مهند مبيضين: الربيع العربي كان يحتاج لأساطير كاذبة كي ينجح

قال لـ {الشرق الأوسط}: جماعة «الإخوان» التحفت ثوب الإصلاح للوصول للسلطة

د. مهند مبيضين
د. مهند مبيضين
TT

مهند مبيضين: الربيع العربي كان يحتاج لأساطير كاذبة كي ينجح

د. مهند مبيضين
د. مهند مبيضين

عدّ الدكتور مهند مبيضين، الأستاذ في التاريخ والحضارة، والباحث والمؤلف في الحركات الإسلامية والتاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي، أن مسألة إحياء «دولة الأمة»، أو إلغاء فكرة الدولة القُطرية الماثلة اليوم وتزداد رسوخا، غير واردة، مشددا على أن الدولة الإسلامية التي قدمتها نماذج الإسلام السياسي من أفغانستان إلى السودان، ومشروع الإخوان المسلمين في مصر، أثبتت فشلها.
وأشار في هذا الحوار الذي أجري معه خلال زيارته للرياض ومشاركته في ندوة «حركات الإسلام السياسي»، ضمن الفعاليات الثقافية لمهرجان الجنادرية لهذا العام، (الشهر الماضي) إلى أن واقع الحراك العربي ما زال غير ممنهج، لافتا إلى أن هذا الواقع فرض تحديات على الدول العربية مجتمعة، «أبرزها مهمة استعادة أفرادها ثقة المواطنة، والعدالة الاجتماعية، والحد من الفساد، وهذا يحتاج لمتغير ثقافي يبعث المجتمع من جديد ويؤثر فيه».وهنا نص الحوار:

* كيف نشأت حركات الإسلام السياسي؟
- إن نشأة حركات الإسلام السياسي كانت مرتبطة بزمن ما بعد إلغاء الخلافة الإسلامية في 3 مارس (آذار) 1924، على يد مصطفى كمال أتاتورك.. كان الجدل بعدها على من يكون خليفة للمسلمين، وشعرت النخب العربية بوجوب نصب خليفة، وحصلت بيعات مختلفة لأكثر من زعيم. كان إلغاء الخلافة آخر مظهر يتعلق بمظاهر «دولة الأمة»، وآنذاك بدأت النزعة الوطنية تتكون في الدول العربية الواقعة تحت الانتداب والاستعمار، لكن الحركة الإسلامية المؤسسة لجماعات الإسلام السياسي اليوم، وهي حكرا «الإخوان المسلمين»، التي بدأت عام 1928 على يد حسن البنا، لم تأت في سياق المقاومة، على خلاف ما كان سائدا في الجزائر مثلا في نشاط «جمعية العلماء المسلمين» المقاومة، بل على العكس، فإن جماعة «الإخوان» التحفت ثوب الإصلاح لتجنب الصدام مع السلطة القائمة في مصر ومع الاحتلال البريطاني وبقايا جذوره المتجذرة في السلطة المصرية آنذاك.
* تقول إن حركة «الإخوان» في مصر لا تمتلك رصيدا في مواجهة الاستعمار؟
- كان لافتا في مصر، منبع الحركة الإسلامية (جماعة الإخوان) أن الجماعة نأت أيضا عن مواجهة استبداد الحكم في مصر، على الرغم من أن الحكم آنذاك كان متلحقا بالغرب، ورهن مصر وخيراتها للغرب، ونهب ثروات الشعب، إلا أنه وفي عام 1933، أي بعد خمس سنوات على تأسيسهم الجماعة في مصر، وصف حسن البنا الملك فاروق، الذي كانت كل القوى الوطنية تخوض نضالا ضده، بأنه «ذخرا للإسلام». وبينما كانت شوارع مصر تغلي وتنتفض ضد مهاتراته وإسقاط مصر في أحضان الغرب، وصف البنا فاروق: «إنه ضم القرآن إلى قلبه ومزج به روحه». وبينما كان فاروق يغرق في الملذات ويوصف بأنه زير نساء، فطالب النحاس باشا بالحد من سلطات الملك، معولا على دعم الشعب له، وهو ما حدث، فخرج الشعب يهتف: «الشعب مع النحاس باشا».. إلا أن «الإخوان» أظهروا كل انتهازية واستغلال للفرص كما هم دوما. وفي عام 1938 نادت صحفهم بفاروق خليفة، وفي عام 1942 بميدان عابدين عاهدوا الملك فاروق على البر به والولاء له، ثم أيدوا حملة حكومة الملك فارق عام 1946 عندما شنت اعتقالات ضد الوطنيين من الطلبة والعمال والمثقفين وأغلقت معها عشرات الصحف، وقالوا في صحفهم: «إن ما جرى تحتمه الظروف، وإن سلامة الأمة والمجتمع فوق كل شيء». وهم في ذلك الموقف والموقف التقريري للواقع، يخالفون الشرع وجهاد الكلمة ضد السلطان الجائر، ولا أراهم إلا كما رأى عبد الرحمن الكواكبي رحمه الله أقرانهم في زمن الاستبداد الحميدي، حين قال إن أخطر أنواع الاستبداد هو علماء الإقرار بالواقع والرافضين إسداء النصح، فهم من يزين للمستبد استبداده.

* الدولة القُطرية والدولة المدنية
* هل نجحت هذه الحركات في إحياء فكرة الدولة الإسلامية بمفهومها التاريخي، وإلغاء فكرة الدولة القُطرية أو الوطنية؟
- الحقيقة الواقعة اليوم أن الدولة القُطرية ماثلة وتزداد رسوخا، وأن مسألة «الدولة - الأمة» غير واردة. والمهم اليوم تقوية عناصر الوحدة الممكنة ثقافيا واقتصاديا، والدولة الإسلامية التي قدمتها نماذج الإسلام السياسي من أفغانستان إلى السودان ومشروع «الإخوان» في مصر، أثبتت فشلها.
* هل وجود الحركات الإسلامية ضرورة للتعددية، أم يتعارض مع مفهوم الدولة المدنية؟
- الدولة المدنية تقوم على تقاسم واضح للأدوار والسلطة والتعاقد والاعتراف بالآخر، وهي دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية. ومن أهم مبادئ الدولة المدنية ألا يخضع أي فرد فيها لانتهاك حقوقه من قبل فرد آخر أو طرف آخر. ومن مبادئ الدولة المدنية الثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة، كذلك مبدأ المواطنة الذي يعني أن الفرد لا يُعرف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرف تعريفا قانونيا اجتماعيا بأنه مواطن.
* وهل تتعارض تلك المواصفات للدولة المدنية مع تجربة الإسلام السياسي؟
- إذا طبقنا تلك المواصفات للدولة المدنية، التي يطول شرحها، على الكيفيات والطرائق التي حكم بها الإسلاميون عندما وصلوا في نماذج عدة إلى الحكم، فإنهم أبعد الناس عن المفهوم وتطبيقه.. هم قد يقبلون بخيار الدولة المدنية مرحليا، لكي يحصلوا على اطمئنان القوى الوطنية إليهم كما حصل في مصر مع بداية ربيعها الراهن، وفي الأردن في حراكهم المستمر وكذلك في تونس، وإذا تمكنوا مارسوا الغلبة واغتصبوا السلطة وأقصوا الناس، وإذا قالوا إنهم جاءوا بالصناديق، فهم جاءوا بمظلة الدين والتأثير على الناس من خلاله، وهو يتنافى قطعيا مع مفهوم الدولة المدنية التي لا تعرف أحزابا على أساس ديني.
* أين في نظركم نقاط الالتقاء والتعارض عند حركات الإسلام السياسي مع مفهوم الدولة المدنية؟
- هم يريدون الحرية لهم وحدهم ويأبونها على غيرهم. الحركات الإسلامية أجبرت، من خلال الرفض الشعبي لسعيها نحو أسلمة أو أخونة الدولة، على التخلي مرحليا عن بعض الأهداف.. هم يتفقون على أن الشورى أقرب أشكال الديمقراطية، والديمقراطية مختلفة تماما لأنها نتاج قيم وفكر سياسي وضعي وتجربة وتعبير عن أقصى حالات الرأسمالية، أما الشورى فهي نظرة خلاصية كانت في حينها لوأد خلاف الأمة، وهذا يجب أن يسحب على الحديث عن مؤسسات الشورى الحديثة في الدولة الوطنية وهي مؤسسات تعمل في إطار الدولة وليس الحزب.
في هذا الصدد ينبغي التوكيد على أن البنية السياسية الهرمية للحركات والأحزاب السياسية الإسلاموية لا تنسجم والفكر الديمقراطي المدني الحديث؛ إذ جلها ترفل في ثوب بطريركي سلطوي، وهناك أخرى سرية التنظيم، ومع ما يعارض مفاهيم الحكم المدني.
تم تبني أفكار الدولة المدنية عند حركات الإسلام السياسي للهروب من مواجهة المجتمع، في حال وصولهم للسلطة، وقبل القبول بها طرحت شعارات إسلامية بحتة مثل «الإسلام هو الحل» و«استعادة الحياة الإسلامية» وغيرها. وفي حال تمكن الإخوان المسلمين، وهم رأس الإسلام السياسي، نجدهم الأكثر إقصاء واستحواذا على السلطة.

* الربيع وأساطيره
* يعيش العالم العربي واقعا مأزوما، وعدم وضوح.. ما قراءتكم لهذا الواقع؟
- العرب اليوم في حالة مخاض فكرية وسياسية وثقافية، واليوم التنوير العربي الذي حكم التغيرات وأثر سياسيا في حياة العرب طيلة القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر، كما هي الحال في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية والحركة السنوسية والحركة المهدية، أو في نشاط الجمعيات العربية في أواخر القرن التاسع عشر أو مع مفتتح القرن العشرين، نجده غائبا، لا بل هو تنوير ميت، بالمعنى التأثيري الذي يخلق واقعا جديدا ويدفع لأجله، وقد أسهمت في موته أسباب كثيرة؛ أولها الانقلابات العسكرية التي بشرت بالتقدمية وطالبت بها، وانتهت بالاستبداد و«القائد الضرورة». والتنوير مات لأن فئة ما قالت إنها تحتكر الإسلام وتدعي أنها الجماعة المؤمنة الموكول إليها هدف استعادة الإسلام والحكم به، وهم جماعات الإسلام السياسي.
نحن اليوم نشهد غلبة السياسي على الثقافي، ونشهد تحديات جديدة، على رأسها تحدي الطاقة والبطالة والفقر والتنمية، ولأن الدولة ظلت تصر على أن تكون الراعي الوحيد للمجتمع، فإنها اليوم تواجه مشكلة اعتبارها مؤسسة حمائية والراعي الوحيد للفرد، ولهذا كلما أرادات التحلل من دورها، ثارت ثورة الناس على ذلك التوجه.
* ماذا بشأن الحراك الأخير الذي اصطلح عليه (الربيع العربي) كيف تراه؟
- واقع الحراك العربي، فما زال غير ممنهج، وصوت الناس الغلابة والمساكين يستثمر أحيانا من قبل قوى سياسية ورجال أعمال ونخب تبحث عن مكاسب وتموضع سياسي محدد أو وضعية دينية في لبوس من التشدد، وهذا الواقع فرض تحديات على الدول العربية مجتمعة وهي مهمة استعادة أفرادها وبناء ثقافة المواطنة والعدالة الاجتماعية والحد من الفساد. لكن ذلك يحتاج لمتغير ثقافي يبعث المجتمع من جديد ويؤثر فيه.

* البوعزيزي.. قادح التاريخ
* كيف تقرأ مخرجات «الربيع العربي»، وما الهزات على المستوى الفكري والثقافي التي أنتجتها التحولات السياسية في الوطن العربي؟
- الربيع العربي كان في أسئلته الأولى مفتاحا لإشاعة ثقافة الحرية من جديد، لكنه فيما بعد نكص عن أهدافه، صحيح أن له فضلا في تثبيت عودة الدولة العربية لرعاية مواطنيها وضبط إنفاقها وتخفيف الفساد وسماع أصوات الناس، وصحيح أنه كان مناسبة لظهور فاعلين جدد في المجتمع وممثلين عن الأطراف، لكنه كان سيظهر عجزا مجتمعيا وثقافيا وسياسيا، إذ أنه أظهر بأن الناس لم ينتظموا بعد على أساس المصالح والأفكار. لقد أثبت الربيع عجز الأحزاب عن خلق دوائر تأثير، لذلك صعدت مقولات ديمقراطية الميادين وديمقراطية الأقدام، لأن الديمقراطية غير موجودة كسلوك.
الربيع كان يحتاج لأساطير كاذبة أحيانا لكي ينجح ويعتاش عليها، فمحمد البوعزيزي مثلا لم يكن متعطلا عن العمل ولم يكن من أصحاب الشهادات والصورة التي نشرت له وهو يحرق نفسه ليست له، والناس لم يروه، وقبل البوعزيزي هناك حالات كثيرة سبقته بالانتحار، وهو فعلا أساء لعاملة البلدية التي قيل بأنها ضربته، والعائلة استثمرت في ذلك، ورضيت بذلك وتلقت دعما من عدة جهات. أعني أن البوعزيزي كان يمثل ما يسمى قادح التاريخ، أو التغيير، فكل فعل يحتاج لقادح أو شرارة بدء، ومع ذلك، كانت عدوى الربيع التونسي سريعة نحو المشرق، لكنه اليوم يعود إليها ولم ينجح إلا بها، وهذا أمر مؤقت بعد ولم يختبر.
* ألا تشعر أن تونس لديها تميز مختلف؟
- نعم..! ما حصل يؤكد أن تونس لها خصوصيات ثقافية ومبادرات تغيرية، إذ كانت صدرت منها بدايات التنوير والعقلانية منذ ابن خلدون ومرورا بإعلان الدستور أول مرة أو ما سمي عهد الأمان 1857 وهناك أفكار التجديد على يد خير الدين التونسي وهي بلد القيروان المرجعية الفكرية المتنورة، ومن ثم تطور فيها بناء الدولة على أسس مدنية مع الحبيب بورقيبة ومنحت المرأة حقوقا مساوية للرجل. لكن تونس لا يمكن أن تعبر عن نموذج مصر، والثورة التونسية ليست نموذجا للتصدير، ولا أظن أن العقل التونسي السياسي اليوم يفكر بتصدير نموذجه.
* لماذا ظل الهاجس الإسلامي حاضرا في الحراك السياسي العربي، وهل ترون أن التيار الديني سيبقى مستأثرا بحركة الشارع؟
- ليس هاجسا إسلاميا، وخطأ أن ننسب ما تتبناه الحركات الإسلامية أو الإسلام السياسي إلى (الإسلام)، فما جرى هو التقاء مصالح مع الغرب وبحث عن «الدولة الغنيمة». تمكين الإسلام حضاريا أبعد الأهداف عن أصحاب الإسلام السياسي. هل هم مجتهدون في أمور الناس، هل قدموا مشروع نهوض إسلاميا؟ الجواب لا، لقد شهدنا حركات سياسية بثوب أو بشعار إسلامي، يثوي بالماضي ويصر على أن يجعل الماضي طريقا للمستقبل. وشهدنا حركات وجبهات وإمارات وجماعات إسلاموية، لكننا لم نشهد نهضة إسلامية.
أما عن الصوت الأعلى للإسلام السياسي، فلأنهم يستخدمون الإسلام عباءة لهم، ولو سألت أي إسلامي سياسي من حركة الإخوان عن رأيه في مسألة خلق القرآن أو وجوب الإمامة أو في مسألة من مسائل مجلة الأحكام العدلية لما أفادك بشي، ولاكتشفت أي إسلام يبغون.
الجماعات الإسلامية ليست فاعلة، ولا هي حاضرة لأنها تعيش في ظل ما يسمى «العيش اليومي» لأنها تنتظم وتتوغل في المجتمعات من خلال الدين فقط.

* إخوان مصر
* مآلات الحالة المصرية أصبحنا نراها أمامنا.. لكن أين أخطأ الإخوان المسلمون في مصر؟
- نهايات الحالة المصرية كانت متوقعة، تمسك الإخوان بالشارع، وهذا ما قالوه في الأردن حين دعوا لانتخابات البرلمان، وقبل ذلك قالوا في مصر نحن مع ديمقراطية الأقدام، لا.. بل هم يحيلون الفهم الشرعي للديمقراطية وحق الانتخاب بأنه يؤدي في النهاية إلى تطبيق إرادة العامة، ولكنهم حين جاءت عامة مصر وقالت لمرسي «كش ملك» رفض الإخوان ذلك، مع أنهم في الخطاب الطويل الذي سبق عزله، كانوا يحيُونه ويطلبون منه سحق المعارضة الوطنية التي رفضت أسلمة الدولة وأخونتها.
كانت القوى المصرية الوطنية قد ذهبت لمرسي بعد انتخابه وطلبت منه سبع نقاط إن التزم بها كان رئيسا لكل المصريين، ولكنه أبى واستكبر فظل رئيسا لـ«الإخوان» فقط، أو كذلك أُريد له أن يكون، ثم زيّن الاستبداد في عينه فحصن نفسه وقراراته وجعل نفسه فوق القضاء، حتى خرج الناس عليه لأنهم رأوا في الإخوان طلاب سلطة فحسب، ولم يكونوا أصحاب بناء وطني يكفل لمصر استعادة دورها وتأثيرها في المنطقة، إذ أن منظر مرسي وهو يتوسل الدعم الإيراني والروسي كان مذلا لكل المصريين.



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.