مونترو.. طبيعة حالمة تتغلغل في شرايينها

سويسرا لوحة من الإلهام تلامس الوجدان

مونترو مغناطيس الفنانين والأثرياء
مونترو مغناطيس الفنانين والأثرياء
TT

مونترو.. طبيعة حالمة تتغلغل في شرايينها

مونترو مغناطيس الفنانين والأثرياء
مونترو مغناطيس الفنانين والأثرياء

إذا كان الهدف من زيارة سويسرا هو الاستمتاع بالطبيعة الساحرة، فلن تقف طويلا أمام زيارة أي مدينة أو كانتون، لأن الطبيعة الساحرة هي القاسم المشترك والصفة الغالبة؛ بل والسمة المميزة، بين جميع المدن والكانتونات السويسرية قاطبة. أما إذا كنت من هواة الإبحار داخل الطبيعة الحالمة التي تتغلغل في شرايين المدن الصغيرة الساكنة التي تنبض بكل علامات الحياة الحديثة المعاصرة، فلن تتردد في اختيار مونترو فيفي (Montreux vevey) تلك المدينة الصغيرة التي تسورها جبال يكسوها الثلج في موسم الشتاء، وتلامس حدودها من كل جانب بحيرات يسكنها الإوز شديد الرشاقة، وتغمرها المياه النقية العذبة.. هنا ستدرك أنك بالفعل أحسنت الاختيار ووجدت ضالتك، وستشعر كأنك تقف أمام لوحة أبدع في إخراجها فنان ملهم نهل واغترف من كنوز الجمال ما جعله يغرد بريشته ليعلن الانفراد والخصوصية التي لا يوجد لها مثيل فوق الكرة الأرضية. ومع هذه الخلفية الجمالية تتسلسل إلى مشاعرك موسيقى الجاز التي لا تتوقف احتراما وتقديرا لحسن اختيارك، كما تغمرك روائح القهوة والشوكولاته وشذى زهرة الأوركيد من كل مكان في سيمفونية متناسقة رقيقة ومنظومة من صنع الطبيعة.
وهنا سنتعرف على توصيف أكثر تفصيلا لكل من مونترو وإنترلاكن ولوسيرن:
* مونترو فيفي
مونترو مدينة صغيرة جدا، وهي متصلة مع مدينة فيفي في الكانتون الفرنسي غرب سويسرا؛ حيث تقع على الساحل شمال شرقي بحيرة جنيف، حيث يسكنها ما يقارب 22 ألفا و897 نسمة، كما يعيش فيها عدد من المشاهير والأثرياء، بل أصبحت مكان الإقامة المفضل لعدد كبير من الفنانين العالميين العاشقين للتأمل والجمال الأخاذ وطابعها المعماري شديد الأناقة والفخامة والهدوء.
تأسست مونترو عام 1962 بعد أن تم دمج مدن عدة مثل «لو شاتلار» و«لي بلانش» و«فيتو»، لتصبح اليوم مدينة بحد ذاتها، ولكن تعرف أكثر باسم «مونترو فيفي» نسبة لقرب المدينتين كلتيهما من الأخرى، حتى أصبحا متلاصقتين، والوصول لهما في خط مواصلات واحد، كما يمكنك الوصول إليهما عن طريق الجو، وأقرب مطار إليهما هو مطار جنيف الدولي، وكذلك شبكة قطارات حديثة تصل حتى فرنسا وإيطاليا. ويمكنك الوصول لمحطة «فيفي» ثم تستقل حافلة للنقل العام لتصل بك في أقل من 5 دقائق إلى مونترو، وفي كل انتقالاتك داخل سويسرا ومهما تعددت وسائل النقل من قطارات وحافلات فاخرة، يمكنك استخدام بطاقة «Swiss Pass».
* بحيرة جنيف الساحرة
وتطل مدينة مونترو على بحيرة جنيف الساحرة ملتقى الباحثين عن الجمال في دنيا الخيال؛ فمشهد البحيرة بمياهها العذبة النقية وأنت تتمعن في شواطئها الوارفة الظلال التي تحتضن بين جنباتها قصورا فاخرة وفيلات مهيبة، يذهب العقل وينعش الوجدان من فرط السكون الذي يثير الشجون، كما تتراص على الجانب الآخر في مشهد مهيب سلسلة من الفنادق تتباهى وتتفاخر لتغازل الصفوة من قاطنيها الذين اعتادوا الدلال في غرف تحقق أقصى الطموحات من مأكولات بمختلف اللغات وحمامات سباحة خاصة وساونا وجاكوزي في جناحك الخاص، لأنه في سويسرا كل وسائل الراحة والرفاهية تنتقل إليك لتوفر عليك لحظات البحث التي يجب أن تتركز في استنشاق الهواء النقي والاستمتاع ليلا بموسيقى الجاز العالمية؛ حيث تستضيف مهرجان الجاز السنوي الذي يقام دائما على ضفاف البحيرة بين شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) ويشارك فيه ألمع الأسماء في دنيا الموسيقى والغناء.
ولعل تفرد مونترو بمناخ معتدل قد جعل منها وجهة سياحية بارزة على خريطة سويسرا السياحية طوال فصول السنة، لأنها الأقرب للمناخ المتوسط في ظل وجود السكان الناطقين بالفرنسية الذين حولوا المدينة لواحة من الأناقة والشياكة، فتشتم في كل ركن فيها شذى شجر الصنوبر وعبق الياسمين والفل، وهي المشاهد التي تشتهر بها معظم المدن الواقعة على البحر المتوسط.
* المغني العالمي فريدي ميركوري
وكان من نتيجة استقرار المغني العالمي البريطاني (الهندي الأصل) فريدي ميركوري في هذه المدينة الصغيرة، زيادة شهرتها عالميا، وأصبحت بالنسبة إليه بيته الثاني وقاعدة مهمة لموسيقاه الخالدة، لدرجة أن الاستوديو الذي كان يقوم فريدي بتسجيل أغانيه فيه يحرص على زيارته الآن معظم الفنانين العالميين لتسجيل أغانيهم بعد أن أصبح أحد أهم المزارات العريقة في هذه المدينة الرقيقة.
وتكريما لميركوري، تم صنع تمثال كبير له في وسط الساحة القريبة من فندق «مونترو بالاس» الشهير المطل على البحيرة؛ حيث يحرص السياح على زيارته لالتقاط صور تذكارية، ووضع باقات من الزهور ورسائل حب وتقدير لهذا الفنان الأصيل. ويأتي في مقدمة الأسماء الشهيرة الذين استراحت أفئدتهم للإقامة في هذه المدينة وارتبطت أسماؤهم باسم مونترو، كل من إرنست هامينغواي، وغراهام غرين، وتشارلي تشابلن، وبربرا هندريكس، وشنايا تواين، إضافة إلى قائمة أخرى لأهم الفنانين والرسامين والسينمائيين والمغنين العالميين الذين وقعوا بكل اقتناع ورضا وحب في شباك غرام تلك المدينة الملهمة الساحرة.
* مصانع «نسله» ومتاحف تاريخية
كما تعد مونترو مرآة حقيقية للثقافة وكنوز المعرفة، ففيها المتاحف التي تروي التاريخ، ومنشآت سياحية قادرة على استقطاب جميع الجنسيات، كما يتوفر فيها كثير من المراكز العلاجية المتخصصة في تقديم الراحة والاستشفاء والاستجمام، لتعيد لكل زوارها مقولة: «الصحة والعافية التي ينشدها كل زائر»، وعلى رأسها مصحة «كلينيك لا بريري» التي تستقطب النجوم والأثرياء من مختلف بقاع العالم بهدف العلاج والاسترخاء والتجميل.
كما يرتبط اسم مونترو أيضا باسم مصانع «نسله» لتصنيع الشوكولاته وكثير من مشتقات الحليب لغذاء الأطفال في كل أنحاء العالم، لدرجة أنه تم تصنيف هذه المدينة على أنها عاصمة الطعام في العالم، ليس قياسا بكمية ما تنتجه، ولكن لجودة ما تصدره وتهافت دول العالم عليه، إضافة إلى أن هذه المدينة رغم صغر حجمها، فإنها نجحت باقتدار في استقطاب أكبر عدد من نجوم «ميشلين»؛ حيث تحمل معظم مطاعمها اعتراف ما يعرف بـ«دليل غولت ميالو»، (Gault Millau)، الذي يعطي علامات ممتازة لأشهر مطاعمها وفنادقها، كما تشعر بالفخر لأنها تقدم لروادها جميع الأطباق في مختلف المطاعم من منتجاتها المحلية شديدة الخصوصية والتركيز.
* الإتيكيت السويسري طريقة حياة
تتميز مونترو فيفي بوجود أعداد كبيرة من المدارس التي تتخصص في تعليم أصول الإتيكيت، وهي المدارس التي تنتشر بشكل لافت وجعلت من هذا البلد الذي يمزج بين الذوقين الفرنسي والسويسري شديد الالتزام، أحد أكبر بلدان العالم المتحضر في اتباع أصول الإتيكيت في كل مكان؛ في المنزل والشارع والمطعم والعمل، وحتى في المتنزهات، وعند استقبال الضيوف، والمناسبات العامة، لأن ممارسة الإتيكيت في الحياة العامة بالنسبة للمواطن السويسري ببساطة هو طريقة حياة، حتى أصبح يمثل قاعدة سلوكية عميقة الجذور وهو ما يطلق عليه «Civic Sense»، وهو شعور وطني مزروع في وجدان كل سويسري تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل.
* قلعة شيون وبحيرة جنيف
تحتضن مونترو أجمل الأماكن السياحية المتمثلة في قلعة «شيلون»، (Chateau De Chillon)، بسبب موقعها المتميز الواقع على تلة صخرية تطل على مناظر خلابة. وتشتهر هذه القلعة بقصة سجن بونيفار الذي قيد بالسلاسل المعدنية لأربع سنوات كاملة. أما بحيرة جنيف المعروفة باسم «Leman» فمن الممكن الإبحار في مياهها النقية الصافية في جولات بواخر سياحية أنيقة وفاخرة يمكن أن تعيش داخلها لبضع ساعات لتستمتع بجو من الاسترخاء واستنشاق الهواء النقي، والابتعاد عن ضغوط الحياة، للتخلص من الملل والانطواء، بل يمكن أن تذهب بعيدا لتصل إلى لوزان للتعرف على مدن أخرى وخلفيات جمالية تتنافس في جذب عيون الزائرين من كل حدب وصوب.
* جبل «روشيه دو نايه» Rochers - de – naye
ولن يجد عشاق التزلج على الثلج والراغبون في السفر بواسطة القطار أي مشقة للانتقال من مدينة فيفي إلى قمة البليادز، ومن مونترو إلى جبل «روشيه دو نايه»، (Rochers - de - naye)، على ارتفاع 2042 مترا عن سطح البحر، لتبهرك مشاهد البحيرة و«سافوي» و«فو» و«فاليه»، لا سيما أن «روشيه» من أكثر الأماكن المهيأة لركوب الدراجات الهوائية بكل أنواعها، والتسلق، وممارسة رياضة النورديك التي تتوفر بكثرة في تلك المنطقة مع مطلع فصل الربيع حتى فصل الشتاء الذي يوفر فرصة التزلج على حلبات تمتد على مسافة نحو ثلاثة كيلومترات.
ومن هذا الارتفاع على قمة الجبل، يمكن الانتقال إلى رحلة خاصة وتاريخية لن يمحوها الزمن على متن «غولدن باس»، (Golden Pass)، وهو القطار البانورامي الأول والأجمل في العالم، حيث تم تزويده بعربات فاخرة للغاية ربما أجمل من مقاعد الدرجة الأولى في أحدث الطائرات، كما يمكنك أن تستقل هذا القطار الفريد من مونترو في رحلة إلى غشتاد (Gstaad) لتروي عينيك وترضي شجونك بكثير من المناظر الطبيعية الرائعة، لا سيما أشجار الكرز والتفاح وعناقيد العنب التي تتدلي بكثافة وغزارة في مشهد لن يمحوه الزمن.
وتتميز هذه المنطقة بين شهري يونيو ويوليو بانطلاق مهرجان الـ«جاز» الذي يعد الأكبر في أوروبا، نظرا لمشاركة الصف الأول من النخب الموسيقية في العالم التي تلتف في جو رومانسي شديد الإبداع على ضفاف بحيرة جنيف في احتفالية سنوية فريدة لم تتوقف منذ عام 1967، إضافة أيضا لاستضافة مهرجان الضحك في شهر ديسمبر (كانون الأول) ويشارك فيه ألمع نجوم الضحك والكوميديا من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وسويسرا، إضافة طبعا للاحتفال الأكبر بأعياد الميلاد ورأس السنة في كل عام، وهي احتفالات صاخبة في كل الأسواق المفتوحة يحرص كل محبي التجديد على الاستمتاع بها في كل ركن من أركان هذه المدينة الصغيرة شديدة الخصوصية.
* الريفييرا الراقية والحدائق الغناء
وفي مونترو تشعر تلقائيا بسحر خاص حين ترحل في جولة سياحية إلى الريفييرا الراقية، على امتداد البحيرة من مونترو إلى فيفي مرورا بـ«Entre deux villes» التي تقع بين المنطقتين، كما ستشاهد عددا كبيرا من الفنادق القديمة والتاريخية؛ من أهمها فندق «مونترو بالاس» الذي يفتن كثيرين من السياح، لتاريخه ولمساته الكلاسيكية المتميزة وموقعه في قلب المدينة، وفندق «Best western Eurotel Rivera» كما تنتشر أيضا في كل أطرافها مقاه في الهواء الطلق وعلى مساحات عريضة جدا للأرصفة التي تم تخصيصها للمشاة على ضفاف البحيرة. وبإمكانك استقطاع بعض الدقائق للاسترخاء في الحدائق العامة الغناء المنتشرة بمحاذاة البحيرة والمخصصة للعائلات والصغار مثل «حديقة المغامرة»، (Parc Aventura)، و«حديقة البخار» و«حديقة الماء»، في جو يعشقه الأطفال من هواة اللعب على الخضرة وسط أزهار البانسيه؛ حيث تكثر المقاعد الخشبية للاسترخاء والإحساس بالأمن والأمان والسعادة في لحظات يتخللها التقاط بعض الصور التذكارية لهذه المشاهد التي لا تتكرر كثيرا في العالم.
أما عشاق التسوق، فيمكنهم التوجه إلى شوارع مخصصة للمشاة في قلب مدينة فيفي القديمة وحول ساحة السوق (Place Du Marche) وفي حالة الرغبة في التعرف على أحدث الساعات السويسرية الشهيرة وأفخرها، فلا بد من التوجه مباشرة إلى الشارع الرئيسي في مونترو (Grande Rue) حيث تزخر المحلات بالساعات والجواهر والملابس من الماركات العالمية. كما توجد في الشارع الرئيسي أيضا محلات صغيرة لبيع الـ«Gift Items». ومن الملاحظ أن الأبقار (التي يصنع من حليبها أنواع كثيرة من الجبن والشوكولاته السويسرية الشهيرة) تأخذ نصيب الأسد من حصة بيع الهدايا التذكارية في جميع المحلات، إضافه للعلم السويسري المطبوع على الميداليات والأكواب والبراويز والفانلات.
ويحرص كل الزوار تقريبا على شراء كمية من الشوكولاته التي تعد السلعة الوحيدة المحببة لدى كل السياح؛ لا سيما أن أسعارها التي تتراوح بين فرنك واحد و20 فرنكًا فأكثر، تجعلها من أرخص السلع المتوفرة التي تتناسب مع إمكانات جميع الفئات. وبعد قضاء اليوم في التنزه والتجول والتبضع، ستكون بحاجة ماسة للاستراحة والاسترخاء على أنغام موسيقى البيانو الحية في مقهى «هاريز» في فندق «Raffles Le Montreux Palace» الذي يزخر بكثير من المشاهير والفنانين.



«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
TT

«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)

على الضفة الغربية لنهر النيل في أسوان تتخذ «غرب سهيل» موقعاً استثنائياً بين القرى المصرية؛ فهي تتخذ مكانها فوق سفح جبلي، مستمدة خصوصيتها من جمال الطبيعة، ومسجلة حضورها كنموذج حي للسياحة الريفية المستدامة.

لكن لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أصبحت القرية النوبية في أقصى جنوب مصر أيضاً وجهة عالمية تُروى قصتها في المحافل الدولية بعد اختيارها ضمن أفضل القرى السياحية لعام 2024 في برنامج منظمة الأمم المتحدة للسياحة.

وهو اختيار لم يأت صدفة، بل عبر مسار طويل من التحول، بدأ من جذور ضاربة في التاريخ الفرعوني، مروراً بتهجير أبناء النوبة، وصولاً إلى المشهد الحالي الذي جعل من القرية متحفاً طبيعياً مفتوحاً، يحيا فيه التراث، ويتنفس يومياً مع سكانها وزائريها.

هذه القرية التي يصفها أهلها بـ«بلدي الحبوب»؛ من فرط حبهم واعتزازهم بها، لا تعد مجرد محطة في جولة السائح داخل أسوان، إنما باتت تشكل الوجهة ذاتها، بما تملكه من طاقة بصرية، وبما تحتضنه من ذاكرة إنسانية وثقافية تمتد إلى العصور الفرعونية؛ حين كانت المنطقة مركزاً للتعبد والطقوس اليومية للملوك.

تجربة سياحية مختلفة (غرب سهيل الفيسبوك)

ويرتبط اسمها تاريخياً بجزيرة «سهيل» المجاورة، وهي الجزيرة التي اكتسبت قداسة كبيرة في الدولة القديمة لصلتها بالإله خنوم وزوجته الإلهة ساتت.

ولذلك حين تزورها حتماً ستشعر بقدسية المكان وأهميته الروحية، لا سيما حين تتأمل نقوش الملوك على الجرانيت الصلد، والتي تعد كتاباً مفتوحاً لفصول من التاريخ.

لكن على الرغم من كل هذا الزخم الحضاري والتاريخي، فإن للقرية وجهاً آخر معاصراً يجتذب شرائح أخرى من السياح؛ فبعد تعلية خزان أسوان في بدايات القرن العشرين، حين انتقلت أسر نوبية كثيرة إلى الضفة الغربية بحثاً عن أرض جديدة تستوعبهم، أعاد الأهالي بناء حياتهم، محافظين على ملامح العمارة النوبية القديمة بطراز «القبو»، وبألوان زاهية تتوزع على الجدران كأنها توقيع شخصي لكل بيت.

ويبدأ كل شيء عند الاقتراب من القرية عبر نهر النيل، وتستوقفك المراكب الشراعية التي تتمايل بخفة، قبل أن تكشف عن ضفة ملونة دافئة تحتضنك في حب، وهي عبارة عن بيوت بقباب دائرية وزخارف يدوية، وأطفال ببشرة داكنة يلوحون للقادمين بابتسامة لا تفارقهم.

بيت نوبي داخل القرية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

من قرية بسيطة إلى وجهة عالمية

لذلك حين تتوجه إليها فلن تجد نفسك في قلب قرية جميلة فقط، إنما ستكتشف إنك تخوض تجربة سياحية متكاملة، ومختلفة فهنا ستجد البيوت تستقبلك بترحاب، وتقدم لك الأكلات النوبية، وتعكس العادات اليومية.

وإذا تجولت في شوارعها ستدرك حينئذ أنك داخل مساحة مفتوحة للتراث النوبي بكل تفاصيله: الألوان، الموسيقى، الحرف، اللغة، والضيافة.

فالسائح هنا اختار مقصداً حياً للسياحة البيئية؛ وربما يرتبط ذلك بمجموعة المبادرات التي أطلقها الأهالي في المكان والتي تحولت بمرور الوقت إلى مشروع جماعي، أو رمز للسياحة البيئية يُعرف بأسلوبه الخاص، حتى أصبحت اليوم واحدة من أكثر المحطات طلباً لدى الشركات السياحية العالمية.

ربما يكون السر وراء ذلك هو أنك تدخل مكاناً لا يشبه أي مكان آخر؛ فالضيافة في غرب سهيل ليست خدمة بقدر ما هي أسلوب حياة؛ فهنا البيوت مفتوحة كأنها جزء من الشارع، والوجبات النوبية تقدم كما لو أن الزائر فرد من العائلة.

سحر النوبة وجمالها في المكان (فندق إندو ماندو )

الصورة التي تبهر الزائر

من أبرز ما يلتقي به الزائر داخل تلك البيوت التي تحولت العديد منها إلى «بيوت ضيافة» أو مكان سياحي للإقامة، هو المشغولات اليدوية التي تحمل روح النوبة، وتتنوع بين السلال، الحُلي، المشربيات، الرسوم الهندسية، والحرف التي ما زالت النساء يمارسنها منذ أجيال تعيش مع الجذور والفلكلور المصري الجنوبي.

ويمكن للسائح أن يستمتع بأنشطة متعددة يعيشها في المكان؛ حيث يمكنه أن يبدأ يومه برحلة نيلية على المراكب الشراعية، يتبعها ركوب الجِمال على الشريط الرملي، قبل الانتقال إلى جلسات داخل البيوت النوبية لتناول الطعام المحلي المكون من أطباق تقليدية مثل الفطير النوبي، الطواجن، السمك، أو العصائر التقليدية مثل «الكركديه» والدوم.

بينما تتحول الجلسات المسائية إلى مشاهد لا تنسى، بين الموسيقى النوبية التي تؤديها الفرق الشعبية الجنوبية، والرقصات الدائرية على صوت الدفوف، وإذا نظرت إلى أعلى ستبهرك سماء مضاءة بنجوم الجنوب التي تبدو أكثر قرباً من أي مكان آخر.

من اللافت في «غرب سهيل» وجود شباب القرية في كل مكان، وتوليهم مهمة تقديم الخدمات للسياح بشكل احترافي؛ حيث تحولت السياحة إلى مصدر رزق مستدام بالنسبة لهم.

غرف بألوان مبهجة و نقوش فالكلورية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

مكان الإقامة

أنصحك أن تترك حياة الرفاهية في الفنادق الكبرى في جنوب مصر، وتتوجه إلى بيوت الضيافة بغرب سهيل؛ التجربة هنا مختلفة وممتعة؛ فهي مجهزة على الطراز النوبي، بعضها بإطلالات رائعة مباشرة على النيل، وبعضها الآخر في شوارع جانبية لكنها تضم غرفاً رحبة وشرفات واسعة.

كما ستجد منشآت أكبر ذات طابع معماري مستوحى من الطين الملون والقباب، تقدم برامج إقامة كاملة، ومنها رحلات نيلية يومية، زيارات للمناطق الأثرية، جلسات موسيقية فلكلورية، ورش للتعرف على التراث النوبي.

وجهة قريبة من أهم المعالم

إلى جانب ما تقدمه القرية نفسها، تحيط بها مجموعة من أبرز مواقع أسوان التاريخية والطبيعية، وهو ما يعزز من قيمة زيارتها ويجعلها نقطة انطلاق مثالية لاكتشاف المدينة، ومن أبرز هذه الأماكن «معبد فيلة»، وهو واحد من أهم المعابد المصرية المكرسة لعبادة إيزيس، يحتضنه النيل على جزيرة ساحرة.

وبالقرب من القرية أيضاً، هناك «مقابر النبلاء» تلك المقابر الصخرية المحفورة في الجبل، والتي تكشف عن طبقات من التاريخ المصري القديم، ويقبع دير الأنبا سمعان على الجانب الغربي للنيل، وهو أيضاً دير أثري فريد.

ويمكن لمن يزور أسوان الاستمتاع «بجزيرة النباتات» إذا كان من عشاق المحميات الطبيعية؛ فهي تضم نباتات نادرة، يمكن الوصول إليها بالفلوكة، وتستطيع أيضاً الاستمتاع بزيارة «السد العالي»، فهو أحد أبرز إنجازات مصر الهندسية الحديثة، ومتحف النوبة لذي يعرض ذاكرة النوبة وهويتها.

إذا أردت اتباع نصائحي فإن الفلوكة هي الوسيلة الأفضل والأكثر متعة للوصول إلى القرية، ولا تنسى تخصيص يوم كامل للزيارة على الأقل؛ للاستمتاع بالرحلات النيلية، والتجول، وتناول الأطعمة النوبية.

وقم بشراء المنتجات اليدوية من البيوت؛ فهي ذات سعر أقل من المتاجر، كما أنك حين تفعل ذلك ستساهم مباشرة في دعم الأسر المحلية بالمكان.


بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
TT

بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)

تشتهر لندن بكونها إحدى أكثر العواصم العالمية ثراءً بالمؤسسات الثقافية والمتاحف؛ فمن المتاحف الوطنية الكبرى إلى المعارض الفنية الحديثة، تبدو المدينة وكأنها مكتبة مفتوحة للذاكرة الإنسانية. غير أن جانباً مميزاً من هذا الإرث الثقافي لا يظهر في القاعات الواسعة أو المباني الضخمة، بل في فضاءات أكثر حميمية وهدوءاً: بيوت المتاحف: هذه البيوت ليست مجرد مبانٍ تاريخية محفوظة، بل أماكن تعيد إحياء حياة أصحابها وتفاصيل يومهم العادي. ففيها تتقاطع العمارة بالتاريخ، والسيرة الشخصية بالتحولات الاجتماعية الكبرى. وعندما يدخل الزائر أحد هذه المنازل، فإنه لا يشاهد التاريخ فقط، بل يعيش داخله للحظات.

إن فكرة تحويل المنازل التاريخية إلى متاحف ليست جديدة، لكنها اكتسبت في لندن طابعاً خاصاً، حيث ترتبط هذه البيوت غالباً بشخصيات أثرت في الفكر أو الفن أو السياسة. ومن بين أبرز هذه الأمثلة متحف Sir John Soane’s Museum، وبيت Benjamin Franklin House، والتجربة الفنية المميزة في Dennis Severs’ House.

هذه البيوت الثلاثة، رغم اختلاف قصصها، تشترك في هدف واحد: تحويل التاريخ من مادة جامدة محفوظة في الكتب إلى تجربة إنسانية ملموسة.

منزل تاريخي يعود إلى عام 1630 (الشرق الأوسط)

عندما يصبح المنزل وثيقة تاريخية

تتميز بيوت المتاحف بأنها تحافظ على البنية الأصلية للمكان، وهو ما يمنح الزائر فرصة نادرة لفهم كيف كانت الحياة اليومية في فترات تاريخية مختلفة.

فبدلاً من عرض الأثاث أو الوثائق في قاعات معزولة، تبقى الأشياء في أماكنها الطبيعية: المكتب في غرفة الدراسة، والكتب على رفوف المكتبة، وأدوات الطعام على مائدة المطبخ.

هذا الترتيب يمنح الزائر إحساساً بأن الزمن توقف داخل تلك الجدران. وهو إحساس يصعب تحقيقه في المتاحف التقليدية التي تعتمد على العرض المنفصل للقطع الأثرية.

كما أن بيوت المتاحف تمثل أيضاً مصادر مهمة لدراسة التاريخ الاجتماعي؛ فهي تكشف تفاصيل الحياة اليومية التي غالباً ما تغيب عن السجلات الرسمية: طريقة ترتيب الغرف، وأنواع الأثاث المستخدمة، وحتى أسلوب الإضاءة والتدفئة. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة يمكن فهم الكثير عن الثقافة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في العصور الماضية.

غرفة نوم تعود إلى عام 1956 (الشرق الأوسط)

متحف السير جون سوان: عبقرية معمارية داخل منزل صغير

يعد متحف سير جون سوان واحداً من أكثر بيوت المتاحف إثارة للإعجاب في لندن. وكان هذا المنزل مقر إقامة المعماري البريطاني الشهير السير جون سوان الذي ترك بصمة واضحة في العمارة البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر.

وكان سوان شخصية استثنائية تجمع بين المعمار والباحث وجامع التحف. فقد أمضى سنوات طويلة في السفر وجمع القطع الأثرية واللوحات الفنية والمخطوطات من مختلف أنحاء أوروبا.

ومع مرور الوقت، امتلأت غرف منزله بهذه المقتنيات إلى حد جعل المكان أشبه بمتحف خاص. لكن سوان لم يكن مجرد جامع للقطع الفنية، بل كان مهتماً أيضاً بكيفية عرضها.

لذلك صمم المنزل بطريقة مبتكرة تعتمد على اللعب بالضوء والمساحات. فقد استخدم فتحات سقفية ومرايا تعكس الضوء الطبيعي إلى داخل الغرف، مما يمنح المكان إشراقاً غير متوقع.

كما صمم جدراناً متحركة يمكن فتحها لتكشف عن لوحات إضافية، الأمر الذي يجعل الزائر يشعر وكأنه يكتشف المتحف تدريجياً.

ومن بين الكنوز التي يضمها المتحف أعمال للفنان البريطاني الشهير ويليام هوغارث (William Hogarth)، إضافة إلى مجموعة واسعة من الآثار المصرية والرومانية.

اليوم، لا يُنظر إلى هذا المكان على أنه متحف فني فحسب، بل أيضاً كدرس حي في العمارة. فالبيت نفسه يُعد عملاً فنياً يوضح كيف يمكن للمساحة المحدودة أن تتحول إلى فضاء ثقافي غني.

منزل تاريخي تحول إلى متحف (الشرق الأوسط)

بيت بنجامين فرانكلين: التاريخ الأميركي يمر عبر لندن

في شارع هادئ بالقرب من ساحة الطرف الأغر تجد منزل بنجامين فرانكلين الذي عاش في هذا البيت بين عامي 1757 و1774، وهي فترة حاسمة سبقت اندلاع (الثورة الأميركية).

وخلال تلك السنوات، كان يعمل ممثلاً لعدة مستعمرات أميركية لدى الحكومة البريطانية، وكان يسعى إلى تسوية الخلافات المتصاعدة بين المستعمرات وبريطانيا.

لكن جهوده الدبلوماسية لم تنجح في منع الأزمة التي انتهت بقيام الثورة الأميركية. ومع ذلك، لعبت تجربته في لندن دوراً مهماً في تشكيل أفكاره السياسية.

لم يكن فرانكلين سياسياً فقط، بل كان أيضاً عالماً بارزاً في مجال الكهرباء. واشتهر بتجاربه حول البرق التي قادته إلى تطوير فكرة مانعة الصواعق.

كما كان شخصية فكرية بارزة في حركة Age of Enlightenment التي دعت إلى استخدام العقل والعلم في فهم العالم.

اليوم، يقدم المنزل للزوار فرصة لفهم هذه المرحلة المهمة من حياة فرانكلين. فالغرف التي عاش فيها، والمكتب الذي كتب عليه رسائله، تعطي صورة واضحة عن الحياة الفكرية والسياسية في القرن الثامن عشر.

إن زيارة هذا البيت تذكرنا بأن الأفكار التي غيرت العالم قد تنشأ أحياناً في أماكن بسيطة، داخل منزل هادئ في مدينة بعيدة عن موطن صاحبها.

منزل دينيس سيفرز: المتحف بوصفه تجربة فنية

في شرق لندن يقع أحد أكثر بيوت المتاحف غرابة وإبداعاً منزل دينيس سيفرز: (Dennis Severs’ House) إنشاء هذا المكان الفنان سيفرز الذي عاش فيه لعقود قبل وفاته عام 1999.

لم يكن مؤرخاً تقليدياً، بل كان فناناً يسعى إلى خلق تجربة حسية كاملة. لذلك صمم المنزل بحيث يبدو كأنه منزل عائلة حقيقية عاشت فيه عبر قرون.

وكل غرفة تمثل فترة زمنية مختلفة، وتحكي جزءاً من قصة خيالية لعائلة من نسّاجي الحرير الذين استقروا في لندن في القرن الثامن عشر. وما يجعل التجربة فريدة هو أن الزائر لا يجد شروحات مكتوبة تقريباً. بدلاً من ذلك يعتمد المتحف على الإضاءة والروائح والأصوات لإعادة خلق أجواء الماضي.

فقد يرى الزائر شموعاً مضاءة، أو مائدة طعام لم تُرفع بعد، أو أدوات عمل تركها أصحابها للحظة. وهذه التفاصيل الصغيرة تجعل المكان يبدو وكأن سكانه سيعودون في أي لحظة. وهكذا يتحول المتحف إلى تجربة فنية تجمع بين التاريخ والمسرح والخيال.


«قصر ليدز»... «مهر الملكات» الرائع في ريف إنجلترا

قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
TT

«قصر ليدز»... «مهر الملكات» الرائع في ريف إنجلترا

قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)

هل تخطط لزيارة الريف الإنجليزي في عطلة الصيف المقبل؟ إذا كنت ترغب فعلاً في ذلك، ولا تريد أن تبتعد كثيراً عن لندن، فـ«قصر ليدز» قد يكون ضالتك. «قصر الملكات»، كما يُطلق عليه، لا يبعد أكثر من ساعتين عن لندن، وهو يستحق بلا شك يوماً على الأقل يتم قضاؤه في استكشاف تاريخ القصر، وساكنيه، والاستمتاع بمحتوياته الملوكية، وحدائقه الرائعة، والبحيرات والأنهار المحيطة به. وفوق ذلك، لا بد من تجربة «المتاهة» الموجودة في أرجائه، التي «تحتجز» بحقّ من يدخلها وتتحداه أن يعرف طريقة الخروج من شبكة معابرها المعقدة... وكما أي شيء آخر يحصل في بريطانيا، سيكون اليوم أكثر متعة لو كان الطقس مشمساً.

إحدى تلال القصر

يقع «قصر ليدز» في مقاطعة كنت، شرق لندن، وليس كما يوحي الاسم في مدينة ليدز، شمال إنجلترا. القصر موغل في القدم، إذ يرِد ذكره للمرة الأولى في كتاب يوم الدينونة (Domesday Survey) عام 1086، الذي تم فيه إجراء مسح شامل لتسجيل سكان إنجلترا وممتلكاتهم، بأمر من الملك ويليام الفاتح، دوق النورماندي الذي غزا إنجلترا وتوّج ملكاً عليها إثر «معركة هيستينغز» عام 1066. في ذلك المسح، سُجّل القصر المقام على جزيرتين وسط نهر لين (River Len)، باسم أودو، مطران بايو، الأخ غير الشقيق لويليام الفاتح. لكن القصر انتُزع منه ومُنح لعائلة أخرى عقب وصول ملك جديد إلى سدة الحكم.

وعلى مدى سنوات طويلة، تم تطوير القصر وتوسيعه، وتعزيز دفاعاته، خصوصاً بعد تحويله إلى «قصر ملكي» بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. بين عامي 1278 و1290، سكنت القصر الملكة الإسبانية إيلانور القشتالية، زوجة الملك إدوارد الأول. ومن القصص الطريفة التي تُروى عن تلك الحقبة، أن حماماً بني في القصر خصيصاً للملك إدوارد، بعد وفاة زوجته إيلانور. السبب؟ أن الملك استمتع بتجربة الاستحمام خلال مشاركته في الحروب الصليبية في «الأراضي المقدسة»، فبني له حمّام في قصر ليدز لهذه الغاية خصيصاً.

الملكة كاثرين الأرغوانية ابنة إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة وفرديناند الثاني ملك أراغون

ولتعزيز علاقته بفرنسا، تزوج إدوارد الأميرة الفرنسية مارغريت (أخت الملك فيليب الرابع المعروف بـ«الملك العادل»). قدّم إدوارد القصر لمارغريت كمهر زواج، وبدأت منذ ذلك الوقت مسيرة اعتبار القصر جزءاً من مهر الملكة، وبقى في ملكيتها بعد وفاة زوجها.

لم تسر تلك المسيرة بلا شوائب. فبعد وفاة والدته، لم يسارع الملك إدوارد الثاني إلى منح القصر لزوجته الملكة، بل أهداه إلى أحد النبلاء، يدعى بادلسمير. ارتكب هذا الأخير خطأ لا يُغتفر. فقد رفض أن يأذن للملكة إيزابيلا بزيارة القصر عندما طلبت إذناً بذلك. فما كان من الملك إدوارد سوى أن حاصر القصر وسيطر عليه... وقطع رأس بادلسمير.

توالى على القصر ملوك وملكات، وتوالت الزيجات وخلافات التوريث. قصص طويلة، مشوقة، وحزينة، لمن يهتم بتاريخ إنجلترا وملوكها. من بين القصص التي تستحق التوقف عنها قصة الملكة جوانا النافارية (شمال إسبانيا) التي عوملت في البداية معاملة حسنة من الملك هنري الخامس، ابن زوجها، لكن العلاقة بينهما ساءت لاحقاً. وفي عام 1419، اتهمها بأنها تستخدم السحر لقتله. صادر عائداتها المالية، وأمر بسجنها، ثم وضعها في إقامة جبرية. قبل وفاته، لان قلب الملك كما يبدو، فأعادها إلى القصر ومنحها حريتها. معاناة جوانا، يوماً بعد يوم، مروية في كتاب ضمن أرشيف القصر.

استمر القصر ملكياً على مدى قرون... إلى أن تم نقله إلى الملكية الخاصة في القرن السابع عشر مع نهاية حقبة أسرة تيودور. في عام 1665، استخدم القصر لإيواء أسرى الحرب مع هولندا، قبل تغيير ملكيته مجدداً إلى أسرة اللورد فيرفاكس، مع استمرار زيارات الأسرة الملكية الإنجليزية للقصر وقضاء وقت فيه.

الليدي بايلي مع ابنتيها

في القرن العشرين (عام 1925)، انتقلت ملكية القصر إلى السيدة أوليف بيجيت، الثرية الإنجليزية – الأميركية، التي كانت تفتش عن مكان ريفي تستريح فيه بمقاطعة كنت. أشرفت أوليف، التي صارت تُعرف بـ«الليدي بايلي» بعد زواجها للمرة الثالثة، على تحسينات واسعة في القصر، الذي تحوّل خلال الحرب العالمية الثانية إلى مركز إيواء تتم فيها معالجة الجنود الذين تم إجلاؤهم من دنكيرك خلال الزحف النازي في غرب أوروبا. بعد وفاة الليدي بايلي عام 1974، انتقلت ملكية القصر إلى «مؤسسة قصر ليدز» التي حوّلته إلى مركز سياحي يزوره أكثر من 600 ألف زائر سنوياً.

بعد هذه الجولة على تاريخ القصر، هذه قائمة بأبرز الأشياء التي يمكن للزائر أن يراها أو يقوم بها خلال زيارته «قصر ليدز».

غرف القصر

يمكن للزائر أن يحصل على دليل مسموع يشرح له قصص القصر وساكنيه غرفة غرفة. هذه مكتبة، وتلك غرفة طعام وإلى جانبها غرفة نوم تحوي سريراً فاخراً. ستتعرف على مشاهير قضوا أوقاتاً في القصر، مثل تشارلي شابلن وإيرول فلين وإيان فليمنيغ وونستون تشرشل. ستطلع أيضاً على رسومات لملكات وملوك إنجلترا السابقين ممن أقاموا في القصر.

الملكة كاثرين خلال حفل زفافها من الملك هنري الخامس

ولعل ما سيلفت انتباه الزوار مدى اختلاف مقياس «الجمال» فنياً بين الماضي والحاضر. فالملكة كاثرين تبدو حقاً وكأنها في مأتم خلال حفل زفافها من الملك هنري الخامس الذي يبدو أيضاً عابساً في اللوحة تماماً كالقسيس الذي يعقد قرانهما وكبقية الحاضرين لحفل الزفاف. في المقابل، تبدو «الليدي بايلي» مع ابنتيها في لوحة مشرقة أمام حديقة القصر. في الواقع، هناك ما لا يقل عن 500 عام بين معايير الجمال في لوحة كاثرين وهنري، وتلك التي تظهر فيها بايلي مع ابنتيها.

المتاهة

منظر من إحدى نوافذ القصر

لا بد لأي زائر أن يجرب «المتاهة» (Maze) في حديقة القصر. في الحقيقة، سيكون الزائر محظوظاً إذا وجد طريقه للخروج من هذه الشبكة المعقدة من المعابر التي يشبه بعضها بعضاً، فيجد من يدخل المتاهة نفسه محتجزاً في سجن يركض فيه من ممر إلى آخر ليعود إلى نفس النقطة التي انطلق منها، فيعاود الكرة مراراً ليجد نفسه مجدداً في المكان ذاته. في أي حال، لا بد أن يجد الزائر طريقة ما للخروج، ربما من خلال تتبع خطوات زوار آخرين نجحوا في الوصول إلى نقطة النهاية. إذا كنت تخشى أن «تضيع» ولا تعرف كيف تخرج من «المتاهة»، فالنصيحة ألا تدخلها... لكنها تبقى تجربة ممتعة بلا شك، سواء أكنت وحدك أم في تحدٍّ مع أفراد أسرتك حول من يعرف طريقة الخروج أولاً.

في أسفل «المتاهة» نفق تحت الأرض يحوي تماثيل لكائنات بحرية مصنوعة يدوياً، مع إنارة مميزة، لمن يرغب في مثل هذه التجربة.

الطيور

الطيور جزء أساسي من أي زيارة للقصر

في الساعة الثانية بعد الظهر، يمكن للزوار أن يحضروا عرضاً للطيور التي تعيش في أرجاء القصر والحدائق الشاسعة المحيطة به. ستتعرف على النسر «موزارت» والصقر «بروك» والبومة «كوكو» والبومة «نوريس» والصقر «سارابي». يتولى مختصون بالطيور تنظيم عرض لهذه الطيور التي تقوم بما يُطلب منها، أحياناً ترفض القيام بما هو متوقع منها، فتسبب حرجاً لمدربها وضحكات من المتفرجين على المأزق الذي يجد نفسه فيها بعدما تباهى بأنها تستمع لأوامره.

على أي حال، إذا استمع الطائر لما يُطلب منه، فستجده يتناول طعامه من خلال القيام بحركات لا يتوقع أن يقوم بها طائر من الطيور الكاسرة للوصول إلى المكان المخفي فيه الطعام. في الحقيقة، ستكتشف أن الطيور الكاسرة، مع تدريب كافٍ، يمكن أن تصير أليفة نوعاً ما. وهي، كما يؤكد المشرفون على العرض، حرة في البقاء في أرجاء القصر أو الرحيل. ليست أسيرة أقفاص. فهي تطير ثم تعود... لا شك أنها تعرف قيمة الإقامة في قصر!