خرافات تلد أخرى.. شرقًا وغربًا

خرافات تلد أخرى.. شرقًا وغربًا

الأحد - 14 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 24 يناير 2016 مـ

منذ قرون تحكمنا الأساطير في علاقتنا بالغرب وعلاقة الغرب بنا. وهذه الأساطير تنبع بالدرجة الأولى من عدم معرفة الطرفين بعضهما بعضا معرفة حقيقية لا تحكمها الخيالات والأوهام والتصورات الموروثة. وحين تغيب المعرفة يحل الخراب في العقل والوجدان. أساطير احتلت الوعي الجماعي، وغذاها الخيال الغربي والشرقي، فارتفعت مع مرور الزمن الطويل إلى مستوى الحقائق، متحكمة بالتاريخ، والعلاقة بين الأنا والآخر، وبين الشعوب والبلدان والأديان، وبالتالي قادت إلى نتائج مدمرة، وقدر كبير من الآلام التي كان يمكن أن تتجنبها البشرية، والتي أعاقت تحققها وتفتحها دهرًا طويلاً. ولا تزال هذه الأساطير تقدم وكأنها قدر مكتوب. إنها غذاء التطرف في كل زمان ومكان، ومن كل جنس ولون، وإن بألوان ووسائل مختلفة.
وإذا كانت مثل هذه الأساطير شكلت دافعا قويا للصراع بين الإنسان وأخيه، خاصة في فترات الغزوات القديمة المتبادلة بين الشرق والغرب، وسببا رئيسيا للحروب الدينية وغير الدينية، وصولا إلى مرحلة الكولونيالية، التي لم يكن العامل الاقتصادي دافعها الوحيد، ثم الصراع الآيديولوجي والحرب الباردة، فإن هذا الصراع فقد مبرراته، وبهتت حججه في عالم تحول فيه الآخر الشبحي إلى كائن من لحم ودم، والعدو الغامض الملامح إلى صديق، ولو بشكل افتراضي، بفضل التقدم العلمي والمعلوماتي الهائل. صار العالم كتلة واحدة تكثر فيها المشتركات والمصالح المتبادلة، وتكثر التناقضات أيضًا بالطبع، لكنها لم تعد عموما تناقضات قاتلة، يمكن أن تقود إلى حروب كونية مدمرة، كما حصل في الماضي.
ومع ذلك، لا تزال تحكم العالم «الخرافات»، إذا استعرنا تعبير فريد هوليداي في كتابه «الإسلام والغرب.. خرافة المواجهة»، فمن هذه الخرافات، المتمكنة بقوة من الوعي الغربي، كما يذكر هوليداي «خرافة أن الشرق الأوسط حالة فريدة تختلف عن بقية العالم.. صحيح أنها المنطقة الأكثر اضطرابا في العالم منذ عقود كثيرة، لكنها ليست فريدة».
وإذا كانت كذلك الآن، فهي لم تكن بهذه الصورة في التاريخ البعيد، حين كانت أوروبا أكثر اضطرابا، وقد لا تكون كذلك في المستقبل، حين تنتفي الأسباب الموضوعية والذاتية التي قادت وتقود لخلق مثل هذه الحالة. ولا تقل مقولة «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا»، التي أطلقها شاعر وروائي الإمبراطورية البريطانية روديارد كبلنغ، خرافة عن الحالة الأولى، وقد تكرست بشكل خاص في القرن التاسع عشر في أوج المرحلة الاستعمارية. وسيختزل كل هذا الشرق لاحقًا، خاصة الآن، بالبلدان الإسلامية، وبشكل أخص بالمسلمين، المسلمين بالمطلق، فيتساوى هنا مسلمو الهند والصين ونيجيريا وماليزيا مع مسلمي إندونيسيا وباكستان وكل مسلمي البلدان العربية.
بدل شرق - غرب، أصبح عندنا الآن: غرب - إسلام. وهذا ما يسعى لتكريسه المتطرفون سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين، ومن «داعش» إلى ترامب. هو تعبير مؤدلج يعكس وعيًا بائسًا يجد تعبيره العملي في التطرف. وإذا كان «المتطرفون الإسلاميون» يلجأون إلى النص المقدس، وهو حمّال أوجه كما يقول علي بن طالب (رضي الله عنه)، فيقرأونه قراءة مغرضة، ويؤوّلون ما يشاءون من آياته بما يخدم منطلقاتهم الفكرية، فإن المتطرفين في الغرب يعودون إلى المقولات التي تكرست في الأدب الكولونيالي عن الشرق وأهله و«بربريتهم» وفظاظتهم وغدرهم وبالتالي عنفهم، بالإضافة بالطبع إلى كسلهم وعطالتهم. وهكذا يتم النظر إليهم باعتبارهم كائنات مطلقة، مجردين من شروطهم التاريخية والاجتماعية.
المخيال الغربي عن الشرق عموما، وعن المسلمين بشكل خاص، ككيان واحد مطلق، لا يزال يمارس فعله، سواء أكان ظاهرا أم مستترا في اللاوعي الجماعي، كما هو المخيال الشرقي عن الغرب تماما. هذا ما ينتج الخرافات، حين تجرد النفس الإنسانية من تأريخيتها، ويتم رفعها فوق الواقع الذي تعيشه، والظروف التي أنتجتها، وبالتالي «تأبيدها» في تصنيفات معينة تتماهى مع نظرة الآخر لها، ونظرتها هي أيضًا للآخر. وهذا مما يغذي الأصولية والتطرف عبر التاريخ.
وهكذا تقسم البشرية إلى مناطق صراع أبدية، وتختزل الأخوة البشرية، التي ناضل من أجلها التنويريون والفلاسفة والكتاب والشعراء منذ فجر التاريخ، إلى خانات دينية وإثنية وعرقية، ويحل اللون والجنس والدين محل القيم الإنسانية البسيطة المشتركة، التي عرفتها البشرية منذ الإغريق وبشرت بها كل الأديان والتعاليم الأخلاقية، كالخير والحق والصدق والاستقامة وحب الآخرين. لم نعد حقا نسمع أو نقرأ كثيرا عن هذه القيم، فقد نجح المتطرفون في الشرق والغرب في إزاحتها من قاموسنا الإنساني، في الزمن البائس الحالي في الأقل.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة