«قروض سامة» بتريليونات الدولارات حول العالم تثقل كاهل النمو العالمي

تتجاوز في الصين وحدها 5 تريليونات دولار أي نصف ناتجها الاقتصادي

«قروض سامة» بتريليونات الدولارات حول العالم تثقل كاهل النمو العالمي
TT

«قروض سامة» بتريليونات الدولارات حول العالم تثقل كاهل النمو العالمي

«قروض سامة» بتريليونات الدولارات حول العالم تثقل كاهل النمو العالمي

تكمن تحت سطح النظام المالي العالمي مشكلة تقدر بتريليونات الدولارات، من شأنها أن تضعف قوة الاقتصادات الكبرى لعدة سنوات مقبلة.
المشكلة هي مجموعة عملاقة من القروض الراكدة التي تكافح الشركات والكثير من الناس في مختلف أنحاء العالم من أجل سدادها. ولقد كانت القروض المعدومة تشكل عبئا كبيرا على النشاط الاقتصادي منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008، لكن خلال الشهور الأخيرة بدأ التهديد الذي يشكله تراكم القروض السيئة في التصاعد. وتعتبر الصين هي أكبر مصادر القلق العالمي. ويقدر بعض المحللين أن الائتمانات المضطربة في الصين تتجاوز مستوى 5 تريليونات دولار، وهو رقم مذهل يعادل نصف الناتج الاقتصادي السنوي في البلاد.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن البنوك الصينية تراجعت عن الإقراض في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وإذا ما استمرت تلك التوجهات فإن الاقتصاد الصيني، وهو ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، قد يشهد حالة من التباطؤ أكثر مما يعاني الآن، مما يلحق المزيد من الضرر بالعديد من الدول التي ظلت لسنوات طويلة معتمدة على الصين في نموها الاقتصادي.
لكن الأمر لا يتعلق بالصين فحسب.. ففي أي وقت تطلق فيه البنوك المركزية سياسات التحفيز الصارمة خلال السنوات الأخيرة يتبعها على الفور شبح الديون السامة. وفي الولايات المتحدة، استغرق الأمر شهورا عديدة لانقشاع سحابة أزمة أسواق الرهن العقاري بعد أزمة الإسكان الأخيرة، في الوقت الذي تكافح فيه شركات الطاقة لسداد الأموال الرخيصة التي اقترضتها لتمويل طفرة النفط الصخري.
وفي أوروبا، يقول المحللون إن إجمالي القروض المعدومة يتجاوز تريليون دولار. لا تزال العديد من البنوك الأوروبية مثقلة بأعباء القروض المتعثرة، مما يزيد من تعقيد جهود صناع السياسات في إنعاش الاقتصاد بالقارة العتيقة. ولقد أعلنت إيطاليا، على سبيل المثال، الأسبوع الماضي عن خطة لتطهير القروض المعدومة من صناعتها المصرفية المثقلة بالأعباء.
ومن ناحية أخرى، تتزايد حدة القروض المعدومة في أكبر بنوك البرازيل، في الوقت الذي تواجه فيه البلاد الآثار المترتبة على الإفراط في الإشادة بالائتمان المصرفي.
يقول ألبرتو غاللو، رئيس الأبحاث الائتمانية العالمية الكلية لدى البنك الملكي الاسكوتلندي في لندن: «إذا واجهت طفرة ثم بعدها حالة ركود، فأنت لا تصنع سوى الخسائر الاقتصادية. ويمكن أن تأمل أن تتحول الخسائر ذات يوم إلى أرباح، لكن إذا لم يتحقق ذلك فسوف تتحول الخسائر إلى عبء كبير على الاقتصاد».
وفي الأوقات الطيبة، تحصل الشركات والمواطنين على قروض جديدة، حتى مع أسعار الفائدة المنخفضة، لشراء السلع والخدمات. وعند التباطؤ الاقتصادي تصبح تلك الديون عسيرة على السداد بالنسبة للعديد من المقترضين. وكلما كانت الطفرة الاقتصادية كبيرة، ازدادت صعوبة سداد الديون المتروكة للمصرفيين وصناع السياسات للتعامل معها.
ومن الناحية النظرية، فمن المنطقي بالنسبة للبنوك الاعتراف سريعا بالخسائر التي صارت جزءا لا يتجزأ من القروض المعدومة – ومن ثم تعويض الخسائر الناجمة عن جمع رؤوس الأموال الجديدة. ومن المرجح للبنوك المطهرة من القروض المعدومة أن تبدأ في الإقراض مجددا – وبالتالي تلعب دورها في تعزيز الانتعاش الاقتصادي.
لكن في واقع الأمر، يمكن لتلك المقاربة أن تكون عصية على التنفيذ. فالاعتراف بالخسائر على القروض السيئة يمكن أن يعني الدفع بالشركات المقترضة إلى حافة الإفلاس ويدفع بالأسر المقترضة إلى إغلاق الرهانات العقارية. ومن شأن تلك الاضطرابات أن تسبب اهتزازات في مختلف مناحي الاقتصاد، مما يستلزم خططا لإنقاذ دافعي الضرائب إلى جانب آثارها الاجتماعية السيئة. وفي بعض الحالات قد تجد البنوك صعوبة بالغة في تأمين رؤوس الأموال الجديدة في الأسواق.
وحتى مع ذلك، فإن الآثار السيئة المترتبة على تأخير عملية التطهير المصرفية تكمن في استمرار معاناة البنوك وعزوفها عن الإقراض، مما يخمد الآمال في أي انتعاش اقتصادي منتظر، حيث يقول خبراء الاقتصاد إن اليابان انتظرت فترات طويلة للغاية عقب الفترة الائتمانية التي شهدتها في ثمانينات القرن الماضي حتى تدفع البنوك للاعتراف بالخسائر الكبيرة المحققة، كما أن اقتصاد البلاد واجه معاناة هائلة لعدة سنوات نتيجة لذلك.
والآن، بدأ القلق يساور العديد من الخبراء المصرفيين حول القروض الصينية المعدومة.
ولقد ألقت المخاوف من استمرار التباطؤ الاقتصادي في البلاد بثقلها على الأسواق العالمية خلال الشهور الأخيرة نظرا لأن الاقتصاد الصيني الضعيف سوف يؤثر سلبيا على النمو الاقتصادي العالمي. وتركز العديد من هذه المخاوف على الصناعة المصرفية الصينية. وفي السنوات الأخيرة، أطلقت البنوك وغيرها من المؤسسات المالية الصينية موجة عارمة من القروض الجديدة والمنتجات الائتمانية الأخرى، والتي لن يتم سداد الكثير منها بالكامل.
تقول شارلين تشو، المحللة الاقتصادية لدى شركة الأبحاث الذاتية ومقرها هونغ كونغ، إن القطاع المالي الصيني سوف يشهد قروضا وغير ذلك من الأصول المالية بقيمة 30 تريليون دولار بحلول نهاية هذا العام، ارتفاعا من مستوى 9 تريليونات دولار قبل سبعة أعوام مضت.
وتابعت السيدة تشو قولها عبر رسالة بالبريد الإلكتروني: «لم يشهد العالم نموا ائتمانيا بهذا الحجم الهائل خلال تلك الفترة الوجيزة من قبل، وإننا نعتقد أن تلك الموجة لها تأثير مباشر أو غير مباشر تقريبا على كل أسعار الأصول في العالم، وهو السبب وراء حالة التوتر الشديدة التي تشهدها الأسواق حول فكرة أن المشاكل الائتمانية في الصين قد تنهار تماما».
ويقول المحللون إن الأرقام المعلنة للقروض المتعثرة في الصين من الأرجح ألا تعكس حجم المشكلة الحقيقي. وتقدر السيدة تشو في تحليلها المذكور أنه بنهاية عام 2016 سوف تكون نسبة 22 في المائة من القروض والأصول في النظام المالي الصيني «متعثرة»، وهو مصطلح خاص بالصناعة المصرفية يستخدم في توصيف تخلف المقترض عن سداد الديون المستحقة أو تواجهه الصعوبات في سبل السداد الكامل للديون. ومن حيث القيمة الدولارية فإن ذلك يعني ما قيمته 6.6 تريليون دولار من القروض والأصول الصينية. وأضافت السيدة تشو في رسالتها: «ذلك التقدير في الواقع ليس عصيا على الحدوث. فلقد شاهدنا نسبا مماثلة في بلدان أخرى. لكن الشيء المختلف هنا هو المقياس، والذي يعكس الحجم الهائل للطفرة الائتمانية الصينية». وتقدر السيدة تشو أن القروض السيئة قد تؤدي إلى 4.4 تريليون دولار من الخسائر الفعلية.وعلى الرغم من عدم وجود بيانات رسمية تعكس الرقم الفعلي للقروض السيئة، فإن بعض المحللين الآخرين وصلت لديهم التقديرات حتى مبلغ 5 تريليونات دولار.
وباعتبار الغموض الذي يشوب الصناعة المالية الصينية، فقد وصل محللون آخرون إلى تقديرات برقم أساسي بالنسبة للقروض السيئة. حيث يقول البروفسور كريستوفر بولدينغ، الأستاذ المساعد في كلية «إتش إس بي سي» لإدارة الأعمال في جامعة بكين، إن أحد تحليلات مدفوعات فوائد الشركات إلى البنوك الصينية يقدر أن نسبة 8 في المائة من القروض للشركات قد تكون متعثرة. لكن البروفسور بولدينغ يضيف قائلا إنه كان من الممكن أن رقم القروض السيئة لإجمالي النظام المالي الصيني قد يكون أعلى من ذلك بكثير.
والسؤال الذي يلوح في الأفق بالنسبة للاقتصاد العالمي، على الرغم من كل شيء، هو: كيف ستتعامل الصين مع ذلك الكم الهائل من الديون المعدومة؟
عقب الطفرة الائتمانية لفترة التسعينات، وفرت الحكومة الصينية الدعم المالي للمساعدة في تطهير البنوك في البلاد. لكن تكاليف مثل تلك التدخلات الحكومية اليوم قد تكون مرتفعة وبشكل مروع نظرا لحجم الطفرة الائتمانية الأخيرة. وعلى الفور من ذلك، فإن ارتفاع الديون المعدومة من شأنه أن يقلص من حجم الإقراض للشركات القوية، مما يؤدي إلى تقويض النمو الاقتصادي الجاري.
يقول البروفسور بولدينغ: «أعتقد أن صناع السياسة في الصين يبدون كمثل غزال يواجه سيارة مسرعة ناحيته. إنهم لا يعرفون حقا ما يتوجب عليهم القيام به».
في أوروبا، على سبيل المثال، استغرق الأمر من بعض الدول سنوات حتى تمكنت من السيطرة على القروض المعدومة في بنوكها.
وفي بعض الحالات، جاء التأخير نتيجة التردد، جزئيا على الأقل، في دفع الناس لمغادرة منازلهم. وعلى الرغم من أن أكبر بنوك آيرلندا قد تكبد الخسائر الفادحة عقب الأزمة المالية العالمية، فإن البنك تراجع عن إجبار العديد من المقترضين الذين أعلنوا عجزهم عن السداد للخروج من منازلهم. وفي السنوات الأخيرة، نفذت الحكومة الآيرلندية خطة موسعة تهدف إلى تقليل عبء الديون على أصحاب المنازل المتعثرين ماليا. ومثل تلك القدرة على التحمل لا يبدو أنها سببت ضعفا في اقتصاد آيرلندا، الذي تعافى بوتيرة أسرع من غيره من الاقتصادات الأوروبية الأخرى.
ومع ذلك، فإن مخاطر الانتظار لفترات طويلة باتت واضحة للغاية في إيطاليا، والتي أعلنت في يناير (كانون ثاني) عن مقترح لمساعدة البنوك في بيع القروض المعدومة. ويقول بعض منتقدي الخطة إنها تشبه خطة الإنقاذ المالي الحكومية للبنوك، بينما يقول بعض المشككين الآخرين إن البنوك قد لا تستخدم هذه الخطة نظرا لأنها تبدو باهظة للغاية.
تقول سيلفيا ميرلير، الزميلة البارزة لدى مؤسسة «بروغل» البحثية الأوروبية التي تركز على القضايا الاقتصادية: «تكمن المشكلة الكبرى في النظام المالي الإيطالي في أنهم بدأوا في التحرك متأخرين للغاية. وكان يمكنهم الخروج بحلول ذكية - وكان يمكنهم طرح تلك الحلول في أوقات مبكرة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.