إدانات دولية إثر إطلاق كوريا الشمالية صاروخا بعيد المدى

سيول وواشنطن تبحثان نشر نظام صاروخي دفاعي.. وبكين وموسكو تعارضان

إدانات دولية إثر إطلاق كوريا الشمالية صاروخا بعيد المدى
TT

إدانات دولية إثر إطلاق كوريا الشمالية صاروخا بعيد المدى

إدانات دولية إثر إطلاق كوريا الشمالية صاروخا بعيد المدى

أطلقت كوريا الشمالية، اليوم (الأحد)، صاروخاً بعيد المدى يحمل ما قالت إنه قمر صناعي، مستفزة جيرانها وواشنطن؛ إذ وصفت عملية الإطلاق بـ"اختبار صاروخي يتحدى عقوبات الأمم المتحدة"، وذلك بعد أسابيع من إجراء بيونغ يانغ تجربة نووية.
القيادة الأميركية الاستراتيجية، رصدت الصاروخ أثناء دخوله الفضاء، في حين قال جيش كوريا الجنوبية، إن الصاروخ وضع جسماً في مدار.
وقالت كوريا الشمالية، إن "إطلاق قمرها الصناعي "كوانجميونجسونج-4" الذي يحمل اسم الزعيم الراحل كيم جونج ايل، تم "بنجاح تام"، وإن القمر الصناعي يقوم بالدوران حول الأرض كل 94 دقيقة، وأصدر أمر الاطلاق ابن الزعيم الراحل الزعيم كيم جونج أون، الذي يعتقد أن عمره 33 عاماً.
إطلاق الصاروخ، دفع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة إلى إعلان أنهما ستبحثان نشر نظام دفاع صاروخي متقدم للتصدي لما تراه تهديداً من الشمال "في أقرب وقت ممكن"، فيما تعارض الصين وروسيا خطوة نشر النظام الدفاعي.
ونشرت وكالة أنباء كوريا الشمالية الرسمية صورة ثابتة لصاروخ أبيض يشبه إلى حد كبير صاروخا أطلق في السابق وهو ينطلق، وأظهرت صورة أخرى كيم وإلى جانبه مسؤولون عسكريون مبتهجون في مركز للقيادة فيما يبدو.
وكانت آخر عملية إطلاق قامت بها كوريا الشمالية لصاروخ بعيد المدى، في عام 2012 ووضع ما قالت إنه قمر صناعي للاتصالات في المدار، لكن لم ترصد أي إشارة قط من هذا القمر الصناعي.
وقال ديفيد رايت المدير المشارك والعالم الكبير في برنامج الأمن العالمي لاتحاد العلماء المعنيين "إذا تمكنت كوريا الشمالية من الاتصال بكوانجميونجسونج-4، فسوف تتعلم تشغيل الأقمار الصناعية في الفضاء"، مضيفاً أنه "إذا لم يحدث فإنها اكتسبت خبرة الإطلاق وتعلمت المزيد عن إمكانات برامجها الصاروخية".
الصاروخ أطلق حوالى الساعة التاسعة والنصف صباحاً بتوقيت سيول "00:30 بتوقيت غرينتش"، في مسار جنوبي كما هو مقرر، في الوقت الذي أظهرت شبكة تلفزيون فوجي اليابانية شعاعاً من الضوء في السماء التقط بكاميرا على الحدود الصينية مع كوريا الشمالية.
كوريا الشمالية، كانت قد أبلغت وكالات تابعة للأمم المتحدة عزمها إطلاق صاروخ يحمل قمراً صناعياً لمراقبة الأرض، مما أثار معارضة حكومات ترى أنها تجربة لإطلاق صاروخ بعيد المدى.
وفي تطور لاحق، قال دبلوماسيون، إن مجلس الأمن الدولي سيعقد اجتماعاً طارئاً اليوم (الأحد)، بناءً على طلب الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية لمناقشة إطلاق كوريا الشمالية صاروخاً.
وكانت كوريا الشمالية أعطت في البداية إطاراً زمنياً من الثامن إلى 25 فبراير (شباط)، لإطلاق الصاروخ، لكنها غيرت الموعد أمس (السبت) ليصبح من السابع إلى 14 فبراير، للاستفادة فيما يبدو من الطقس الجيد اليوم (الأحد).
من جهة أخرى، وصفت الإدارة الوطنية لتطوير الفضاء في كوريا الشمالية عملية الإطلاق بأنها "حدث تاريخي في قدرة البلاد العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والدفاعية من خلال ممارسة الحق المشروع في استخدام الفضاء للأغراض المستقلة والسلمية".
وينظر إلى إطلاق الصاروخ والتجربة النووية التي أجريت في السادس من يناير (كانون الثاني) على أنهما تأتيان في إطار جهود الزعيم الشاب على تعزيز شرعيته بالداخل قبيل مؤتمر الحزب الحاكم في مايو (أيار) المقبل؛ وهو أول مؤتمر منذ عام 1980.
ونقلت وكالة "انترفاكس" الروسية للأنباء عن سفارة كوريا الشمالية في موسكو قولها في بيان، إن "بيونغ يانغ تنوي الاستمرار في إطلاق الصواريخ التي تحمل أقماراً صناعية إلى الفضاء".
بدورها، قالت كوريا الجنوبية والولايات المتحدة إن نظام الدفاع الصاروخي المتقدم الذي يسمى نظام الدفاع الجوي للارتفاعات العالية "ثاد" إذا نشر في كوريا الجنوبية فسيستهدف فقط كوريا الشمالية. وكانت كوريا الجنوبية مترددة في مناقشة إمكانية نشر النظام "ثاد" علناً.
وقال الجنرال كورتيس سكاباروتي قائد القوات الأميركية، بكوريا الجنوبية في بيان: "تواصل كوريا الشمالية تطوير أسلحتها النووية وبرامجها للصواريخ الباليستية، ومسؤولية تحالفنا الحفاظ على دفاع قوي ضد تلك التهديدات، سيضيف نظام "ثاد" قدرة مهمة في نظام صاروخي فعال ومتعدد الطبقات".
وكررت الصين أكبر شريك تجاري لكوريا الجنوبية التعبير عن "القلق الشديد" ازاء النظام الدفاعي "ثاد" الذي قد يخترق أجهزة الرادار الخاصة به أراضيها".
وقال جيش كوريا الجنوبية، إنه سيجري مناورات عسكرية سنوية "هي الأكثر تطوراً والأكبر" مع قوات أميركية هذا العام، فيما تعارض كوريا الشمالية المناورات وترى أنها مقدمة لحرب تريد أن تشنها الولايات المتحدة من أجل إسقاط نظام بيونغ يانغ".
ولدى الولايات المتحدة قوات يبلغ قوامها نحو 28500 جندي في كوريا الجنوبية.
وقال وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إن الولايات المتحدة ستعمل مع مجلس الأمن الدولي بشأن اتخاذ "إجراءات مهمة"، لمحاسبة كوريا الشمالية على ما وصفه بانتهاك صارخ لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة باستخدام كوريا الشمالية لتكنولوجيا الصواريخ الباليستية.
على إثر ذلك، انتشلت البحرية في كوريا الجنوبية ما تعتقد أنه هيكل يستخدم لحماية القمر الصناعي أثناء رحلته إلى الفضاء في مؤشر على أنها تبحث عن أجزاء الصاروخ أملاً في التوصل إلى معلومات عن البرنامج الصاروخي لبيونغ يانغ، وهو الأمر الذي فعلته بعد عملية الإطلاق السابقة.
وعبرت الصين عن أسفها ودعت كل الاطراف إلى التصرف بحذر والتخلي عن اتخاذ خطوات من شأنها إثارة التوترات.
والصين حليفة رئيسية لكوريا الشمالية على الرغم من أنها تعارض برنامجها للأسلحة النووية.
وقالت روسيا التي وثقت علاقاتها مع كوريا الشمالية في السنوات الأخيرة، إن إطلاق الصاروخ لا يمكن إلا أن يثير "احتجاجاً شديداً"، مضيفة أن بيونغ يانغ أظهرت مرة أخرى تجاهل قواعد القانون الدولي.
وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان: "نوصي بشدة قيادة كوريا الشمالية بالتفكير فيما إذا كانت سياسة معارضة المجتمع الدولي بأسره تتفق مع مصالح البلاد".
بدوره، دان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بشدة إطلاق الصاروخ وحث كوريا الشمالية على "وقف أفعالها الاستفزازية".
وقالت رئيسة كوريا الجنوبية، باك جون هاي، إن إطلاق الصاروخ عمل استفزازي لا يغتفر، فيما قال وزير خارجية ألمانيا، فرانك فالتر شتاينماير، إن إطلاق كوريا الشمالية لصاروخ طويل المدى "استفزاز غير مسؤول"، مضيفاً في بيان: "أدين بشدة قيام كوريا الشمالية اليوم بإطلاق صاروخ باليستي. تجاهل هذا البلد مرة أخرى تحذيرات المجتمع الدولي".
وتابع وزير الخارجية الألماني، "إطلاق الصاروخ استفزاز غير مسؤول يتجاهل قرارات مجلس الأمن الدولي الملزمة ويضع الأمن الإقليمي في خطر مرة أخرى".
كما دانت أستراليا ما وصفته بـ"سلوك كوريا الشمالية الخطير"، بينما قال رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، إن إطلاق الصاروخ "غير مقبول على الإطلاق"، لا سيما بعد الاختبار النووي الذي أجرته كوريا الشمالية الشهر الماضي.
وكانت كوريا الشمالية قد قالت إن تجربتها النووية الرابعة كانت لقنبلة هيدروجينية، في الوقت الذي عبرت الولايات المتحدة وحكومات أخرى عن تشكيكها في هذا الزعم، ويعتقد أن كوريا الشمالية تعمل على تطوير رأس حربي نووي مصغر لتضعه على صاروخ، لكن كثيراً من الخبراء يقولون إنها بعيدة عن اتقان هذه التكنولوجيا.
يذكر ان بيونغ يانغ لديها سجل من إطلاق الصواريخ والاختبارات النووية التي كان لها ردود فعل دولية مثير منها:
31 أغسطس (آب) 1998: أطلقت صاروخاً متوسط المدى طراز "تايبودونج1-"، لكنها فشلت في وضع قمر صناعي في مدار بالفضاء.
4 يوليو (تموز) 2006: اختبرت صاروخ "تايبودونج2-" الأكثر تقدماً لكن الاختبار فشل.
9 أكتوبر ( تشرين الأول) 2006: أجرت أول تجربة نووية.
14 أكتوبر 2006: فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات تجارية على كوريا الشمالية، ومنعها من استيراد تكنولوجيا الصواريخ الباليستية رداً على تجربتها النووية.
5 أبريل (نيسان) 2009: أطلقت صاروخ "يونها2-" وقالت إنها وضعت قمراً صناعياً في مدار بالفضاء، لكن خبراء في الخارج ذكروا أنه لم يتم رصد أي قمر صناعي.
25 مايو (آيار) 2009: أجرت تجربتها النووية الثانية.
12 يونيو (حزيران) 2009: تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع فرض عقوبات أكثر صرامة، بينها اعتراض السفن الكورية الشمالية.
13 أبريل 2012: أطلقت صاروخ "يونها3- بعيد المدى ، وانفجر بعد دقائق من إطلاقه.
12 ديسمبر (كانون الأول) 2012: ذكرت كوريا الشمالية أن إطلاق صاروخ آخر "يونها3-" كان ناجحاً ووضعت قمراً صناعياً في مدار بالفضاء.
22 يناير (كانون الثاني) 2013: دان مجلس الأمن الدولي عملية الإطلاق الأخيرة للصاروخ، ووسع من تجميد الأصول وحظر السفر بالنسبة للعديد من المنظمات والأفراد في كوريا الشمالية.
12 فبراير (شباط) 2013: أجرت تجربة نووية ثالثة طبقاً لبيانات خاصة برصد الزلازل، وزعمت بيونغ يانغ أنها استخدمت عبوة نووية مصغرة لكن لم يتم رصد أي إشعاع.
28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013: دفع النشاط المتزايد في منشأة "يونجبيون" بكوريا الشمالية المراقبين الدوليين للاشتباه في أنها تستأنف إنتاج مواد انشطارية.
26 مارس (آذار) 2014: أطلقت صاروخين باليستيين حلقا لنحو 650 كيلومتراً، قبل أن يسقطا في البحر شرق شبه الجزيرة.
8 أكتوبر 2014: ذكرت هيئات استخباراتية أن موقع الاختبار النووي الكوري الشمالي في منطقة "بونجي-ري" أوقف نشاطه مما دفع لتكهنات بشأن إطلاق تجربة نووية رابعة وشيكة لكن لم ترد أنباء بشأن ذلك.
15 سبتمر (أيلول) 2015: ذكرت كوريا الشمالية أنها استأنفت العمليات في المفاعل النووي بمنشأة "يونجبيون" بعد أن أجرت "تجديدات" في المجمع.
6 يناير 2016: أعلنت أنها نجحت في إطلاق قنبلة هيدروجينية، في رابع اختبار نووي من نوعه لكن، شكك خبراء غربيون من أن تكون القنبلة قوية إلى حد الحد.
7 فبراير 2016: أطلقت صاروخاً بعيد المدى، وذكرت أنها نجحت في وضع قمر صناعي لمراقبة الأرض من نوع "كوانجميونجسونج4-" في مدار بالفضاء.



ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

برزت في الفترة الأخيرة رؤيتان متنافستان حول كيفية تعامل حلفاء الولايات المتحدة وشركائها مع النظام العالمي المتغير. ففي الدورة الأخيرة للمنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع دافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي، تحدث رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، عن شرخ في السياسة العالمية، ودعا القوى المتوسطة إلى العمل معاً لإيجاد بدائل للاعتماد على الولايات المتحدة. ووصف كارني الصين بأنها ثقل موازن فعال للنفوذ الأميركي.

في المقابل، تصر رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، على أن الصين، وليست الولايات المتحدة، هي التهديد الأكثر خطورة الذي تواجهه الدول. وقد منحها الفوز الساحق في الانتخابات المبكرة التي جرت في فبراير (شباط) الماضي تفويضاً لرسم استراتيجية لليابان، وربما لحلفاء آخرين للولايات المتحدة، تقوم على تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة رغم عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات واشنطن.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في كلمة أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو... 9 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وحظي خطاب كارني بتصفيق حار وإشادة من المعلقين والقادة في جميع أنحاء أوروبا، وحتى في أستراليا، وحقق مكاسب كبيرة داخل كندا. قد تكون رؤية رئيس الوزراء جذابة لحلفاء الولايات المتحدة الذين سئموا غطرسة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها لا تشكل استراتيجية شاملة قابلة للتطبيق أو مستدامة بالنسبة للقوى المتوسطة الأخرى في العالم، بحسب تحليل مايكل جيه. غرين، الرئيس التنفيذي لمركز الدراسات الأميركية في جامعة سيدني، المنشور في مجلة «فورين أفيرز».

فدول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، المهددة بنفوذ بكين، تدرك جيداً أنه لا بديل حقيقياً عن القوة الأميركية. ومن المرجح وصول الدول الأوروبية إلى استنتاج مماثل رغم الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن.

يقول غرين إنه إذا أرادت الدول المتوسطة أن يكون لها مكان على مائدة صنع القرار الدولي، بدلاً من أن تكون «وليمة» للقوى الكبرى كما يريد كارني، ففرص نجاح نهج تاكايتشي أكبر، في عالم لا تزال فيه الاضطرابات التي تسببها بكين أكثر زعزعة للاستقرار الدولي من الاضطرابات التي يسببها ترمب.

في الوقت نفسه فإن نتيجة الانتخابات العامة الأخيرة في اليابان ترجح بقاء تاكايتشي، عازفة الطبول في فرقة موسيقى الهيفي ميتال وراكبة الدراجات النارية، في منصب رئيسة الوزراء لفترة طويلة، على خلاف التصورات الشائعة قبل شهور. لذا فإن رؤيتها للسياسة الخارجية ترسي المسار الأكثر واقعية للدول المسؤولة في مواجهة نظام عالمي مهتز.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان... 29 يونيو 2019 (رويترز)

استراتيجية تاكايتشي

وتنطلق استراتيجية تاكايتشي من رؤية رئيس الوزراء الياباني الراحل، شينزو آبي، التي تبلورت خلال السنوات الفاصلة بين فترتيه كرئيس للحكومة، حين أدى التوغل الصيني في الجزر والمياه التي تسيطر عليها اليابان في بحر الصين الشرقي إلى إذلال اليابان. لاحقاً، بعد عودته إلى منصبه، أجرت حكومة آبي سلسلة من المناورات الحربية استعداداً لإطلاق أول استراتيجية أمنية وطنية معلنة للبلاد. وكشفت هذه المناورات أن اليابان، بمفردها، ستعجز عن التصدي للجيش الصيني في أي مواجهة عسكرية كبرى ببحر الصين الشرقي. والأسوأ من ذلك، خلص فريق آبي إلى أن الولايات المتحدة ستجد صعوبة متزايدة في التصدي لطموحات الصين الإقليمية من دون مزيد من الدعم من اليابان وحلفائها الآخرين.

حتى ذلك الحين، كانت استراتيجية اليابان تقوم على ترك الشؤون الجيوسياسية للولايات المتحدة، لكي تتمكن طوكيو من التركيز على النمو الاقتصادي وتحسين العلاقات الدبلوماسية مع الشركاء حول العالم. واعتبرت جميع الحكومات اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية أن بند التعايش السلمي في الدستور الياباني، الذي يتنازل عن حق البلاد في شن الحرب لحل النزاعات الدولية، مبرر مثالي للبقاء بعيدة عن حروب الولايات المتحدة وصراعاتها المسلحة، منذ الحرب الكورية في مطلع خمسينيات القرن العشرين وحتى حربها الحالية مع إيران.

لكن آبي اعتبر هذا البند عبئاً على بلاده في مواجهة صعود الصين العسكري والاقتصادي، حيث لم يعد بإمكان القادة اليابانيين التنصل من المسؤولية، بينما تقود الولايات المتحدة زمام الأمور؛ فالأرخبيل الياباني، في نهاية المطاف، سيصبح في مقدمة مسارح أي صراع مستقبلي. وبدلاً من تجنب التورط في الحروب الأميركية، باتت اليابان بحاجة إلى دعم جهود الردع التي تقودها واشنطن في آسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» لدى وجودها على ساحل اليابان في أكتوبر الماضي (أ.ب)

ولم يتوقع الكثيرون أن تكون تاكايتشي هي حاملة لواء هذه الرؤية الجيوسياسية، رغم أنها كانت حليفة مخلصة لآبي، لأنها لم تكن من بين السياسيين الذين رشحهم في البداية للقيادة المستقبلية.

عندما تولت منصب رئيسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بعد استقالة شيجيرو إيشيبا، الأكثر اعتدالاً، واجهت تاكايتشي صعوبات مبكرة، بعد تصريحها في مجلس النواب الياباني في نوفمبر (تشرين الثاني) عن أن أي هجوم صيني على تايوان أو فرض حصار عليها سيشكل تهديداً لبقاء اليابان. وأثار هذا التصريح غضب بكين، التي فرضت مقاطعة اقتصادية ودبلوماسية شديدة على اليابان. وكما كان متوقعاً، انشق حزب «كوميتو»، الشريك السلمي لـ«الحزب الليبرالي الديمقراطي»، وانضم إلى المعارضة على أمل إزاحة تاكايتشي من السلطة وتشكيل ائتلاف حكومي جديد مع أحزاب أخرى من اليسار السياسي. صمدت تاكايتشي في موقفها، وأعجب الشعب بعزيمتها. وعندما دعت إلى انتخابات مبكرة في فبراير كافأ الناخبون اليابانيون حزب تاكايتشي، «الحزب الليبرالي الديمقراطي»، بأغلبية ساحقة في البرلمان.

ومن المنتظر إعلان تاكايتشي استراتيجيتها الخاصة للأمن القومي في وقت لاحق من هذا العام. ومن المرجح وصول الإنفاق الدفاعي لليابان إلى هدف عام 2027 البالغ 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي 58 مليار دولار، قبل الموعد المحدد. ستستخدم اليابان ضوابط التصدير وزيادة الاستثمار في سلاسل إمداد المعادن الحيوية والبحث والتطوير لتعزيز تفوقها التكنولوجي على الصين. كما ستواصل تعزيز التعاون الدفاعي وتوقيع اتفاقيات إنتاج عسكري مع شركاء رئيسيين، إذ تعمل اليابان بالفعل على تطوير طائرات مقاتلة جديدة مع بريطانيا وإيطاليا، وتصدير سفن حربية يابانية إلى أستراليا.

وتهدف تاكايتشي إلى استعادة توازن القوى الإيجابي في المنطقة، من خلال علاقة أمنية أقوى مع الولايات المتحدة. وهي تعمل مع واشنطن على إنشاء مقر قيادة مشترك جديد في اليابان، وتسريع التخطيط الثنائي لمواجهة أي غزو صيني محتمل لتايوان، وزيادة الاستثمارات اليابانية في المعادن الحيوية وتطوير الطاقة في الولايات المتحدة. كما تعمل اليابان على توسيع إنتاج الصواريخ المشترك، وصيانة السفن والطائرات البحرية الأميركية في اليابان، والتعاون مع الولايات المتحدة في مجال تعزيز مرونة سلاسل التوريد.

ومن المرجح أن تحذو تاكايتشي حذو آبي في المحافل الدولية، مثل قمة مجموعة السبع، وتدفع نحو التضامن بين الديمقراطيات الرائدة، بدلاً من «تقليل المخاطر» بالسعي إلى مزيد من النأي عن الولايات المتحدة كما اقترح كارني في خطابه بدافوس.

لكن، بالرغم من الدعم الكبير لليابان من جانب الرأي العام وأعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة، فإن تجارب التاريخ تقول إن الرؤساء الأميركيين يمكن أن تكون لهم مواقف مخيبة للآمال بالنسبة لطوكيو.

في الوقت نفسه يمكن أن تسهم حالة عدم اليقين في وضع استراتيجية جادة.

وتمتلك تاكايتشي حالياً الاستراتيجية الأكثر جدية، وهي استراتيجية تقوم على تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة بدلاً من التكهن بعالم ما بعد الهيمنة الأميركية. فالشراكة مع واشنطن لا تعني الرضوخ لاحتياجاتها، بل استخدام النفوذ بفعالية لضمان أن يخدم التحالف مصالح اليابان.

عندما تولت تاكايتشي وزارة الأمن الاقتصادي من عام 2022 إلى عام 2024، كانت استراتيجية اليابان تتمحور حول اكتساب مكانة لا غنى عنها بفضل تقنياتها واستثماراتها وقدراتها العسكرية. وبصفتها رئيسة للوزراء اليوم، تدرك تاكايتشي أهمية اليابان في جهود الولايات المتحدة لردع التوغل العسكري الصيني والحصول على المعادن الحيوية، كما يدرك ذلك مستشارون كبار للرئيس ترمب.

معنى ذلك أن استراتيجية ترتكز على التعاون مع الولايات المتحدة ستتيح لليابان فرصاً أكبر للاستفادة من قوة الولايات المتحدة لمواجهة التحديات التي تواجهها في غرب المحيط الهادئ، حتى في ظل حالة عدم اليقين التي تكتنف الوضع في واشنطن.


باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

TT

باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)
موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)

قال متحدث باسم حكومة حركة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء، إن ما لا يقل عن 400 شخص لقوا حتفهم، وأصيب 250 آخرون في ضربة جوية شنتها باكستان على مستشفى لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابل، في تصعيد حاد للصراع بين البلدين الجارين. ورفضت باكستان هذا الاتهام، ووصفته بأنه كاذب، ومضلل، وقالت إنها «استهدفت بدقة منشآت عسكرية، وبنية تحتية تدعم الإرهابيين» مساء أمس.

وقال وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارر: «تشير الانفجارات الثانوية التي شوهدت بعد الغارات بوضوح إلى وجود مستودعات ذخيرة كبيرة».

وجاءت الغارة الجوية بعد ساعات من إعلان الصين أنها لا تزال مستعدة لمواصلة الجهود الرامية إلى تخفيف التوتر بين البلدين الواقعين جنوب آسيا، وحثت كلا الطرفين على تجنب توسيع نطاق الحرب، والعودة إلى طاولة المفاوضات.

عناصر أمن من «طالبان» يتفقدون موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)

والصراع الذي اندلع الشهر الماضي هو الأسوأ على الإطلاق بين الجارتين اللتين تشتركان في حدود بطول 2600 كيلومتر. وكان الصراع قد خمد وسط محاولات من دول صديقة، منها الصين، للتوسط، وإنهاء القتال قبل أن يشتعل مجدداً، وهذه المرة قبل أيام قليلة من عيد الفطر.

ويأتي هذا التصعيد وسط حالة من عدم الاستقرار الأوسع نطاقاً في المنطقة، إذ أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران ورد طهران الشرق الأوسط في أزمة.

وفي الموقع، بدا مبنى مكون من طابق واحد وقد تفحم بالكامل وظهرت عليه آثار النيران. وفي مناطق أخرى، تحولت مبانٍ عدة إلى أكوام من الخشب والمعدن، بينما لم يبقَ سوى عدد قليل من الأسرة المرتبة سليمة بعض الشيء، وكانت البطانيات والمتعلقات الشخصية وأغطية الأسرة متناثرة.

وقال شهود إنهم سمعوا انفجار ثلاث قنابل في الوقت الذي كان فيه الناس في المستشفى يؤدون صلاة العشاء، وأصابت اثنتان منها غرفاً، ومناطق للمرضى.

وقال أحمد (50 عاماً)، الذي قال إنه كان يتلقى العلاج في المستشفى ولم يذكر سوى اسمه الأول: «اشتعلت النيران في المكان بأكمله. كان الأمر أشبه بيوم القيامة... احترق أصدقائي ولم نتمكن من إنقاذهم جميعاً».

جرحى جراء غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (رويترز)

وأظهرت لقطات من وسائل الإعلام المحلية التقطت خلال الليل ألسنة اللهب وهي تلتهم مبنى من طابق واحد، بينما كان الدخان الكثيف يتصاعد من قسم آخر من المجمع نفسه، وكان العمال ينقلون الجثث على نقالات.

وقال سائق سيارة الإسعاف الحاج فهيم لـ«رويترز»: «عندما وصلت (الليلة الماضية) رأيت أن كل شيء يحترق، والناس يحترقون... وفي الصباح الباكر اتصلوا بي مرة أخرى وطلبوا مني العودة، لأن هناك جثثاً لا تزال تحت الأنقاض».

وقال حمد الله فيترات، نائب المتحدث باسم «طالبان»، إن الغارة الجوية وقعت الساعة 16:30 بتوقيت غرينتش أمس، واستهدفت مستشفى أوميد الحكومي، الذي قال إنه مركز لإعادة تأهيل مدمني المخدرات بسعة ألفي سرير.

وأضاف: «تم تدمير أجزاء كبيرة من المستشفى، وهناك مخاوف من وقوع إصابات جسيمة... وللأسف، بلغ عدد القتلى حتى الآن 400 شخص، وإصابة ما يصل إلى 250 آخرين».

ولم تتمكن «رويترز» بعد من التحقق من عدد الضحايا. وزعم كلا الطرفين طوال فترة النزاع أنهما ألحقا أضراراً جسيمة بالطرف الآخر، لكن لم يكن من الممكن إجراء تحقيق مستقل.

ووصف المتحدث باسم رئيس الوزراء الباكستاني الإشارة الأفغانية إلى استهداف متعاطي المخدرات بأنها «أكاذيب مستمرة»، وقال إن «عمليات مكافحة الإرهاب» الباكستانية ستستمر طالما استلزم الأمر للقضاء على «الإرهابيين وبنيتهم التحتية».


أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)

قال ​نائب المتحدث باسم حكومة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء ‌إن ‌ما ​لا ‌يقل ⁠عن ​400 شخص لقوا ⁠حتفهم وأصيب 250 آخرون في غارة ⁠جوية شنتها ‌باكستان ‌على ​مستشفى لإعادة ‌تأهيل ‌مدمني المخدرات في العاصمة كابول.

ورفضت باكستان ‌هذا الاتهام ووصفته بأنه ⁠كاذب ومضلل، ⁠وقالت إنها «استهدفت بدقة منشآت عسكرية وبنية تحتية تدعم الإرهابيين»، ​مساء ​أمس الاثنين، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

يأتي ذلك في ظل النزاع بين باكستان وأفغانستان، إذ شنّت إسلام آباد عدة ضربات على كابول خلال الأسابيع الأخيرة.

وسُمعت عدة انفجارات مصدرها منطقتا شهرنو ووزير أكبر خان في وسط العاصمة الأفغانية. وشاهد صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» أماً مذعورة تغادر أحد المباني، وهي تنادي ابنها للعودة إلى المنزل بعد الانفجار العنيف.

واتهمت الحكومة الأفغانية باكستان بقصف كابل مستهدفة «مركزاً لعلاج الإدمان»، ما أدى إلى مقتل العديد من المدنيين. وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد عبر منصة «إكس»: «انتهك النظام الباكستاني مجدداً المجال الجوي الأفغاني، مستهدفاً مركزاً لعلاج الإدمان في كابل، ما أسفر عن مقتل وإصابة العديد من المدنيين، معظمهم من مدمني المخدرات الذين يخضعون للعلاج».

وتخوض الدولتان نزاعاً منذ أشهر، سببه اتهام إسلام آباد جارتها بإيواء مقاتلين من حركة «طالبان باكستان» التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات دامية على الأراضي الباكستانية، وهو ما تنفيه السلطات الأفغانية.

وبعد تصعيد في أكتوبر (تشرين الأول) أسفر عن مقتل العشرات، هدأت حدة الاشتباكات لكنها لم تتوقف تماماً. إلا أنها تجددت بقوة في 26 فبراير (شباط) عقب غارات جوية باكستانية، وأعلنت إسلام آباد «حرباً مفتوحة» في 27 فبراير.