عروض أزياء ومنافسات تؤكد أن الحاجة أُمّ الاختراع

«ألتا روما» تراعي الكبار وتراهن على الشباب

TT

عروض أزياء ومنافسات تؤكد أن الحاجة أُمّ الاختراع

عندما تُذكر الـ«هوت كوتير» فإن باريس هي أول ما يتبادر إلى الذهن، وقلة قليلة فقط يعرفون أنه كان لروما تاريخ في هذا المجال قبل أن يهجرها بعض أبنائها من أمثال فالنتينو غارافاني في السبعينات إلى باريس، وقبل أن يغيب الموت بعضهم والأزمات المتتالية البعض الآخر. روما تحاول منذ فترة أن ترسخ هذه الحقيقة في الأذهان من خلال أسبوعها السنوي «ألتا روما» الذي كانت تركز فيها على كبارها من أمثال الراحل سارلي، رافائيلا كيريال، روناتو باليسترا، دار «غاتينوني» وغيرهم، وتدعو فيه مصممين متخصصين في هذا المجال من كل أنحاء العالم لإغنائه وإضفاء صبغة عالمية عليه.
بعد عدة محاولات مستميتة لم تعط ثمارها المطلوبة، كان لزاما على منظمي الأسبوع أن يتبنوا استراتيجيات مختلفة. الهدف كان البقاء في الواجهة من جهة، وشد الانتباه إلى الحرفية اليدوية التي تتمتع بها أوراشها ومعاملها فضلا عن أناملها التي توارثت المهنة أبا عن جد، من جهة ثانية. ما جعل هذه الخطوة ضرورية أن «ألتا روما» استنتجت أخيرا أن الـ«هوت كوتير»، ورغم تهليل الجميع لها على أساس أنها تعيش نهضة ذهبية جديدة، لا يمكن أن تبقى منتعشة في ظل الأزمة العالمية، وبأن المسألة ما هي إلا مسألة وقت قبل أن تفقد رنتها الذهبية. الحل في نظرها كان استباق الأمور وتغيير دفة اتجاهها نحو الفنون التي ترتبط بروما كعاصمة السينما الإيطالية وباقي الفنون، والشباب، لا سيما أن علامات السن والكبر بدأت تظهر عليها.
الكل كان متحمسا لهذا التغيير ويباركه، خصوصا أن أسبوع باريس الأخير للـ«هوت كوتير» كان فاترا من الناحية الإبداعية باستثناء عروض تحسب على أصابع اليد الواحدة، ما أثار جدلا كبيرا حول مدى جدوى هذا الخط بعد اختفاء المتذوقات الحقيقيات لفنيته وظهور زبونات شابات أنعشنه، لكنهن يقبلن عليه من باب التباهي والرغبة في التميز لا أقل ولا أكثر. ما أجج السؤال أيضًا ارتقاء الأزياء الجاهزة إلى مستوى عالٍ من الفنية، إذ إن كثيرا من مصممي هذا الجانب يتنافسون على تقديم تصاميم تحاكي الـ«هوت كوتير» أحيانا، ما جعل الخط بين الجاهز والمفصل على المقاس رفيعا للغاية.
في أسبوع «ألتا روما»، لا تستطيع أن تقاوم ذلك الإحساس بأن الـ«هوت كوتير» تتراجع بالتدريج، ليس لأن مصمميها الكبار تعدوا السبعين، بل لأنهم لا يزالون يؤمنون بالفنية على الطريقة التقليدية التي توارثوها جيلا عن جيل، وربما أيضًا لأنهم لم يتقنوا فن التسويق بعد. لكن في كل الحالات تشعر بأن الرهان على الشباب أولا والفن ثانيا خطوة ذكية ولا بد منها. كايرا توسي بامفيلي، أمينة معرض «الجسد والموضة» الذي كان جزءا مهمّا من الأسبوع، توافق على هذا الرأي قائلة: «مهم جدا أن تقدم روما رسالة تجسد فيها ما تمثله وتطمح إليه، حتى تتميز عن عواصم موضة أخرى في إيطاليا هي ميلانو وفلورنسا.. كان لزاما أن ترسم شخصيتها الخاصة».
كلارا تذهب إلى أبعد من ذلك وتقول إن الأزمة الاقتصادية كان لها تأثير إيجابي على أسبوع روما، يتمثل في «رغبة مصمميها وفنانيها على الإبداع والابتعاد عن التجاري السهل، أي الموضة السريعة، وهو ما أثمر على تصاميم فنية فريدة من نوعها». المعرض الذي نظمته، ضم أعمالا لمصممين من كل أنحاء العالم، فكلارا، كما توضح، لا تتوقف عن السفر بحثا عمن يتمتعون بنظرة تجمع الفني بالعملي «بمعنى تصاميم مبتكرة ومنفذة بحرفية عالية ونظرة فنية لكن يمكن استعمالها بسهولة في المناسبات العادية، وفي الوقت ذاته تبقى مع أصحابها لمدة أطول من موسم أو موسمين». وتضيف بأنها معادلة صعبة لكن ليست مستحيلة. «المشكلة بالنسبة لي أني أؤمن بأن يكون الشخص إما مصمم أزياء وإما فنانا، أما أن يكون الاثنين معا فهذا صعب ولا يحدث دائما.. الراحل ألكسندر ماكوين مثلا كان واحدا من هؤلاء لكنه كان فلتة».
بالنسبة إلى كلارا ومنظمي الأسبوع فإن الاقتباس من الفن يجب أن يقتصر على الاستلهام ثم ترجمته في أزياء بتفصيل راقٍ وخطوط مبدعة يمكن أن تبيع عندما تصل إلى المحلات، وهذا ما رأيناه في كثير من العروض التي احتضنها مبنى «إكس دوغانا» (Ex Dogana) الذي يغطي مساحة 24.000 متر مربع وصممه المهندس المعماري أنجليو مازوني في عام 1925، وتم تصنيفه مؤخرا كمساحة صناعية أثرية من قبل وزارة الثقافة.
المشكلة الأخرى بالنسبة إلى كلارا توسي تكمن في أن الكبار يتمتعون بقدرات هائلة لكنهم يتصارعون مع تغيرات الزمن ومتطلباته الجديدة عدا أن الموت غيب بعضهم، بينما شريحة كبيرة من الشباب يأخذون أنفسهم محمل الجد ويعتقدون أن لهم إمكانيات أكبر مما هي عليه في الحقيقة. وتوضح: «أرى أن بعضهم مجرد منسقي أزياء وليسوا مصممين بالمعنى الحقيقي، الأمر الذي أرده إلى عدم ثقافتهم واهتمامهم بالسينما وغيرها من الفنون. جيد أن تكون ابن عصرك وتتقن فنون التواصل الاجتماعي والإنترنت لكن ليس على حساب الدراسة الواعية والتعمق في الفنون الجميلة. مهمتي أن أتوصل إلى المتميزين فعلا وأربطهم بالكبار حتى يتعلموا منهم ويكمل بعضهم بعضا.. وهكذا يبقى الحلم مستمرا».
يقسم الأسبوع على ثلاثة فعاليات، الأولى «فاشن هاب» وتخصص للبحث عن مصممين شباب وتوفير مسرح عرض للفائزين بجائزة «هو إيز نيكست» والثانية «أتولييه» التي يتم فيها تقديم معارض وعروض أزياء حية من قبل بيوت أزياء معروفة وخياطين مهرة أمام الحضور، وأخيرا وليس آخرا فعالية «إن تاون»، أي في المدينة وتستهدف الترويج لبعض شوارعها الخلفية التي لا يصل إليها السائح العادي، بهدف التعريف بها وتحريك حركة البيع فيها، مثل شوارع «فيا ديل أوكا» (Via Dell’Oca) وشارع «ديلا بيني» (Via Della Penne).
لكن تبقى الفعالية السنوية المخصصة لطلبة أكاديمية الأزياء والموضة وأكاديمية الفنون الجميلة ومعهد «كوفيا» هي التي تسرق الأضواء وتعطي الأسبوع ثقله بالنظر إلى قوة الطلبة المتخرجين ومهاراتهم في ترجمة الخيال إلى الواقع. كل موسم يتبارى نحو 15 طالبا للفوز بالجائزة. هذه المرة لم تختلف عن سابقاتها، حيث أبدعوا إلى حد يجعلك تفكر بأن تصاميمهم أفضل بكثير من تصاميم بعض المصممين المخضرمين، ليس بالنظر إلى الابتكار الذي تلمسه في كل قطعة اقترحوها فحسب، بل أيضًا في طريقة تنفيذها التي تتم في المعامل الإيطالية، وهذا شرط من شروط المسابقة، فضلا عن الرؤية الواضحة التي يترجمونها بها. توالت عروض كل واحد منهم، لتشد الأنفاس وتكاد تنسيك كل ما سبقها، لكن ذلك تبقى تشكيلة إيلاريا فلوري، الفائزة في هذا الموسم، في البال، نظرا لقوتها.
فهي تشكيلة غير تقليدية بكل المقاييس، اعتمدت فيها على الجلد الطبيعي، ودمجت فيها الأزياء والإكسسوارات مع بعض. مثلا يمكن أن تبدو القطعة مجرد فستان بجيب ضخم يتحول إلى حقيبة يد، مشبوكة مع الفستان بزر. غلبت هذه الفكرة على كل قطعة، حيث ترى حقيبة معلقة على الظهر أو الأكتاف أو ملصقة على الكم، وبحركة بسيطة يمكن فصلها لتُحمل باليد أو تحت الإبط في المساء. الجميل فيها أنها لم تأخذ شكلا مسرحيا، بل العكس تماما، كانت عملية وأنيقة، في الوقت ذاته تعكس واقع العصر ورغبة امرأة شابة في قطعة تغني عن ثلاث قطع أو أكثر.
إليانا لم تكن الوحيدة، وإن كانت الأقوى، فقد تقاسمت مع باقي الطلبة نفس الرغبة والقدرة على الابتكار بلمسة إيطالية أنيقة تبتعد عن الجنون أو السريالية التي نراها عادة في أسبوع لندن. المقارنة هنا لأن أسبوع لندن أيضًا يهتم بالشباب ويعتمد عليهم. في روما، تشعر بأن الطلبة متفتحون على العالم، لكن أقدامهم راسخة في التقاليد الرومانية، وهذا ما تشجع عليه روما وتفخر به: ترجمة التقاليد برؤية معاصرة تخول لها منافسة كل من ميلانو وفلورنسا.
فقد شهد الأسبوع مثلا، إلى جانب عروض الكبار، مشاركة كثير من الفائزين بجائزة «المصمم المقبل» (Who is Next) التي تقام سنويا بدعم من «فوغ» الإيطالية. من هؤلاء نذكر مثلا ماركة «إل 72» (L72) الفائزة في عام 2015، ميا أوران، لوكا شاشيا، جيسوبي دي مورابيتو، غريتا بولديني، وآخرين قدموا تشكيلات، تعكس نظرتهم الشبابية للموضة ورغبتهم في اقتحام الأسواق العالمية، وهو ما تعمل «التا روما» على تحقيقه لهم بتعبيد الطريق أمامهم بعدة وسائل. مثلا في يوم الافتتاح نظمت حفلا في محل «كوين إكسيلسيور» تخللته عروض أزياء، كانت الفكرة منها ربط علاقة بينهم وبين الزبائن. فعدا أنها وسيلة لبيع منتجاتهم، فهي أيضًا درس قيم لأي متخرج شاب يريد الاستمرار، فالابتكار وحده لا يبيع ولا بد أن يتقنوا أيضًا لغة التسويق بفهم متطلبات زبوناتهم. بالنظر إلى ما قدموها، فإن المشكلة التي يعاني منها أغلبهم ليست شح الأفكار بقدر ما هي شح الإمكانيات والدعم المادي، وهو ما يتجلى في الأقمشة التي لم تكن دائما في مستوى تصاميمهم الأنيقة ولا الحرفية الرومانية أو الاهتمام بالتفاصيل، وغيرها من العناصر التي تذكرنا بأن روما كانت في يوم من الأيام عاصمة الموضة الرفيعة.



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.