لبنان: «التحالف المسيحي» يوقظ ذاكرة الحرب

قلّص الصراع على الزعامة بين «القوات» وعون.. وعمّق الخلاف بين جعجع وفرنجية

لبنان: «التحالف المسيحي» يوقظ ذاكرة الحرب
TT

لبنان: «التحالف المسيحي» يوقظ ذاكرة الحرب

لبنان: «التحالف المسيحي» يوقظ ذاكرة الحرب

أيقظت الخلافات على أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية في لبنان، أخيرًا، ذاكرة الحرب اللبنانية التي انتهت في العام 1990. وأيقظت معها الانقسامات المسيحية المعنية بالملف الرئاسي، وذلك على ضوء الخصومة بين رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع والمرشح الرئاسي النائب سليمان فرنجية، الذي يرفضه جعجع، ما دفع الأخير لترشيح رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون للانتخابات الرئاسية. وفي تلك الخطوة المفاجئة، قفز جعجع أيضًا فوق أحداث الماضي، وحرب «الإلغاء» التي قادها عون ضد جعجع في العام 1990، والخصومة السياسية مع عون التي استمرت حتى وقت مبكر من العام 2015، وبدأت تتقلص الفوارق، حين بدأ الحوار بين الطرفين، وأنتج في الثاني من يونيو (حزيران) الماضي، ورقة إعلان نوايا بينهما.

شكل إعلان الدكتور سمير جعجع، رئيس حزب «القوات اللبنانية»، ترشيحه غريمه السياسي اللدود في الشارع المسيحي رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون لمنصب رئيس الجمهورية صدمة في لبنان. وهدد هذا الترشيح أيضًا التحالفات السياسية القائمة بين فريقي 8 و14 آذار، وحمل بذور تحالفات أخرى، إذ أفرز «تحالفًا مسيحيًا قويًا»، بالنظر إلى حجم تمثيل عون وجعجع في الشارع المسيحي، في مقابل تلاقٍ سياسي مستمر بين رئيس البرلمان نبيه برّي، ورئيس تيار «المستقبل» ورئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» والزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
التطور الأخير حرّك جمود الملف الرئاسي اللبناني المستمر منذ 25 مايو (أيار) 2014، تم خلالها تداول أسماء كثيرة للمقعد الأول في لبنان، من غير أن يكون لأحد من تلك الأسماء التي ناهزت الثمانية، حظ وافر في المعركة الرئاسية. بدأ التداول أولاً في أربعة أسماء تمثل أربعة رؤساء لأحزاب سياسية فاعلة في البلاد، هي عون وجعجع وفرنجية، إضافة إلى الرئيس السابق لحزب «الكتائب» والرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل. تلك الأسماء، وردت بعد لقاءات جمعت الأربعة في مقر البطريركية المارونية في بكركي، ليبدأ تداول أسماء أخرى من خارج الاصطفافات، أطلق عليها اسم «مرشحون توافقيون»، مثل الوزير الأسبق جان عبيد، وقائد الجيش العماد جان قهوجي، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والوزير الأسبق دميانوس قطار.
لكن خطوة الرئيس سعد الحريري، وهو حليف جعجع في قوى 14 آذار، بتبني ترشيح فرنجية للرئاسة، رغم أنه ترشيح غير رسمي، خلط الأوراق السياسية في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وهو ما دفع - حسب البعض - جعجع للرد، بترشيح عون، رسميًا، مطلع الأسبوع الحالي. وأعادت هذه الخطوة السجالات المسيحية المنبعثة من ذاكرة الحرب اللبنانية، إلى المربع الأول.

* نهاية خلافات عون ـ جعجع
الخلافات بين عون وجعجع، طويت، إلى حد بعيد، في ترشيح الأخير لـ«الجنرال» الذي ترأس خلال فترة الحرب حكومة عسكرية، شغلت الفراغ الرئاسي إثر انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل في العام 1988. وعلى إثرها، انقسم البلد آنذاك إلى معسكرين، وباتت هناك حكومتان، قبل أن يجتمع الأفرقاء برعاية المملكة العربية السعودية في مدينة الطائف، حيث توصلوا إلى اتفاق عُرف باسم «اتفاق الطائف» في العام 1989. وافق عليه جعجع، ورفضه عون بحجة أنه قلّص صلاحيات المسيحيين في لبنان. وكان الانقسام المسيحي على اتفاق الطائف، بمثابة الشرخ الأول بين الفريقين المسيحيين.
بعدها تفاقمت الخلافات بين الرجلين وتطورت إلى حرب عسكرية دموية دفع ثمنها المسيحيون، وأفضت إلى تدخل عسكري سوري في أكتوبر (تشرين الأول) 1990، أنهت حالة «التمرد» التي قادها عون، بحسب ما يقول خصومه والنظام السوري، وأدت إلى دخول القوات السورية إلى قصر بعبدا، ولجوء عون إلى فرنسا، حيث بقي حتى العام 2005.
المواجهة العسكرية بين عون وجعجع، كانت الأولى، ووقعت في أواخر يناير (كانون الثاني) 1990، تحت مسمى «حرب الإلغاء» حين كان عون رئيسًا للحكومة العسكرية، وقاد حربًا ضد «القوات اللبنانية»، تحت شعار «توحيد البندقية تحت لواء الشرعية». وفيها خاض الجيش اللبناني بأوامر من عون حربًا لطرد «القوات» من المناطق المسيحية في شرق بيروت، وهي المعركة التي مهّدت لدخول القوات السورية إلى بيروت الشرقية والمناطق المسيحية للمرة الأولى منذ بداية الحرب اللبنانية.
وتواصل الصراع السياسي بين جعجع وعون رغم خروج عون من بيروت إلى ملجئه الفرنسي في أكتوبر 1990. وبعد نفي عون في العام 1991. واعتقال جعجع في العام 1994. بدأت بوادر التقارب بين جمهوري الزعيمين المسيحيين اليمينيين، وتجسّد ذلك من خلال تنظيم مظاهرات مشتركة تطالب بخروج الوصاية السورية من لبنان، وتضاعف التقارب بمشاركة ممثلين عن الطرفين في لقاء «قرنة شهوان» ومن ثم لقاء «البريستول» في العام 2004، الذي سبق مرحلة التحولات الكبيرة في لبنان الناتجة عن اغتيال رئيس حكومة لبنان الأسبق رفيق الحريري.
غير أن الوضع السياسي بين الطرفين سرعان ما عاد إلى التأزم في انتخابات العام 2005. حين خاض عون الانتخابات البرلمانية في مايو 2005 وحيدًا في الشارع المسيحي، بينما كان جعجع جزءًا من «التحالف الرباعي» الذي جمع تيار المستقبل عن السنة، والنائب وليد جنبلاط عن الدروز، وحزب القوات عن الأطراف المسيحية، وحزب الله وحركة أمل كممثلين للشيعة.
رغم ذلك، اجتمع عون وجعجع بعد إطلاق جعجع من السجن بموجب عفو خاص في صيف 2005، لأول مرة منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. لكن الخلافات عادت بينهما للظهور إثر توقيع عون «وثيقة تفاهم» مع حزب الله في فبراير (شباط) 2006. ووقوف عون إلى جانب حزب الله في حوادث 7 أيار 2008، حين اجتاح مسلحون تابعون للحزب شوارع بيروت والجبل. وبقي الصراع على حاله في انتخابات 2009 النيابية، وتضاعف على خلفية إسقاط عون وحزب الله حكومة الرئيس سعد الحريري في العام 2011. وفي ربيع العام 2014، تعمق الخلاف أكثر بين الطرفين، على خلفية ترشيح جعجع نفسه للانتخابات الرئاسية في وجه عون.
غير أن انطلاق الحوار الثنائي بين حزب الله وتيار المستقبل في دارة رئيس البرلمان نبيه بري، العام 2015، فتح باب التقارب بين عون وجعجع، حيث بدأ الطرفان بعقد لقاءات ثنائية، أفضت، في يونيو الماضي، إلى «ورقة إعلان النوايا» للتيار الوطني الحر الذي يتزعمه عون والقوات اللبنانية، بعد عقد أكثر من لقاء وبحثا أسس التفاهم فيما بينهما.
مبادرة الرئيس الحريري في ديسمبر (كانون الأول) 2015، الرامية إلى تأييد ترشيح سليمان فرنجية، حليف سوريا والخصم السياسي التقليدي لجعجع، للانتخابات الرئاسية، دفع كما يقال جعجع إلى تجاهل كل الخلافات مع غريمه عون. وفي الأسبوع الأول من العام الحالي، بدأت ثمرات التقارب بين الطرفين بالوصول إلى خواتيمها، حين حملت مؤشرات على قرب إعلان جعجع تأييده لترشيح عون للرئاسة، بذريعة أن عون «صاحب التمثيل الأوسع في الشارع المسيحي»، لتتحول واقعًا، في 18 يناير، حين أعلن جعجع تأييد عون كمرشح للانتخابات الرئاسية اللبنانية.

* جعجع ـ فرنجية خصومة مستمرة
في هذه الخطوة، قطع جعجع على فرنجية طريق الوصول إلى الرئاسة، من جهة المسيحيين، علما بأن التحالف الذي يؤيد فرنجية، وجله من المسلمين وبعض حلفائهم المسيحيين، قادر على إيصال فرنجية إلى الرئاسة، إذا ما أجريت انتخابات وفق نظام التصويت الأكثري في البرلمان.
ورغم أن عون وفرنجية من قوى 8 آذار، فإن جعجع برر لخطوته، بالقول: إن عون «نسخة مقلدة» من 8 آذار، بينما فرنجية نسخة أصلية. وأوضح أن الأخير هو من الشخصيات المسيحية الحليفة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد منذ بداية الحرب اللبنانية، وصديق شخصي للأسد، ويعد من أبرز المتخاصمين مع قوى 14 آذار، فضلاً عن حسابات شخصية، مرتبطة بالعداوة بين جعجع وفرنجية، على ضوء اتهامات الأخير لجعجع بأنه مسؤول عن مقتل والده الوزير الأسبق طوني فرنجية وزوجته وولدين له ضمن ما عُرف بـ«مجزرة اهدن» في العام 1978. وهي الحادثة التي يكرر جعجع نفي مسؤوليته عن ارتكابها، مؤكدًا أنه كان مصابًا في المستشفى حين علم بوقوعها، كما ورد في تصريحات له وُثقت في كتب تؤرخ للحادثة.
قبل حادثة اهدن (شمال لبنان)، كانت الزعامات التقليدية في المنطقة، عائلية، إلى حين وصول الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجية، جدّ زعيم المردة الحالي سليمان فرنجية، إلى سدة الرئاسة في العام 1970. وتحوّل الصراع على الزعامة إلى صراع الأحزاب، مع بدء حزب الكتائب، الذي كان ينتمي إليه جعجع، بالتمدد، واستقطاب المناصرين في معقل فرنجية الجد، بالنظر إلى أن «الكتائب» كان من أقوى الأحزاب المسيحية اللبنانية، وذلك بعد سنتين على اندلاع الحرب الأهلية.
بدأ «الكتائب» بالتمدد إلى الشمال الذي يعد الخزان البشري للقوى المسيحية، بحسب ما ذكر الرئيس الأسبق للحزب كريم بقرادوني في أكثر من مناسبة، علما بأن منطقة زعرتا واهدن، كانت بمثابة متنفس اقتصادي أيضًا لحزب المردة الذي يتزعمه فرنجية، المعروف بقربه من النظام السوري، والداعم لوجود قوات الردع العربية في لبنان. وإثر حوادث أمنية، كان أبرزها مقتل قيادي في حزب «الكتائب» اسمه جود البايع، شن الأخير هجومًا على معقل فرنجية في اهدن، أسفر عن مقتل طوني فرنجية وعدد من أفراد عائلته وقياديين في الحزب، وتلا الحادثة، دخول القوات السورية إلى المنطقة.
وتفاقم الصراع بين فرنجية و«الكتائب»، وخصوصًا جعجع الذي اتهمت مجموعته بقتل فرنجية، واستمر حتى هذا الوقت. وتواصلت الخصومة بين الطرفين، وتضاعفت أيضًا على خلفيات سياسية، بالنظر إلى أن جعجع من أبرز قياديي 14 آذار المسيحيين، بينما يوالي فرنجية دمشق، وهو ما أظهر أن ترشيح جعجع لعون، محاولة لإعاقة وصول فرنجية إلى الحكم، علما بأن عون يعتبر المرشح التقليدي لرئاسة الجمهورية منذ عودته من باريس، وحصد خلال دورتين انتخابيتين في 2005 و2009 أكبر حصة تمثيلية بين الأفرقاء المسيحيين في البرلمان، ولو أنه استفاد كثيرًا في الانتخابات الأخيرة من أصوات حزب الله الشيعية.

* تحالف مسيحي
يقول المسيحيون بأن انقساماتهم، منذ توقيع «اتفاق الطائف» ونهاية الحرب اللبنانية، أدت إلى تضعضعهم، وبالتالي خسارة فرصة أن يكونوا مؤثرين في السلطة، على ضوء انقسام الولاءات الداخلية بين الأحزاب والشخصيات من جهة، وانقسام القوة بين فريقي 8 و14 آذار. ومن هنا، تأتي محاولة جعجع لرأب الصدع عبر إيصال عون، الثمانيني، إلى الرئاسة، وإظهار حرصه على لم الشمل المسيحي.
يقول الباحث السياسي جورج علم لـ«الشرق الأوسط»: «جعجع يلعب بذكاء ليرث الزعامة المسيحية من خلال المصالحة مع عون، وإظهار حرصه على المسيحيين». لكن ذلك: «لا يبدو مثاليًا بالنسبة لجعجع الذي سيجد نفسه بعد عون، في داخل معركة الزعامة على جبهات ثلاث»، موضحًا أن تلك الجبهات تتمثل في «قيادات مارونية شابة هي رئيس حزب الكتائب الحالي سامي الجمل الساعي ليكون زعيما، ووزير الخارجية جبران باسيل الذي يظهر في قمة فتوته السياسية بعد وصوله إلى رئاسة التيار الوطني الحر خلفًا لعون، وطوني سليمان فرنجية الزعيم المستقبلي للمردة».
ولا يقتصر ترشيح جعجع لعون، على إيصال رئيس تكتل التغيير والإصلاح إلى سدة الرئاسة فحسب. يُنظر إليه على أنه تحالف مسيحي، يعد الأقوى، ويمثل أكثر من 75 في المائة من أصوات المسيحيين في لبنان، ومن شأنه أن يغير في خريطة التحالفات السياسية القائمة منذ العام 2005، فضلاً عن أسباب أخرى مرتبطة بالصراع على الزعامة المسيحية في لبنان.
يقول علم، إن التحالف في الشكل: «يبدو تركيزًا على الرئاسة، لكن في الوعي المسيحي المضمر، هناك قلق كبير على المصير والمستقبل للمكون المسيحي في لبنان، وبالتالي هناك بداية يقظة لاستدراك المخاطر عن طريق إعداد خطة لا تزال غامضة حتى الآن، وإن كان بعض المثقفين المسيحيين يرى بأن المصالحة التي تمت في معراب بين مكونين رئيسيين، هي الخطة الأولى في مسافة الألف ميل».
ومن شأن التحالف الجديد، أن يصيب خريطة التمثيل في مجلس النواب، حيث سيرتفع عدد النواب المسيحيين المنضوين تحت لواء التحالف الجديد وفق القانون الانتخابي الحالي، إلى 44 نائبا، بدلاً من 25 نائبا ينضوون تحت كتلة عون وكتلة القوات في الوقت الحالي، ما يعني أن هذه الكتلة في البرلمان المقبل «سيكون لها تأثير كبير داخل البرلمان».
لكن احتمالات وصول عون إلى الرئاسة، رغم التحالف المسيحي، ضئيلة. ويرى علم في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن جعجع «ما كان ليقدم على هذه الخطوة لو لم يكن وراءها دعم دولي كبير، أقله موافقة من واشنطن، كما هو الحال وراء مبادرة سعد الحريري عندما أقدم على ترشيح فرنجية». ويسأل: «ماذا يريد المجتمع الدولي تحديدا بزعامة الولايات المتحدة، عندما يسمح لقطب بارز في قوى 14 هو سمير جعجع ليدخل بمنافسة مع قطب أبرز هو الحريري؟ ويضيف: «يعني ذلك أن الحلفاء في تيار واحد أصبحوا أضدادا، وهذا يعني أن هناك نية خلط أوراق واسعة، لن تقتصر على الداخل اللبناني».
ويوضح علم: «على المستوى الإقليمي، بعد التحولات التي نشهدها على المسرح الإيراني لفك العقوبات، ومواجهة الملفات المعقدة السورية والعراقية نحو طاولات حوار وتسويات في جنيف وخارجها، هذا يعني عودة إلى المربع الأول»، مشيرًا إلى أن السؤال المطروح هنا «أين حزب الله من كل ما يجري؟ وبالتالي هل تتقدم الرئاسة على التسوية الإقليمية، أم التسوية ستكون مدخلاً للرئاسة في لبنان؟»
لا ينفي علم أن واشنطن تدعم الترشيحين، ترشيح الحريري لفرنجية، وترشيح جعجع لعون: «كي لا يصل المرشحان إلى الرئاسة التي لن يُسدّ الشغور فيها، بلا انسحاب أحدهما، لأن عون واضح في موقفه بأنه لن يشارك في جلسة الانتخابات الرئاسية في البرلمان، من غير أن يكون مرشحًا توافقيًا، لإدراكه بأن الرئيس في لبنان إن لم يكن توافقيًا، لا يستطيع أن يحكم».
ويعرب علم عن اعتقاده بأن الأميركيين، بدعم الترشيحين: «سيذهبون إلى مرشح ثالث، هو مرشح تسووي، من خارج الأسماء الأربعة التي طرحتها بكركي»، لافتًا إلى أن «التسوية تسقط وجود مرشح من 8 آذار». ويشير إلى أن «رضا حزب الله عن وصول شخص إلى الرئاسة لا يكفي، لأن السؤال المطروح حول ماهية الشروط السياسية التي على الحزب تقديمها، بدءًا من الخلاف حول سلاحه حتى مشاركته في معارك خارج الحدود وغيرها». ويضيف: «تبدو التسوية الرئاسية، طربوشًا لتسوية أكبر»، معربًا عن اعتقاده أنه «حتى إذا كان الأميركي يسعى لمرشح ثالث خارج الأسماء المتداولة، فإنها ستكون جزءًا من تسوية أشمل، هي توليفة وحوار سياسي كامل على الحكم في لبنان».

* الترشيحات تهدد تحالفي 8 و14 آذار
ظهر تحالفان سياسيان بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في فبراير 2005، تحالفان سياسيان هما 14 و8 آذار، أثمر توافقهما مرارًا بتشكيل حكومات، وأدى تنافرهما في مرات كثيرة إلى تعطيل الحياة السياسية في البلاد.
التحالفان، وضعا على المحك الآن بعد ترشيح جعجع الذي ينتمي إلى 14 آذار، غريمه السياسي ميشال عون الذي ينتمي إلى 8 آذار، إلى الانتخابات الرئاسية.
14 آذار، تحالف سياسي يتكون من كبار الأحزاب والحركات السياسية التي عارضت الوجود السوري في لبنان وتلقت الدعم من عدد من الدول بالأخص فرنسا والولايات المتحدة والدول العربية، ويضم تيار المستقبل الذي يرأسه الرئيس الأسبق سعد الحريري، وحزب «القوات اللبنانية» وحزب الكتائب، وكان النائب وليد جنبلاط من أبرز المنضوين تحت لوائه، قبل أن يتحول إلى الموقع الوسطي إثر الانقسام الحاد بين التحالفين في لبنان.
أما قوى 8 آذار، فيقودها حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري، وتيار المردة، وعدد من الأحزاب القومية وغيرها، وعرفت بولائها للنظام السوري، واكتسبت اسمها من تاريخ مظاهرة حملت عنوان «شكرًا سوريا» العام 2005.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.