قصص وقصائد أسترالية لا يحدها مكان أو زمان

3 كتب مترجمة لرغيد النحاس

غلاف «قصيدة إسطنبول»  -  غلاف «أربع وثلاثون حكاية»
غلاف «قصيدة إسطنبول» - غلاف «أربع وثلاثون حكاية»
TT

قصص وقصائد أسترالية لا يحدها مكان أو زمان

غلاف «قصيدة إسطنبول»  -  غلاف «أربع وثلاثون حكاية»
غلاف «قصيدة إسطنبول» - غلاف «أربع وثلاثون حكاية»

مواصلة لمساعيه في تعريف القراء الأستراليين بنماذج ومختارات من الأدب العربي، والقراء العرب بأعمال من الأدب الأسترالي، صدرت للدكتور رغيد النحاس في سيدني مؤخرا ثلاثة كتب جديدة، واحد باللغة الإنجليزية، واثنان باللغة العربية.
كان الكتاب الأول الذي صدر باللغة الإنجليزية ترجمة لمجموعة شعرية بعنوان «قصيدة إسطنبول» للشاعر جهاد الزين، الذي لم يكن معروفا بصفته شاعرا قبل أن يصدر هذه المجموعة بعد أن تجاوز الخمسين من عمره، وقد قوبلت المجموعة عند صدورها بشكل جيد من قبل النقاد والقراء الذين كانوا يعرفون الزين صحافيا ذائع الصيت فقط.
وفي مقدمته للمجموعة المترجمة، يقول الدكتور النحاس: «إنّ شعر جهاد الزين، الحديث الطابع، يوّظف الوزن بدقّة، ويتمتع بقدرة فكريّة وثقافيّة عالية، ومركّب موسيقيًّا بحيث يعبر لنا برشاقة عن شغف الشاعر العميق وهمّه في اكتناه واقع جمال وبؤس الطبيعة والإنسان والمدنيّة. يجمع بين إعجابه بما يرى، مثل اللوحات الزيتيّة، وفهمه للوقائع التي تعبّر عنه، وعلاقة ذلك بالبيئة من حوله. وتكون نتيجة ذلك كلّه قطعة شعريّة ذكيّة عامرة بالخيال».
«قصيدة إسطنبول» تتألّف من عشر سفن محمّلة بأحاسيس مدينة تاريخيّة وحديثة بامتياز. والمدينة عينها هي قصيدة: أغنية أرض في مكان حيوي من العالم، تفرّقه وتجمعه مياه ما زالت شاهدة على استمرار مغامرات إنسانيّة طويلة الأمد.
أما الكتاب الثاني الذي حمل عنوان «أربع وثلاثون حكاية»، فقد جاء في 300 صفحة من القطع الوسط، وضم قصصا قصيرة معاصرة مترجمة إلى العربية لتسعة وعشرين قاصا وقاصة من أستراليا، شكلت في مجموعها بانوراما جميلة عن واقع القصة الأسترالية القصيرة. وفي مقدمته للكتاب، يؤكد الدكتور النحاس أنه ليس انتقائيا في ترجماته، أي إنه لا يركز على ما يستحسنه من أعمال فقط، ولا على أعمال المشاهير من الكتاب، وإنما على ما يرى أنه يجب أن يعمّم على الآخرين، بانتقاله إلى المجتمعات الأخرى لإغناء تجربتها الفكرية والثقافية.
وفي هذا المنحى نجده يوضح كيف أنه يعتمد في ترجماته نقل المعنى الذي أراده صاحب النص الأصلي بما تقتضيه الأمانة العلمية، وكيف يتعمد أيضا أن يحافظ، ما أمكن، على أسلوب الكاتب، ويقول إن ذلك قد يشكل صدمة لغوية في تركيب المقاطع ببعض الجمل، «لأنها غير مألوفة أو متداولة وفق الأسلوب العربي المعتاد، لكن اللغة كائن عضوي دائم التطور، وحتى يكون التطور صحيا فلا بد من استخدام الحكمة في أسلوب التعاطي مع اللغات الأخرى، كأن يتم الاقتباس بتطويع الأسلوب الأجنبي وإظهاره من روح الأسلوب العربي ما أمكن. أي إن الفرق شاسع بين العبث باللغة، وبين الحرص على تطويرها الرزين، دون أن تفقد أصولها. وللمترجمين دور هام في هذا الخصوص، لأن من شروط الترجمة الجيدة من اللغتين، الأصل والمستهدفة. المترجم يحمل في عنقه أمانة مزدوجة: الوفاء لكلا اللغتين».
كما نجده، انطلاقا من اعتقاده بأن الأمانة العلمية من أهم العناصر الذي أشار إليها، يرى أن الترجمة لا يمكن، ويجب ألا تبز الأصل إن كانت أمينة، وأن الترجمة الأمينة تنقل عمل الكاتب الأصلي بكل محاسنه وعيوبه.
نرحل مع القصص التي ترجمها لنا الدكتور النحاس، فتأخذنا إلى أجواء وآفاق وأماكن مختلفة داخل أستراليا وخارجها، وإلى تجارب تثير في النفس رؤى ومشاعر ذات إيحاءات وألوان متباينة ومؤثرة. في قصته «وعد» ينقلنا كنيدي أسطفان إلى ذكرياته في قرية لبنانية، ويصور لنا في قصته «إطلاق السبيل» ملامح من تجربته مع الاغتراب والهجرة. وفي هذا المنحى نجد بين القصص ما ينقلنا إلى شارع في نيويورك، أو إلى حقل في أفغانستان، أو إلى بعض الضواحي الأسترالية، أو بعض الشواطئ البحرية لهذا البلد القارة.
ومع تنوع طبيعة أحداث وأماكن وخلفيات القصص، نجد قصة بعنوان «قصة نيليكان»، يستوحي فيها كاتبها جون غريفين، زواج شقيقة جدة والدته من أفغاني، ويتحدث عن الصمت الحزين المكتوم الذي خيم على العائلة بعد هذه الواقعة. ولكنه مع ما قدمه من انتباهات وإضاءات جميلة في قصته، يدعنا نكتشف في سياقها العام كيف أن الجالية الأفغانية كان لها دور مهم في استقرار الناس بالمستوطنات البعيدة بين أحراش أستراليا في القرن التاسع عشر.
وبالانتقال إلى الكتاب الثالث والأخير «أبيات عبْر تاسمان»، الذي صدر في 172 صفحة من القطع المتوسط، نجد أنه ضم 48 قصيدة معاصرة لاثنين وعشرين شاعرا وشاعرة من أستراليا، وستة شعراء وشاعرات من نيوزيلندا.
عن سبب جمعه بين شعراء من البلدين المذكورين، يقول الدكتور النحاس إنهما يتشابهان «في كثير من عناصر تكوينهما الحديث، بما في ذلك تطور الشعر المعاصر المكتوب بالإنجليزية، لكن أستراليا تزيد مساحتها زهاء ثمان وعشرين مرة، وسكانها خمسة أضعاف سكان نيوزيلندا. بيد أن النوعية الرائعة للشعر النيوزيلندي تظهر جلية فيما اخترناه هنا. وكم حز في نفسي أن الشاعر النيوزيلندي جون أوكنر رحل منذ أشهر قليلة عن عالمنا دون أن يعلم بأمر هذا الكتاب».
وبما أن الحصة الكبرى في الكتاب كانت للشعر الأسترالي، يذكرنا الدكتور النحاس بإمكانية العودة بهذا الشعر إلى أغاني السكان الأصليين «الأبوريجينيين» التي ترجع إلى آلاف السنين، وفيها كثير من البلاغة والحكمة والتأمل، وحتى الحفاظ على البيئة. ولكن مع كون الكتاب مكرسا للشعر المكتوب بالإنجليزية، نجده يقول: «تطور الأدب الأسترالي، كموضوع أدبي مميز عن الأدب الإنجليزي، أمر يلفت الانتباه نظرا لقصر المدة الزمنية. كما أن بعض الكتاب الأبوريجينيين كانت لغة أعمالهم اللغة الإنجليزية». ويضرب مثالا على ذلك الشاعرة كاث ووكر، التي غيّرت اسمها إلى اسم ينسجم مع كونها أبوريجينية فصار «أودجرو بني نونكال»، إشارة إلى القبيلة التي تنتمي إليها.
وكما نقلتنا قصص الكتاب السابق إلى تجارب ومناخات لا تعرف حدودا بين أماكن أو دول أو بشر، تمضي قصائد هذا الكتاب في الاتجاه نفسه. ويمكن أن نختار نموذجا هنا الشاعرة لويز ويكلينغ التي قدمت لقصيدتها «يقظة الصباح» بكلمات من «يقظة الماء» لتشين يو – يي، من أسرة سونغ الحاكمة، هي: «لا جدوى لعالم مسكين مثلي، أن يكون تواقًا لعالم أفضل، ولكن ماذا بإمكاننا فعله إزاء كل الحروب؟ لا أرى حلاً واضحًا رغم اشتعال رأسي بالشيب». تستوحي الشاعرة أجواءً من ضاحية أوبرن في سيدني التي يكثر فيها العراقيون والأفغان.. وغيرهم من الللاجئين، ونجدها تتنقل عبر التقاطات وومضات ذكية بين صور مؤثرة عن معاناة هؤلاء اللاجئين.
وفي تقديم الشاعرة لقصيدة أخرى لها حملت عنوان: «المكتبة الوطنية.. بغداد.. 2003»، اختارت كلمات نشرها روبرت فيسك في جريدة «الإندبندنت» البريطانية تقول: «أمس، ملأ الرماد الأسود الناتج عن آلاف الوثائق العتيقة سماء بغداد». تمتزج مخيلتها الشعرية ووعيها الحاد مع الحدث، وتربط بينه وبين هولاكو الذي أحرق بغداد وكتبها. تختتم هذه القصيدة بقولها عن احتراق المكتبة:
وحين نقرأ عن مخطوطات
طارت مع الرياح
وأبنية أتلفتها ألسنة النار
تتفتّح في القلب فجوة
ماذا عن الكلمات؟
أيها الخطباء البكم، هل ستكون شاهدة
كبطاقات الهويّة المستخرجة من القبور؟



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.