إذا كانت السلطات الفرنسية بحاجة لـ«تبريرات» من أجل مد العمل بحالة الطوارئ ثلاثة أشهر، وهو ما سيقره مجلس الوزراء في جلسته الأسبوعية غدا الأربعاء، فإن شريط الفيديو الذي بثه تنظيم داعش لتسعة من الإرهابيين العشرة الذين نفذوا العمليات الإرهابية في باريس وضاحية سان دوني، ليل 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جاء ليبين استمرار التهديدات التي تتعرض لها فرنسا، والحاجة لإجراءات استثنائية لمواجهتها.
كذلك، فإن الحكومة ستجد في الشريط حججا إضافية من أجل توفير الأكثرية اللازمة لتمرير قانون تعديل الدستور الذي سيبدأ مجلسا النواب والشيوخ بدراسته أوائل فبراير (شباط) القادم، والذي يثير جدلا حاميا داخل أوساط اليسار والحزب الاشتراكي بسبب مادتين خلافيتين: الأولى تنص على تسجيل شروط إعلان حالة الطوارئ في الدستور، والثانية تتيح نزع الجنسية الفرنسية عن مزدوجي الجنسية الذين يدانون بارتكاب أعمال إرهابية وإن كانوا ولدوا فرنسيين.
يحمل شريط «داعش»، الذي بثه «مركز الحياة الإعلامي» التابع للتنظيم ثلاثة أمور حاسمة أولها مسؤولية «داعش» وتبنيها المادي والموثق للعمليات الإرهابية التي أوقعت 130 قتيلا و350 جريحًا، وهو أكبر عدد من الضحايا تعرفهم فرنسا في زمن السلم، ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. والأمر الثاني، أن تسعة من الإرهابيين العشرة التحقوا فعليا بـ«داعش» في سوريا وربما في العراق أيضًا، وقاموا بعمليات في صفوفها، بينما الشخص العاشر وهو صلاح عبد السلام، الذي لم يظهر في الشريط، ما زال مختفيا عن الأنظار منذ 14 نوفمبر. لكن الأجهزة الأمنية في فرنسا وبلجيكا تملك أدلة على ذهابه إلى سوريا. والأمر الثالث يتناول الشخصين اللذين عجزت الأجهزة الأمنية عن كشف هويتهما الحقيقية وكانا يحملان جوازات سفر سورية. وهذان الشخصان فجرا نفسيهما قريبا من مدخل «استاد دو فرانس»، الملعب الكبير القائم في محلة سان دوني، الواقعة على مدخل باريس الشمالي. وبحسب شريط الفيديو، فإن هذين الشخصين عراقيا الجنسية، وليسا سوريين، مما يؤكد مخاوف الأجهزة الأمنية الفرنسية والأوروبية بشكل عام من «تسلل» متشددين بين آلاف اللاجئين السوريين المتدفقين على أووربا عبر تركيا واليونان. وقد ثبت للأجهزة الأمنية الفرنسية أن البلجيكي عبد الحميد أباعود، الذي يعد العقل المدبر لعمليات نوفمبر الماضي أقام لفترة في اليونان والنمسا وتنقل بين بلجيكا وسوريا رغم كونه مطلوبًا أمنيًا.
جاء الرد على تهديدات «داعش» مباشرة من الرئيس هولاند الموجود في الهند في زيارة رسمية من ثلاثة أيام. فقد أعلن هولاند أن فرنسا «مصممة على ضرب هذا التنظيم (داعش)، الذي يهددنا ويقتل أطفالنا بشكل أكبر»، مضيفًا أن باريس تعرف «من استهدفنا وهو غالبا ما يتبنى جرائمه ويعرض منفذي الجرائم وعمليات القتل وينشر صورا فظيعة». ولكن أهم ما جاء على لسان الرئيس الفرنسي قوله: «إننا لن نسمح لهم أن يؤثروا فينا ولن يخيفنا شيء ولا يمكن لأي تهديد أن يزرع الشك لدى فرنسا حول ما عليها فعله في المعركة ضد الإرهاب». وتناول هولاند عزمه على تمديد العمل بحالة الطوارئ رغم الأصوات التي أخذت تعلو منددة بفرض «حالة استثنائية» على البلاد منذ نوفمبر الماضي وستمدد حتى نهاية مايو (أيار) القادم بقوله: «اتخذت إجراءات لتمديد حالة الطوارئ لأنني أعلم أن هذا التهديد ماثل وأننا لن نتراجع في أي شيء، لا في وسائل الدفاع عن بلادنا ولا في الحريات».
أثارت تصريحات لرئيس الحكومة مانويل فالس في حديث لتلفزيون «بي بي سي» الأسبوع الماضي مخاوف لدى المدافعين عن الحريات العامة وفي أوساط اليسار، عندما أعلن ردًا على سؤال، أن العمل بحالة الطوارئ «سيستمر طالما استمر تهديد (داعش) لبلادنا». وسارع مكتب فالس إلى نفي عزم الحكومة لتمديد هذه الحالة إلى ما لانهاية. ويندد مناهضو «الطوارئ» بالتجاوزات التي تحصل بسبب العمل به والتضييق على الحريات العامة مثل منع التظاهر والسلطات الواسعة الممنوحة للأجهزة الأمنية التي تعمل بعيدا عن أعين القضاء في فرض الإقامات الجبرية وعمليات الدهم المتاحة ليلا ونهارا والتنصت على المكالمات الهاتفية وعلى البريد الإلكتروني وخلاف ذلك.
وأمس، أعرب الأمين العام لمجلس أوروبا ثوربيورن ياغلاند عن «قلقه» لتمديد حالة الطوارئ التي أعلنت إثر اعتداءات باريس. وقال ياغلاند، في بريد إلكتروني موجه للرئيس هولاند إنه تبلغ «بقلق درس إمكانية تمديد حالة الطوارئ» في فرنسا، مركزا خصوصا على المخاطر التي قد تنجم عن «الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية» خلال تطبيق حالة الطوارئ.
وطالب المجلس بأن تتضمن مشاريع الإصلاحات الدستورية والجنائية الحالية «الضمانات اللازمة لناحية احترام الحريات الأساسية». وما يثير قلق مجلس أوروبا كذلك، القواعد الجديدة التي ينص عليها مشروع القانون بخصوص شروط لاستخدام الأسلحة النارية من قبل قوات الأمن والقيود المفروضة على التنقل، بالإضافة لتوسيع حالات التجريد من الجنسية الفرنسية. وخلص بيان رئيس المجلس إلى تأكيد استعداده «لتقديم المساعدة» لتتلاءم الإصلاحات الفرنسية مع المعايير الأوروبية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وكانت فرنسا، في نهاية نوفمبر، أبلغت مجلس أوروبا بأنها «ستخرق المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان» مع فرض حالة الطوارئ، وهو إجراء يحميها من إدانات محتملة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان من دون أن يعفيها من احترام بعض الحقوق الأساسية التي لا يمكن إنكارها.
ومطلع ديسمبر (كانون الأول) أعرب المفوض المكلف بحقوق الإنسان في المنظمة الأوروبية نيلز مويزنيكس عن القلق من «التجاوزات» في فرض حالة الطوارئ في فرنسا و«الخطر» الذي يطرحه تطبيقها على الديمقراطية.
وأمس، كرست صحيفة «ليبراسيون» اليسارية صفحتها الأولى وأربع صفحات داخلية لتشريح حالة الطوارئ، وما أدت إليه من نتائج. وكتبت في صفحتها الأولى أن هذه الحالة «تخضع لاعتبارات الاستراتيجية السياسية أكثر مما تخضع لاعتبارات أمنية». وجاء في افتتاحيتها أن مد العمل بها نوع من «الهروب إلى الأمام» وأن الحكومة لا تريد التخلي عنها لأنه في حال وقوع أعمال إرهابية أخرى، ستتهم عندها بالعجز عن حماية الفرنسيين والفشل في «تحييد» الإرهابيين. ويرى مراقبون على اطلاع على «النتائج» التي أسفرت عنها حالة الطوارئ أنها «ضعيفة» رغم 3189 عملية دهم ووضع 392 شخصا رهن الإقامة الجبرية ومصادرة مئات قطع السلاح. وبرأي هؤلاء، فإن النتائج تتناول جنحا وجرائم تدخل في إطار الحق العام وليس الجرائم الإرهابية.
بيد أن لوزير الداخلية برنار كازنوف رأيا مختلفا، إذ أعلن ليلة الأحد/ الاثنين أن أجهزته أحبطت «في عام 2015 وحده» 11 هجوما كالذي حصل في 13 نوفمبر، ومنها تخطيط لهجوم على حفل في قاعة للحفلات وأخرى كان يمكن أن توقع «عددا ضخما من الضحايا في الشوارع والمدن». وأشار كازنوف إلى أن «جماعات مماثلة» كانت تقف وراء الهجمات التي تم إحباطها.
هولاند من الهند: تهديدات «داعش» لن ترهبنا ومستمرون في قتاله
احتجاجات فرنسا على عزم الحكومة تمديد العمل بحالة الطوارئ
عبد الحميد أباعود العقل المدبر لتفجيرات باريس ظهر في شريط «داعش» من مركز «الحياة» أمس («الشرق الأوسط»)
هولاند من الهند: تهديدات «داعش» لن ترهبنا ومستمرون في قتاله
عبد الحميد أباعود العقل المدبر لتفجيرات باريس ظهر في شريط «داعش» من مركز «الحياة» أمس («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




