قراءة جديدة في قصيدة «غريب على الخليج» لبدر شاكر السياب

صور تشبيهية مغايرة.. لكنها محببة

مشهد من الخليج.. وفي الإطار بدر شاكر السياب
مشهد من الخليج.. وفي الإطار بدر شاكر السياب
TT

قراءة جديدة في قصيدة «غريب على الخليج» لبدر شاكر السياب

مشهد من الخليج.. وفي الإطار بدر شاكر السياب
مشهد من الخليج.. وفي الإطار بدر شاكر السياب

في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، مرت الذكرى الثانية والخمسون لرحيل رائد الشعر العربي الحديث بدر السياب، الذي مات وحيدا في الكويت عن ثمانية وثلاثين عاما. هنا قراءة في واحدة من أهم قصائده، وهي قصيدة «غريب على الخليج». هذه واحدة من روائع بدر شاكر السياب الشعرية، إنْ لم نقل من روائع الشعر العربي الحديث عمومًا. كتبها الشاعر الخالد سنة 1953 بعد شهر من انتفاضة عام 1952 في العراق. كتبها السياب، بعد فشل الانتفاضة، وهو مشرد يضرب في آفاق الغربة، هاربًا – من خوف – بعد مساهمته الفعالة – مواطنًا وشاعرًا - في تلك الانتفاضة. وقد حطَّ به رحْل الهروب، حينئذٍ، في إحدى دول الخليج العربي (الكويت)، مشردًا صفر اليدين، بعيدًا عن الديار وعن الأحبة. فلا غرابة، إذن، أن تطغى ظلال الغربة والضياع والأسى والحنين وما سوى ذلك من عناصر معنوية على أجواء هذه القصيدة التي وظف فيها السياب، توظيفًا ناجحًا، ضربين مميزين من الأضرب الكثيرة التي يحتويها بحر الكامل، هما «متفاعلان – المذيَّل» و«متفاعلاتن – المرفل»، بما ينطويان عليه من قيم موسيقية تثير في نفس المتلقي شتى الأحاسيس والانفعالات. هذا فضلاً عن العناصر المادية، من طبيعية تحيط بالمكان الذي تفجرت فيه عاطفة الشاعر بهذه القصيدة الفذة – كالبحر الذي هو «أوسع ما يكون»، والريح اللاهثة حينًا والصاخبة حينًا آخر، وقلوع السفائن التي «تظل تطوى أو تنشر للرحيل»، والرمال الخليجية التي جلس عليها الشاعر «الغريب»، مسرحًا بصره المحير وهادًّا أعمدة الضياء بنشيجه العالي، والعباب (معظم السيل) الهادر الرغو، والمد الصاعد، والموج المعول.. هذا ناهيك بالعناصر البشرية المتمثلة في الشاعر المشرد ذاته، وأولئك الرجال الحفاة العراة من جوابي البحار، الذين زحموا مياه الخليج بقلوع السفائن التي كانوا وما زالوا يكتدحون أُجَراء لأربابها ومالكيها المترفين.
وقد استطاع الشاعر أن يجسد عناصر الطبيعة تلك تجسيدًا ينبض بالحياة والحركة التي تتفجر عنهما شتى الأصوات التي تشكل الصور الشعرية المعبرة عن الأجواء المادية المحيطة بالمكان، من جهة، والمتغلغلة في ذات النفس البشرية – وفي مقدمتها نفس الشاعر المعبِّر -، من جهة أخرى. وقد استعان، في سبيل إبراز صوره الشعرية بأدوات التشبيه حينًا، لكي يقابل لوحة بأخرى، وباللجوء إلى الاستعارة، حينًا آخر، متخليًا – بذلك – عن استعمال الأدوات التشبيهية التي يخيل إلينا أنها قد طفحت عن الكيل، فأدرك الشاعر، أو تدارك، أنها قد توشك أن تفسد أجواء عمله الفني:
الريح كالجثام – الصوت المتفجر كالمد الصاعد، كالسحابة، كالدموع – باب كالقضاء - جوع كجوع كل دم الغريق إلى الهواء – الأرض كالأفق العريض – كأن كل دمي اشتهاء – بُقْيا النعاس كالحجاب من الحرير – الفرح الخفي كالضباب...
وقد يبدو بعض هذه الصور التشبيهية أو أغلبها غريبًا، لكنها غرابة محببة، سرعان ما يألفها المتلقي، لما تنطوي عليه من طرافة وجمال، لا سيما إذا ابتعدنا عن النظر الجزئي إلى طرفي التشبيه (المشبه والمشبه به) ونظرنا إلى العملية الإبداعية هنا نظرة شمولية – الألفاظ داخل النص الذي وردت فيه. ولنتمعن – مثلا – في إحدى هذه الصور التشبيهية التي تبدو غريبة أول وهلة: «باب كالقضاء» – بما يتولد عن التشبيه من صورة مرئية في أحد جانبيها ومتخيلة في جانبها الآخر - مادية ملموسة (باب) ومعنوية متصورة (القضاء)، الذي هو الحكم أو الموت. التشبيه يبدو غريبًا إذا ما استللناه من مجموع النص، كما نستل عضوًا من جسد متكامل.. لكن الغرابة ستزول إذا ما أعدناه إلى مكانه الطبيعي:

«ووراء بابٍ كالقضاءْ
قد أوصدته على النساءْ
أيدٍ تطاع بما تشاءُ، لأنها أيدي رجالْ..».
الباب إذن محكم الإغلاق قد أوصدته أيدي رجال شداد غلاظ.. هذا ما ترفدنا به الصورة التشبيهية المسوغة الغرابة حينما تطل علينا من داخل النص بكامله.
وثمة صورة تشبيهية أخرى مماثلة ذات حدين أحدهما (المشبه) مادي والآخر (المشبه به) معنوي: «كأن كل دمي اشتهاء».
وتنعكس الصورة في لوحات تشبيهية أخرى؛ إذ يجيء المشبه معنويًا، في حين يأتي المشبه به ماديًا، مثل: «بُقْيا النعاس كالحجاب من الحرير»، فالمشبه هنا (بقيا النعاس) معنوي، والمشبه به (الحجاب من الحرير) مادي. ومثل ذلك أيضًا: «الفرح الخفي كالضباب».
أما الصور المتولدة عن التشبيهات التي تخلى فيها الشاعر عن استعمال الأداة، لتحل الاستعارة فيها محل التشبيه حينًا، أو تبقى محتفظة بطرفي التشبيه، دون الأداة، حينًا آخر، فيمكن أن نورد لها الأمثلة الآتية: الريح تلهث – الريح تصرخ – الموج يعول – القرى المتهيبات – وجه أمي وصوتها المتزلقان مع الرؤى – العراق دورة أسطوانهْ – وهذه الدورة هي دورة الأفلاك من عمر الشاعر، وهي وجه أمه وصوتها، وهي النخيل، وهي المفلية العجوز... وتثير انتباهنا هذه الصور المتولدة عن دورة الأسطوانة بما تحمل من تداعيات تعود بالشاعر من ديار الغربة إلى أرض الوطن الحبيب وإلى عالم الطفولة البريئة والطبيعة العراقية الجنوبية بما تزدحم به من صور ولوحات مألوفة، مازجًا عالم الواقع المعيش بعالم الخيال النابض في حكايات العجائز:

بالأمس، حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق..
وكنت دورة أسطوانهْ
هي دورة الأفلاك من عمري،
تكور لي زمانه
في لحظتين من الزمان، وإن تكن فقدت مكانه،
هي وجه أمي في الظلامِ
وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنامْ
وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروبِ
فاكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لا يؤوبُ
من الدروبِ،
وهي المفلية العجوز وما توشوش عن «حِزام»
وكيف شق القبر عنه أمام «عفراء» الجميلهْ
فاحتازها.. إلا جديلة..
إن الصور تتلاحق في هذا المقطع ويأخذ بعضها بتلابيب البعض الآخر، حتى نصل إلى نهاية المطاف مع الأساطير المحيكة حول الشاعر العاشق عروة بن حزام وحبيبته الجميلة عفراء.
ويستمر الشاعر في عرض لوحاته التصويرية بأسلوب يمزج فيه بين عالمين: عالم الحلم المحكي، وعالم الواقع المرئي، فنشعر من خلال «دورة الأسطوانة» أن السياب بعيد غريب عنا، من جهة، وحاضر قريب منا، من جهة أخرى.. بعيد ماديًا بجسده، وقريب معنويًا بروحه، بأحاسيسه، وبذكرياته المتداعية من خلال «دورة الأسطوانة» إياها:

زهراء، أنتِ.. أتذكرينْ
تنورَنا الوهاج تزحمه أكف المصطلينْ؟
وحديث عمتي الخفيضَ عن الملوك الغابرين؟
ووراء بابٍ كالقضاءْ
قد أوصدته على النساءْ
أيد تطاع بما تشاء، لأنها أيدي رجالْ –
كان الرجال يعربدون ويسمرون بلا كلالْ
أفتذكرينَ؟ أتذكرينْ؟
سعداءَ كنا قانعينَ
بذلك القصص الحزين لأنه قصص النساءْ
حشد من الحيوات والأزمان كنا عنفوانَهْ
كنا مداريهِ اللذينِ ينال بينهما كيانَهْ
أفليس ذاك سوى هباءْ
حلمٌ ودورةُ أسطوانه؟!
وفي هذا المقتبس المبتدئ بكلمة «الأمس» والمنتهي بكلمة «أسطوانه» يبهرنا الشاعر بتدفق موسيقاه ذات الإيقاعات المتولدة من تكرار القوافي النونية خاصة، الساكنة المجردة، سواء الداخلية منها، الواقعة ضمن تفعيلات «الحشو»، أو الخارجية التي تشكل قافية تفعيلات «الأضرب»، أو تلك القوافي النونية غير المجردة، ولنقل «المزيدة» في مصطلح علم الصرف، مثل: أسطوانَهْ – زمانَهْ – مكانَهْ – عنفوانَهْ – كيانَهْ.
وتواجهنا مثيلات هذه النغمات الإيقاعية المتولدة من تكرار القوافي الداخلية والخارجية، على مدى المساحة التي شُيَّد فوقها صرحُ القصيدة؛ ففضلاً عن تكرار قوافي حرف النون، نلاحظ أيضا قوافي الكلمات: الخليج – عراق – الأجنبية – خطيه».



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.