معانقة الحداثة والحنين إلى الستينات والسبعينات تولد اتجاهات مثيرة

لوي فويتون وهيرميس وميوميو وفالنتينو

ميوميو
ميوميو
TT

معانقة الحداثة والحنين إلى الستينات والسبعينات تولد اتجاهات مثيرة

ميوميو
ميوميو

كان العرض الذي يترقبه الجميع بفارغ الصبر، ولم يخيب الآمال. فنيكولا غيسكيير يتمتع بسمعة عالية منذ أن دخل دار «بالنسياغا» ونفض عنها غبار الزمن مستقطبا لها زبونات عصريات جديدات بفضل أسلوبه الجريء. خروجه منها منذ أكثر من عام ونصف العام جعل الكل يفتقده ويتمنى عودته. أما الدار التي ينتمي إليه حاليا «لوي فويتون»، فهي واحدة من أهم بيوت الأزياء العالمية، وربما تكون الوحيدة التي يفهم لغتها أغلب الناس، وتوفر لكل من يدخلها إمكانات عالية، أقلها خامات في غاية الترف والتنوع. في اليوم الأخير من أسبوع باريس، بل ومن دورة الموضة العالمية لخريف 2014 وشتاء 2015. حتى طقس باريس تحسن مزاجه وابتسم. فبعد أيام من طقس متقلب وممطر، أشرقت الشمس كأنها تريد أن تستقبل المصمم بحرارة. لم يتغير مكان العرض في «كور دي كاريه» بالقرب من متحف اللوفر، فهو نفس المكان الذي كان يقدم فيه مارك جايكوبس عروضه للدار من قبل، لكن كل شيء آخر تغير. فقد تأخر انطلاق العرض بنحو 15 دقيقة، وهو الأمر الذي لم يكن مطروحا في عهد مارك جايكوبس، الذي بدأ منذ سنوات تقليدا مثيرا للجدل في باريس، يحرص فيه على أن ينطلق العرض في الوقت المذكور في بطاقة الدعوة بالدقيقة والثانية. كما غاب الإخراج المسرحي بكل ما فيه من دراما، وعوض محطة قطار، أو فندق ضخم، أو سلالم متحركة منصوبة وسط المنصة، كانت هناك منصة عادية تمشي فيها العارضات بين صفوف الحضور، في رسالة واضحة بأن التركيز هنا على ما هو أهم من الإخراج المسرحي: الأزياء. ونجح في ذلك، بدليل أن التشكيلة كانت قوية في كل جزئياتها وفي لغتها التي تخاطب كل الأسواق. تلعب على كل المتناقضات بتناغم عجيب يجعلك تريدين كل قطعة فيها. فهي كلاسيكية وعصرية في الوقت ذاته، مع لمسة حنين خفيفة إلى الماضي، سواء تعلق الأمر بخاماتها أو بخطوطها الرشيقة والأنثوية. كل شيء فيها تجاري يمكن تسويقه بسهولة لأي امرأة، بغض النظر عن الجغرافيا أو الأسلوب، بدءا من البنطلونات ذات الخصور العالية، أو التنورات المستقيمة التي تصل إلى الركبة أو الكنزات ذات التصاميم المتنوعة إلى الفساتين التي جاء بعضها من الجلد وبعضها الآخر بتفاصيل من التويد أو طبعات ورود صغيرة. ولا يمكن أن ننسى المعاطف التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة ومكررة، خصوصا أن درجات الألوان فيها أيضا جاءت كلاسيكية تتباين بين الأخضر والبرتقالي والأحمر والأزرق والأبيض المائل إلى الكريم، لكنها تخلف تأثيرا قويا يصعب نسيانه. فقد قدم فيها المصمم درسا في التصميم الهندسي، بخطوطها المستقيمة والواضحة، سواء في الأكتاف أو الياقات، بل وحتى في بعض حقائب اليد، خصوصا تلك التي تتميز بخطوط متقاطعة، أو حقيبة الدار الأيقونية «سبيدي» التي ظهرت هنا بعدة ألوان وطبعات جديدة وأحجام.
قبل بدء العرض، ترك المصمم على كرسي كل ضيف، مذكرة مطبوعة وقعها باسمه الأول، جاء فيها: «اليوم.. يوم جديد.. يوم مهم.. تخونني الكلمات للتعبير عما أشعر به في هذه اللحظة من سعادة عارمة». سعادة لا بد أنها نابعة من ارتياحه بدخول دار بأهمية «لوي فويتون» بعد تجربته في «بالنسياغا»، التي اشتهر فيها باحتفاله بالجمال الوحشي الصارخ والجرأة، الأمر الذي اختفى هنا، كأنه لا يزال يجس نبض الدار وزبوناتها قبل أن يمسك بزمام الأمور ويقودها نحو اتجاه جديد. أي يفضل أن يمشي نحو التغيير بخطوات واثقة وبطيئة عوض أن يجري أو يقفز من دون أن يعرف ما ينتظره. ورغم أنه عبر عن احترامه للإرث الذي خلفه مارك جايكوبس، بحكم أنه أول من بدأ خط الأزياء الجاهزة في الدار، إلا أن احترامه الأول هو لإرث الدار الفرنسية العريقة بجلودها وحقائب يدها الأيقونية. وهذا ما ظهر في قطع ديناميكية وحقائب يد ستساعد على زيادة في المبيعات، وستثلج صدور المسؤولين، وعلى رأسهم السيد برنار أرنو، الرئيس التنفيذي والمالك للدار الذي جلس في الصف الأمامي مع الأمير شارلين أوف موناكو. وبدا من ابتسامة الرضا المرسومة على محياه طوال العرض أنه حصل على مصمم فهم المطلوب بدليل أنه قدم تشكيلة لم تحتج إلى إخراج مسرحي والكثير من البهارات الدرامية لكي تروق للعين وتبيع عندما ستصل إلى المحلات في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل.
بيد أن ما لا يختلف عليه اثنان أن الإكسسوارات، إلى حد الآن، هي الدجاجة التي تبيض ذهبا لـ«لوي فويتون»، فبينما تشكل الأزياء خمسة في المائة فقط من مبيعات الدار، فإن المنتجات الجلدية تشكل 90 في المائة من المبيعات والأرباح. والتحدي الآن أمام نيكولا غيسكيير هو زيادة الرغبة في الأزياء من دون أي تأثير على جانب الإكسسوارات. أمر لم يستطع مارك جايكوبس تغييره، رغم كل محاولاته، ومن المؤكد أن غيسكيير سينجح فيه، خصوصا أن قوته تكمن في الأزياء أولا وأخيرا، كما قدم حقائب يد ناجحة، نذكر منها حقيبة «لاريات» على سبيل المثال. وهذا ما تتمنى «لوي فويتون» أن يحققه لها: تلك المعادلة الصعبة بين الإكسسوارات والأزياء.

* هيرميس : للترف لغة عالمية واحدة

* رغم أنه بدايتهما واحدة، من حيث إنها تعتمد على الجلود والإكسسوارات، فإن الاختلاف بينهما مثل السماء والأرض. فبينما «لوي فويتون» تتكلم بكل اللغات وتخاطب كل الأساليب، لا تتقن «هيرميس» سوى لغة واحدة، ألا وهي لغة الترف والرقي، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن سعر تنورة من الجلد تحمل اسمها قد توازي سعر سيارة أو شقة في بعض البلدان. ورغم أن فن الرحلات يتجذر في تاريخها ويجري في دمها، الأمر الذي يعطي الانطباع بأنها لا بد أن تتنازل لكي تتكلم لغة سهلة تفهمها هذه الثقافات البعيدة، فإنها برهنت عبر السنوات، أنها ترفض تغيير جلدها، وتعد الرقي لغة عالمية واحدة. وهذا ما أكده مصممها كريستوف لومير، يوم الأربعاء الماضي، حين قدم تشكيلة كانت مسك ختام أسبوع حافل بالتغييرات والتنقلات والتشكيلات التي تتودد للأسواق العالمية على أمل أن تبيع وتحقق الربح. أقيم العرض في مقر خاص بتداول البورصة قديما، ما إن تدخله حتى تفاجئك إضاءة خافتة وستائر من المخمل بلون الزيتون الغامق، تنسدل من السقف إلى الأرض كأنها تحضرنا لما سيأتي من ألوان وغموض.
ثم بدأ العرض، وتأكد للحضور أن المرأة التي تصورتها الدار لموسمي الخريف والشتاء المقبلين، لا تريد أزياء عادية يمكن أن تجد مثلها في أي دار أزياء أخرى، بل تفضل التفرد مهما كان الثمن. فهي امرأة ساحرة تميل إلى الاختلاف والاستقلال وتريد استكشاف العالم ومعانقته بالأحضان لكن بشروطها. وربما هذا ما يفسر الألوان والنقشات الغنية التي طبعت بعض القطع، وتستحضر صور سجاجيد إيرانية أو أجواء منغوليا، لا سيما في بعض المعاطف الصوفية الواسعة. لكن هذا لا يعني أن التشكيلة كانت إثنية، بل العكس كانت تضج بمدنية عصرية تمزج الأناقة بالراحة من خلال الأحجام تحديدا والكثير من القطع المستوحاة من خزانة الرجل، وتجسدت في تايور أسود، كان ترجمة حرفية عن بدلة رجالية، إضافة إلى البنطلونات الواسعة والجاكيتات المنسدلة. وغني عن القول إن المصمم كان سخيا في استعمال الجلود في تصاميم مبتكرة.
الألوان كانت بدرجات داكنة وهادئة في الوقت ذاته تتباين بين البيج والرمادي والأخضر الزيتوني، تذكرنا في كل إطلالة بأننا في دار فرنسية تؤمن بأن الطبق يجب أن يطهى على نار هادئة للحصول على نكهة مميزة لا يعلى عليها. وهي وصفة أثبتت نجاحها، لا سيما أنها تؤمن بأن الاستثمار بعيد المدى يجب أن يشمل العاملين فيها. فعلى العكس من باقي بيوت الأزياء التي تملكها المجموعات الكبيرة، وتتطلب نجاحات آنية سريعة، الأمر الذي يضع مصمميها تحت ضغط غير إنساني، قد يؤدي ببعضهم لانهيارات عصبية، فإن «هيرميس» تؤمن بأن النجاح لا يأتي فجأة، بل يجب أن يتطور بالتدريج وبثقة. كريستوفر لومير، مثلا، ومنذ أن التحق بها، وهو يخطو فيها خطوات بطيئة لكن واثقة، زادت قوتها في هذه التشكيلة التي اكتملت فيها صورة امرأة «هيرميس» الراقية والمتميزة، التي لا تريد أن تكون عادية.

* ميوميو.. تزيد شقاوة وحداثة

* عرض «ميوميو» ينجح دائما في جذب نجوم مختلفين عمن نراهم في باقي العروض. إلى جانب المغنية ريهانا، التي أصبحت خبرا ووجها قديما بعد حضورها كل عروض باريس تقريبا، كانت هناك لوبيتا نيونغو، التي تسلمت جائزة الأوسكار لأحسن ممثلة مساندة عن دورها في فيلم «12 سنة في العبودية» بفستان سماوي طويل من مجموعة برادا. كما كان هناك فائز آخر بجائزة الأوسكار هو غاريد ليتو. لكن عندما يتعلق الأمر بميوتشا برادا، فإن عروضها ليست عن الضيوف مهما كانت أهميتهم، بقدر ما هي عن الأزياء والتوجهات التي تقترحها علينا. فالمؤكد أننا نخرج دائما من عروضها باتجاه جديد سيؤثر في الموضة وعلى أذواقنا، وهو ما لم يختلف هذه المرة. ما إن تلج «باليه دايينا»، حيث يقام العرض منذ عدة مواسم، حتى تزكمك رائحة البلاستيك. رائحة كانت تنبعث من كل مكان، لأنه كان يغطي كل الجدران، وزادت قوتها مع بدء العرض. فقد كان البلاستيك أيضا حاضرا في معظم القطع، من المعاطف الواقية من المطر والأحذية عالية الرقبة إلى فساتين زينت أجزاء كبيرة منها بهذه المادة.
لكن لحسن الحظ، لم تكن الخامة الوحيدة في هذه التشكيلة، فقد كانت هناك قطع كثيرة من الصوف طبعتها نقشات فينتاج تستحضر حقبة السبعينات بألوانها وخطوطها، بينما كان طول معظم التنورات والفساتين القصيرة يلتفت إلى الستينات ويذكرنا بأننا في عرض ابنة ميوتشا برادا، الشابة الشقية، التي تعانق تغيرات العصر وتتحدى القوالب المتكررة. لم تكن هناك أي تطريزات أو كشاكش أو تصاميم رومانسية، في المقابل، كانت هناك خطوط بسيطة وواضحة، وحداثة تستمد روحها من الأسلوب «السبور» حتى في القطع الصوفية التي طبعتها لمسة «الفينتاج». أما باقي القطع المزينة بالبلاستيك، بما فيها الإكسسوارات، فذكرتنا بأن ميوتشا برادا هي المصممة التي حولت العادي إلى مغر وجذاب عندما سوقت لنا منذ عقود حقيبة سوداء مصنوعة من النايلون، أشعلت الرغبة في نفوس كل نساء العالم. اقتراحاتها لخريف 2014 وشتاء 2014 ما هي إلا امتداد لهذه الفلسفة التي تلعب فيها على الشقاوة والمرح وتمزج فيها العادي جدا بغير المتوقع لتجعلنا نفكر ونحلل ونؤول. والأهم من هذا، تجعلنا نرغب في شيء لم نكن نتخيل يوما أن يروق لنا أو يدخل خزاناتنا، مثل البلاستيك. لكننا معذورون لأن كل قطعة منفصلة لم تكن عملية فحسب، بل أيضا أنيقة تعكس روح العصر وحيوية تعكسها الألوان الصارخة وأحيانا خامات أخرى، مثل البروكار أو الصوف، امتزجت مع البلاستيك لتكتسب صبغة ديناميكية حتى في أقصى بساطتها.
تعبق بالأناقة والرومانسية حتى في تكسيرها التابوهات

* التشكيلة التي أبكت فالنتينو

* عندما انتهى عرض فالنيتنو وخرج الثنائي ماريا غراتزيا تشيوري وبييرباولو بيكيولي لإلقاء تحية على الحضور، اقتربا من المؤسس فالنتينو غارافاني، الذي كان جالسا في الصف الأمامي ليقبلاه. لم يستطع هذا الأخير أن يكبح مشاعره فبكى من التأثر. فقد كانت التشكيلة في غاية الأناقة والرومانسية تجعل كل من يتابعها كمن يعيش حلما جميلا. لكن أن تتساقط دموع المؤسس تأثرا بهذا الجمال، فهذا وسام للثنائي بأنهما نجحا في التقاط روح الدار والأسس التي أرساها صاحبها قبل أن يتقاعد ويسلم مقاليدها لغيره. في موسم الهوت كوتير الماضي، عاد الثنائي إلى أصول الدار الرومانية باللعب على مفاهيم الأوبرا الإيطالية، أما في هذه التشكيلة فقد اختارا فن البوب الإيطالي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي موضوعا لها، ربما لأنها أزياء جاهزة وتحتاج إلى مخاطبة شرائح أكبر. وقال الثنائي بعد العرض إنهما استوحياها من فنانات إيطاليات متمردات لا يعترفن بالمألوف، لكنهن كن مبدعات بكل ما تحمله الكلمة من معان، مثل جيوزيتا فيورونو، وكارول راما وكارلا أكاردي، مما شجعهما على تكسير بعض التابوهات أيضا وخض المتعارف عليه، مثل فستان طويل يتمتع بكل رومانسية «فالنتينو» المعهودة، لولا تفاصيل تعطي الانطباع بأن الصدر مكشوف بينما يغطي قلب مرسوم بالأحمر الجهة اليسارية منه. كانت الرومانسية المعهودة هنا، مشوبة بجرأة جديدة، ربما لأنهما ركزا على الستينات، الفترة التي شهدت ثورات اجتماعية مهمة، تحررت فيها المرأة من الكثير من القيود وبدأت تذوق طعم الاستقلال بدخولها مجالات العمل وغيرها. باستثناء هذا، كانت بصمات «فالنتينو» حاضرة في كل قطعة، بدءا من فساتين التول المطرزة أو الكابات المصنوعة من الدانتيل أو الجلد إلى المعاطف الطويلة المصنوعة من قطع من الجلد بألوان متنوعة بطريقة الباتشوورك، وهي تقنية ظهرت أيضا في بعض الإكسسوارات، مثل حذاء عال الرقبة، بل وحتى اللون الأحمر لم يغب، ليؤكد الثنائي الثنائي ماريا غراتزيا تشيوري وبييرباولو بيكيولي أنهما فعلا خير خلف لخير سلف.



كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.

نسيج ملكي جديد

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

نسيج من حرير التوت والميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.


هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
TT

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة وقدمت إكسسوارات حصرية، ونظمت فعاليات إفطار وسحور وعروضاً ترويجية. فهذا الشهر يشهد ذروة الإنفاق الاستهلاكي في المنطقة، يُعوِضهم عن تباطؤ الطلب في أسواق رئيسة، مثل الولايات المتحدة، والصين.

عبايات وقفاطين كانت الموضوع الغالب في المجموعات الرمضانية (سافانا)

مؤسسة «مورنينغ ستار»، وهي من كبرى مجموعات السلع الفاخرة تقول إنها تستمد ما بين 5 و9 في المائة من إيراداتها العالمية من الشرق الأوسط. ورغم أن هذه الحصة أقل من مساهمة أوروبا، والولايات المتحدة، أو الصين، فإن المنطقة كانت خلال العام الماضي من النقاط المضيئة القليلة لصناع الموضة. لكن شتان بين الأمس واليوم.

في تلك الفترة، كانت الصورة مستقرة، وواعدة. فمراكز التسوق تضج بالمتسوقين، والحجوزات السياحية لا تتوقف. لم يكن يخطر على البال تغير المشهد بهذه السرعة المخيفة الناتجة عن تصاعد النزاع العسكري في المنطقة.

بيوت أزياء عالمية تسابقت لطرح فساتين طويلة تناسب شهر رمضان الفضيل وعيد الفطر (ألكسندر ماكوين)

تصاعد النزاع وتأثيراته

بين ليلة وضحاها تحوَلت الأولويات من إطلاق مجموعات جديدة إلى تقييم المخاطر، ومن التخطيط للفعاليات إلى إغلاق المتاجر، أو تشغيلها بطواقم محدودة، ومن التركيز على الإيرادات إلى احتواء الخسائر، وإدارة حالة عدم اليقين. حالة من الذهول والقلق تسودهم، وهم يتابعون من ميلانو وباريس، وغيرهما من عواصم الموضة العالمية، صوراً غير مطمئنة، إما لفندق خمس نجوم يحترق، أو طائرات مسيرة تُلهب السماء، وتزرع الخوف في الأرض، إضافة إلى دعوات موجهة للمواطنين الأجانب لمغادرة المنطقة.

كل هذه الإشارات تزيد من مخاوفهم، لأنهم يعرفون أن أي صدمة جيوسياسية مطولة ستؤثر سلبًا على الحالة النفسية التي تُحرك الاستهلاك، والمبيعات. والخوف أيضاً من احتمال امتداد التداعيات إلى باقي أنحاء العالم، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يزيد من توقعات التضخم، ومن ثم العزوف عن الشراء.

من التصاميم التي تم طرحها منذ أسابيع قليلة قبل اندلاع الحرب (سافانا)

ورغم أن الأرقام تشير إلى أن الشرق الأوسط لا يشكِل سوى 10 في المائة من مبيعات السلع الفاخرة العالمية، فإنه خلال العامين الماضيين كان الأمل الذي اعتمدوا عليه لتعويض تباطؤ النمو في الولايات المتحدة، والصين، حيث وصفت شركة الأبحاث «باين أند كومباني» المنطقة بأنها الأفضل أداء في قطع السلع الفاخرة خلال العام الماضي مقارنة بغيرها من الأسواق.

هذا الانتعاش جعلهم يتوسعون في مدن مثل دبي، وأبوظبي، والرياض، والدوحة، جعلوها مراكز شبه رئيسة. ولم لا، والمنطقة كانت حتى الأمس القريب بالنسبة لهم نموذجاً يُحتذى به للاستقرار السياسي تجذب المقيمين الأجانب، والسياح من ذوي الإمكانيات العالية.

بحسب محللين يعتمد قطاع السلع الفاخرة بدرجة كبيرة على ثقة المستهلك وتفاؤله بشأن المستقبل (إ.ب.أ)

التحديات الاقتصادية

منذ بدء التصعيد تزعزعت الأسواق، وتراجعت أسهم شركات كبرى، منها مجموعات ضخمة، مثل «إل في إم إتش» و«كيرينيغ» و«ريشمون». وإذا استمر الوضع على ما هو عليه من شلل، فإن مئات الملايين من الدولارات قد تكون عرضة للخطر. مجموعة «شلهوب» التي تدير نحو 900 متجر لعلامات من بينها «فرساتشي» و«جيمي شو» و«سيفورا» وغيرها، سارعت إلى إغلاق متاجرها في البحرين، بينما أبقت أسواقاً أخرى مثل الإمارات، والسعودية، والأردن مفتوحة بعدد محدود من الموظفين المتطوعين. بدورها أغلقت «كيرينغ» متاجرها مؤقتاً في الإمارات، والكويت، وقطر، والبحرين، إضافة إلى تعليق السفر إلى المنطقة. كما أظهرت بيانات أن متاجر «أبل» في دبي أُغلقت وكذلك محلات «إتش أند إم» في البحرين حتى إشعار آخر. من جهتها أعلنت «بريمارك» أنها تتابع الوضع بقلق في وقت كانت تستعد فيه لافتتاح أول متجر لها في دبي ضمن خطة توسع تشمل البحرين وقطر لاحقاً.

إغلاق الأجواء الجوية له تأثير مباشر على الموضة من ناحية المبيعات واللوجيستيات (رويترز)

بين المخاطر والفرص

ورغم أن بعض العلامات قد تراهن على القنوات الرقمية لتعويض جزء من تراجع الإقبال على المتاجر، كما كان عليه الأمر في زمن جائحة كورونا، فإن الأمر أكثر تعقيداً الآن بسبب اضطراب حركة الشحن الجوي، وارتفاع تكاليف التأمين، وإطالة أمد إجراءات التخليص، أو التوصيل في حال انفتاح الأجواء الجوية. كل هذه العوامل لها تأثير سلبي على سرعة التسليم التي تعد عنصراً أساسياً في تجربة التسوق. كما لا ننسى أن أي قيود أمنية، أو لوجيستية داخل المدن قد تُعقِد عمليات التوزيع المحلية.

ومع ذلك إذا نظرنا إلى هذا المشهد المليء بالتحديات وكأنه فنجان نصف ممتلئ، فإننا يمكن أن نأمل أن يتحول إلى فرصة ذهبية للمصممين المحليين، والعلامات الأصغر في الشرق الأوسط. فحين تتوقف أو تقل فعاليات المتاجر العالمية الكبرى، ويصبح الوصول إلى منتجاتها محدوداً أو باهظ الثمن بسبب صعوبة اللوجيستيات، يبرز أمام المستهلك المحلي على أنه خيار جديد يتمثل في دعم المصممين من أبناء البلد. لكن على شرط أن يقدموا لهم منتجات في متناول اليد، وبتصاميم تلائم الذوق الخليجي، وبالتالي كل ما قد يحتاجونه لحجز مساحة في سوق مزدحمة بالمنتجات هو بعض المرونة، والابتكار لكسب الثقة.


أناقة شتاء 2026... أزياء دافئة وطبقات متعددة

التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)
التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)
TT

أناقة شتاء 2026... أزياء دافئة وطبقات متعددة

التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)
التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)

عندما تنخفض درجات الحرارة وتتلون السماء بالرمادي، تتغير الأولويات. لكن رحلة البحث عن الدفء لا تعني التنازل عن الأناقة بأي شكل من الأشكال. بل على العكس، يُفضِل العديد من خبراء الأزياء والمصممون أزياء الشتاء على أزياء الصيف لما تتيحه من تنوع في الأقمشة يفتح المجال لابتكار أوسع. ولا يقل المستهلك ابتكاراً عن المصمم، إذ يمتلك بدوره حرية تنسيق هذه التصاميم وفق ذوقه الخاص ليصنع أسلوبه الخاص.

في عروض الأزياء الموجهة للخريف والشتاء، يُتحفنا المصممون دائماً بتصاميم، إما هندسية أو مفصلة على الجسم، لكن تكون دائماً ازدواجية الخفة والسماكة هي القاسم المشترك بينها، معتمدين على أقمشة لا تتقيد بموسم. فالحرير والموسلين يأخذان نفس أهمية الصوف والكشمير، هذا عدا عن تنوع الإكسسوارات بين القبعات الواقية من البرد أو المطر والثلج، وبين القفازات والإيشاربات والجوارب والنظارات وغيرها.

القبعة تعدت الوقاية من البرد والرطوبة لتصبح إكسسواراً قائماً بذاته في عرض «فندي» (فندي)

كل هذا من دون خوف على رشاقة الجسم من سُمك هذه الأقمشة. شركة «يونيكلو» اليابانية مثلاً توفر ملابس داخلية وسترات بتقنيات متطورة منعشة، وفي الوقت ذاته تبثّ الدفء حتى في أعالي الجبال لممارسي رياضات التزلج. بيوت أزياء أخرى، مثل «زيغنا» و«مونكلر» حتى «رالف لورين»، باتوا يراعون هذا العنصر ويفتنون فيه باللعب على أسلوب الطبقات المتعددة، مدركين أن ما تتطلبه سفوح وأعالي الجبال يختلف في التفاصيل فقط عما تتطلبه المدن والأيام العادية.

أسلوب الطبقات المتعددة من الأساليب التي ينصح بها الخبراء في هذا الموسم (رالف لورين)

ومن هنا، فإن أسلوب الطبقات المتعددة أكثر ما ينصح به خبراء الموضة لتحقيق المعادلة بين الأناقة والوقاية من قرص البرد. هذا الأسلوب لا يساعد على التنقل براحة بين درجات الحرارة المتغيرة حسب المكان، بل أيضاً يرقى بالإطلالة ويمنحها تميزاً حسب الطريقة المعتمدة. مثلاً يمكن ارتداء قميص من القطن أو الحرير تحت كنزة من الكشمير، وفوقهما سترة من الصوف يمكن التخلي عنها في الأماكن المغلقة. بالنسبة للمرأة يمكن أيضاً الاستفادة من فستان صيفي أو تنورة بتنسيقهما مع جوارب صوفية وكنزة مفتوحة أو معطف وهكذا.

الجوارب

الممثلة الإسبانية روزيو مونوز موراليس وإطلالة من دار «دولتشي أند غابانا» من الرأس إلى القدمين حيث نسّقت حذاءها مع جورب من الصوف بنفس اللون الأسود (دولتشي أند غابانا)

يقال إن الحفاظ على حرارة الجسم يبدأ من الأقدام، وهذا يعني اختيار جوارب بخامات جيدة للرجل والمرأة على حدّ سواء. يمكن القول إن حظ المرأة أكبر من حظ الرجل في هذا الجانب، بفضل التنوع المتاح. فالجوارب الشفافة استُبدلت حالياً بجوارب مبطنة بالصوف تعطي مظهر جوارب النايلون، لكنها توفر نسبة عالية من الدفء تتيح فرصة ارتداء فساتين وتنورات في عزّ البرد، وعندما تتطلب المناسبة مظهراً أنيقاً لكن عملياً.

الجوارب القصيرة التي تصل إلى الكاحل أو إلى نصف الساق، خضعت هي الأخرى لعمليات تجميل تجعلها تتعدى التدفئة لتكون إكسسوارات تمنح الإطلالة شخصية تجمع بين الجرأة والخصوصية. بعضها مطروح بألوان فاتحة وتطريزات بأحجار الكريستال، وبعضها من النايلون يمكن ارتداؤها على طريقة الممثلة الإسبانية روزيو مونوز موراليس، التي تألقت في إطلالة من دار «دولتشي أند غابانا» نسقت فيها حذاءً بتصميم كلاسيكي من الجلد مع جوارب من الصوف من نفس اللون.

الصوف... خامة الشتاء

الأقمشة الدافئة مثل المخمل والصوف والتويد كانت عنوان تشكيلة «رالف لورين» لموسم الشتاء (رالف لورين)

غني عن القول إن الصوف هو الخيار الأفضل عندما يتعلق الأمر بالملابس الخارجية. فأليافه الطبيعة تخلق جيوباً هوائية عازلة للحرارة مقارنة بباقي الأقمشة. لكن هذا لا يمنع من الحرص على اختيار نوعية جيدة من الصوف الطبيعي الخالص والابتعاد عن الاصطناعي أو الممزوج بخامات أخرى، مثل الأكليريك. أفضل الأنواع هو صوف الألباكا، عكس صوف الأغنام، نظراً لقدرته الطبيعية على سحب الرطوبة والحفاظ على الدفء. كما أنه لا يحتوي على اللانولين، وهي مادة شمعية موجودة في صوف الأغنام، قد تسبب حساسية لدى البعض. المأخذ الوحيد عليه أنه باهظ الثمن لندرته، الأمر الذي يجعل الكشمير الخيار الأمثل.

الأحذية المناسبة

تتوفر حالياً أحذية متنوعة لكل المناسبات بعضها مبطن بالفرو لتناسب أقاصي الجبال (جيورجيو أرماني)

كل أنواع الأحذية ذات الرقبة العالية مناسبة، لكن إذا كانت الأجواء ثلجية أو باردة للغاية، يمكن اعتماد الأحذية المبطنة بالفرو من الداخل، لأنها توفر عزلاً دافئاً وتحافظ على شكل خارجي أنيق. بالنسبة للأحذية العادية، يمكن أن تلعب نفس الدور في حال استعمالها مع جوارب صوفية. المهم أن الخيارات كثيرة لتغطي كل الأذواق، بدءاً من «السبور» التي تناسب النزهات في الهواء الطلق إلى الأكثر أناقة بكعوب عالية، تناسب المناسبات الرسمية.

النظارات الشتوية

لم تترك دار «رالف لورين» للبرد منفذاً في تشكيلتها الأخيرة لموسم الشتاء (رالف لورين)

لم تعد حكراً على الصيف، فزاوية الشمس المنخفضة في الشتاء تؤثر على العين وتؤثر عليها. بينما تغلب العدسات الداكنة في هذا الفصل، فإن الشركات وبيوت الأزياء العالمية باتت تتفنن فيها وتطرحها بأشكال وألوان شهية، مثل الأزرق السماوي والوردي حتى في أعلى الجبال. فيما يخص الأشكال، منها ذات الأحجام الكبيرة التي تغطي نصف الوجه، ومنها الصغيرة التي تخاطب شاباً يفضل تناسبها مع شكل الوجه أولاً، والعملية ثانية.

القفازات

القفازات أصبحت جزءاً من الأناقة وبالتالي لم تعد تكتفي بالصوف أو الجلد أو بلون واحد (أونوري)

أصبحت جزءاً من الأناقة حالياً وليس للتدفئة فقط، بالنظر إلى خاماتها وتطريزاتها. لكن بما أن الهواتف أصبحت جزءاً من حياتنا، فإن الاستثمار في قفازات مفتوحة عند الأصابع تبقى المفضلة لما تتيحه من سهولة لمس الشاشات واستعمال الهاتف من دون حاجة إلى خلعها.

الوشاح لا غنى عنه

الشال جزء مهم من الأناقة والوقاية (رالف لورين)

منذ بضعة مواسم والموضة تُروِّج للأوشحة ذات الأحجام الكبيرة، التي تبدو وكأنها بطانيات. رغم أنها تمنح الإطلالة مظهراً درامياً لافتاً، إلا أنها لا تناسب كل الأحجام، لهذا يجب مراعاة النسبة والتناسب عند اختيارها. في كل الأحوال، وبغضّ النظر عن أحجامها، يجب أن تكون بخامة طبيعية جيدة حتى ترتقي بالمظهر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن اختيار هذا الإكسسوار باللون أو النقشات المناسبة، يمكنه أن يضفي على إطلالة داكنة وعادية كثيراً من الإشراق والتألق.

المخمل المضلع والتويد

التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)

الأول معروف باسم curdroy وهو مثل التويد من الخامات التي تنتعش في فصل الشتاء لمساهمتهما في حبس حرارة الجسم. يمكن أن يُعوِّض بنطلون مصنوع من أي من الخامتين عن بنطلون الجينز. المخمل المضلع يأتي بلون واحد كلاسيكي في الغالب، مثل العنابي والأسود أو الرمادي الغامق، وبالتالي يخلق إطلالة أنيقة، ربما تميل إلى العملية والكلاسيكية بعض الشيء، لكن من السهل إخراجها من هذه الخانة بتنسيقها مع أقمشة أخرى ومع ألوان مشعة. التويد في المقابل أكثر تنوعاً، إذ يمكن أن تتداخل فيه الخيوط بألوان مختلفة، ما يُغنيه عن استعمال قطع أخرى لتخرجه من خانة القتامة. بيوت أزياء كثيرة تطرحه منذ سنوات مثل «شانيل» إلى حدّ أنها أصبحت ضليعة في غزله، ليأتي بنعومة الحرير، من دون أن يفقد دفأه. لكن في ظل الموضة الرجالية السائدة حالياً على الأزياء النسائية، فإن بيوتاً أخرى مثل «روالف لورين» وغيرها تتعمد الحفاظ على شخصيته الذكورية لإطلالات درامية.