عروض أزياء ومنافسات تؤكد أن الحاجة أُمّ الاختراع

«ألتا روما» تراعي الكبار وتراهن على الشباب

TT

عروض أزياء ومنافسات تؤكد أن الحاجة أُمّ الاختراع

عندما تُذكر الـ«هوت كوتير» فإن باريس هي أول ما يتبادر إلى الذهن، وقلة قليلة فقط يعرفون أنه كان لروما تاريخ في هذا المجال قبل أن يهجرها بعض أبنائها من أمثال فالنتينو غارافاني في السبعينات إلى باريس، وقبل أن يغيب الموت بعضهم والأزمات المتتالية البعض الآخر. روما تحاول منذ فترة أن ترسخ هذه الحقيقة في الأذهان من خلال أسبوعها السنوي «ألتا روما» الذي كانت تركز فيها على كبارها من أمثال الراحل سارلي، رافائيلا كيريال، روناتو باليسترا، دار «غاتينوني» وغيرهم، وتدعو فيه مصممين متخصصين في هذا المجال من كل أنحاء العالم لإغنائه وإضفاء صبغة عالمية عليه.
بعد عدة محاولات مستميتة لم تعط ثمارها المطلوبة، كان لزاما على منظمي الأسبوع أن يتبنوا استراتيجيات مختلفة. الهدف كان البقاء في الواجهة من جهة، وشد الانتباه إلى الحرفية اليدوية التي تتمتع بها أوراشها ومعاملها فضلا عن أناملها التي توارثت المهنة أبا عن جد، من جهة ثانية. ما جعل هذه الخطوة ضرورية أن «ألتا روما» استنتجت أخيرا أن الـ«هوت كوتير»، ورغم تهليل الجميع لها على أساس أنها تعيش نهضة ذهبية جديدة، لا يمكن أن تبقى منتعشة في ظل الأزمة العالمية، وبأن المسألة ما هي إلا مسألة وقت قبل أن تفقد رنتها الذهبية. الحل في نظرها كان استباق الأمور وتغيير دفة اتجاهها نحو الفنون التي ترتبط بروما كعاصمة السينما الإيطالية وباقي الفنون، والشباب، لا سيما أن علامات السن والكبر بدأت تظهر عليها.
الكل كان متحمسا لهذا التغيير ويباركه، خصوصا أن أسبوع باريس الأخير للـ«هوت كوتير» كان فاترا من الناحية الإبداعية باستثناء عروض تحسب على أصابع اليد الواحدة، ما أثار جدلا كبيرا حول مدى جدوى هذا الخط بعد اختفاء المتذوقات الحقيقيات لفنيته وظهور زبونات شابات أنعشنه، لكنهن يقبلن عليه من باب التباهي والرغبة في التميز لا أقل ولا أكثر. ما أجج السؤال أيضًا ارتقاء الأزياء الجاهزة إلى مستوى عالٍ من الفنية، إذ إن كثيرا من مصممي هذا الجانب يتنافسون على تقديم تصاميم تحاكي الـ«هوت كوتير» أحيانا، ما جعل الخط بين الجاهز والمفصل على المقاس رفيعا للغاية.
في أسبوع «ألتا روما»، لا تستطيع أن تقاوم ذلك الإحساس بأن الـ«هوت كوتير» تتراجع بالتدريج، ليس لأن مصمميها الكبار تعدوا السبعين، بل لأنهم لا يزالون يؤمنون بالفنية على الطريقة التقليدية التي توارثوها جيلا عن جيل، وربما أيضًا لأنهم لم يتقنوا فن التسويق بعد. لكن في كل الحالات تشعر بأن الرهان على الشباب أولا والفن ثانيا خطوة ذكية ولا بد منها. كايرا توسي بامفيلي، أمينة معرض «الجسد والموضة» الذي كان جزءا مهمّا من الأسبوع، توافق على هذا الرأي قائلة: «مهم جدا أن تقدم روما رسالة تجسد فيها ما تمثله وتطمح إليه، حتى تتميز عن عواصم موضة أخرى في إيطاليا هي ميلانو وفلورنسا.. كان لزاما أن ترسم شخصيتها الخاصة».
كلارا تذهب إلى أبعد من ذلك وتقول إن الأزمة الاقتصادية كان لها تأثير إيجابي على أسبوع روما، يتمثل في «رغبة مصمميها وفنانيها على الإبداع والابتعاد عن التجاري السهل، أي الموضة السريعة، وهو ما أثمر على تصاميم فنية فريدة من نوعها». المعرض الذي نظمته، ضم أعمالا لمصممين من كل أنحاء العالم، فكلارا، كما توضح، لا تتوقف عن السفر بحثا عمن يتمتعون بنظرة تجمع الفني بالعملي «بمعنى تصاميم مبتكرة ومنفذة بحرفية عالية ونظرة فنية لكن يمكن استعمالها بسهولة في المناسبات العادية، وفي الوقت ذاته تبقى مع أصحابها لمدة أطول من موسم أو موسمين». وتضيف بأنها معادلة صعبة لكن ليست مستحيلة. «المشكلة بالنسبة لي أني أؤمن بأن يكون الشخص إما مصمم أزياء وإما فنانا، أما أن يكون الاثنين معا فهذا صعب ولا يحدث دائما.. الراحل ألكسندر ماكوين مثلا كان واحدا من هؤلاء لكنه كان فلتة».
بالنسبة إلى كلارا ومنظمي الأسبوع فإن الاقتباس من الفن يجب أن يقتصر على الاستلهام ثم ترجمته في أزياء بتفصيل راقٍ وخطوط مبدعة يمكن أن تبيع عندما تصل إلى المحلات، وهذا ما رأيناه في كثير من العروض التي احتضنها مبنى «إكس دوغانا» (Ex Dogana) الذي يغطي مساحة 24.000 متر مربع وصممه المهندس المعماري أنجليو مازوني في عام 1925، وتم تصنيفه مؤخرا كمساحة صناعية أثرية من قبل وزارة الثقافة.
المشكلة الأخرى بالنسبة إلى كلارا توسي تكمن في أن الكبار يتمتعون بقدرات هائلة لكنهم يتصارعون مع تغيرات الزمن ومتطلباته الجديدة عدا أن الموت غيب بعضهم، بينما شريحة كبيرة من الشباب يأخذون أنفسهم محمل الجد ويعتقدون أن لهم إمكانيات أكبر مما هي عليه في الحقيقة. وتوضح: «أرى أن بعضهم مجرد منسقي أزياء وليسوا مصممين بالمعنى الحقيقي، الأمر الذي أرده إلى عدم ثقافتهم واهتمامهم بالسينما وغيرها من الفنون. جيد أن تكون ابن عصرك وتتقن فنون التواصل الاجتماعي والإنترنت لكن ليس على حساب الدراسة الواعية والتعمق في الفنون الجميلة. مهمتي أن أتوصل إلى المتميزين فعلا وأربطهم بالكبار حتى يتعلموا منهم ويكمل بعضهم بعضا.. وهكذا يبقى الحلم مستمرا».
يقسم الأسبوع على ثلاثة فعاليات، الأولى «فاشن هاب» وتخصص للبحث عن مصممين شباب وتوفير مسرح عرض للفائزين بجائزة «هو إيز نيكست» والثانية «أتولييه» التي يتم فيها تقديم معارض وعروض أزياء حية من قبل بيوت أزياء معروفة وخياطين مهرة أمام الحضور، وأخيرا وليس آخرا فعالية «إن تاون»، أي في المدينة وتستهدف الترويج لبعض شوارعها الخلفية التي لا يصل إليها السائح العادي، بهدف التعريف بها وتحريك حركة البيع فيها، مثل شوارع «فيا ديل أوكا» (Via Dell’Oca) وشارع «ديلا بيني» (Via Della Penne).
لكن تبقى الفعالية السنوية المخصصة لطلبة أكاديمية الأزياء والموضة وأكاديمية الفنون الجميلة ومعهد «كوفيا» هي التي تسرق الأضواء وتعطي الأسبوع ثقله بالنظر إلى قوة الطلبة المتخرجين ومهاراتهم في ترجمة الخيال إلى الواقع. كل موسم يتبارى نحو 15 طالبا للفوز بالجائزة. هذه المرة لم تختلف عن سابقاتها، حيث أبدعوا إلى حد يجعلك تفكر بأن تصاميمهم أفضل بكثير من تصاميم بعض المصممين المخضرمين، ليس بالنظر إلى الابتكار الذي تلمسه في كل قطعة اقترحوها فحسب، بل أيضًا في طريقة تنفيذها التي تتم في المعامل الإيطالية، وهذا شرط من شروط المسابقة، فضلا عن الرؤية الواضحة التي يترجمونها بها. توالت عروض كل واحد منهم، لتشد الأنفاس وتكاد تنسيك كل ما سبقها، لكن ذلك تبقى تشكيلة إيلاريا فلوري، الفائزة في هذا الموسم، في البال، نظرا لقوتها.
فهي تشكيلة غير تقليدية بكل المقاييس، اعتمدت فيها على الجلد الطبيعي، ودمجت فيها الأزياء والإكسسوارات مع بعض. مثلا يمكن أن تبدو القطعة مجرد فستان بجيب ضخم يتحول إلى حقيبة يد، مشبوكة مع الفستان بزر. غلبت هذه الفكرة على كل قطعة، حيث ترى حقيبة معلقة على الظهر أو الأكتاف أو ملصقة على الكم، وبحركة بسيطة يمكن فصلها لتُحمل باليد أو تحت الإبط في المساء. الجميل فيها أنها لم تأخذ شكلا مسرحيا، بل العكس تماما، كانت عملية وأنيقة، في الوقت ذاته تعكس واقع العصر ورغبة امرأة شابة في قطعة تغني عن ثلاث قطع أو أكثر.
إليانا لم تكن الوحيدة، وإن كانت الأقوى، فقد تقاسمت مع باقي الطلبة نفس الرغبة والقدرة على الابتكار بلمسة إيطالية أنيقة تبتعد عن الجنون أو السريالية التي نراها عادة في أسبوع لندن. المقارنة هنا لأن أسبوع لندن أيضًا يهتم بالشباب ويعتمد عليهم. في روما، تشعر بأن الطلبة متفتحون على العالم، لكن أقدامهم راسخة في التقاليد الرومانية، وهذا ما تشجع عليه روما وتفخر به: ترجمة التقاليد برؤية معاصرة تخول لها منافسة كل من ميلانو وفلورنسا.
فقد شهد الأسبوع مثلا، إلى جانب عروض الكبار، مشاركة كثير من الفائزين بجائزة «المصمم المقبل» (Who is Next) التي تقام سنويا بدعم من «فوغ» الإيطالية. من هؤلاء نذكر مثلا ماركة «إل 72» (L72) الفائزة في عام 2015، ميا أوران، لوكا شاشيا، جيسوبي دي مورابيتو، غريتا بولديني، وآخرين قدموا تشكيلات، تعكس نظرتهم الشبابية للموضة ورغبتهم في اقتحام الأسواق العالمية، وهو ما تعمل «التا روما» على تحقيقه لهم بتعبيد الطريق أمامهم بعدة وسائل. مثلا في يوم الافتتاح نظمت حفلا في محل «كوين إكسيلسيور» تخللته عروض أزياء، كانت الفكرة منها ربط علاقة بينهم وبين الزبائن. فعدا أنها وسيلة لبيع منتجاتهم، فهي أيضًا درس قيم لأي متخرج شاب يريد الاستمرار، فالابتكار وحده لا يبيع ولا بد أن يتقنوا أيضًا لغة التسويق بفهم متطلبات زبوناتهم. بالنظر إلى ما قدموها، فإن المشكلة التي يعاني منها أغلبهم ليست شح الأفكار بقدر ما هي شح الإمكانيات والدعم المادي، وهو ما يتجلى في الأقمشة التي لم تكن دائما في مستوى تصاميمهم الأنيقة ولا الحرفية الرومانية أو الاهتمام بالتفاصيل، وغيرها من العناصر التي تذكرنا بأن روما كانت في يوم من الأيام عاصمة الموضة الرفيعة.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.