مشاهدة المباريات تلفزيونيًا لا تصنع مدربًا

مشاهدة المباريات تلفزيونيًا لا تصنع مدربًا

الآراء «التافهة» لمن يسمون أنفسهم خبراء تفسد عقول الجماهير
الخميس - 10 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 21 يناير 2016 مـ
تدريب الأطفال يحتاج لدراسة أكثر من المهارة

باستطاعة غالبية المتابعين لكرة القدم في إنجلترا كتابة تحليل مطول حول تأثير قناة مثل «سكاي سبورتس» على كرة القدم. وفي اعتقادي أن الضرر الأكبر الذي سببته مثل هذه القنوات هذا التفشي الكاسح للآراء التافهة وتأثير ذلك بدوره على جهود تدريب الأطفال.

لقد أصبح الآن لدى أي شخص يتابع القنوات الرياضية اعتقاد بأنه خبير بكرة القدم. ورغم أنه من الناحية الظاهرية، أصبح الناس يمتلكون مستوى أفضل من المعلومات بخصوص كرة القدم، فإن هذا الوضع في حقيقته أسهم في استشراء حالة من التغييب الكروي. واللافت أن الأفراد المتابعين للتفاصيل الدقيقة لكرة القدم أصبحوا غافلين تمامًا عن الفكرة الأكبر المرتبطة بكيفية لعب كرة القدم فعليًا والاستمتاع بها.

ورغم أن المقاهي كانت دومًا تعج بالمهووسين بكرة القدم، لكن بالنسبة للكثيرين منهم لم تعد مجرد مسألة المتابعة كافية، حيث أصبح الكثيرون منهم يشعرون بالحاجة لفرض المصطلحات التي اكتسبوها من التلفزيون أو الكومبيوتر على أطفالهم الذين يمارسون كرة القدم. وليس عليك سوى التوجه لأحد المتنزهات يوم أحد وستعاين بنفسك مثل هؤلاء «الخبراء» الجدد يلقون على مسامع مجموعة من الأطفال الذين لا يبدو عليهم الاهتمام بما يقال لهم، خطب ومواعظ حول ضرورة «الضغط بالكرة». وعلى ما يبدو، فإن الحديث عن «الضغط» موضة الموسم الكروي الحالي، حيث كثيرًا ما نسمعه في التلفزيون ليكرره الجميع في اليوم التالي.

ويميل غالبية الصبية الصغار إلى الركض وراء الكرة في مجموعات أشبه بأسراب الأسماك في المياه الضحلة. أما مدربهم فبمقدوره أن يسرد على مسامعك أسماء لاعبي الفريق الأول لبرشلونة جميعًا بطلاقة ويحدد أيهم «لا يروق له». وكثيرًا ما يجلس لمتابعة سرب الأسماك الذي يتولى تدريبه ويهنئ نفسه بقدرة لاعبيه على «الضغط» على الخصم على نحو يجعل غوارديولا ويورغين، اللذين يعتبران بمثابة الأبوين الروحيين لفكرة الضغط على الخصم، يشعران بالفخر به. وقد أخبرني صديق يتولى تدريس الرياضة بإحدى المدارس أنه إذا دفعت بمجموعة من الصبية داخل ملعب لكرة القدم مع بعض الكرات والأصدقاء، فإنه لن يتاح أمامك سوى 60 ثانية كحد أقصى قبل أن تتشتت أنظار اللاعبين الصغار. ومع ذلك، فإنه لدى مرورك صباح الأحد على مثل هذه المجموعات من اللاعبين الصغار، تصل إلى مسامعك توجيهات لا حصر لها موجهة للاعبين.

بعد فترة من الوقت، يدرك الكثير من المدربين أنهم لا يتركون التأثير المطلوب على اللاعبين، وبالتالي يشرعون في الصراخ. ومن الواضح أنه بمجرد أن تبدأ بالصراخ في أوجه صبية صغار فإن إنصاتهم إليك يتوقف على الفور ويتحول انتباههم بعيدًا عنك. وغالبًا ما يدرك المدربون أن لاعبين معينين لا ينصتون لما يقولونه، وعليه يشرعون في توبيخهم. وبصورة عامة، فإنه عندما يصرخ المدرب في وجه أحد الصبية، يتوقف الآخرون عن الإنصات للمدرب على الفور. بيد أن المرعب في الأمر أن غالبية المعنيين بمجال كرة القدم يتورطون في هذا السلوك. والواضح أنه رغم أننا جميعًا كمهتمين ومتابعين لكرة القدم أصبحت لدينا حصيلة ضخمة من الحقائق والعبارات، فإننا ما نزال عاجزين عن تحويلها لجمل بسيطة يمكن لأطفالنا استيعابها، أو حتى تساعدهم على تحسين مستواهم والاستمتاع بكرة القدم. في الواقع، لقد اعتدت لعب كرة القدم، وكان كل شيء على ما يرام. وعندما احتاج الفريق الذي يشارك به ابني للمساعدة، تطوعت للعمل معهم.

وخلال مباراة بين فريقين دون الـ14 من العمر، وبعد واحد من الأحاديث التي وجهها المدرب للاعبيه، سألني إذا كان هناك ما أود إضافته. ورغم أنه ظل يتحدث لمدة 5 دقائق، فإن أحدًا لم يعد ينصت إليه خلال الدقائق الـ4 الأخيرة. وبالطبع كانت الإجابة الصائبة من جانبي هي: «لا». ومع ذلك، فإن هذا لم يفلح في الحيلولة دون انغماسي في استخدام مصطلحات معقدة لدى الحديث إلى الأولاد من عينة «الرغبة» و«العزيمة» و«اختراق صفوف الخصم» و«صنع القرار» و«التنفيذ الدقيق تحت ضغط» و«مساحات اللعب». بعد ذلك، تذكرت مقولة للمعلق الرياضي آندي غراي بأن المباراة عادة ما يحسمها اتجاه انتقال الكرة، فإذا كنت تركل الكرة نحو مرمى الخصم أكثر مما هو يركلها باتجاه مرماك، فإن الاحتمال الأكبر أنك أنت الفائز بالمباراة. وفي لحظة نادرة صفا خلالها ذهني أدركت أن أكثر ما يمكنك الاعتماد على مجموعة من الصبية للقيام به هو ركل الكرة باتجاه مرمى الخصم - ببساطة.

من جانبي، أخشى أنني لن أرى في حياتي فوز إنجلترا ببطولة لكأس العالم أو بطولة الأمم الأوروبية - وسيكون التدريب الرديء واحدًا من الأسباب الرئيسة وراء ذلك. إنني بالفعل أتمنى أن يحدث ذلك في حياتي ولكنني لا أمانع أن يحدث ذلك بعد مماتي. غن الشيء الحقيقي الذي يقلقني أنه عندما أبلغ السبعين من عمري وأصطحب «كلبي» في نزهة إلى الحديقة فإني لن أجد سوى ثلاثة أو أربعة صبية يشاركون في مباراة لكرة القدم أو ثلاثة رجال يشاركون في مباراة للكرة قد أكون مستعدا لمشاهدتهم. ولكني أشك في رؤية أحد من الكبار يشارك في أي مباراة بسبب أنهم كانوا قد ملوا اللعب عندما كانوا صغارا.

إنني أحب أن أرى الناس تلعب كرة القدم، ويتمتعون بالمشاعر الفياضة التي تحيط باللعبة ومشاعر الفوز والخسارة والاستمتاع باللعبة بوجه عام. أتمنى أن تمنحهم اللعبة ما منحتني إياه. عندما كان جيلي يكبر في العمر لم تكن هناك سوى أوقات قليلة لمشاهدة مباريات للكرة على شاشة التلفزيون، وكنا نتشوق لما نراه الآن من ساعات طويلة تبث خلالها أنشطة كرة القدم المختلفة. الغريب أن التغيير الذي حدث أعطانا اليوم كل شيء تمنيناه بل وأكثر. ولكننا نستخدم هذه الأشياء التي تمنيناها لإفساد كل شيء حولنا.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة