كان خروج المظاهرات في مارس (آذار) 2011 مفاجئا ومفرحا في آن، فبعد نحو خمسين عاما من القمع والتسلط وكم الأفواه من قبل نظام دموي، وجه السوريون رسالة للعالم بأنه «آن للظلم أن ينجلي».. وبأنهم يريدون حريتهم من نظام الأسد الذي عانوا منه الأمرين اعتقالا وترهيبا وقتلا وتشريدا.. وبدأت الثورة في أشهرها الأولى كحراك سلمي اتخذ من الأغاني والموسيقى والورود والشعارات واللافتات المبتكرة وسيلة للتعبير عن تطلعات شعب تواق إلى الحرية والكرامة والعدالة، وما لبث أن عم الحراك معظم المحافظات السورية ابتداء من درعا إلى القامشلي وبانياس إلى حمص واللاذقية وإدلب وحماه ودير الزور وحلب وغيرها.
لكن قمع النظام لثورة الشعب بكافة الوسائل، بدءا بالاعتقالات ورمي المتظاهرين بالرصاص وانتهاء بما سماه النظام «الحسم العسكري» ضد شعب أعزل استخدمت معه قوات الأسد، في قصفها على المدنيين، جميع أنواع الأسلحة الثقيلة، جعل الشرفاء من قوات جيش النظام ينشقون عنه، ليشكلوا الجيش السوري الحر بقيادة العقيد رياض الأسعد وذلك في نهاية شهر يوليو (تموز) 2011.
وهكذا أصبح الثوار يقارعون أشد الأنظمة ديكتاتورية في العصر الحديث، نظام ادعى وروج طويلا لكذبة أنه «نظام مقاوم» و«ممانع» يسعى لتحرير الأراضي المحتلة، لكن الثورة أسقطت ورقة التوت هذه عنه ليظهر على حقيقته التي أخفاها طويلا عن السوريين.
فقد حارب نظام الأسد الشعب السوري حربا شعواء، في حين أنه لم يطلق رصاصة واحدة على جبهة الجولان تجاه عدوه الإسرائيلي المفترض منذ أن احتل جزءا من الأرض السورية.. واستخدم النظام من دون توان جميع الأسلحة التي دفع الشعب ثمنها باهظا وكأنه يقاتل «عدوا صهيونيا غاشما» لا شبانا طالبوا بحقهم في الحرية والعدالة.
ولا يخفى على أحد، أن نظام الأسد في حربه على الشعب، خدم أجندة إسرائيل التي تسعى منذ زمن إلى استنزاف سوريا، وإلى إضعاف نظام الملالي الإيراني الذي قدم دعما لا حدود له لحليفه الأسد تمثل بالمال، وبالمساعدة التقنية، وبتقديم عناصر ميليشيا حزب الله الإرهابي للقتال إلى جانب قوات النظام. كما كان واضحا أشد الوضوح دعم روسيا لربيبها نظام الأسد، فقد أمدته بالسلاح والعتاد والأموال أيضا، للحفاظ على توازنات إقليمية وحسابات دولية ولإبقاء حليفها موجودا في المنطقة.. وتدخلت دولة العراق أيضا في إرسال ميليشياتها الطائفية التي أجرمت بحق المدنيين العزل، وارتكبت مجازر مروعة كان بعضها بالأسلحة البيضاء.
وفي خضم الصمت الدولي المستمر، وتقاعسه عن دعمه الحقيقي لثورة الشعب السوري، والإشاحة بوجهه عن مأساة الشعب الذي قدم 140 ألف شهيد بل أكثر، وغادر بلاده هربا من قصف النظام ليصل عدد السوريين في بلاد اللجوء إلى ستة ملايين. مع كل هذا، أصبح جليا سقوط الأقنعة التي كانت ترتديها دول العالم، والتي كانت تتجمل بشعارات حماية حقوق الإنسان، وحماية المدنيين، وغيرها من شعارات كانت تعبر فيها عن تحضرها.. فقد كان وقوفها عاجزة - أو متغاضية - أمام انتهاكات نظام الأسد، وارتكابه بشكل مستمر للمجازر، والتي امتدت حتى استخدامه للسلاح الكيماوي على المدنيين في الغوطة الدمشقية، دليلا على أن هذه الشعارات مجرد أقوال لا ترقى لمستوى الأفعال والنتائج، وهي مجرد كلمات مبدئية لا تصل لمستوى المصالح السياسية والاقتصادية لهذه البلدان التي تعتبرها خطا أحمر لا يجوز المساس به مهما كانت الوسيلة.
وكان موقف الغرب عالقا أيضا أمام تعقد التوازنات الدولية، والتردد في حسم الموقف وحسابات أخرى تتعلق بموقع سوريا الجغرافي وقربها من دولة إسرائيل، الأمر الذي شجع نظام الأسد على إرضاء المجتمع الدولي وكسب وده بتسليم سلاحه الكيماوي الذي كان يفترض أن يشكل السلاح المهدد لإسرائيل، في حين استمر النظام بقصف المدنيين وبشكل مستمر بالبراميل المتفجرة التي يلقيها من طيرانه الحربي فتدمر وتقتل وتشوه على مرأى أعين العالم.
وعلى الرغم من إجرام هذا النظام، فقد وافق الائتلاف الوطني على الحل السياسي وعلى التفاوض حقنا لدماء السوريين، وكطريق لتشكيل هيئة حكم انتقالي تملك كافة الصلاحيات. لكن هذا الأمر لم يعجب نظاما ما زال يتلقى دعما من حلفائه، نظاما أطلق كذبة «محاربة الإرهاب» وصدقها وأصر عليها وحاول الإقناع بها، في حين أن الجيش السوري الحر هو من يحارب إرهاب تنظيم «دولة العراق والشام» الذي خلقه النظام نفسه ليفسد ثورة الشعب السوري وينهي آماله في الحرية، وليقدم نفسه على أنه محارب شرس لإرهاب هو ممثله ومبدعه.. لكن هيهات أن يخدع العالم..
وفي ذكرى الثورة الثالثة، ثورة شعب تاق طويلا إلى الحرية، ودفع ثمنا باهظا في طريقها، وبالتزامن مع كل الصعوبات والمستجدات، وعلى الرغم من تقاعس المجتمع الدولي عن تقديم الدعم بشكل جدي للثورة والثوار، نحن متفائلون جدا بأنه مهما طال المطاف بثورتنا الجليلة، ومهما قدمنا من تضحيات جسام، فإن الثورة سوف تنتصر حتما، لأن الشعب السوري قوي وقادر على نيل مراده وتحطيم أصنام نظام جعل شعبه يعيش في وهم «صراع مع إسرائيل» الذي لا يتعدى حرب طواحين الهواء.. نظام ورث حكم والده حافظ الأسد المتسلط وصاحب مجازر حماه وحلب، بعد أن عدل الدستور بدقائق متسلما الحكم في 10 يوليو (تموز) 2000، متجاهلا وجود شعب يحق له الاختيار والاعتراض عليه.
ونحن نقول إن ثورتنا ما زالت مستمرة حتى آخر رمق، وما زال شعبنا صامدا ومصرا على الوصول إلى نهاية النفق.. وما زال الائتلاف الوطني السوري صوت الشعب المدوي أمام المجتمع الدولي، يفضح جرائم النظام وأكاذيبه وترهاته ويسعى لانتهاء المطاف به إلى محكمة الجنايات الدولية.
وما زال الجيش السوري الحر مقاتلا شرسا يحقق الانتصار تلو الانتصار ضد قوات نظام أجرم بحق الشعب وبحق الإنسانية، وسيلقى قريبا مصيره الأسود، نظام يتجاهل الحل السياسي ولا يعرف ولا يفهم سوى لغة القوة.
* الأمين العام للائتلاف السوري المعارض


