إيران «تحكم قبضتها» على الاستثمار الأجنبي بصفقات «حكومية حصرية»

شكاوى في القطاع الخاص من الاحتكار.. واتهامات بالفساد وعدم الكفاءة

عاملون بأحد مصانع تجميع السيارات في مدينة خوردو الإيرانية (أ.ب)
عاملون بأحد مصانع تجميع السيارات في مدينة خوردو الإيرانية (أ.ب)
TT

إيران «تحكم قبضتها» على الاستثمار الأجنبي بصفقات «حكومية حصرية»

عاملون بأحد مصانع تجميع السيارات في مدينة خوردو الإيرانية (أ.ب)
عاملون بأحد مصانع تجميع السيارات في مدينة خوردو الإيرانية (أ.ب)

بعد أسبوعين فقط عقب رفع العقوبات، وما صاحبها على نطاق واسع من توقعات بهرج ومرج نتيجة اندفاع الأموال والخبرات الغربية إلى إيران، فإن مستوى الانفتاح الإيراني الحالي يبدو محجما، وهو ما بدأ في الظهور مع سعي القيادات المحافظة في إيران للحد من مستوى التأثيرات الغربية في داخل البلاد.
وخلف العناوين الصحافية الكبيرة التي تعلن عن العقود التجارية الجديدة مع الشركات الأوروبية، بات من الواضح وبشكل متزايد أن الصفقات التي أبرمت بالفعل، وحتى الآن، كانت مع التكتلات الاقتصادية الإيرانية المدعومة من الحكومة. وهي تلك المجموعات الكبيرة التي تهيمن على القطاعات الصناعية والتجارية الكبرى في الاقتصاد الإيراني والتي تخضع كذلك للرقابة المشددة من قبل صناديق التقاعد والشركات الاستثمارية ذات الصلات الوثيقة بالأجهزة الحكومية، مثل الحرس الثوري الإيراني.
ونتيجة لذلك، فلم يصل شيء يذكر إلى المستويات الدنيا من القطاع الخاص الإيراني الهائل والمحاصر في ذات الوقت. ويقول بهمان إيزغي الأمين العام للغرفة التجارية في طهران: «لدينا تضارب في المصالح مع الحكومة، بسبب أنها تجاوزت مصالح كل المنافسين».
اشتملت كل الصفقات الدولية الكبرى الموقعة والمبرمة خلال الأسابيع الأخيرة على الشركات الحكومية أو الصناعات التابعة والمدعومة من الحكومة. فلقد وقعت شركة الطيران الوطنية «إيران إير»، على صفقة لشراء أكثر من 100 طائرة ركاب مدنية من شركة «إيرباص» الأوروبية. وبدأت هيئة تنمية وتجديد صناعات المناجم والتعدين الإيرانية، وهي من أكبر الكيانات الاقتصادية في البلاد، في تنفيذ مشروع مشترك بقيمة ملياري دولار مع شركة «دانييلي» للحديد والصلب الإيطالية. كما سوف تستثمر شركة «بي إس إيه بيجو ستروين» الفرنسية مبلغ 439 مليون دولار في شركة «خودرو» الإيرانية لصناعة السيارات.
ولكن عندما تتواصل الشركات الخاصة الصغيرة مع نظيرتها الأجنبية بشأن مختلف الصفقات لا تحصل إلا على الرد التالي: كيف سوف تدفعون الأموال المطلوبة؟ قد تكون العقوبات النووية قد ألغيت، ولكن البنوك الدولية جميعها لا تزال مترددة من دخول الأسواق الإيرانية بسبب اللوائح الأميركية أحادية الجانب التي تصم إيران بالدولة الراعية للإرهاب. ويقول السيد إيزغي عن ذلك: «لا يمكننا الحصول على أي ائتمان، داخل أو خارج البلاد، كما لا يمكننا تحويل الأموال إلى الخارج، وللحكومة أولوياتها التي تتجاوز مصالحنا». وسوف يقوم السيد إيزغي، وهو الواجهة الرسمية لأكبر منظمة من الشركات التجارية الخاصة في البلاد، بإغلاق شركته الخاصة، وهو مصنع للحافلات، وتسريح ما تبقى من موظفي الشركة. والسبب كما يقول هو عدم وجود عمل أو أمل في أي عمل قريب، حتى بعد رفع العقوبات الدولية. وأضاف السيد إيزغي يقول: «سوف أكون الأمين العام للغرفة التجارية في طهران، والعاطل عن العمل تماما، أمر مثير للسخرية، أليس كذلك؟».
لرفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، كما يقول السيد إيزغي، جوانب إيجابية بالنسبة للعاملين في القطاع الخاص الإيراني والذين يتمكنون من الوصول إلى بعض الأموال القادمة من الخارج «ولكن بصورة عامة، تزداد الحكومة بدانة بمرور الوقت»، في إشارة إلى احتكار الاستفادة من الاستثمارات.
وكرر الرئيس حسن روحاني يوم الثلاثاء أن هدف الحكومة الإيرانية هو بلوغ 8 في المائة من النمو الاقتصادي خلال هذا العام، وهو هدف معقول بالنظر إلى تدفق الأصول المالية وحجم الاستثمارات الهائلة المطلوبة في إيران لتحديث المرافق والمنشآت المتداعية بعد سنوات من العقوبات الاقتصادية. ولكن تحقيق مستويات النمو المستهدفة، كما يقول الخبراء هنا، وخصوصا في ظل عصر أسعار النفط المتدنية، سوف يتطلب تخفيف القيود المالية التي لا يُظهر الزعماء المحافظين في إيران أي قدر من التساهل بشأنها. يقول بعض المحللين إن التكتلات الاقتصادية الإيرانية المدعومة من الحكومة هي الكيانات الوحيدة القادرة على التعامل مع 50 مليار دولار أو نحوها من الأموال الإيرانية من خلال الاستثمارات السنوية التي تحتاج إليها إيران.
ويقول أمين أمان زادة، المراسل الاقتصادي للكثير من الصحف الإيرانية «إن شركاتنا المحلية الكبرى هي على رأس الأولويات في البلاد، وهي الشركات الوحيدة القادرة على التعامل مع الاستثمارات الأجنبية القادمة. وكذلك، إذا تحسنت وضعية تلك الشركات فسوف يتحسن الاقتصاد الإيراني تبعا لها».
ولكن نقاد التكتلات الاقتصادية شبه الاشتراكية في إيران يدحضون تلك المزاعم، ويقولون إنها تكتلات غارقة في الفساد وعدم الكفاءة حتى أذنيها. ومن المرجح، كما يقولون، أن يكون هدف القيادة الإيرانية المحافظة الأول هو الحد من النفوذ الغربي في المجتمع والاقتصاد الإيراني عند أدنى مستوى ممكن.
* طهران والسيطرة
ولا تختلف الفصائل الإيرانية المتشددة حول تلك القضية، حيث يقول حميد رضا تراغي، وهو محلل مقرب من دوائر القيادة الإيرانية: «يمكن للحكومة السيطرة على الاستثمارات من خلال شركاتنا الكبرى. ولكن فتح البلاد على مصراعيها بالطريقة التي تمارسها بعض الدول والأسواق الناشئة هي من الأمور غير الواردة في إيران على الإطلاق». وأضاف السيد تراغي يقول: «من شأن ذلك الانفتاح أن يطلق يد الحكومات والمستثمرين الغربيين في شؤون البلاد، وهو مستوى النفوذ الذي سوف يستخدمونه لا محالة في التأثير على السياسة الداخلية، والثقافة، والمجتمع الإيراني ككل».
وكان المرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، قد شدد على تلك النقطة منذ أن تم التوقيع على الاتفاق النووي في يوليو (تموز) الماضي. ويقول أغلب المحللين إنه سوف يمر وقت طويل قبل أن تخفف القيادة الإيرانية من قبضتها إلى المستوى الذي بدأته الصين عندما شرعت في تنفيذ الإصلاحات الداخلية في حقبة السبعينات من القرن الماضي.
وبدأ تدفق الأجانب، الذي يرافق الاستثمارات الأجنبية في إيران، في التحول إلى مسألة ذات شأن بالنسبة للصقور في الحكومة الإيرانية الذين يقولون إن مهمتهم الأولى هي حماية عقيدة المجتمع الإيراني، كما قال السيد إيزغي. فهناك الآن ما لا يقل عن 1000 مواطن أجنبي يعيشون في طهران، المدينة التي يبلغ تعدادها 12 مليون نسمة. ويتابع السيد إيزغي قوله: «تخيل وجود مائة ألف مواطن أجنبي يعيشون هنا. ليس لدى القيادة القدرة على تحمل ذلك».
وبالنسبة للرئيس حسن روحاني، والذي خاض الانتخابات الرئاسية في أول الأمر على تعهدات برفع العقوبات الاقتصادية وإنهاء عزلة إيران الدولية، فإن استمرار القيود الصارمة قد يثير المزيد من المشكلات السياسية. وعلى الرغم من رفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد قبل أسبوعين فقط، فإن الشعب الإيراني لا يزال يعاني من البطء الشديد في التغير الداخلي.
يقول رضا علاء فيردي، ويعمل حمالا للأمتعة في سوق طهران الكبيرة أثناء ما كان يدفع عربة محملة بالقمصان المنتجة محليا عبر الأزقة الضيقة في السوق «هناك الكثير من الأموال في طريقها إلينا، ولكنها لن تصل إلى على أي حال».
* مؤشرات جمود
أحد المؤشرات القليلة على التغير الجديد والملحوظ من قبل الجميع هنا، هي الريال، العملة الوطنية الإيرانية، والذي لم يبرح مكانه منذ رفع العقوبات عن البلاد. ويقول أحد صرافي العملات الذي رفض ذكر اسمه «تريد الحكومة أن يبقى سعر الدولار مرتفعا، ولديهم الآن إمكانية الحصول على الكثير من الدولارات». وشهدت سوق الإسكان جمودا أيضًا في إيران، كما هو الحال في أسعار الأراضي، وهو إشارة كما يقول البعض إلى الانهيار في أسعار النفط العالمية. ويقول إسماعيل تبريزي، وهو أحد باعة الساعات في طهران «طالما استمرت أسعار النفط في الانخفاض لن نرى شيئا يتغير هنا قريبا». وهناك آمال بسيطة لأولئك العاملين في القطاع الخاص بشأن التحسن السريع في الأوضاع، كما يقول أحد رجال الأعمال، الذي يشعر بالإحباط بسبب رفض الشركاء الدوليين توفير الائتمان المطلوب والبنوك التي ترفض تنفيذ عمليات تحويل الأموال.
والمشكلة كما يقول تكمن في أن التكتلات الكبيرة المدعومة من الحكومة تسعى وراء إبرام الصفقات لمحاولة الحصول على ضمانات خاصة، والحكومة لا تقدم المساعدة لرجال الأعمال والشركات الصغيرة للحصول على الائتمان.
يقول كاوح شيخ الإسلام، وهو مستورد لمعدات جراحات المخ والأعصاب «كل ما تمكنت منه هو حضور مؤتمر في دبي». ويريد الكثير من المصنعين الغربيين الاجتماع معه، ولكنه لا يستطيع إبرام أي صفقات معهم.
ويضيف قائلا «أريد شراء منتج يبلغ سعره 30 ألف دولار، ولكنهم سألوني: هل بإمكانك تحويل الأموال إلى حسابنا المصرفي؟ وكانت إجابتي بالنفي، ومن ثم انتهيت من قهوتي وانصرفت».
* خدمة «نيويورك تايمز» - خاص بـ«الشرق الأوسط»



الصين تُعطي الأولوية لأمن الطاقة والتفوق التكنولوجي في 2026

رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
TT

الصين تُعطي الأولوية لأمن الطاقة والتفوق التكنولوجي في 2026

رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)
رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في وسط العاصمة الصينية بكين (رويترز)

تعهدت القيادة الصينية العليا، يوم الثلاثاء، بتعزيز أمن الطاقة في البلاد مع السعي لتحقيق تنمية تكنولوجية سريعة واكتفاء ذاتي أكبر، في ظل تأثر الاقتصاد بالحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ونما ثاني أكبر اقتصاد في العالم بنسبة 5.0 في المائة في الربع الأول، وهو أعلى مستوى من النطاق المستهدف للعام بأكمله، الذي يتراوح بين 4.5 و5.0 في المائة، مما يُظهر مرونة أكبر من كثير من الدول الأخرى في مواجهة الصراع، ويعود الفضل في ذلك جزئياً إلى وفرة احتياطيات النفط وتنوع مصادر الطاقة.

ومع ذلك، يُهدد ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام بزيادة تكاليف الإنتاج وتقليص هوامش الربح الضئيلة أصلاً في المصانع التي تُوظف مئات الملايين من الأشخاص. كما أن تذبذب الاقتصاد العالمي قد يُبطئ الطلب على الصادرات الصينية.

• الاستجابة للصدمات

نقلت وكالة أنباء «شينخوا» الرسمية عن المكتب السياسي؛ وهو أعلى هيئة لصنع القرار في الحزب الشيوعي الحاكم، قوله إن الاقتصاد بدأ هذا العام بدايةً أفضل من المتوقع. لكنه أضاف: «تجب علينا الاستجابة بشكل منهجي للصدمات والتحديات الخارجية، وتحسين مستويات ضمان أمن موارد الطاقة، ومواجهة مختلف حالات عدم اليقين بثقة التنمية عالية الجودة».

وتشير عبارة «التنمية عالية الجودة» إلى السعي لتحقيق التقدم العلمي والتكنولوجي، بهدف الارتقاء بالصين على سلم القيمة المضافة.

وقال تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول، إن بيان الاجتماع «يُظهر أن الحكومة تُدرك الصعوبات والتحديات التي يواجهها الاقتصاد». ومن المرجح أن يتباطأ الزخم الاقتصادي في الربع الثاني من العام، بسبب عدم استقرار البيئة الخارجية وارتفاع أسعار الطاقة.

وأكد المكتب السياسي الصيني ضرورة تسريع بناء نظام صناعي حديث، وتعزيز تبني الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد، والسعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي العلمي والتكنولوجي، فضلاً عن تعزيز السيطرة على سلاسل التوريد.

وفي خريطة الطريق الخمسية الأخيرة التي أُعلن عنها في مارس (آذار)، حددت الصين الهيمنة التكنولوجية وسلاسل التوريد المحلية أهدافاً أساسية للأمن القومي، مما خيّب آمال من دعوا بكين إلى إعادة توجيه اقتصادها نحو الاستهلاك، والمساهمة بشكل أكبر في الطلب العالمي.

وتماشياً مع وثائق السياسة السابقة، أشار المكتب السياسي أيضاً إلى ضرورة تعزيز الاستهلاك، ودعم استقرار قطاع العقارات المتعثر، وحماية سوق العمل، والحد من فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية، وهي سياسات من شأنها الحد من اختلالات العرض والطلب العميقة في الاقتصاد.

لكن هذه النقاط ذُكرت في مرتبة متأخرة من البيان، مما يوحي بأن بكين تُعطي الأولوية للهيمنة الصناعية والتكنولوجية على حساب أهداف السياسة الأخرى.

وقال ماركو صن، كبير محللي الأسواق المالية في بنك «إم يو إف جي»: «لا يزال المكتب السياسي ملتزماً بالتنمية عالية الجودة، والاستخدام الأمثل للموارد المحلية لتحقيق نمو تكنولوجي متقدم».

• الحوافز الاقتصادية

يقول المحللون إن وفرة احتياطيات النفط، والاستخدام المكثف للفحم، والانتشار الواسع للطاقة الشمسية وطاقة الرياح والمركبات الكهربائية، منحت الصين فرصاً أفضل لتجاوز تداعيات إغلاق مضيق هرمز، مقارنةً بكثير من الاقتصادات الأوروبية والآسيوية.

لكن الصين ليست بمنأى عن تداعيات النزاع. ونمت الشحنات بنسبة 2.5 في المائة فقط الشهر الماضي، متراجعةً بشكل حاد من 21.8 في المائة في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى فبراير (شباط). وظهرت ارتفاع تكاليف المدخلات في بيانات التضخم لشهر مارس (آذار)، حيث ارتفعت أسعار المصانع من الانكماش لأول مرة منذ أكثر من 3 سنوات، دون أي مؤشر على انتعاش الاستهلاك.

وأكد المكتب السياسي الصيني مجدداً على موقف الصين المالي «الاستباقي» وسياستها النقدية «الميسرة بشكل مناسب»، وهي لغة مماثلة لتلك المستخدمة في اجتماعاته السابقة، مما يشير إلى عدم وجود خطط تحفيزية إضافية وشيكة... لكنّ المحللين لم يستبعدوا مزيداً من التيسير المالي أو النقدي لاحقاً، إذا تفاقمت آثار الحرب الإيرانية. وقال تشانغ من شركة «بينبوينت»: «إذا تحول نمو الصادرات إلى سلبي، أتوقع مزيداً من الدعم السياسي من الحكومة».


باول يودِّع رئاسة «الفيدرالي» متمسكاً بمقعد المحافظ

رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)
رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)
TT

باول يودِّع رئاسة «الفيدرالي» متمسكاً بمقعد المحافظ

رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)
رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

يستعد جيروم باول غداً (الأربعاء)، لاعتلاء منصة المؤتمر الصحافي في «الاحتياطي الفيدرالي» للمرة الأخيرة بصفته رئيساً في لحظة تاريخية تطوي صفحة واحدة من أكثر الفترات النقدية اضطراباً. ومع اقتراب موعد انتهاء ولايته الرسمية في 15 مايو (أيار) المقبل، تبرز إلى الواجهة استراتيجية «البقاء» التي ينتهجها باول؛ حيث يخطط للاستمرار كـ«محافظ» داخل المجلس حتى عام 2028، في خطوة فسَّرها مراقبون بأنها محاولة لتحصين المؤسسة ضد مشروع «الانقلاب النقدي» الذي يقوده خلفه المرتقب كيفين وارش.

على الرغم من قرار وزارة العدل الأميركية الأخير بإغلاق التحقيق الجنائي في قضية «تجاوز تكاليف ترميم مقر الفيدرالي» وإحالتها إلى المفتش العام للبنك، فإن باول لا يزال يربط رحيله بـ«الشفافية والنهائية التامة» للتحقيق. وتعود جذور القضية إلى اتهامات حول تضليل الكونغرس بشأن تكاليف التجديدات التي قفزت من 1.9 مليار دولار في 2021 إلى نحو 2.5 مليار دولار حالياً.

وبينما كانت التحقيقات الجنائية تعوق تأكيد تعيين خلفه كيفين وارش بسبب «فيتو» من السيناتور الجمهوري توم تيليس، أدى قرار المدعية العامة جينين بيرو، إحالة الملف إلى الرقابة الداخلية إلى فك العقدة السياسية مؤقتاً. ومع ذلك، يرى محللون أن باول يرفض الخروج من «الباب الضيق»، مفضلاً البقاء في موقعه بصفة محافظ حتى يتأكد من تبرئة ساحته تماماً من انتقادات ترمب، الذي صعّد من لهجته واصفاً المشروع بالهدر المالي الصارخ، ومتعهداً بـ«الوصول إلى حقيقة الأمر».

رجل يمر أمام مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

صدام الرؤى

لا تتوقف المعركة عند الجانب القانوني، بل تمتد إلى فلسفة إدارة السياسة النقدية؛ حيث أعلن كيفين وارش صراحةً عن سعيه لإحداث «تغيير في النظام».

وبينما أرسى باول قواعد الشفافية المطلقة والتواصل الدائم مع الأسواق، يتبنى وارش نهجاً مغايراً يدعو فيه إلى:

• تقليص الظهور الإعلامي: الحد من تصريحات أعضاء «الاحتياطي الفيدرالي» لمنع تذبذب الأسواق.

• الغموض الاستراتيجي: تقنين «التوجيهات المستقبلية» لترك مساحة أكبر للمناورة قبل الاجتماعات.

• مصير المؤتمرات الصحافية: عدم الالتزام بعقد مؤتمر صحافي دوري، وهو العُرف الذي يعده المستثمرون اليوم «بوصلة الأسواق العالمية».

الاستمرارية المؤسسية وثقل موازن

في هذا السياق، يرى غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في «إرنست يونغ»، أن بقاء باول في المجلس سيعمل كـ«ثقل موازن» يضمن الاستمرارية المؤسسية ويمنع تحول البنك إلى أداة أكثر «مركزية وتسييساً» تحت إدارة وارش.

هذا الموقف يعيد للأذهان تجربة تاريخية نادرة بطلها مارينر إيكلز (1948-1951)، الذي بقي محافظاً بعد انتهاء رئاسته ليحمي استقلالية البنك في مواجهة ضغوط الخزانة الأميركية لتمويل ديون الحرب العالمية الثانية، وهي المواجهة التي انتهت بـ«اتفاق 1951» الشهير الذي كرس انفصال القرار النقدي عن الرغبات السياسية للحكومة.

بينما يترقب المستثمرون نبرة باول في اجتماع الغد، يظل السؤال المعلق: هل سيكون «خيار البقاء» كافياً لتهدئة مخاوف الأسواق من تحولات «عصر وارش» القادم؟ إن تقرير المفتش العام المرتقب، ومصير استئناف وزارة العدل، سيحددان ما إذا كان باول سيغادر بسلام، أم سيظل «حارساً» للمعبد النقدي ضد رياح التغيير العاصفة القادمة من البيت الأبيض، ليؤكد أن استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» معركة إرادات تُخاض حتى اللحظة الأخيرة.


تذبذب في أسواق الصين بحثاً عن «اتجاه واضح»

مشاة في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو خلفهم شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)
مشاة في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو خلفهم شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)
TT

تذبذب في أسواق الصين بحثاً عن «اتجاه واضح»

مشاة في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو خلفهم شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)
مشاة في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية بينما تبدو خلفهم شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم (إ.ب.أ)

استقرت الأسهم الصينية إلى حد كبير يوم الثلاثاء، بينما تراجعت أسهم هونغ كونغ وسط ترقب المستثمرين مزيداً من المحفزات في ظل تفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي.

وعند استراحة منتصف النهار، ارتفع مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية بنسبة 0.06 في المائة، بينما انخفض مؤشر «شنغهاي» المركب 0.07 في المائة، وانخفض مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ 0.67 في المائة. وتراجعت أسهم شركة «كاتل»، الرائدة في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، في هونغ كونغ بنسبة 6.9 في المائة بعد أن أكملت الشركة طرحاً خاصاً للأسهم يوم الثلاثاء لجمع 5 مليارات دولار. وبيعت الأسهم بخصم 7 في المائة عن سعر إغلاق يوم الاثنين.

وقال المحللون إن المستثمرين يتبنون نهج الترقب والانتظار؛ إذ يدرسون سلسلة من تقارير أرباح الربع الأول لشركات التكنولوجيا الصينية، بالإضافة إلى اتخاذ مراكز استثمارية محدودة قبل عطلة عيد العمال التي تستمر 5 أيام وتبدأ في 1 مايو (أيار) المقبل. وأشار محللو شركة «نانهوا فيوتشرز» في مذكرة إلى أن تركيز السوق تحول من تعافي السيولة إلى الأرباح. وأضافت شركة «بوفا سيكيوريتيز» في مذكرة يوم الثلاثاء: «لم يُسفر تبني الصين الذكاء الاصطناعي بعدُ عن تأثير ملموس على الوظائف أو الأرباح». وأوضحوا أن هذا يفسر سبب تخلف انتعاش قطاع التكنولوجيا الصيني عن نظرائه في آسيا والولايات المتحدة. وخسرت أسهم شركات الإنترنت الصينية الكبرى المدرجة في بورصة هونغ كونغ 1.2 في المائة بحلول منتصف النهار. وانخفض هذا القطاع الفرعي بأكثر من 10 في المائة حتى الآن هذا العام. ويُضاف إلى العوامل التي تُؤثر سلباً على المعنويات، أمر الصين شركةَ التكنولوجيا الأميركية العملاقة «ميتا» بالتراجع عن استحواذها على شركة «مانوس» الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ مما يُثير مخاوف بشأن تشديد بكين قبضتها على المواهب والتكنولوجيا الصينية في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفي الصين، قادت أسهم البرمجيات والدفاع الانخفاض، بينما تفوق أداء قطاع العقارات. وانخفض مؤشر «شنتشن» الأصغر بنسبة 0.54 في المائة، وتراجع مؤشر «تشينيكست» المركب للشركات الناشئة 0.54 في المائة، وانخفض مؤشر «ستار 50» التكنولوجي في شنغهاي 0.22 في المائة.

* استقرار اليوان

في غضون ذلك، تُدوول اليوان الصيني ضمن نطاق ضيق مقابل الدولار يوم الثلاثاء، حيث ركز المتداولون على اجتماع «مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» المرتقب هذا الأسبوع بحثاً عن مؤشرات بشأن مسار سياسة أسعار الفائدة.

كما أسهم انخفاض سعر الفائدة المتوسط في الحد من ارتفاع قيمة اليوان. وبحلول الساعة الـ03:00 بتوقيت غرينتش، انخفض سعر اليوان الفوري بنسبة 0.04 في المائة إلى 6.8305 مقابل الدولار، بعد أن تراوح بين 6.8270 و6.8313 يوان للدولار. وقبل افتتاح السوق، حدد «بنك الشعب (المركزي الصيني)» سعر الفائدة المتوسط عند 6.8589 للدولار، مقابل 6.8579 في الجلسة السابقة، أي أقل بـ307 نقاط من تقديرات «رويترز».

ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بنسبة اثنين في المائة أعلى أو أسفل نقطة المنتصف الثابتة يومياً.

ويجتمع صناع السياسة النقدية في «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» بواشنطن هذا الأسبوع في اجتماع قد يكون الأخير لجيروم باول رئيساً لـ«المجلس»، حيث من المقرر اتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة يوم الأربعاء. وبينما تتوقع الأسواق أن يُبقي «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير، فإنها تنتظر إشارة أوضح من لهجته بشأن مسار أسعار الفائدة بعد تنحيه عن منصبه.

وأشار محللون في شركة «هواتاي فيوتشرز» في مذكرة إلى أن حالة عدم اليقين بشأن سياسة أسعار الفائدة الأميركية، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية، قد دعمتا الدولار مؤقتاً. وأضافوا أنه على الرغم من تراجع طفيف، فإن توجيهات الصين بشأن تثبيت اليوان «ظلت قوية بشكل عام»، مدفوعةً بمرونة الصادرات. وارتفع اليوان بنسبة 1.0 في المائة مقابل الدولار هذا الشهر، وبنسبة 2.4 في المائة هذا العام. وقال محللون إنه من المرجح أن يستمر اليوان في التفوق على العملات الآسيوية الأخرى؛ لأنه برز بوصفه فائزاً نسبياً في أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية. وقالت جوانا تشوا، الخبيرة الاقتصادية في «سيتي»، إن الحدث الرئيسي التالي الذي تجب مراقبته هو القمة الرئاسية الأميركية - الصينية في مايو المقبل. ويعتقد «البنك» أن المخاطر في العلاقات الأميركية - الصينية ستبقى تحت السيطرة، ويتوقع أن يصل اليوان إلى 6.8 مقابل الدولار خلال 3 أشهر، و6.7 خلال ما بين 6 أشهر و12 شهراً.

وبلغ سعر صرف اليوان في السوق الخارجية 6.8312 يوان للدولار، بانخفاض قدره نحو 0.08 في المائة خلال التداولات الآسيوية.