كريستال بالاس يقود مربع جنوب لندن للمواهب الذهبية

كريستال بالاس يقود مربع جنوب لندن للمواهب الذهبية

المنطقة المنسية تحولت إلى مركز لاكتشاف اللاعبين البارعين ويطلق عليه اسم «برشلونة الجديد»
الاثنين - 7 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 18 يناير 2016 مـ
كريستال بالاس بدأ يجني ثمرات اكتشاف مواهبه من جنوب لندن (أ.ف.ب) - إيبي نجم ليفربول من اكتشافات جنوب لندن

شهدت السنوات الأخيرة تحول أحد أطراف جنوب لندن إلى مرتع للمواهب الإنجليزية الشابة والتي يعد نادي كريستال بالاس المستفيد الأكبر منها.

لقد سادت مشاعر سخرية منذ سنوات قليلة ماضية عندما جرى الإعلان عن خطط لتحويل منطقة كرويدون الباهتة الكئيبة بجنوب لندن إلى «برشلونة الجديد». وفي ظل خطة جديدة أقرها مسؤولو البلدية المعنيون بالمنطقة، تقرر تحويل المنطقة التي سبق وأن وصفها بطل العالم لوزن الثقيل للملاكمة ديفيد بوي بأنها: «هنا كل شيء لم أرغبه في حياتي، وكل شيء وددت الفرار منه»، من كابوس خرساني من الأبراج السكنية والمرور المتكدس إلى منطقة راقية تعج بالشوارع التي تحفها الأشجار من الجانبين والأبراج الزجاجية وما يطلق عليه اسم «الحدائق السماوية».

والملاحظ حاليًا أن أمرًا ما يجري بالفعل داخل منطقة كرويدون. وعلى رأس التطورات التي طرأت على المنطقة أنها أصبحت تفرز الكثير من لاعبي كرة القدم المحترفين. منذ عشرين عامًا، ألف هاري بيرسون كتابًا ذكيًا بعنوان «الطرف الأبعد»، وهو أشبه بخطاب غرامي يتغزل في كرة القدم في شمال شرقي لندن، والتي كانت ولا تزال «معقل» كرة القدم في العاصمة البريطانية.

في ذلك الوقت، كانت إنجلترا قد بلغت للتو للدور قبل النهائي لبطولة كأس العالم، وكان المنتخب يصم بين صفوفه أربعة لاعبين من شمال شرقي لندن. واللافت أن بوب بيزلي وبريان كلوف فازا بعدد كؤوس أوروبية تفوق ما نالته ألمانيا. وبدت حينذاك فكرة انتقال مدرب طموح عن طيب خاطر من نيوكاسل إلى كريستال بالاس أمرًا يتنافى مع المنطق.

الآن، تغير الوضع تمامًا. وفي غضون سنوات قلائل من الآن قد يجد أي شخص يحاول تحليل أكثر مراكز كرة القدم إنتاجية نفسه يتحول بعينيه باتجاه الجنوب. في الواقع، قد يكون من الأفضل البدء بمنطقة لا تتجاوز مساحتها 10 أميال مربعة في جنوب شرقي لندن تحدها منطقة «برشلونة إيه 23» على الطرف الجنوبي الغربي منها، بينما تمثل مناطق أوروبينغتون وولويتش ولامبيث الأطراف الثلاثة الأخرى.

جدير بالذكر أن مباراة كريستال بالاس، النادي الواقع عند مصب النهر بين مياه كرويدون الرقراقة وجنوب شرقي لندن، مع ساوثهامبتون في إطار بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم (انتهت بفوز الأول 2 / 1)، تعد لقاءً بين اثنين من أكثر الأندية التي ينتمي غالبية أبنائها للمنطقة المحلية التي تنتمي إليها على مستوى أندية الدوري الإنجليزي الممتاز. وخلال هذه المباراة، شاهدنا وجود ما يصل إلى أربعة لاعبين في صف كل فريق ممن ولدوا أو ترعرعوا أو التحقوا بمدارس على بعد أميال قليلة من ناديهم الحالي.

والملاحظ أن صعود جنوب لندن كمعقل لمواهب الدوري الممتاز لم يلق احتفاءً على نطاق واسع، لأن المعروف أن هذه المنطقة لا تعد واحدة من المعاقل التقليدية لكرة القدم الإنجليزية. وعلى مدار القرن الماضي، لعبت منطقة جنوب نهر التيمس دورًا ملحوظًا كمصدر للمواهب الإنجليزية اللافتة، بدءًا من فيفيان وودورد من كينينغتون وصولاً إلى ريو فيرديناند من نادي بيكام. ومع ذلك، ظلت المنطقة الشمالية الصناعية وميرسيسايد وإسيكس وإيست إند مراكز الإنتاج الحقيقية للمواهب الكروية. ولا يزال هذا الوضع قائمًا حتى الآن، حيث تشير الأرقام إلى أن 14 في المائة من لاعبي كرة القدم الإنجليز في الوقت الحاضر ينتمون إلى ذلك المربع الذهبي البالغ مساحته 10 أميال في جنوب لندن، بل إن بلدية كرويدون وحدها التي تضم 0.6 في المائة من السكان، أنتجت 5 في المائة من جميع اللاعبين الفاعلين في الدوري الممتاز، بينهم ويلفريد زاها وفيكتور موزيس ولويس غرابان من كريستال بالاس وجمال بلاكمان من تشيلسي وجيسون بونتشيون وكيران غيبس من خلال ناديه الأصلي ويمبلدون.

وتمتد هذه المنطقة الثرية من غرب حوض كرويدون عبر قناة «ساري» وصولاً إلى حوض السفن في روزرهايث ثم شرقًا على امتداد النهر. ورغم أن لجنة شؤون الانتقالات داخل ليفربول عملت بمثابة دار مقاصة للعناصر الفاشلة والضائعة في السنوات الأخيرة، فإنه في ما يتعلق بناثانيال كلاين وجوي غوميز وجودون آيبي (بريكستون وغرينويتش وبيرموندساي)، ربما نجح النادي في الفوز ببعض أفضل المواهب اللندنية، ويبدو أن هناك مواهب أخرى في الطريق. وفي الوقت الحاضر، يبدو أن محور لندن - كرويدون بمقدوره إعلان استقلاله بالنظر لما يتمتع به من كنوز كروية تتمثل في فريق كامل يضم بلاكمان وكلاين وغوميز وكريس سمولينغ وريان بيرتراند وبونتشيون وروبرت لوفتوس تشك وبين واتسون وآيبي وموزيس وزاها. في الواقع إنه فريق بمقدوره شق طريقه نحو بطولة أمم أوروبا القادمة.

من ناحية أخرى، ثمة تفسيرات بسيطة تقف وراء هذا الأمر، منها أن ضاحية جنوب لندن تتميز بكونها منطقة واسعة مزدهرة اقتصاديًا هذه الأيام. وعادة ما تجتذب الناشئين الطامحين لاحتراف كرة القدم إليها للانضمام إلى أكاديمية كرة القدم بها.

بجانب ذلك، فإن الحديث عن جنوب لندن ينقلنا حتمًا إلى قضية العرق، ذلك أن تقريبًا جميع لاعبي الدوري الممتاز المنتمين للمنطقة يتميزون ببشرتهم السمراء أو انتمائهم لأعراق مختلطة، ويشكلون جزءًا من المهاجرين وأبنائهم وأبناء أبنائهم الذين يعتبرون واحدًا من السمات المميزة للندن.

أثناء طفولتي، سبقت لي المشاركة في مسابقات الدوري بجنوب لندن، ولا يسعني سوى الاعتراف أن المنطقة غلب عليها أحيانا طابعًا عنصريًا وحالة من غياب النظام. ولدى قراءة السيرة الذاتية لإيان رايت يتضح للجميع بالتفصيل مدى صعوبة الحياة في جنوب لندن آنذاك ومدى الوحشية والقسوة التي سيطرت على بيئة كرة القدم في ذلك الوقت.

الآن، تبدلت الأوضاع. ورغم أن كرة القدم ربما لا تزال تعاني مشكلات، فإنها أصبحت تحمل طابعًا أكثر تقدمية وشمولية وتضم هياكل مثمرة. ويتجلى ذلك في العناصر الشابة التي أثمرتها المنطقة، فبالنظر إلى آيبي وغوميز وكلاين يتضح أننا أمام نماذج شابة ناضجة وذات بنية بدنية جيدة وأداء رياضي مثير للإعجاب. وليس علينا سوى التعامل مع أمثال هؤلاء الشباب على النحو الصائب لنضمن بذلك تمتع ليفربول بقاعدة قوية في جنوب لندن على مدار العقد القادم.

علاوة على أن النفوذ والثروة في تزايد داخل كرة القدم بالجنوب، فإن ثراء لندن وعدد سكانها الضخم وتكدس المواهب الكروية بمساحات حضرية محدودة والمستثمرين الخارجيين ووجود الأمل وتوافر الفرص - جميعها تعزز بعضها البعض.

جدير بالذكر أن مانشستر وليفربول ازدهرا للأسباب ذاتها المتوافرة حاليًا بلندن: الاستثمار الخارجي والاسم اللامع. في تلك الأثناء، تبدو لندن في حالة نشاط مستمر، حيث تشهد منطقة ويستهام حاليًا بناء استاد جديد على أحدث طراز بقيمة 600 مليون جنيه إسترليني من المال العام. أما توتنهام، فمثل آرسنال، يمكنه الاقتراض في أي وقت والبناء لأن لندن لن تبخل عليه بشيء. أما كريستال بالاس فيعكف على تبذير أموال البث التلفزيوني التي حصل عليها مؤخرًا، لكن هذا لا يثير القلق لأن المستقبل يبدو أمامه أكثر ازدهارًا. كما أن هناك مشروع إعادة تنمية جديدا بقيادة أميركية قد يترتب عليه ظهور نادٍ جديد، لكن هذا لن يحدث قبل أن يبلغ مربع لندن الذهبي الذي يحمل اسم برشلونة إلى ذروة تألقه.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة