسلام حضاريا أبعد الأهداف عن أصحاب الإسلام السياسي. هل هم مجتهدون في أمور الناس، هل قدموا مشروع نهوض إسلاميا؟ الجواب لا، لقد شهدنا حركات سياسية بثوب أو بشعار إسلامي، يثوي بالماضي ويصر على أن يجعل الماضي طريقا للمستقبل. وشهدنا حركات وجبهات وإمارات وجماعات إسلاموية، لكننا لم نشهد نهضة إسلامية.
أما عن الصوت الأعلى للإسلام السياسي، فلأنهم يستخدمون الإسلام عباءة لهم، ولو سألت أي إسلامي سياسي من حركة الإخوان عن رأيه في مسألة خلق القرآن أو وجوب الإمامة أو في مسألة من مسائل مجلة الأحكام العدلية لما أفادك بشي، ولاكتشفت أي إسلام يبغون.
الجماعات الإسلامية ليست فاعلة، ولا هي حاضرة لأنها تعيش في ظل ما يسمى «العيش اليومي» لأنها تنتظم وتتوغل في المجتمعات من خلال الدين فقط.

* إخوان مصر
* مآلات الحالة المصرية أصبحنا نراها أمامنا.. لكن أين أخطأ الإخوان المسلمون في مصر؟
- نهايات الحالة المصرية كانت متوقعة، تمسك الإخوان بالشارع، وهذا ما قالوه في الأردن حين دعوا لانتخابات البرلمان، وقبل ذلك قالوا في مصر نحن مع ديمقراطية الأقدام، لا.. بل هم يحيلون الفهم الشرعي للديمقراطية وحق الانتخاب بأنه يؤدي في النهاية إلى تطبيق إرادة العامة، ولكنهم حين جاءت عامة مصر وقالت لمرسي «كش ملك» رفض الإخوان ذلك، مع أنهم في الخطاب الطويل الذي سبق عزله، كانوا يحيُونه ويطلبون منه سحق المعارضة الوطنية التي رفضت أسلمة الدولة وأخونتها.
كانت القوى المصرية الوطنية قد ذهبت لمرسي بعد انتخابه وطلبت منه سبع نقاط إن التزم بها كان رئيسا لكل المصريين، ولكنه أبى واستكبر فظل رئيسا لـ«الإخوان» فقط، أو كذلك أُريد له أن يكون، ثم زيّن الاستبداد في عينه فحصن نفسه وقراراته وجعل نفسه فوق القضاء، حتى خرج الناس عليه لأنهم رأوا في الإخوان طلاب سلطة فحسب، ولم يكونوا أصحاب بناء وطني يكفل لمصر استعادة دورها وتأثيرها في المنطقة، إذ أن منظر مرسي وهو يتوسل الدعم الإيراني والروسي كان مذلا لكل المصريين.



محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب
TT

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر الرائد بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير، وكما يقال فالشاعر نسيج وحده. وهذه التجربة الفنية والعميقة تتيح للناقد والقارئ، على حدٍ سواء، الفرصة للولوج إلى عالمه السراني، وربما الإشراقي، وشبه الكابوسي، من مداخل عدة، تشجع على تقديم مقاربات نقدية وثقافية جديدة من زوايا يتفرد بها البريكان وقصيدته معاً.

فمثلما ظل الشاعر في حياته اليومية حبيس بيته، وربما رهين محبسه الأليف، مثل المعري، كما أشار الشاعر نفسه إلى ذلك في إحدى المرات، ظلت قصائده حبيسة أسراره وشعريته.

هذا التعاضل في الكتابة الشعرية، بقدر ما يشكل معضلة شائكة للناقد، فإنه يتيح له إمكانية الحفر عميقاً في الأُسس اللسانية والمعرفية والفلسفية لتجربة الشاعر. والناقد أمام معضلة القراءة وتفكيك شفرات النص الشعري لشعر البريكان يجد نفسه في امتحان عسير وتحدٍ غير مسبوق، ولذا فهو يجتهد في أن يرى ما لا يرى، ما دام يجد نفسه في حضرة شاعر رؤيوي visionary بكل معنى الكلمة.

الشاعر محمود البريكان شاعر إشكالي problematic، بمعنى أنه لا يستطيع أن يتصالح بسهولة مع العالم الخارجي، ولذا فهو يصطنع له قوة ذاتية وروحية يحتمي بها من الآخر والمجتمع. فهو يعيش بصورة دائمة في حالة اغتراب روحي، حيث نلحظ تماهياً كبيراً بين شخصية الشاعر وشعره. إنه يعاني من «فوبيا» الآخر و«فوبيا» الخارج، معاً، وهذا ما يتجسد بشكل مثير في تجربته الشعرية.

حياة الشاعر وتجربته الشعرية، يعانيان معاً من حالة اغتراب alienation شامل، وهو اغتراب زماني ومكاني وسيكولوجي وفلسفي في آن واحد.

ولذلك لكي يحتمي الشاعر من ضغوط الخارج يصطنع له قوقعة خاصة يتمترس داخها، وهي قوقعة الذات، وقوقعة القصيدة الملغزة، التي تعاني مثل الشاعر حالة انكفاء وإحباط، وخوف يصل حد الرعب من كل شيء. ومثلما كان الشاعر على المستوى الحياتي واليومي يغلق أبوابه أمام الآخرين نراه أيضاً يغلق الأبواب أمام قراء قصائده الذين يضطرون إلى ولوج باب التأويل بحثاً عن الأسرار المخبأة.

شعرية محمود البريكان المركبة تنطوي على عدة طبقات للمعنى والدلالة، وهو ما يدعو الناقد إلى البحث عن مفاتيح جديدة نقدية وسيميائية قد يتمكن بها من فتح مغاليق قصائد الشاعر، التي تبدو أحياناً عصية على البوح والاستنطاق والاستسلام لمجسات النقد.

وتطفو في قصائد الشاعر ظاهرة الاغتراب كواحدة من ثيمات الشاعر المركزية. واستطاع البريكان بفضل هذه الآلية في الكتابة الشعرية، أن يخلق له عبر كتاباته الشعرية وحياته، أسطورته الخاصة، التي لا تشبه غيرها من الأساطير.

ويمكن أن نعد قصيدته «البدوي» مانيفستو اغترابه.

«ضائع في الزمان

ضائع في العوالم

فاقدٌ للبصيص من الذاكرة

سادرٌ في شوارع لا يتذكر أسماءها

تائه في زحام المدن».

ويتوسل الشاعر بالرب أن يساعده في استعادة روحه الضائعة وفي استعادة وجهه الغريب:

«هبني الشجاعة» أن أتأمل وجهي الغريب

أعني لكي أتنفس ثانية في سمائي

لكي أستعيد روائح أرضي

أعني لكي أعثر يوماً على روحي الضائعة

أعني لكي أعبر الفاجعة».

يتقمص البريكان قناع البدوي ومحنته في مواجهة الصحراء والمجهول والضياع، فقد كتب الله ألا يموت هذا البدوي وألا يرى وجهه أحد:

«وجهه الأول المستدير البهي

الذي غضنته المهالك وافترسته الحروب

وحطت عليه المآسي علاماتها». (المجموعة الكاملة، ص150)

إنه يعيش غربة هذا البدوي الذي رفضته الصحارى والقصور

«أنا هو ذاك

أنا البدوي الذي لفظته الصحارى

الذي رفضته القصور

الذي أنكرته الشموس». (ص150)

في هذه القصيدة التي هي قصيدة قناع، يبحث الشاعر عن اسمه ومسقط رأسه، وقد ضاع منه كل شيء.

وفي قصيدة «حارس الفنار» يتقمص الشاعر شخصية حارس الفنار الذي ينتظر على الشاطئ، دون جدوى، سفينة الأشباح:

«أنا في انتظار سفينة الأشباح تحدوها الرياح». (ص51).

لكنه لا يلمح ظلاً لأي سفينة:

«الأفق الطويل خالٍ وليس هناك ظل سفينة». (ص51).

ويعلن أنه «الشاهد الوحيد» الذي رأى كل المآسي والحروب:

«شاهدت ما يكفي وكنت الشاهد الحي الوحيد في ألف مجزرة بلا ذكرى

وقفت مع المساء». (ص53).

ويظل ربما مثل غودو في انتظار عبثي لا نهاية له:

«أنا في انتظار اللحظة العظمى

سينغلق المدار/ سينغلق المدار

الساعة السوداء سوف تُشلُّ تجمد في المدار». (ص54).

وفي قصيدة «تدمير رجل ما» (ص92) يشعر بأنه أمسى غريباً على ذاته، بعد أن ملَّ من الانتظار:

«هنا رجلٌ تم تدميرهُ/ والهب بالسم تفكيرهُ

هنا رجلٌ ملَّ ما ينتظر/ وأمسى غريباً على ذاته

ففي كل ثانية ينشطر

وما من مدى لانقساماته». (ص92).

وفي إحدى قصائده يتحدث الشاعر عن موت الإنسان في داخله خلافاً لبقية المخلوقات، حيث يقترب هذا الموت بغيبوبة الذكرى:

«وحده يموت في داخله الإنسان

في العالم الباطن

في مركز السريرة الساكن

يموت في غيبوبته الذكرى

يموت في لحظة

يكابد القيامة الكبرى». (ص158).

ينظر البريكان إلى العالم عبر منظور فلسفي شخصي اجترحه لنفسه أداةً ومجساً لسبر غور العالم الخارجي. لذا يمكن أن نصفه بالشاعر المتفلسف أو الشاعر الفيلسوف. فكل المرئيات والوقائع والشخصيات تمر عبر عدسة الفيلسوف الشعرية.

وشعر محمود البريكان مغموس بفلسفة شخصية عميقة هي فلسفة الشاعر في الحياة على وفق قيمه وثقافته وخبرته اليومية، حتى ليمكن أن ندرج شعره ضمن الشعر الفلسفي أو الشعر المتفلسف، أو الشعر الذي يحلق بجناحي الخيال والفلسفة معاً.

لو قيض لشعرية محمود البريكان أن تكتشف وتنتشر في وقت مبكر، قبل السياب، أو بالتزامن معه، ربما لأعيدت كتابة تاريخ حداثة الشعر، وجرى التساؤل حول الريادة في الشعر الحداثي في العراق.

يخيل لي أن تجربة البريكان أعمق وأغزر وأخصب من تجارب الكثير من مجايليه وربما يقف، في هذا، منافساً خطيراً للسياب نفسه، وهو يختلف عن السياب الذي كان يفتقد هذا الانغماس في الهم الفلسفي والرؤيوي والكوني، المجرد أحياناً.

تجربة البريكان تبتعد إلى حدٍ كبير عن النزعة الغنائية، التي وجدناها حاضرة أيضاً في شعر بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، فالشاعر ينحو نحو لون من الموضوعية التي دعا إليها في وقت مبكر في مطلع القرن العشرين الشاعر ت. س. إليوت بوصفها أحد أبرز مقومات الحداثة في الشعر. لكن موضوعية البريكان تنحو منحى أسطورياً ورؤيوياً وفلسفياً أيضاً، ولكنها لا تتجاوز الأطر السردية لحكاية الخلق والتكوين، فهي معجونة بهذه الكينونة السرية التي تتلبس كل شيء.

كما نجد لدى الشاعر، من جهة أخرى، ميلاً إلى التجريد واختزال الكائنات والمرئيات إلى علامات مجردة تتلاشى في سيرورة التاريخ والزمن. واللغة التي هي تشكيل علامي تبدو له مخادعة:

«فزعت من خديعة اللغة

هنيهة؟ من ملمس العالم في القرار

وكتلة الموت الهلامية». (ص198،ج1).

في قصيدة «أسطورة حقيقية»، يشعر الشاعر بالغربة المطلقة، حيث تنكره الأشياء، وينكره الواقع، ويبدو طافياً فوق بحيرة ذاكرة آفلة:

«عدت إلى بيتي

فلم أجد بيتي في مكانه المعهود

وهزّ بي الجميع

رؤوسهم

بيت كهذا لم يكن موجوداً

قلت لهم بيتي أمام الشجرة

كان هنا

قالوا جميعاً ولم تكن هناك يوماً شجرة». (ص215).

ويزداد رعب الشاعر وهو يواجه هذا الإقصاء في المكان والزمان، فراح يتساءل بوجع فاجع:

«والآن ماذا ينبغي علي أن أفعل؟

وكيف لي أن أنسف الذاكرة» (ص 213).

ويتساءل الشاعر بخوف فيما إذا كان كل شيء مجرد عبث. فالأسود والأبيض على حدٍ سواء، عواطف الآباء والأمهات، وقوة اللغات، عبث ليس إلا:

«أكان الحزن والفرح

ذاكرة من التاريخ

وقوة اللغات

جميعها عبث؟» (ص223).

يحس الشاعر أحياناً، بأن العالم قد مزقه مزقاً، فقد جاء أناس واقتسموا جسده، وجاء الأصدقاء فسرقوا هويته، وارتدوا ثيابه:

«وجاء أصدقائي

فاختلسوا هويتي

ثم ارتدوا ثيابي». (ص228).

شعرية محمود البريكان المركبة تنطوي على عدة طبقات للمعنى والدلالة

وفي قصيدة «في إعدام الأبنية» يشعر الشاعر بأنه نسي كل شيء حتى وجهه:

«هل أتذكر بعض الوجوه

هل أتذكر وجهي؟» (ص26).

فالعالم بالنسبة للشاعر مجرد وهم:

«هل يتذكر أحدٌ أحداً

في هذا الأفق المتحرك؟

في هذا العالم

الممحو كوهم؟» (ص261).

وفي قصيدة «ظهور ناقص» يحدد البريكان وظيفة الشاعر السرية،

وحلمه الأبدي، في اقتناص الزمن وتجسيم رؤيته عبر مرايا الزمن:

«إنه حلم الشاعر الأبدي

اقتناص الزمن

أن يجسم رؤيته ودوي عوالمه دفعة واحدة». (ص281).

ومن الثيمات المركزية المهمة في شعر البريكان ثيمة الموت، فكل الأشعار آيلة إلى الموت: الملوك والعبيد والسماسرة كلهم آفلون. ولذا غالباً ما يقترن الاغتراب بالموت:

«الحب والعقاب

دبيب موت خافت ورعشة اغتراب». (ص235).

ويقترن الضياع والاغتراب لدى الشاعر بفقدان الذاكرة، حيث يفقد الشاعر ذاكرته:

«سادرٌ في شوارع لا يتذكر أسماءها

تائه في زحام المدن

يتعثر في حدقات العيون

عسى أن يرى يوماً صديقاً

قديماً سيعرفه

ويعرّفه باسمه

ويساعده في الوصول إلى بيته

والى أهله الشاحبين». (ص339).

ويتمنى الشاعر أن تأتيه الشجاعة ليتأمل وجهه الغريب:

«هبني الشجاعة أن أتأمل وجهي الغريب

أعني لكي أتنفس ثانية في سمائي

لكي أستعيد روائح أرضي

أعني لأعثر يوماً على روحي الضائعة». (ص340).

وأقسى شكل من أشكال الغربة، عند الشاعرعندما يكتشف أنه غريب حتى عن نفسه، ويتحرك بلا وعي أو إرادة:

«مسحوراً بنداء لا يفهمه

منتزعاً في مملكة الأفراح الأرضية

مغترباً حتى عن نفسه

يخطو نحو الباب». (ص348).

ويحتفي البريكان بالأشياء الآفلة، التي تسير نحو الفناء أو التلاشي أو الموت. ففي قصيدة «احتفاء بالأشياء الآفلة» نجد هذا الانشغال بما هو زائل:

«أجمل ما في العالم

مشهده العابر».

ويختتم ذلك بسيرورة الزوال:

«طوبي لك

إن كنت بسيط القلب

فستفهم مجد الأرض».

ثم تأتي الضربة الحاسمة، عندما يعانق الشاعر لحظة الأفول والزوال:

«وجمال أواصر لا تبقى

وسعادة ما هو زائل». (ص358).

يشعر الشاعر هنا أن وجهه لا يشبه أياً من الوجوه، الرجل الذي يحمل هداياه، المريض الداخل غرفة العمليات، الطفل المهزول من الجوع، فهو غريب ولا مكان له في هذا العالم:

«لا يشبهك أحد ولا أمل لك أن تشبه أحداً»

فهو مجرد كائن مُسَجّى، ورقي ليس إلا:

«ليس العالم مكانك،

بل المعجم، فحتى وجهك، ليس هو وجهك». (ص416).

محمود البريكان، مثل طلسم محاط بالأسرار والأقفال، وهو بحاجة إلى جهاز نقدي خاص لتحليل وتفكيك وتأويل شعريته ذات الطبيعة الإشراقية وربما الغنوصية.

محمود البريكان، العصي على الاستكناه، شاعر لم ولن يتكرر في تاريخ الشعرية العراقية، وحان الوقت لكي يستعيد مكانته التي يستحق.


قصص قصيرة من أفريقيا

قصص قصيرة من أفريقيا
TT

قصص قصيرة من أفريقيا

قصص قصيرة من أفريقيا

ضمن سلسلة «آفاق عالمية» التي تصدرها «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، صدرت «أنطولوجيا القصة القصيرة السواحيلية» التي تضم عدداً من النصوص الإبداعية لمجموعة متنوعة من الأدباء مكتوبة جميعاً باللغة السواحيلية التي تميز دول شرق أفريقيا، ترجمة وتقديم الدكتور محمد يسري محمد.

وتتعدد القضايا والهموم التي يطرحها مؤلفو المجموعة، من القتل المجَّاني، وعنف الحروب الأهلية، إلى التعبير الشاعري عن الطبيعة، والتدين الشكلي، ونفاق البعض للسلطة، وتوتر العلاقات الأسرية، وصراع الأجيال، وتبدُّل المفاهيم بين الماضي والحاضر.

وأشار المترجم في مقدمته إلى أن الترجمة هي الوسيلة الأكثر فاعلية التي من خلالها تمتد جسور التواصل بين الشعوب والثقافات المختلفة، لافتاً إلى أن اللغة السواحيلية لغة أصيلة في الشرق الأفريقي تتحدث بها تنزانيا وكينيا وأوغندا ورواندا وبروندي (دول منابع النيل)، كما أنها تعد اللغة الثانية في القارة الأفريقية بعد العربية؛ لافتاً إلى أن السواحيلية تعد كذلك اللغة الأولى لعدد من الأدباء الأفارقة المرموقين الواردة نصوصهم في الكتاب، مثل: كلارا موماني، وشافي آدم، وجون هابوي، وكيالو أميتيلا، وواريا تيمامي، وغيرهم ممن قدموا أعمالاً أدبية في جميع فروع الأدب المكتوب، من قصة قصيرة ومسرح ورواية وشعر.

وتعد تلك المختارات القصصية بمنزلة خطوة أولى على درب الترجمة عن السواحيلية، وما تتضمنه من أدب مجهول لدى القراء العرب، يتماس مع البيئات العربية بشكل أو بآخر، ولا سيما أن الأدب الأفريقي لا يزال خصباً، وفي حاجة إلى مزيد من البحث والتنقيب؛ خصوصاً بعد أن حاز الأفريقي التنزاني عبد الرازق قرنح جائزة نوبل في الأدب عام 2021. ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ في قصة «اللاجئ» للكاتب الكيني جون هابوى:

«حين غادر قطاع الطرق المنزل بعد انتهائهم من جريمتهم الوحشية، غادرتُ الردهة، وتحركتُ في منزلنا الذي أصبح مكشوفاً؛ إذ دُمرت أبواب المنزل كلها، واستطعت أن أرى جثث إخوتي بالإضافة إلى جثة أمي الحبيبة التي توفيت بمرارة شديدة وهي تعض على شفتها السفلى بأسنانها، وعيناها جاحظتان كالتي كانت تحارب العالم الذي أعطاها ظهره.

أصابت جسدي البرودة الشديدة برؤية تلك الجثث، وقفت مصدوماً مدة، حتى سمعت صوتاً من الخارج، فتملَّكني الخوف فجأة، وهرولت خارج المبنى الذي كان منزلنا منذ مدة قصيرة قد مضت.

مررتُ بسرعة ودخلت غابة كانت موجودة أسفل المنزل، وأخفيت نفسي بداخلها. رأيت مجموعة من الخنازير البرية التي تجري هنا وهناك، وقد أدخلت في نفسي حالة من الخوف. تمنيت الهروب إلى مكان آخر بسبب الرعب الذي أدخلته عليَّ تلك الحيوانات ذات الأسنان الحادة البارزة إلى الخارج كالمقص، ولكن أين سأهرب؟ لم يعد هناك أي مكان آخر يُطلق عليه منزل. أصبحت بلا إخوة أو حتى أبوَيَّ، أصبحت وحيداً».


الشاعر البصري والروحية الحداثية

TT

الشاعر البصري والروحية الحداثية

جرى الإعلان منذ أيام عن عرض قريب لفيلم سينمائي جديد لتيرنس ماليك اسمه «طريق الرياح»، يدور حول حياة المسيح، ولذا سنكتب شيئاً عن هذا الذي أسمّيه «الشاعر البصري». هذا الفنان الفريد في تاريخ السينما المعاصرة، يعيد صياغة الوجود عبر الكاميرا والصورة والضوء والإيقاع، ويجعل من الشاشة مجالاً لتجربة تأملية تمسّ تخوم السؤال الفلسفي والروحي معاً. فسينماه لا تُبنى على منطق الحكاية بقدر ما تتأسس على منطق الكشف، ولا تسعى إلى سرد أحداث بقدر ما تفتح أفقاً إدراكياً يُعاد فيه تأمل الحياة بوصفها لغزاً محيّراً، لا حدثاً عابراً. هنا تصبح الصورة ضرباً من التفلسف الصامت، وتغدو اللقطة لحظة انكشاف تتجاور فيها الحساسية الشعرية مع القلق الوجودي.

ينتمي عالم ماليك إلى ذلك النمط من الرؤية، حيث نجد الإنسان كائناً مقذوفاً به في العالم، محمولاً بين حضور هشّ ومصير غامض، وهو ما يقرّبه بوضوح من التصور الهايدغري للدازين، الإنسان المهموم بوجوده، ذلك الكائن الذي لا يعيش العالم بوصفه موضوعاً محايداً، بل بوصفه زمناً منفتحاً على القلق والموت والمعنى المؤجَّل. غير أن ماليك لا يترجم هذه الرؤية بمفاهيم فلسفية مباشرة، رغم أنه أستاذ فلسفة ومترجم، بل يجعلها تتجسد في حركة كاميرا شبيهة بالتنفس، وفي أصوات داخلية هامسة لا تفسّر الواقع بل تلامسه، كمن يمرّ على الأشياء بإصغاء رحيم لا بسطوة تحليلية.

تتجلى السمة الأساسية في فنه في هيمنة الصوت الداخلي، الذي يشبه المناجاة الصامتة أو الصلاة المترددة، حيث لا تتكلم الشخصيات بلسان السرد، بل بلسان الضياع. إنه صوت كائن يبحث عن موضعه بين النعمة والسقوط، بين الطبيعة والروح، بين القسوة والرأفة. هذه الثنائية، التي تظهر بوضوح في «شجرة الحياة» تُحيل إلى تصور أخلاقي عميق يربط سلوك الإنسان بموقعه الوجودي، والصراع ليس بين خير وشرّ بسيطَين، بل بين نمطَين من الوجود: نمط يثقل الروح ويشدّها إلى الأرض، وآخر يفتحها على الضوء واللطف والشفافية.

إن علاقة ماليك بالطبيعة ليست تجميلية ولا توثيقية، بل وجودية في جوهرها، إذ تتحول الأشجار والمياه والغيوم إلى شهود صامتين على هشاشة الإنسان وانكساره الذي كان دائماً يعود، نراه في مرايا تعكس صراعه مع الزمن والفناء. الزمن ليس خطاً متسلسلاً، بل نسيج مشروخ من الذكريات، حيث تتقاطع الطفولة مع الشيخوخة، والحلم مع الواقع، والندم مع الرجاء. هذا التمزق الزمني ليس تقنية سردية فحسب، بل تعبير عن كينونة قلقة لم تعد تثق بتتابع الزمن، بل تعيشه بوصفه تياراً داخلياً متكسّراً.

سينما ماليك تستحضر مناخاً قريباً مما يسميه الصوفية «الليل المظلم للروح»، فهي كثيراً ما تتحرّك في تلك المنطقة الرمادية بين النور والانطفاء، بين الرجاء والتيه، حيث تُمحى السيطرة العقلية وتتفتت الأنا أمام إحساس بحضورٍ أعظم منها. غير أنّ هذا الحضور، بخلاف الخبرة الصوفية، لا يتجلّى في صورة رؤيا ولا يقود إلى يقين ختامي، بل يظهر في صمتٍ طويل وامتداد بصري يجعل المشاهد شريكاً في تجربة التوقف والإنصات والتساؤل، دون أن يَعِده بكشفٍ نهائي أو طمأنينة مكتملة.

من هنا يمكن القول إن تيرنس ماليك لا يصنع سينما بل يبني تجربة وجودية تُرى أكثر مما تُفهم، وتُحسّ أكثر مما تُفسَّر. إنه شاعر بصري يعيد للفن قدرته على التأمل، ويذكّرنا بأن السينما ليست فقط وسيلة للتحدث، بل إمكانية عيش للدهشة، ومدخل إلى مواجهة الذات أمام الزمن والمصير والجمال. إنها تقيم في السؤال، ونحن معه، على تخوم المعنى، حيث يتجاور الضوء مع الظل، والحنين مع الفقد، والإنسان مع هاوية وجوده، في لحظة شفيفة تذكّرنا بأننا لا نعيش لنفهم العالم فحسب، بل لننصت إلى سره الخفي أيضاً. أن ندعه يتكلم.

ومما يميّز تجربة ماليك كذلك ذلك الإصرار على تفكيك مركزية الإنسان وعقله، وإزاحته عن موقع السيادة لصالح رؤية أوسع ترى في الوجود شبكة مترابطة من العلاقات، وليس مسرحاً لهيمنة بشرية مغلقة على ذاتها. فالكاميرا كثيراً ما تنصرف عن الوجه الإنساني إلى تفاصيل مهملة: حشرة تزحف على ورقة، ذبذبة ضوء على سطح ماء، عشب ينحني تحت وطأة الريح. هذه اللقطات ليست زينة جمالية، بل إشارات فلسفية تذكّر بأن الإنسان ليس محور الكون، بل جزء هشّ من نسيج كوني أوسع وأعمق منه.

كما أن الحضور الدائم للموت في أفلامه لا يُقدَّم بوصفه نهاية مأساوية، بل بوصفه أفقاً وجودياً يضفي على الحياة معناها الهشّ والعابر. فالموت عند ماليك ليس قطيعة مفاجئة، بل ظلٌّ صامت يرافق كل لحظة من لحظات الجمال، ويجعلها أكثر شفافية وأشدّ إيلاماً في الوقت نفسه. وهذا الحضور يعمّق البعد الوجودي لفنه، ويضع المشاهد أمام وعي مؤلم بأن كل ما يُحَبّ معرّض للزوال، وأن الجمال ذاته محكومٌ بالتلاشي.

بهذا المعنى، تصبح سينما ماليك ممارسة روحية حداثية، لا تعظ ولا تُبشّر، لكنها تفتح نافذة على ما سمّاه هايدغر «انكشاف الكينونة»، وعلى ما عبّر عنه الصوفيون بوصفه «لحظة تماس مع المطلق»، وعلى ما عبّر عنه إنغمار برغمان بوصفه «صمت السماء أمام صراخ الإنسان». غير أن ماليك يختار طريقاً أكثر رهافة، يمرّ عبر الضوء والسكينة والحنين، لا عبر العنف أو المواجهة أو الانكسار الدرامي الفجّ.

ومن هنا يترسخ موقعه بوصفه شاعراً يجد للشعر وسيلة كاشفة جديدة. لا يكتفي بأن يصوّر العالم، بل يعيد مساءلته من الداخل، ويقترح على المتلقي أن يرى بعين أبطأ، وقلب أرهف، ووعي أكثر استعداداً للدهشة. فمشاهدة أفلامه ليست تجربة استهلاك، بل رحلة بطيئة في عمق الزمن، حيث تذوب الحدود بين الفن والفلسفة، بين الصورة والتأمل، بين الواقع والحلم، ليغدو السؤال نفسه هو الغاية، والدهشة هي المعنى، والإنصات هو الطريق.