شكل النواب المستقيلون من حركة نداء تونس، الحزب الحاكم، كتلة برلمانية جديدة أطلقوا عليها اسم «الكتلة الحرة»، وأودعوا أمس طلبا رسميا بذلك في مكتب مجلس نواب الشعب (البرلمان).
وتضم هذه الكتلة المحسوبة على محسن مرزوق، الأمين العام المستقيل من حزب النداء، 17 نائبا، يترأسها عبد الرؤوف الشريف، فيما تتولى هاجر العروسي منصب نائب الرئيس. ومن المنتظر أن يرتفع العدد إلى 22 نائبا برلمانيا.
وينتمي البرلمانيون الذين شكلوا هذه الكتلة البرلمانية الجديدة، إلى «مجموعة الثلاثين» التي قدمت استقالتها قبل نحو ثلاثة أشهر إلى البرلمان، ثم سحبتها في الساعات الأخيرة قبل دخولها حيز التنفيذ، تطبيقا للفصل 38 من النظام الداخلي للبرلمان، الذي ينص على أن الاستقالة لن تكون نافذة، إلا بعد مضي خمسة أيام من تاريخ تقديمها.
وتراجعت بعض أعضاء المجموعة عن الاستقالة، لكنّ عددا من عناصرها تمسك بتقديم الاستقالة بشكل نهائي، والقطع مع حزب نداء تونس، تحضيرا لتشكيل إطار حزبي جديد يقوده محسن مرزوق، على أن يعلن عنه في الثاني من مارس (آذار) المقبل.
وفي هذا الشأن، قال وليد جلاد عضو هذه الكتلة البرلمانية الجديدة لـ«الشرق الأوسط» إن الإعلان الرسمي عن هذه الكتلة البرلمانية سيكون يوم الثلاثاء المقبل خلال الجلسة البرلمانية، وتوقع أن يرتفع عدد نواب الكتلة البرلمانية «الحرة» إثر التحاق خمسة نواب آخرين وانتهاء المدة القانونية التي يتطلبها النظام الداخلي للبرلمان للتراجع عن الاستقالة، التي تقدر بخمسة أيام من تاريخ إيداع نص الاستقالة بمكتب المجلس.
وحسب مراقبين للشأن السياسي، فإنه من شأن هذه الكتلة البرلمانية الجديدة أن تصبح «لاعبا جديدا في المشهد البرلماني، له ثقله على مستوى التمثيل والتصويت، وأيضًا نصيبه من اللجان البرلمانية. وهذا التغيير في مستوى الترتيب ليس معطى عدديا فقط، بل له تبعات في مستوى الصلاحيات والنفوذ في هياكل البرلمان. فالكتلة الأولى تستطيع حسب قانون النظام الداخلي اختيار المناصب التي ترغب فيها في مكتب المجلس، ثم يتم تمكين الكتل الأقل عددا منها من الاختيار فيما تبقى من مناصب».
ومن المنتظر أن تغير هذه الكتلة السياسية الخريطة البرلمانية والتوازنات داخل البرلمان، ونتيجة لتوالي الاستقالات داخل حزب النداء، فإن حركة النهضة باتت تحتل المرتبة الأولى داخل البرلمان التونسي بـ69 مقعدا برلمانيا، تليها حركة نداء تونس بنحو 64 مقعدا برلمانيا، فيما يحتل الاتحاد الوطني الحر المرتبة الثالثة بـ16 مقعدا، والجبهة الشعبية بـ15 مقعدا، ثم يأتي حزب آفاق تونس بـ8 مقاعد في المرتبة الخامسة.
وفي هذا السياق، قال قيس سعيد الخبير التونسي في القانون الدستوري، إن النظام الداخلي للبرلمان التونسي يعتمد على التمثيل النسبي، أي إن كتلة الأغلبية تحتل الأولوية في كل هياكل البرلمان، فإضافة إلى اختيار من سيمثلها في مكتب المجلس (البرلمان) فإنها تختار أيضًا اللجان التي ستترأسها، وتكون لها الأغلبية العددية في اللجان، اعتبارا إلى أنها تملك العدد الأكبر من البرلمانيين.
وضغط محمد الفاضل بن عمران، رئيس الكتلة البرلمانية لنداء تونس، على النواب المستقيلين من خلال تأويل الفصل 50 من الدستور، الذي ينص أن «الشعب يمارس السلطة التشريعية عبر ممثليه بمجلس نوّاب الشعب أو عن طريق الاستفتاء».
وأضاف النائب في البرلمان أنه منح تفويضا من قبل الناخبين لتمثيلهم والتحدّث باسمهم، والدّفاع عنهم على أساس البرنامج الانتخابي الذي تبنّاه، ووعدهم بتنفيذه في حملته الانتخابيّة، وقال إنه لا يجوز له بعد الانتخابات تحويل مساره، وفكّ الارتباط بناخبيه وبحزبه من تلقاء نفسه. ومباشرة بعد ذلك رد عليه النواب المستقيلون بأن النائب يصبح بمجرد الدخول إلى البرلمان نائبا عن الشعب، وليس نائبا عن حزب سياسي، وهو ما ينبئ باندلاع معركة قانونية في حال الإعلان الرسمي عن الكتلة البرلمانية الجديدة.
وفي السياق ذاته، أعلن أمس 17 عضوا من أعضاء اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لحركة نداء تونس، في بيان لهم، استقالتهم من جميع هياكل الحركة على خلفية نتائج المؤتمر التأسيسي الذي عقده الحزب الحاكم بمدينة سوسة يومي 9 و10 يناير (كانون الثاني) الحالي.
وقال أحمد ونيس عضو اللجنة في تصريح إعلامي إن استقالة أعضاء اللجنة يأتي على خلفية عدم اعتماد البرنامج، الذي عملت عليه اللجنة منذ تشكيلها في شهر يوليو (تموز) 2012، واتهم هيئة تنظيم مؤتمر سوسة بإلغاء البرنامج الاجتماعي والاقتصادي الذي اشتغلت عليه اللجنة طيلة نحو ثلاث سنوات. وأكد الاستقالة النهائية من هياكل حزب النداء بقوله إنه «لم يعد للأعضاء المستقيلين من انتساب إلى الحزب بشكل نهائي».
وبصرف النظر عن العدد الرسمي للقياديين المستقيلين من الحزب ومن كتلته البرلمانية، فقد بات مؤكدا أن حزب النهضة أصبح بفضل تجانس نوابه صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان، بعد أن تجاوز عدد المستقيلين من كتلة «حزب النداء»، حسب الناطق الرسمي للبرلمان حسان فتحلي الـ22.
ويقدر عدد البرلمانيين المستقيلين من الحزب والحكومة بأكثر من 30 شخصا، بينهم ثلة من أبرز المؤسسين مثل محمود بن رمضان وزير الشؤون الاجتماعية، وسعيد العايدي وزير الصحة، والناطقة الرسمية السابقة باسم نواب الحزب ليلى الشتاوي، والرئيسة السابقة لجمعية النساء الديمقراطيات المحامية بشرى بالحاج إحميدة.
وإذ يؤكد عدد من النواب المستقيلين، مثل حسونة الناصفي، الرئيس السابق لاتحاد طلاب الحزب الحاكم، أنهم لا يفكرون حاليا في الانضمام إلى أي حزب، فإن قياديين آخرين من بين «الغاضبين»، مثل وزير الخارجية السابق الطيب البكوش، لا يزالون في مرحلة إجراء «مشاورات» بحثا عن «توافق جديد» يوحد غالبية المعارضين الجدد للحزب الذي أوصلهم إلى الحكم.
وحسب البرلمانيين منذر بالحاج علي ومصطفى بن أحمد يبقى الملف الكبير والأخطر الذي فجر مثل هذه الانشقاقات هو «عدم احترام قيادة حزب نداء تونس لتعهداته للناخبين بعدم التحالف مع الإسلاميين، وحزب راشد الغنوشي في حكومة واحدة».
لكن محمد الناصر، رئيس البرلمان والرئيس السابق للحزب، يرى أن «نتائج الانتخابات لم تمنح حزب النداء إلا نحو 40 في المائة من الأصوات والمقاعد، فكان لا بد أن يتعايش في نفس الحكومة وضمن نفس الائتلاف مع ثلاثة أحزاب أخرى، وعلى رأسها حركة النهضة التي فازت وقتها بالمرتبة الثانية».
نفس الموقف دافع عنه الرئيس الباجي قائد السبسي، والقياديون الموالون له، مثل رؤوف الخماسي ومحمد الفاضل بن عمران وبوجمعة الرميلي، حيث أكدوا جميعهم أن «التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تواجهها البلاد تستوجب تشكيل ائتلاف رباعي يدعم رئيس الحكومة المستقل الحبيب الصيد».
ووصف قائد السبسي مثل هذا الخيار بـ«الوسطية»، واتهم معارضي مثل هذا التوجه «التوافقي» بالتخريب والانحراف، معلنا في كلمة توجه بها إلى الشعب بأنه «لا مكان لهؤلاء المعارضين للوسطية بيننا مستقبلا».
وزادت الأوضاع تأزما داخل حزب الرئيس الباجي قائد السبسي بعد مشاركة راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الأول للحزب السبت الماضي، بينما تغيب بعض مؤسسيه من رموز اليسار والتيار القومي. وقد جرت العادة أن يدعى قادة الأحزاب إلى إلقاء كلمات في مؤتمرات بقية الأحزاب، إلا أن جانبا من أطر حزب النداء، الذين سبق أن وقعت تعبئتهم قبل انتخابات 2014 ضد الإسلاميين وضد راشد الغنوشي شخصيا، لم يقبلوا ما وصفوه بأنه «تطبيع مبالغ فيه بين قائد السبسي والغنوشي».
وفجرت كلمة الغنوشي في مؤتمر «النداء» تناقضات كثيرة، من بينها تشبيهه لتونس بـ«طائر له جناحان: النهضة والنداء». لكن الغنوشي رد على هؤلاء المنتقدين لخيار التوافق بكون هذا الخيار بدأ منذ صيف 2013، وذلك عندما تنقل للقاء زعيم حزب نداء تونس وقتها الباجي قائد السبسي في مستشفى باريس، واتفقا على أن تستقيل حكومة النهضة من الحكم، مقابل تعهد كل الأطراف بتشكيل حكومة «توافقات» بعد انتخابات 2014 وهو ما تحقق فعلا.
والسؤال اليوم هو هل سيدوم هذا التوافق أم سينهار البيت على كل من فيه، وخاصة أن المؤشرات الاقتصادية والأمنية سلبية جدا؟ وهل سينهار الحزب الحاكم فقط؟ أم تتسبب أزمته في تفجير كامل الائتلاف الحاكم، رغم تطمينات قائد السبسي وزعيم حركة النهضة، التي أصبحت الحزب الأول في البرلمان؟
تونس: المستقيلون من الحزب الحاكم يشكلون كتلة برلمانية جديدة
توالي الاستقالات داخل «النداء» جعل «النهضة» تحتل المرتبة الأولى داخل البرلمان
عناصر من الشرطة يؤمنون جانبا من احتفالات التونسيين بالذكرى الخامسة للثورة (رويترز)
تونس: المستقيلون من الحزب الحاكم يشكلون كتلة برلمانية جديدة
عناصر من الشرطة يؤمنون جانبا من احتفالات التونسيين بالذكرى الخامسة للثورة (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








