روبير سوليه لـ«الشرق الأوسط»: السادات شخصية أحبت عنصر المفاجأة.. والسيسي قادر على الحفاظ على الدولة في منطقة ملتهبة

روبير سوليه لـ«الشرق الأوسط»: السادات شخصية أحبت عنصر المفاجأة.. والسيسي قادر على الحفاظ على الدولة في منطقة ملتهبة

الصحافي الفرنسي يستعرض حال مصر في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية
الاثنين - 8 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 18 يناير 2016 مـ
روبير سوليه

غياب الصحافي الفرنسي روبير سوليه عن مصر بين عامي 1963 و1984 لم يحل دون معرفته بتحولاتها الكبيرة. فالمدن المصرية سكنته، حتى في فترات غيابه عنها، كما كان يسكنها، منذ طفولته حتى عصر الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وعودته إليها لاحقًا في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.
في فترة غيابه خضعت مصر لتحولات كبيرة، ليس أقلها التحول السياسي متبوعًا بتحول اقتصادي في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات. طالت التغييرات الكبرى كل جوانب الحياة التي رصدها، حين عودته، فوثّق تلك المرحلة، انطلاقًا من الإضاءة على تجربة السادات السياسية، وإدارته للبلاد من منطلقات ذاتية تتسم بالتناقض في شخصيته. فهو «الممثل»، و«العمدة» و«رجل الدولة» و«رجل المفاجآت»، كما يراه سوليه.
في كتابه الأخير الذي حمل عنوان «السادات» إضاءات جديدة على شخصية الرئيس المصري الراحل، بتناقضاتها وإنجازاتها وإخفاقاتها. ويُعتبر هذا الكتاب امتدادًا لتجربة بدأها الصحافي في جريدة «لوموند» الفرنسية الذي وُلد في مصر بالكتابة عن البلاد، في محاولة لفك بعض من ألغازها عبر روايات ثلاث، مما أهَّله ليكون الخبير والمراقب لتحولات اجتماعية وسياسية، ليضيء عليها من رؤيته، ويتحدث عنها في هذا الحوار مع «الشرق الأوسط».
* هل تعتبر أن ما جمعته عن السادات في وقت غيابك عن مصر كان كافيًا؟
- في الحقيقة لا أعرف إذا كانت هناك أمور جديدة بقدر ما هناك تفاصيل كثيرة لا يعرفها الكثيرون، مثل اسم السادات نفسه، حيث كان اسمه «الساداتي». بالتأكيد، ليس توثيق هذا التفصيل سبقًا صحافيا، لكنه لم يكن معروفا في مصر بهذه التسمية (الساداتي). حاولت أن أجمع كل شيء عن رجل يعتبر شخصية جدلية، ومتناقضًا. واكتشفت أنه في طفولته كان يحاول أن يكون ممثلاً في فيلم. لم أكن على دراية بهذا الجانب قبل بحثي. هذا الأمر مهم جدًا، لناحية تأثيره على سلوكه السياسي فيما بعد. كان شخصية ممثلة.
* كيف تعزز هذا الانطباع بأنه كان ممثلاً أيضًا في السياسة؟
- كان شخصية تحب عنصر المفاجأة، كأنه ممثل في مسرحية. حين وصل إلى سدة الرئاسة كان في كل عام يحدث مفاجأة. ففي العام الأول أحدث تغييرًا في السلطة، وفي العام التالي قلص نفوذ الاتحاد السوفياتي، وفي العام الثالث بادر إلى حرب أكتوبر. هذا رجل يحب المفاجآت. نفذ أدوارًا مسرحية في أدائه السياسي. وحين قال قبيل رحلته إلى القدس إنه عازم على القيام برحلة إلى المدينة أمام ياسر عرفات، بدا وكأنه ممثل كوميدي، لكنه لم يكن هزليًا في الواقع. هو ممثل لأنه نفذ شيئًا غير متوقع.
* هل ترى أن هذا الجانب من شخصية السادات كان سببًا لعدم إعجابك به؟
- طبعا، لكن هناك أمرًا آخر أهم. بالنسبة لي، السادات كان ذكيًا، ويتمتع بوجهين. الوجه الأول يتمثل في أنه كان رجل دولة، وقادرًا على المضي عكس الرياح، ويتخذ قرارات مصيرية، مثل الذهاب إلى القدس. وبصرف النظر عن تأييده في سلوكياته من عدمه، القصة هي أن الرجل القادر على اتخاذ قرارات مشابهة هو في الحقيقة رجل دولة. أما الوجه الثاني له فهو «عمدة» بالمعنى التقليدي لمفهوم الزعامة في مصر. كان يعد نفسه «عمدة»، ويفرض على الآخرين طاعته. ولم يكن ديمقراطيًا. ما أكرهه في السادات أنه لعب مع «الإخوان»، وهو خطأ كبير، حيث حاول إعادة إدخال «الإخوان» إلى السياسة المصرية، لمحاربة الناصريين، واليسار المصري. كان خطأ جسيمًا، في الثمانينات، حيث ضرب دولة عبد الناصر. لذلك، لم يكن متوازنًا؛ هو «عمدة» و«سوبر ستار» في الوقت نفسه.. من جهة، هو رجل دولة ومتعاطف مع المصريين والفلاحين.. وعلى الجهة المقابلة كان سياسيًا صغيرًا بلعبه مع «الإسلاميين» و«الإخوان». وكان ذكيًا لكنه لم يكن متعلمًا.
* هل أنت معجب بالتجربة الناصرية؟
- أنا معجب بجمال عبد الناصر، وغير معجب به في الوقت نفسه، لأنه ارتكب أخطاء جسيمة. من جهة، ناصر أعطى الكبرياء للمصريين، وزودهم بمشاعر الفخر، وكان قائدًا حقيقيًا، لكنه ارتكب أخطاء جسيمة في الجانب الاقتصادي والسياسة الدولية وفي دخوله إلى اليمن وتجاه الصراع مع إسرائيل.
* تركت مصر في عام 1963، ورجعت في عام 1984. ماذا تغير في مصر بالنسبة إليك؟
- الديموغرافيا. في عام 1963 كان يقيم في مصر 28 مليون شخص، وفي عام 1984 كان الرقم قد وصل إلى 46 مليون نسمة. تغيرت المعالم في المدن، وبالتالي تغير كل شيء في البلاد. كذلك تبدلت خريطة التحالفات، فمصر كانت حليفة للاتحاد السوفياتي، بعدها باتت حليفة للولايات المتحدة. كما أن إسرائيل كانت في الستينات عدوة، لكنها في الثمانينات دخلت عهد السلام، حتى لو كان الشعب غير مقتنع بعد بالسلام مع إسرائيل.
* هل كان تغير وجه مصر لديك محفزًا للكتابة عنها؟
- كتبت عن مصر لأنني أريد أن أفهم لماذا عائلة مثل عائلتي جاءت مصر في القرن التاسع عشر، وقررت أن تقيم طوال تلك المدة. كنت بحاجة لأفهم ذلك، وقدمته في رواياتي. كتبت أول رواية اسمها «الطربوش» وكانت ناجحة، فشجعتني على الاستمرار، فكتبت روايتين أخريين. وبعد الروايات الثلاث رجعت إلى مصر، وأحببتها، رغم أنها بدت بلدًا جديدًا عليّ، وتقبلتها. بالتأكيد كان عندي حنين للماضي، ولطفولتي، لكنني أعشق مصر، وأحب المصريين ولغة المصريين ونكاتهم، وأحب الفول والفلافل.
* يقال إن الناس في مصر تبدّلوا، وبات الضحك ينتشر بفعل السلام. هل لمست هذا الأمر؟
- الشعب المصري يضحك من 6 آلاف عام. الانفتاح الساداتي لم يكن في الاقتصاد فقط، بل هو انفتاح نفسي. جاء النجوم الأميركيون، وعادة يحب المصريون الأميركيين. لقد رأيت بلدًا منفتحًا ومغلقًا في الوقت نفسه، وهو أمر نادر حدوثه في دول العالم. وهو أمر يثير أسئلة ونقاشات ويحفز على الكتابة.
* في الجانب السياسي، ماذا شاهدت في مصر بعد عام 1984؟ تقول في كتابك إن ما أنجزه مبارك كان تنفيذًا لقرارات اتخذها السادات.. هل هذه هي الرؤية لعهد مبارك؟
- نعم، لأن مبارك قضى 29 عامًا، ونفذ ما أسس له السادات: وطّد العلاقات مع الولايات المتحدة، وضاعف الأداء الرأسمالي.. في الواقع، أنجز مبارك خطوات التحديث في المجتمع، واهتم بجذب السياح، وأسس لإيجاد الإنترنت لأن السياحة والبنوك والفنادق تحتاج إلى الإنترنت، لكن الإنترنت نفسه ارتد عليه في عام 2011. مبارك لم يقم بتغيير استراتيجي في مصر، ولعب كما السادات، مع الإسلاميين. كان يجاهر بأنه ضد «الإخوان»، وكان يخير المصريين بينه وبين «الإخوان»، وكأنه لا أحد آخر غيرهما.
* اليوم، في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، هل ترى تغييرًا أساسيًا في مصر؟
- مصر اليوم تواجه مشكلتين أساسيتين، هما الأمن والاقتصاد. الأخيرة مهمة كثيرًا بسبب الازدياد في أعداد الفقراء، وتراجع السياحة والاستثمارات، فضلاً عن العجز. أيضًا، الأمن هو مشكلة جديدة، بسبب الحرب في سيناء ضد الإرهاب، ووجود الإرهاب في محيط مصر من ليبيا إلى غزة والسودان. لذلك، المشكلات التي تعتري مصر الآن تقوّض حركة الدولة. لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم قادر على الحفاظ على الدولة في منطقة ملتهبة، إذ انهارت بلدان في الشرق الأوسط مثل العراق وسوريا.
* إذا كانت لديه تحديات الأمن والاقتصاد، هل تعتبر الحفاظ على الدولة نجاحًا؟
- نعم، هو نجاح، والسيسي نجح في هذا الجانب. هو يمتلك شعبية لأن الكثير من المصريين يعارضون «الإخوان». لكن أهداف ثورة 2011 الداعية إلى زيادة الحرية والعدالة الاجتماعية والتقليل من الفساد والقضاء على التعذيب، لم تتحقق، لأننا لم نشهد حريات كثيرة في هذا العهد. لكنها ليست مشكلة السيسي.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة