إقليم كردستان يفتح أبواب أكبر مخيم للاجئين السوريين في العراق

سوريتان تعاينان بضائع في سوق مخيم دوميز بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق («الشرق الأوسط»)
سوريتان تعاينان بضائع في سوق مخيم دوميز بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق («الشرق الأوسط»)
TT

إقليم كردستان يفتح أبواب أكبر مخيم للاجئين السوريين في العراق

سوريتان تعاينان بضائع في سوق مخيم دوميز بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق («الشرق الأوسط»)
سوريتان تعاينان بضائع في سوق مخيم دوميز بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق («الشرق الأوسط»)

يستقبل إقليم كردستان أكبر عدد من اللاجئين السوريين الذين فروا إلى العراق، يقطن أغلبهم في مخيم دوميز. ويمكن تسمية هذا المخيم التابع لمحافظة دهوك المحاذية لسوريا وتركيا، بحي دوميز، ذلك أن وصف الحي أقرب ما يكون لهذا المخيم الذي يسترخي على مساحة أكثر من 60 دونما، ويقطنه ما يقرب من 70 ألف لاجئ سوري فروا من ويلات الحرب الأهلية التي تدور رحاها هناك ويدفع ثمنها الأهالي.
قطعنا من أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، حتى «مخيم دوميز»، مرورا بمركز مدينة محافظة دهوك ما يقرب من أربع ساعات قبل أن تبدو لنا عن بعد بيوت صغيرة وخيام ترتفع فوقها أطباق التقاط البث الفضائي (الستالايت) امتدت على مد البصر، ذلك هو أكبر مخيم في عموم العراق وإقليم كردستان مخصص لاستقبال اللاجئين السوريين، واستمد اسمه من بلدة دوميز الكردية التي اختارت حكومة إقليم كردستان المساحات الشاسعة المحاذية لها لأن تكون مخيم «دوميز»، المخيم الذي حول هذه الناحية من بلدة هادئة ووادعة، لم تتذكرها نشرات الأخبار يوما ولم يرد اسمها في الإعلام، إلى أشهر مكان يزوره الصحافيون من مختلف وكالات الأنباء والصحف والإذاعات والتلفزيونات العالمية.
ويقول بهزاد علي آدم، نائب محافظ دهوك ورئيس غرفة عمليات استقبال اللاجئين السوريين لـ«الشرق الأوسط»، إن «حكومة إقليم كردستان تتحمل 80 في المائة من نفقات اللاجئين السوريين من أجل أن يعيشوا بكرامتهم، بينما لا تهتم المنظمات الدولية كثيرا بهم مثلما يهتمون بأمثالهم في الأردن ولبنان وتركيا»، مشيرا إلى أن «هؤلاء اللاجئين يحظون باهتمام فخامة رئيس الإقليم مسعود بارزاني وسيادة رئيس حكومة الإقليم نجيرفان بارزاني حيث تم إنفاق أكثر من 50 مليون دولار حتى الآن هذا عدا الأرض ومستلزمات السكن والأرزاق والمدارس والمعلمين والأطباء ورجال الأمن وتوفير الطاقة الكهربائية والماء وبقية الخدمات».
وفيما يتعلق بالمشكلات التي تنجم عن وجود عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين في محافظته، يقول آدم؛ «بالتأكيد تبرز مشكلات في الجوانب الاجتماعية أو مزاحمة المواطنين في فرص العمل، أو حصول حالات تتعلق بالسرقة أو السطو، وهذه أمور كلها اعتيادية تحصل في أي مكان خاصة مع وجود هذا الكم الكبير من اللاجئين الذين يتجولون بحريتهم»، موضحا أن «أكراد العراق تعرضوا لمثل هذه المحن الصعبة بل أكثر من هذه وعانوا من اللجوء لمرات كثيرة لإيران أو تركيا ويعرفون قسوة اللجوء، لهذا أرادت حكومتنا أن تخفف من معاناتهم وأطلقت لهم حرية الحركة والعمل».
«الشرق الأوسط» زارت المخيم وأمضت يوما كاملا تتجول فيه. خارج بوابة المخيم، المفتوحة دائما، قامت دكاكين ومقاه ومطاعم، وهناك مرأب واسع لسيارات الأجرة لنقل من يريد من اللاجئين السوريين إلى مركز مدينة دهوك، أو أي بلدة أخرى، أظهرنا مذكرة موافقة نائب محافظ دهوك على زيارتنا للمخيم لرجال الأمن (الأسايش)، المكلفين بحماية حياة سكان المخيم، عند البوابة، وكان من المهم الحصول على هذه الموافقة ومن دونها لا يمكننا الوصول إلى الداخل، حسب مدير العلاقات والإعلام في إدارة المخيم، سليم سعيد طاهر، فإنه «من غير المسموح لأي شخص من خارج المخيم وليس من سكانه بالدخول على الإطلاق، وخاصة أجهزة الإعلام»، مشيرا إلى أن «وسائل الإعلام كانت تدخل سابقا إلى المخيم من دون موافقات أصولية وتتجول بين اللاجئين السوريين وتنقل قصصا غير واقعية ولا تتمتع بالمصداقية كما أن بعض اللاجئين لا يحبذون نشر صورهم وأسمائهم أو لا يريدون الإدلاء بأي تصريحات ونخشى أن تحدث مشكلات بينهم وبين الصحافيين، لهذا شددت محافظة دهوك وإدارة المخيم على استحصال موافقات أصولية تمكن المراقبين والصحافيين من التجول بحريتهم في المخيم».
مخيم دوميز يعتبر المركز الرئيس لاستقبال اللاجئين السوريين، حسب إيضاح المهندس إدريس نبي صالح، مدير مخيم دوميز للاجئين والمشرف على جميع مخيمات اللاجئين السوريين في محافظة دهوك، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مخيم دوميز هو المخيم الرئيس لاستقبال اللاجئين السوريين، وباشرنا حاليا بالعمل لإنشاء مخيم آخر قرب الحدود السورية لاستقبال اللاجئين، وهناك مخيم هو بمثابة محطة استقبال بالقرب من الحدود للاستقبال ونقل اللاجئين، والآن هناك مخيم كبير آخر سنستقبل به اللاجئين وطاقته الاستيعابية 50 ألف شخص، وهناك مخيمات في محافظتي أربيل والسليمانية»، معقبا بأن «هذا المخيم، دوميز، طاقته الاستيعابية 50 ألف شخص أيضا ولكن بسبب الهجرة الكبيرة والضغوط التي تعرضنا لها فإن هناك أكثر من 60 ألف لاجئ يقيمون هنا من أصل 130 ألف لاجئ، فجميع اللاجئين السوريين في محافظة دهوك يتم تسجيلهم في هذا المخيم، قسم منهم يعيشون داخل المخيم وقسم آخر يعيشون في المدن والنواحي يعملون ويستأجرون بيوتا وتتم متابعتهم من قبل جهات حكومية أخرى».
يضيف صالح قائلا «اللاجئون الذين وصلوا إلى هنا بسبب ظروف الاقتتال ولأسباب أمنية واقتصادية، وعندما يدخلون الحدود العراقية يتم تسجيلهم من قبلنا ومن قبل الأمم المتحدة ليكونوا لاجئين بصورة رسمية، ويمنحون استمارة من المخيم، ويمنحون إقامة؛ ولعل حكومة إقليم كردستان هي الوحيدة التي تمنح حق حرية التنقل للاجئين السوريين، إذ يحق لأي لاجئ وبعد أن يتم تسجيله التحرك بين المدن والبحث عن فرص عمل أو الإقامة خارج المخيم»، يقول مدير المخيم «نحن وبتوجيه من رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، نمنحهم حق الخروج إلى خارج المخيم ولهم حق العمل والسكن خارج المخيم».
وعلى العكس من مدن العراق التي هي خارج إقليم كردستان والتي هي محرومة من الطاقة الكهربائية، فإن سكان مخيم دوميز ينعمون بالطاقة الكهربائية لـ24 ساعة باليوم، يقول صالح «كل الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ورعاية صحية وتعليم، وطعام تتحملها حكومة الإقليم، أي إننا نتحمل أكثر من 80 بالمائة من النفقات على اللاجئين بما فيها الأرزاق (الطعام والمستلزمات الحياتية الأخرى) حالهم حال أي مواطن عراقي، وتمنح (منظمة الغذاء العالمي) التابعة للأمم المتحدة قسيمة بقيمة 31 دولارا أميركيا لكل شخص شهريا لشراء الطعام حصريا، أي ليست أموالا نقدية، إضافة للأرزاق التي نمنحها لهم وبالإضافة إلى تبرعات المواطنين ومخازننا مملوءة بكل أنواع الأفرشة والأثاث وهناك تبرعات مادية تصل مباشرة للاجئين أو عبر حساب مفتوح باسم الأمم المتحدة، هذا يعني أن كل شيء متوفر لهم».
ويشكو مدير مخيم دوميز والمشرف على جميع مخيمات اللاجئين السوريين في محافظة دهوك من عدم دعم أو اهتمام الأمم المتحدة لهذه المخيمات بالشكل المطلوب، يقول «في إقليم كردستان العراق هناك أكثر من ربع مليون لاجئ سوري، وليس هناك للأسف اهتمام دولي من قبل الأمم المتحدة والدول المانحة للاجئين الموجودين هنا، ويتركز اهتمامهم فقط على اللاجئين في الأردن ولبنان وتركيا».
يضيف صالح قائلا «المخيم فيه قواطع وكل قاطع (100 عائلة) مسؤول عنه شخص نسميه مختارا وعندنا 40 مختارا يتم التنسيق بينهم وبين المسؤولين وهناك صناديق للشكاوى تفتح من قبلنا» مشيرا إلى «وجود مركز لمكافحة العنف ضد المرأة ومركز أمني».
خارج مكتب إدارة المخيم الذي يبدو مثل خلية نحل نشطة لكثرة مشاريعهم وازدحام برامجهم، تتحرك آليات ضخمة، بلدوزرات وشفلات تعمل لساعات طويلة على تعديل الطرق وتعبيدها قبل أن تهطل الأمطار. يأخذنا مدير العلاقات والإعلام في إدارة المخيم، سالم سعيد طاهر، إلى حياة اللاجئين، حيث يعيشون، موضحا أن «المخيم يستضيف كذلك لاجئين من العرب والمسيحيين ولا يقتصر على الأكراد السوريين مثلما قد يخطر بأذهان البعض».
نستهل جولتنا بقطاع استقبال اللاجئين، فهناك خيام لاستقبال العوائل وأخرى لاستقبال العزاب، مع أنها تقع في قاطع واحد وليس هناك فصل بالمعنى الحقيقي بين خيام العوائل والعزاب. اللاجئون هنا لا يمنحون أسماءهم كاملة، وربما يعطون أسماء غير حقيقية علاوة على رفض قسم كبير منهم التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو، فهم، وكما أوضح غالبيتهم لـ«الشرق الأوسط» مؤثثون بهواجس أمنية مرعبة، فنظام الرئيس السوري بشار الأسد وممارسات أجهزته الأمنية القمعية وحزب البعث جعلت من الشعب السوري عامة لا اللاجئين خاصة يعيشون هواجس الخوف من الملاحقة والتنكيل بهم، يوضح محمد وهو عربي من حمص، ووصل قبل أيام مع زوجته وبنتيه «نخشى أن تظهر صورنا أو أسماؤنا كي لا تتابعنا أجهزة بشار أو تلاحق أقرباءنا هناك فتقتلهم». ورب العائلة هذا الذي جلس على بساط فوق الأرض هرب، كما أوضح، من الملاحقات الأمنية والقصف الذي طال أحياءهم السكنية «وتعذر علينا وخاصة على بناتي الحصول على لقمة خبز». تقول زوجته «لقد شعرنا بالأمان حال وصولنا للأراضي العراقية واستقبال الإخوة في المخيم لنا.. هنا نحن لا نحتاج لأي شيء، أهم شيء أن الأمان متوفر والطعام والاحترام وبناتي يشعرن بالسعادة».
خارج خيمة للعزاب يتجمع شباب أعمارهم تتراوح ما بين 18 و26 عاما، يدخنون سجائر رخيصة بشراهة، حسبما توضح أعقاب السجائر التي انتشرت حولهم، ويلعبون الكارت لقضاء الوقت الذي يمر عليهم ثقيلا حسبما أكد رامي (19 عاما) وهو ينحدر من دمشق «تركت بيت العائلة هربا من أوضاع الاقتتال التي أصابتني باليأس، هنا أنا مع أخي الذي يكبرني بعامين.. جئنا إلى هذا المخيم بحثا عن الاطمئنان والعمل.. نحن نبحث عن فرص عمل»، وعندما سألتهم عن رأيهم في الجيش السوري الحر ولماذا لم يتطوعوا في صفوفه لمقاتلة النظام والتصدي له بدلا من الهجرة، لاذوا بالصمت وطالبوا بفرص عمل. يقول سليم (23 عاما) وهو من القامشلي «لم يطلب أحد منا التطوع للجيش السوري الحر، ثم إننا لم نعد نعرف من ضد من فالأمور تشابكت علينا، أنا خسرت دراستي الجامعية وعملي ولم يتبق لي أي أمل سوى أن أعمل هنا وأساعد عائلتي في سوريا»، وينقل هذا الشاب شكاوى أقرانه «لم يمنحونا حتى الآن الإقامة التي تمكننا من التحرك بحرية في حدود إقليم كردستان بحثا عن فرصة العمل.. أنا مستعد أن أعمل أي شيء للحصول على الأموال».
أينما تحركنا في إرجاء مخيم دوميز، تحرك معنا وخلفنا جحافل من الأطفال، بعضهم يرتدي ملابس نظيفة وأنيقة إلى حد ما، والبعض الآخر كانوا حفاة الأقدام، وملابسهم رثة، يقول مدير الإعلام «نحن نوزع على الجميع الملابس التي تأتي كتبرعات وخاصة للأطفال، لكن غالبية سكان المخيم هم من الأرياف وتعود أطفالهم هذه الهيئة ولا يهمهم بينما هناك عوائل تحرص على نظافة أطفالهم وأن يبدوا أنيقين». والأطفال في هذا المخيم ليسوا ضحايا، فهناك، وحسب إيضاح طاهر «3 مدارس وسوف نستلم 4 مدارس بينها متوسطة وثانوية لتكون في هذا المخيم 7 مدارس وروضة أطفال، كما نهيئ ملعبا لكرة القدم، وهناك مناطق للعب الأطفال، وفيما يتعلق بالنساء فتوجد دورات تأهيلية في مجالات مختلفة، وكل اللاجئين مشمولون بالرعاية الصحية من خلال المركز الصحي الموجود في المخيم الذي تشرف عليه دائرة صحة دهوك وكذلك منظمة أطباء بلا حدود حيث يوجد أطباء وممرضات سوريون».
الشارع الرئيس للمخيم تحول إلى سوق إضافة للسوق الذي سيفتتح من قبل إدارة المخيم، هنا توجد محلات حلاقة رجالية وتصفيف شعر للنساء ومحلات خياطة نسائية ورجالية وأسواق ومحلات لبيع الملابس لكلا الجنسين وعطور ومكياج وحلويات كما تنتشر المقاهي والمطاعم ومحل لتأجير بدلات العرائس. يقول مدير إعلام المخيم «هنا يوجد إقبال على الزواج بينهم، فأمس حضرت حفل عرس أقيم في قاعة قريبة مخصصة لأحياء الحفلات، وهناك حالات معدودة للتزاوج بين سكان المنطقة من العراقيين والسوريات وربما تزداد هذه الحالات مستقبلا». ونحن في طريقنا إلى محل لتأجير ملابس العرائس مرت بنا سيارة بيضاء مزينة بالورود حيث سيتم زفاف عروسين في ذلك المساء. بدت ملابس العرائس بألوانها البيضاء والزرقاء والحمراء عند واجهة محل صغير تديره روعة التي تزوجت منذ خمسة أشهر، تقول «كنت على معرفة مع زوجي (قبل الزواج) ونحن في سوريا وعندما جئنا إلى هنا قررنا الزواج فالحياة يجب أن تسير ولا تتوقف»، موضحة «زوجي وإخوته يعملون في دهوك لأننا هنا منذ أكثر من عام، زوجي عامل اعتيادي، أي إنه يعمل في أي مجال تنظيف أو بناء، أو في مقهى»، مشيرة إلى أنها فكرت بافتتاح محل لتأجير بدلات الأعراس «بعد أن لاحظت إقبال الشباب والشابات على الزواج، لهذا اشتريت عددا من بدلات الزفاف وبدلات السهرات». بالقرب من محل روعة هناك خياطة نسائية تزدحم عندها الشابات اللواتي يخطن ملابسهن حسب ما تسمح به العادات الاجتماعية وآخر صيحات المودة، تقول سناء؛ «أنا كنت خياطة في دمشق، ولكني كنت أخيط لنساء الحارة في بيتي، وبعد تعرض حينا للقصف نزحنا إلى دير الزور ومن هناك جئنا إلى العراق مع أختي ووالدي ووالدتي، وقررت أن أفتح هذا المحل المتواضع لتوفير بعض النقود والتخلص من الملل»، موضحة أن «الإقبال جيد عليها خاصة أن هناك الكثير من العرائس».
ليس بعيدا عن محل سناء هناك محل للخياطة الرجالية، يقول عبد الله صاحب المحل «كنت في إدلب أخيط أجمل البدلات الرجالية وبمختلف الموديلات، لكن إدلب كانت من أولى المدن التي تعرضت للقمع والقصف مما أدى بي للانتقال مع عائلتي إلى القامشلي، وبسبب تفاقم الأوضاع الاقتصادية قررت أن أنتقل مع عائلتي إلى هنا»، وعن عمله يوضح عبد الله «أنا أخيط كل شيء هنا، سراويل دشاديش قمصان، وأصلح بعض الملابس التالفة للزبائن».
في مخيم دوميز، يسكن البعض بغرف مبنية من الطابوق والإسمنت ولكن سقوفها من الخشب والبعض الآخر في خيام منظمة الهجرة التابعة للأمم المتحدة، يوضح طاهر، مدير إعلام إدارة المخيم قائلا «اللاجئون الأوائل الذين وصلوا قبل عام أو أكثر سمح لهم ببناء غرف ووفق مساحات حددتها منظمة الهجرة الدولية لكل شخص، وهي مساحات متفق عليها، وطبعا تزداد المساحة مع وجود العائلة وعدد أفرادها، واشترط أن لا يتم بناء السقوف بل تكون السقوف من الخشب أو أي مادة بديلة، وهناك عدد كبير منهم بنى بالفعل غرفا أو ما يشبه البيت، وهناك من فضل البقاء في الخيمة»، مشيرا إلى أن «خدمات إيصال الماء الصالح للشرب متوفرة للجميع وكذلك الطاقة الكهربائية».
فوجئت بأن هناك بعض عوائل اللاجئين المقيمين في سوريا يزورون أقاربهم في مخيم دوميز، تقول سعاد التي تزور أختها سميرة والتي افتتحت محلا لها لبيع العطور ومواد التجميل قبل يومين «لقد اشتقت لأختي وأطفالها وجئت لزيارتهم» نسألها وكيف وجدتهم هنا، تجيب بثقة «وضعهم هنا أفضل بكثير مما كانوا عليه في سوريا حيث التهديد وانتظار الموت والأوضاع الاقتصادية الصعبة، حتى إني أفكر جديا بالمجيء مع عائلتي إلى هذا المخيم».
عندما حل المساء في مخيم دوميز المترامي الأطراف، وانتشرت الأضواء في كل مكان، خرج الشابات والشباب وهم يرتدون أجمل ما عندهم للتمشي في الشارع الرئيس للمخيم الذي يزدحم بالباعة المتجولين والدكاكين، وكأن كل سكان المخيم صاروا في هذا الشارع. سالت أحد الشباب المارين ما اسم هذا الشارع؟ أجاب وهو يبتسم «شارع باريس».
عندما كنا نغادر مخيم دوميز، كانت جموع العمال تعود إلى عوائلها وخيامها مقبلة من دهوك، فهناك يعملون بشتى المجالات من أجل الحصول على ما يعيلهم. وإذا كانت حركة عمل اللاجئين السوريين في دهوك تقتصر على مجالات البناء والخدمة في المطاعم الشعبية، فإن أمثالهم في السليمانية وأربيل أوفر حظا إذ يعملون في الفنادق الراقية والأسواق الكبرى وفي بعض الشركات الخاصة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.