معانقة الحداثة والحنين إلى الستينات والسبعينات تولد اتجاهات مثيرة

لوي فويتون وهيرميس وميوميو وفالنتينو

ميوميو
ميوميو
TT

معانقة الحداثة والحنين إلى الستينات والسبعينات تولد اتجاهات مثيرة

ميوميو
ميوميو

كان العرض الذي يترقبه الجميع بفارغ الصبر، ولم يخيب الآمال. فنيكولا غيسكيير يتمتع بسمعة عالية منذ أن دخل دار «بالنسياغا» ونفض عنها غبار الزمن مستقطبا لها زبونات عصريات جديدات بفضل أسلوبه الجريء. خروجه منها منذ أكثر من عام ونصف العام جعل الكل يفتقده ويتمنى عودته. أما الدار التي ينتمي إليه حاليا «لوي فويتون»، فهي واحدة من أهم بيوت الأزياء العالمية، وربما تكون الوحيدة التي يفهم لغتها أغلب الناس، وتوفر لكل من يدخلها إمكانات عالية، أقلها خامات في غاية الترف والتنوع. في اليوم الأخير من أسبوع باريس، بل ومن دورة الموضة العالمية لخريف 2014 وشتاء 2015. حتى طقس باريس تحسن مزاجه وابتسم. فبعد أيام من طقس متقلب وممطر، أشرقت الشمس كأنها تريد أن تستقبل المصمم بحرارة. لم يتغير مكان العرض في «كور دي كاريه» بالقرب من متحف اللوفر، فهو نفس المكان الذي كان يقدم فيه مارك جايكوبس عروضه للدار من قبل، لكن كل شيء آخر تغير. فقد تأخر انطلاق العرض بنحو 15 دقيقة، وهو الأمر الذي لم يكن مطروحا في عهد مارك جايكوبس، الذي بدأ منذ سنوات تقليدا مثيرا للجدل في باريس، يحرص فيه على أن ينطلق العرض في الوقت المذكور في بطاقة الدعوة بالدقيقة والثانية. كما غاب الإخراج المسرحي بكل ما فيه من دراما، وعوض محطة قطار، أو فندق ضخم، أو سلالم متحركة منصوبة وسط المنصة، كانت هناك منصة عادية تمشي فيها العارضات بين صفوف الحضور، في رسالة واضحة بأن التركيز هنا على ما هو أهم من الإخراج المسرحي: الأزياء. ونجح في ذلك، بدليل أن التشكيلة كانت قوية في كل جزئياتها وفي لغتها التي تخاطب كل الأسواق. تلعب على كل المتناقضات بتناغم عجيب يجعلك تريدين كل قطعة فيها. فهي كلاسيكية وعصرية في الوقت ذاته، مع لمسة حنين خفيفة إلى الماضي، سواء تعلق الأمر بخاماتها أو بخطوطها الرشيقة والأنثوية. كل شيء فيها تجاري يمكن تسويقه بسهولة لأي امرأة، بغض النظر عن الجغرافيا أو الأسلوب، بدءا من البنطلونات ذات الخصور العالية، أو التنورات المستقيمة التي تصل إلى الركبة أو الكنزات ذات التصاميم المتنوعة إلى الفساتين التي جاء بعضها من الجلد وبعضها الآخر بتفاصيل من التويد أو طبعات ورود صغيرة. ولا يمكن أن ننسى المعاطف التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة ومكررة، خصوصا أن درجات الألوان فيها أيضا جاءت كلاسيكية تتباين بين الأخضر والبرتقالي والأحمر والأزرق والأبيض المائل إلى الكريم، لكنها تخلف تأثيرا قويا يصعب نسيانه. فقد قدم فيها المصمم درسا في التصميم الهندسي، بخطوطها المستقيمة والواضحة، سواء في الأكتاف أو الياقات، بل وحتى في بعض حقائب اليد، خصوصا تلك التي تتميز بخطوط متقاطعة، أو حقيبة الدار الأيقونية «سبيدي» التي ظهرت هنا بعدة ألوان وطبعات جديدة وأحجام.
قبل بدء العرض، ترك المصمم على كرسي كل ضيف، مذكرة مطبوعة وقعها باسمه الأول، جاء فيها: «اليوم.. يوم جديد.. يوم مهم.. تخونني الكلمات للتعبير عما أشعر به في هذه اللحظة من سعادة عارمة». سعادة لا بد أنها نابعة من ارتياحه بدخول دار بأهمية «لوي فويتون» بعد تجربته في «بالنسياغا»، التي اشتهر فيها باحتفاله بالجمال الوحشي الصارخ والجرأة، الأمر الذي اختفى هنا، كأنه لا يزال يجس نبض الدار وزبوناتها قبل أن يمسك بزمام الأمور ويقودها نحو اتجاه جديد. أي يفضل أن يمشي نحو التغيير بخطوات واثقة وبطيئة عوض أن يجري أو يقفز من دون أن يعرف ما ينتظره. ورغم أنه عبر عن احترامه للإرث الذي خلفه مارك جايكوبس، بحكم أنه أول من بدأ خط الأزياء الجاهزة في الدار، إلا أن احترامه الأول هو لإرث الدار الفرنسية العريقة بجلودها وحقائب يدها الأيقونية. وهذا ما ظهر في قطع ديناميكية وحقائب يد ستساعد على زيادة في المبيعات، وستثلج صدور المسؤولين، وعلى رأسهم السيد برنار أرنو، الرئيس التنفيذي والمالك للدار الذي جلس في الصف الأمامي مع الأمير شارلين أوف موناكو. وبدا من ابتسامة الرضا المرسومة على محياه طوال العرض أنه حصل على مصمم فهم المطلوب بدليل أنه قدم تشكيلة لم تحتج إلى إخراج مسرحي والكثير من البهارات الدرامية لكي تروق للعين وتبيع عندما ستصل إلى المحلات في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل.
بيد أن ما لا يختلف عليه اثنان أن الإكسسوارات، إلى حد الآن، هي الدجاجة التي تبيض ذهبا لـ«لوي فويتون»، فبينما تشكل الأزياء خمسة في المائة فقط من مبيعات الدار، فإن المنتجات الجلدية تشكل 90 في المائة من المبيعات والأرباح. والتحدي الآن أمام نيكولا غيسكيير هو زيادة الرغبة في الأزياء من دون أي تأثير على جانب الإكسسوارات. أمر لم يستطع مارك جايكوبس تغييره، رغم كل محاولاته، ومن المؤكد أن غيسكيير سينجح فيه، خصوصا أن قوته تكمن في الأزياء أولا وأخيرا، كما قدم حقائب يد ناجحة، نذكر منها حقيبة «لاريات» على سبيل المثال. وهذا ما تتمنى «لوي فويتون» أن يحققه لها: تلك المعادلة الصعبة بين الإكسسوارات والأزياء.

* هيرميس : للترف لغة عالمية واحدة

* رغم أنه بدايتهما واحدة، من حيث إنها تعتمد على الجلود والإكسسوارات، فإن الاختلاف بينهما مثل السماء والأرض. فبينما «لوي فويتون» تتكلم بكل اللغات وتخاطب كل الأساليب، لا تتقن «هيرميس» سوى لغة واحدة، ألا وهي لغة الترف والرقي، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن سعر تنورة من الجلد تحمل اسمها قد توازي سعر سيارة أو شقة في بعض البلدان. ورغم أن فن الرحلات يتجذر في تاريخها ويجري في دمها، الأمر الذي يعطي الانطباع بأنها لا بد أن تتنازل لكي تتكلم لغة سهلة تفهمها هذه الثقافات البعيدة، فإنها برهنت عبر السنوات، أنها ترفض تغيير جلدها، وتعد الرقي لغة عالمية واحدة. وهذا ما أكده مصممها كريستوف لومير، يوم الأربعاء الماضي، حين قدم تشكيلة كانت مسك ختام أسبوع حافل بالتغييرات والتنقلات والتشكيلات التي تتودد للأسواق العالمية على أمل أن تبيع وتحقق الربح. أقيم العرض في مقر خاص بتداول البورصة قديما، ما إن تدخله حتى تفاجئك إضاءة خافتة وستائر من المخمل بلون الزيتون الغامق، تنسدل من السقف إلى الأرض كأنها تحضرنا لما سيأتي من ألوان وغموض.
ثم بدأ العرض، وتأكد للحضور أن المرأة التي تصورتها الدار لموسمي الخريف والشتاء المقبلين، لا تريد أزياء عادية يمكن أن تجد مثلها في أي دار أزياء أخرى، بل تفضل التفرد مهما كان الثمن. فهي امرأة ساحرة تميل إلى الاختلاف والاستقلال وتريد استكشاف العالم ومعانقته بالأحضان لكن بشروطها. وربما هذا ما يفسر الألوان والنقشات الغنية التي طبعت بعض القطع، وتستحضر صور سجاجيد إيرانية أو أجواء منغوليا، لا سيما في بعض المعاطف الصوفية الواسعة. لكن هذا لا يعني أن التشكيلة كانت إثنية، بل العكس كانت تضج بمدنية عصرية تمزج الأناقة بالراحة من خلال الأحجام تحديدا والكثير من القطع المستوحاة من خزانة الرجل، وتجسدت في تايور أسود، كان ترجمة حرفية عن بدلة رجالية، إضافة إلى البنطلونات الواسعة والجاكيتات المنسدلة. وغني عن القول إن المصمم كان سخيا في استعمال الجلود في تصاميم مبتكرة.
الألوان كانت بدرجات داكنة وهادئة في الوقت ذاته تتباين بين البيج والرمادي والأخضر الزيتوني، تذكرنا في كل إطلالة بأننا في دار فرنسية تؤمن بأن الطبق يجب أن يطهى على نار هادئة للحصول على نكهة مميزة لا يعلى عليها. وهي وصفة أثبتت نجاحها، لا سيما أنها تؤمن بأن الاستثمار بعيد المدى يجب أن يشمل العاملين فيها. فعلى العكس من باقي بيوت الأزياء التي تملكها المجموعات الكبيرة، وتتطلب نجاحات آنية سريعة، الأمر الذي يضع مصمميها تحت ضغط غير إنساني، قد يؤدي ببعضهم لانهيارات عصبية، فإن «هيرميس» تؤمن بأن النجاح لا يأتي فجأة، بل يجب أن يتطور بالتدريج وبثقة. كريستوفر لومير، مثلا، ومنذ أن التحق بها، وهو يخطو فيها خطوات بطيئة لكن واثقة، زادت قوتها في هذه التشكيلة التي اكتملت فيها صورة امرأة «هيرميس» الراقية والمتميزة، التي لا تريد أن تكون عادية.

* ميوميو.. تزيد شقاوة وحداثة

* عرض «ميوميو» ينجح دائما في جذب نجوم مختلفين عمن نراهم في باقي العروض. إلى جانب المغنية ريهانا، التي أصبحت خبرا ووجها قديما بعد حضورها كل عروض باريس تقريبا، كانت هناك لوبيتا نيونغو، التي تسلمت جائزة الأوسكار لأحسن ممثلة مساندة عن دورها في فيلم «12 سنة في العبودية» بفستان سماوي طويل من مجموعة برادا. كما كان هناك فائز آخر بجائزة الأوسكار هو غاريد ليتو. لكن عندما يتعلق الأمر بميوتشا برادا، فإن عروضها ليست عن الضيوف مهما كانت أهميتهم، بقدر ما هي عن الأزياء والتوجهات التي تقترحها علينا. فالمؤكد أننا نخرج دائما من عروضها باتجاه جديد سيؤثر في الموضة وعلى أذواقنا، وهو ما لم يختلف هذه المرة. ما إن تلج «باليه دايينا»، حيث يقام العرض منذ عدة مواسم، حتى تزكمك رائحة البلاستيك. رائحة كانت تنبعث من كل مكان، لأنه كان يغطي كل الجدران، وزادت قوتها مع بدء العرض. فقد كان البلاستيك أيضا حاضرا في معظم القطع، من المعاطف الواقية من المطر والأحذية عالية الرقبة إلى فساتين زينت أجزاء كبيرة منها بهذه المادة.
لكن لحسن الحظ، لم تكن الخامة الوحيدة في هذه التشكيلة، فقد كانت هناك قطع كثيرة من الصوف طبعتها نقشات فينتاج تستحضر حقبة السبعينات بألوانها وخطوطها، بينما كان طول معظم التنورات والفساتين القصيرة يلتفت إلى الستينات ويذكرنا بأننا في عرض ابنة ميوتشا برادا، الشابة الشقية، التي تعانق تغيرات العصر وتتحدى القوالب المتكررة. لم تكن هناك أي تطريزات أو كشاكش أو تصاميم رومانسية، في المقابل، كانت هناك خطوط بسيطة وواضحة، وحداثة تستمد روحها من الأسلوب «السبور» حتى في القطع الصوفية التي طبعتها لمسة «الفينتاج». أما باقي القطع المزينة بالبلاستيك، بما فيها الإكسسوارات، فذكرتنا بأن ميوتشا برادا هي المصممة التي حولت العادي إلى مغر وجذاب عندما سوقت لنا منذ عقود حقيبة سوداء مصنوعة من النايلون، أشعلت الرغبة في نفوس كل نساء العالم. اقتراحاتها لخريف 2014 وشتاء 2014 ما هي إلا امتداد لهذه الفلسفة التي تلعب فيها على الشقاوة والمرح وتمزج فيها العادي جدا بغير المتوقع لتجعلنا نفكر ونحلل ونؤول. والأهم من هذا، تجعلنا نرغب في شيء لم نكن نتخيل يوما أن يروق لنا أو يدخل خزاناتنا، مثل البلاستيك. لكننا معذورون لأن كل قطعة منفصلة لم تكن عملية فحسب، بل أيضا أنيقة تعكس روح العصر وحيوية تعكسها الألوان الصارخة وأحيانا خامات أخرى، مثل البروكار أو الصوف، امتزجت مع البلاستيك لتكتسب صبغة ديناميكية حتى في أقصى بساطتها.
تعبق بالأناقة والرومانسية حتى في تكسيرها التابوهات

* التشكيلة التي أبكت فالنتينو

* عندما انتهى عرض فالنيتنو وخرج الثنائي ماريا غراتزيا تشيوري وبييرباولو بيكيولي لإلقاء تحية على الحضور، اقتربا من المؤسس فالنتينو غارافاني، الذي كان جالسا في الصف الأمامي ليقبلاه. لم يستطع هذا الأخير أن يكبح مشاعره فبكى من التأثر. فقد كانت التشكيلة في غاية الأناقة والرومانسية تجعل كل من يتابعها كمن يعيش حلما جميلا. لكن أن تتساقط دموع المؤسس تأثرا بهذا الجمال، فهذا وسام للثنائي بأنهما نجحا في التقاط روح الدار والأسس التي أرساها صاحبها قبل أن يتقاعد ويسلم مقاليدها لغيره. في موسم الهوت كوتير الماضي، عاد الثنائي إلى أصول الدار الرومانية باللعب على مفاهيم الأوبرا الإيطالية، أما في هذه التشكيلة فقد اختارا فن البوب الإيطالي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي موضوعا لها، ربما لأنها أزياء جاهزة وتحتاج إلى مخاطبة شرائح أكبر. وقال الثنائي بعد العرض إنهما استوحياها من فنانات إيطاليات متمردات لا يعترفن بالمألوف، لكنهن كن مبدعات بكل ما تحمله الكلمة من معان، مثل جيوزيتا فيورونو، وكارول راما وكارلا أكاردي، مما شجعهما على تكسير بعض التابوهات أيضا وخض المتعارف عليه، مثل فستان طويل يتمتع بكل رومانسية «فالنتينو» المعهودة، لولا تفاصيل تعطي الانطباع بأن الصدر مكشوف بينما يغطي قلب مرسوم بالأحمر الجهة اليسارية منه. كانت الرومانسية المعهودة هنا، مشوبة بجرأة جديدة، ربما لأنهما ركزا على الستينات، الفترة التي شهدت ثورات اجتماعية مهمة، تحررت فيها المرأة من الكثير من القيود وبدأت تذوق طعم الاستقلال بدخولها مجالات العمل وغيرها. باستثناء هذا، كانت بصمات «فالنتينو» حاضرة في كل قطعة، بدءا من فساتين التول المطرزة أو الكابات المصنوعة من الدانتيل أو الجلد إلى المعاطف الطويلة المصنوعة من قطع من الجلد بألوان متنوعة بطريقة الباتشوورك، وهي تقنية ظهرت أيضا في بعض الإكسسوارات، مثل حذاء عال الرقبة، بل وحتى اللون الأحمر لم يغب، ليؤكد الثنائي الثنائي ماريا غراتزيا تشيوري وبييرباولو بيكيولي أنهما فعلا خير خلف لخير سلف.



«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».