فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»

مسيرة الفنان اللبناني الشهير صاحب الصوت العذب.. انقلبت خلال سنتين رأسا على عقب

فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»
TT

فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»

فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»

من «أمير الرومانسية» إلى «مطرب متطرف مطلوب للإعدام».. هكذا يمكن اختصار مسيرة الفنان اللبناني صاحب الصوت الراقي والعذب فضل شاكر.
هذا التحول الجذري في حياته جعله يترك بصمة صادمة لدى جمهوره ومحبيه في لبنان والعالم العربي، فهو الذي يجمع عارفوه على أنه كان بعيدا كل البعد عن العنف والتعصب الديني، تحول خلال سنتين إلى متطرف لا يفارق الشيخ السلفي أحمد الأسير الداعي إلى «نصرة أهل السنة»، رافعا لواء الدفاع عن الثورة السورية.
شيئا فشيئا، بدأت مواقف شاكر تتصاعد مذهبيا وسياسيا على طريق الأسير، لتصل إلى التصويب المباشر على حزب الله اللبناني وأمينه العام حسن نصر الله الذي يدعم النظام السوري. أما الصدمة الكبرى فكانت في يونيو (حزيران) الماضي، إثر المعارك التي شهدتها صيدا (في جنوب لبنان) بين عناصر الأسير والجيش اللبناني، والتي انتهت بفرار كل من الأسير وشاكر إلى جهة مجهولة، وتحولهما إلى مطلوبين للعدالة، إلى أن أصدر الأسبوع الماضي، قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا، قراره الاتهامي بملف حوادث عبرا طالبا الإعدام لهما ولـ55 آخرين. وفي رد منه على هذا القرار، علق شاكر، المتواري عن الأنظار، عبر موقع «تويتر» قائلا: «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. هذا افتراء وظلم ما بعده ظلم، لم أقاتل ولم أقتل أحدا يوما ما». وفيما ترجح بعض المعلومات هروب كل من الأسير وشاكر إلى مخيم عين الحلوة الفلسطيني في صيدا، بات مؤكدا مقتل شقيق شاكر، عبد الرحمن، الذي كان يشغل منصب المسؤول العسكري لدى الأسير، الذي كان له الدور الأبرز في التبدل الذي طرأ على حياة أخيه.
ومنذ أحداث صيدا، لا يزال ظهور شاكر مقتصرا على مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما «تويتر». وقد أطلق في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنشودة بمناسبة «عيد الميلاد»، وأصدر بعدها بيانا، معلنا فيه عدم صلته بالحسابات التي تحمل اسمه، باستثناء واحد، لا سيما أن المزيفة منها تظهره في صورة المحرض على القتل والتفجيرات ومحاربة الجيش اللبناني. وقال شاكر إن إطلاقه الأنشودة جاء لتوضيح ما يحمله الدين الإسلامي من احترام للدين المسيحي. وختم بيانه: «أنا لست إرهابيا أو تكفيريا.. أنا لبناني مسلم، وحقي أن أعيش فيه بكرامتي، رافضا الظلم من أحد أو على أحد».
هذا التحول الذي طرأ على حياة شاكر، والذي وإن لاقى ردود فعل سلبية من عدد كبير من عارفيه وأصدقائه في الوسط الفني والشعبي في لبنان والدول العربية، لا يزال يشكل صدمة بالنسبة لبعض من عمل معه.. «منذ بدايته الفنية عرف شاكر برقته وكرمه ومحبته لأصدقائه من مختلف الطوائف. لم تكن يظهر عليه أي إشارات أو سلوك يعكس تعصبه أو تطرفه»، بهذه الكلمات يصفه ناصر الأسعد، قائد أوركسترا شاكر السابق، الذي رافقه منذ عام 1995 حتى عام 2010. فيما يعد الموزع الموسيقي بلال الزين صورة شاكر التي أظهرته مجرما أنها لا تمت إلى حقيقة هذا الفنان بصلة، مؤكدا «لا يمكنه أن يقتل صرصورا».
ويقول الأسعد لـ«الشرق الأوسط»: «فضل من أكرم وأطيب الأشخاص الذين عرفتهم في حياتي، لكنني أعتقد أنه ضحية الوضع السياسي والطائفي المتردي في لبنان. كان محبا وصادقا وصدوقا مع كل من حوله. معظم أصدقائه المقربين منه كانوا مسيحيين، ومدير أعماله كان كذلك. رغم أنه إنسان مؤمن، فإنه لم يكن يتعامل بطائفية أو تعصب مع أحد»، مضيفا: «التحول الأكبر في حياة شاكر بدأ يظهر في عام 2010، حين أعلن في برنامج (تاراتاتا) أنه سيعتزل الفن عندما ينتهي تعاقده مع شركة (روتانا)». ولا يخفي الأسعد انزعاجه وتأثره من هذا التحول في حياة صديقه وكذلك اعتزاله، وهو ما سبق له أن عبر له عنه مرارا خلال اللقاءات التي كانت تجمعهما، لافتا إلى أنه بقي على تواصل دائم مع شاكر، وكان آخر اتصال بينهما قبل ثلاثة أيام من أحداث صيدا، لكن شاكر كان يبدو مقتنعا وواثقا بما يقوم به رافضا كل ما هو عكس ذلك.
ويعزو سبب التطرف الذي وصل إليه شاكر في الفترة الأخيرة، إلى تأثير وضغوط نفسية ومعنوية ومذهبية تعرض لها من الذين حوله. وبتأثر وحزن يعبر الأسعد عن صدمته من رؤية صديقه في مشاهد لا تعكس حقيقة هذا الإنسان، وفق تعبيره، لا سيما تلك التي ظهر فيها حاملا السلاح، واصفا الفيديو الذي ظهر فيه يعلن عن مقتل اثنين من حزب الله، بـ«الخطأ الكبير».
بلال الزين، الموزع الموسيقي الذي تعاون مع شاكر في أعمال كثيرة حققت نجاحات مميزة، يقول: «ما وصل إليه شاكر هو نتيجة لما يحصل في لبنان، ومن الظلم تصويره مجرما بهذه الطريقة. لا يمكن الحكم على ما حصل انطلاقا من وجهة نظر شخصية، بل الأمر يتطلب تحقيقا شفافا لإظهار الحقيقة». واستنكر الزين الأصوات التي علت متهمة شاكر بـ«المجرم»، كما أبدى استغرابه من الصورة التي ظهر فيها شاكر وكأنه يفاخر بقتل شخصين، واصفا إياه بـ«الحساس والهادئ، وهو ليس عنيفا، ولا يمكن أن يكون كذلك». ويعرب عن اعتقاده أن «أمورا كثيرة أدت إلى استفزاز شاكر وإلى هذا التحول في تفكيره وحياته، لكن ما يمكنني قوله هو أن شهرته وامتلاكه المال انعكس عليه سلبا، ووقع في حفرة حفرت له».
وعلى الرغم من أن شاكر لم يكن عضوا في نقابة الموسيقيين أو الفنانين، فإن نقيبة الفنانين المحترفين في لبنان سميرة بارودي رأت أن «الفنان كأي شخص آخر حر في تصرفاته وخياراته السياسية والدينية. كما تعتزل بعض الفنانات وترتدي الحجاب، قرر شاكر الاعتزال، لكن ما نرفضه هو حمل السلاح»، مضيفة: «بصفتنا مواطنين لبنانيين نحن ضد أي شخص يحمل السلاح في لبنان، وهذا الأمر لا يمكن تبريره. فحماية الناس هي مسؤولية الدولة والجيش، وعلينا تركهما يقومان بمهمتهما كما يجب».
ويبدو واضحا أن نشأة شاكر (45 عاما) وتربيته في مخيم عين الحلوة في صيدا ساهمت إلى حد كبير في هذا التبدل، فهو الذي ولد من أم فلسطينية وترعرع بين أحياء المخيم مغنيا على أسطح مبانيه وفي أعراسه الشعبية، عاد وبعدما اعتلى أهم المسارح العربية والعالمية إلى بيئته الأولى، متخليا عن نجوميته وممتلكاته، وأهمها مطعم «ألحان» الذي كان يملكه في صيدا، ومنزله الفخم، ليسكن في إحدى الشقق فيما عرف بـ«المربع الأمني» التابع للأسير. وقبل «اختفائه» بفترة قصيرة، كان قد بدأ بحملة لمساعدة المدمنين على المخدرات في منطقته وتقديم الدعم المادي لهم ومعالجتهم في مراكز متخصصة.
حتى زواجه لم يكن عاديا، فهو الفنان الرومانسي.. اختار أن يطلب يد الفتاة التي كانت حاضرة في إحدى حفلاته بأن تطلب أغنية لجورج وسوف كموافقة منها على الزواج به، وكان له ذلك في عام 1989، وهو في سن العشرين.
حياته وتربيته الفقيرة التي سبق لشاكر أن تكلم عنها، شكلت في ما بعد مادة دسمة لمعارضي مواقفه السياسية، لا سيما المتطرفة منها، مما جعل بعض الأصوات ترتفع لإدانته، بحجة أنه فلسطيني ولا يحق له التدخل في السياسة اللبنانية، وهو ما نفاه مرات عدة، مؤكدا أنه لبناني ولكن له الشرف أن يكون فلسطينيا، وهو الأمر الذي جعل الرئيس الفلسطيني محمود عباس يمنحه جنسية فخرية، لتعود بعدها وتظهر مطالبات بسحبها منه.
ظهور شاكر للمرة الأولى بصورته الجديدة «ملتحيا سلفيا» كانت في شتاء عام 2012، وهو ما فاجأ الجميع، واستدعى ردود فعل متناقضة تبعتها شائعات كثيرة تفيد باعتزال شاكر، ليعود بعدها وينفيها، مؤكدا أن لديه رسالة عليه تأديتها، وبأنه سيغني للحصول على المال ودعم الثورة السورية. ولم يتردد في الدفاع عن السلفيين بالقول: «أؤيد السلفيين وأنا معهم، هم مسلمون ليسوا متشددين، بل تابعون للسلف الصالح وللنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)»، مضيفا: «كنت قد أعلنت أنني سأعتزل الفن لأنه محرم، لكن أؤمن بأنني أحمل رسالة لا بد من إيصالها قبل الاعتزال، وسأدعم الثورة السورية والنازحين السوريين وكل شخص مضطهد».
ومنذ ذلك الحين، توالت إطلالات شاكر، ومنها تلك التي أكد فيها اعتزاله، عبر حسابه الشخصي على موقع «تويتر»، قائلا: «انتصارا لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، واعتذارا منا لتقصيرنا بحقه، أعلن اعتزالي من دون تردد أو رجوع، وذلك قربةً إلى الله عز وجل».
وفي نهاية يناير (كانون الثاني) 2013 أطل شاكر على قناة «روتانا خليجية»، عبر برنامج «لقاء الجمعة» متحدثا بشكل صريح ومباشر عن اعتزاله الفن، ومواقفه السياسية والدينية، مشيرا إلى أنه سيوظف صوته الجميل في الأناشيد الدينية، وشاركه في الحلقة الشيخ الأسير الذي قال إن فضل كان ولا يزال الداعم الأساسي والمباشر له ولأنصاره.
وفي الإطلالة نفسها لم يسلم الوسط الفني من انتقادات شاكر واصفا إياه بـ«الوسخ» وبأن قلوب الفنانين سوداء وأن الغيرة تسيطر على العلاقات فيما بينهم. وذكر أنه وصل إلى مرحلة صار يعد نفسه فيها شريكا في الدعوة إلى الإثم لإيقاع الناس بالمعصية، كونه كان يدعو في أغانيه إلى الحب والغرام. وأقسم بأن رصيده من أموال الفن بلغ 400 أو 500 ألف دولار، صرفت بشكل كامل، مشيرا إلى أن «أموال الفن تخلو من البركة»، وأكد أنه باع جميع العقارات التي كان يملكها من مدخول الفن باستثناء عقار واحد. وفي إطلالة ثانية على «قناة الرحمة»، في مارس (آذار) 2012، أعلن أن قرار الاعتزال كان نتيجة تردده على مسجد بلال بن رباح، والاستماع الجيد للشيخ الأسير، كاشفا عن تعرضه لعمليات تهديد من قبل النظام السوري ومن الموالين له في لبنان.
علاقة «شاكر - الأسير» تعمقت أكثر فأكثر مع التحركات السياسية و«الترفيهية» التي قام بها الأخير، حاملا لواء «الانفتاح على الآخر» ومواجهة سلاح حزب الله ودعم المعارضة السورية في الوقت عينه، قبل أن تصيبهما سهام الشائعات التي تمحورت حول خلافات مالية و«نسائية»، لافتة إلى خلاف بين الطرفين، وعزز هذه الفرضية مشاركة شاكر في مهرجان نظمته الجماعة الإسلامية في صيدا، الأمر الذي نفاه شاكر لاحقا، وأكده المسؤول السياسي لدى الجماعة الإسلامية في صيدا بسام حمود لـ«الشرق الأوسط»، قائلا: «علاقتنا بشاكر لم تتعد مشاركته في مهرجان صيدا حيث كان أحد المنشدين فيه». وفي حين أكد حمود ألا معلومات لديه عن مصير شاكر والأسير، لفت إلى أنه التقى شاكر مرة واحدة، وكان واضحا من سلوك الأخير أنه لا يملك الثقافة السياسية ويتكلم بعفوية بعيدا عن أي عمق أو خلفية سياسية، مضيفا: «وقدمت حينها نصيحة له بعدم التهور واعتماد أسلوب الإهانات الذي قد يؤدي به إلى الملاحقة القانونية، مهما كان الخلاف السياسي كبيرا مع أي طرف كان، وأبدى حينها تجاوبا، إلى أن فوجئنا بما حصل في عبرا».
وكان شاكر يتباهى بعلاقته مع الأسير من خلال نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، عددا من الصور التي تجمعهما في مناسبات عدة، وهي تعكس مدى العلاقة التي كانت تربط هذا الثنائي. وكما في الاعتصامات واللقاءات السياسية في عدد من المناطق اللبنانية، كانت هذه الصور تظهر الاثنين وهما يلعبان «بينغ بونغ»، كما في رحلة التزلج إلى «فاريا» التي حملت بدورها علامات استفهام وأدت إلى مواجهات بين الأسير وأنصاره من جهة والقوى الأمنية وبعض أهالي المنطقة الذين وصفوا الزيارة بـ«الاستفزازية»، إضافة إلى ذهابهما إلى طرابلس في شمال لبنان، في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2012، لاستقبال جثامين اللبنانيين الذين سقطوا فيما عرف بـ«كمين تلكلخ» في سوريا.
ومن ضمن المواقف المؤيدة للثورة التي وصلت إلى أقصاها خلال الأشهر الأولى من عام 2013، كان مقطع الفيديو الذي ظهر فيه معلنا «عن تشكيل كتائب مقاومة حرة لنصرة أهل سوريا وتجهيز الشباب المسلم الذي يريد الدفاع عن أعراض المسلمات في سوريا»، مطالبا «الراغبين في تقديم الدعم المعنوي والمادي للجهاد في سوريا بالتواصل معه على بريده الإلكتروني».
لكن وفي شهر مايو (أيار) الماضي، خرق مطرب الرومانسية قرار اعتزاله بمشاركته في مهرجان « موازين» المغربي، معتليا المسرح ومغنيا العديد من أغنياته، من دون أن يتخلى عن «قضيته» في دعم المعارضة السورية، فإذا به يطلب فجأة من جمهوره أن يردد بعده «آمين» على بعض الأدعية التي أطلقها ضد بشار الأسد، مكررا مرات عدة «منك لله يا بشار» و«الله يدمر الأسد».
ومما لا شك فيه أنه كان لهذه المواقف الهجومية نتائجها السلبية على شاكر الذي لم يكن يتنقل في الفترة الأخيرة من دون مرافقين، وبدا ذلك واضحا من خلال الاعتداء الذي تعرض له منزله في صيدا، إثر معارك عبرا الأولى التي وقعت في 18 يونيو (حزيران) الماضي، بين حزب الله وأنصار الأسير، واتهم شاكر حزب الله وحركة أمل بتدبير هذا الاعتداء، وتوعد بالانتقام إذا لم يجر رد المقتنيات التي قال إنها تقدر بمليون دولار أميركي.
ورغم أنه كان قد عرض هذه الفيللا للبيع ليدعم بثمنها المعارضة السورية، فإنها لم تصمد طويلا، وأخذت نصيبها من الإحراق يوم اشتباكات عبرا في 23 يونيو الماضي، بعدما كانت قد صدرت بحقه في 8 يونيو الماضي، مذكرة توقيف بتهمة محاولته مع شقيقه قتل رجل الدين السني الموالي لحزب الله ماهر حمود، في مدينة صيدا.
أما ردود فعل جمهور شاكر لبنانيا وعربيا، فكان تناقضها واضحا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. ففي حين لقي دعم جزء منهم، واصفين إياه بـ«البطل»، كان الجزء الأكبر له بالمرصاد، واصفين إياه بـ«الإرهابي»، بينما ردد بعضهم عبارة: «من التأثير إلى الأسير ونهايته الأسر».
لكن، ومهما كانت ردود الفعل حول تحول هذا الفنان الرومانسي إلى مقاتل، فإن مسيرته الفنية و«الاعتزالية» ستبقى، على خلاف غيره، راسخة في أذهان جمهوره؛ كل حسب وجهة نظره. فهو نجح على امتداد نحو 20 عاما، أن يرسم هوية خاصة به لم يستطع أحد منافسته عليها، وعندما قرر أن يتوقف عن الغناء لم يكن أيضا اعتزاله عاديا.. هو القائل: «فني لم يعد يشرفني»، وطالب جمهوره بعدم سماع أغنياته لأنه يشعر أنه يشارك في الإثم، ولا تكاد صورته ممسكا بيد الفنانة يارا في «فيديو كليب» أغنية «خذني معك»، تغيب عن ذاكرة محبي أغنياته الرومانسية وهم يشاهدون مطربهم في صورته الجديدة.



هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح إثيوبيا في فك عقدة «المنفذ البحري»؟

جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)
جانب من ميناء عصب في جنوب إريتريا (أ.ف.ب)

تصاعدت تحركات إثيوبيا، على مدار العقد الماضي، للحصول على منفذ بحري يجنّبها أزمة استقلال إريتريا عنها عام 1993، وجعلها «دولة حبيسة» تعتمد على موانئ جارتها الشرقية جيبوتي. إلا أن تمسّكها بفك عزلتها الجغرافية يصطدم برفض «الجارتين» الصومال شرقاً وإريتريا شمالاً، في ظل توتر مع السودان في شمالها الغربي، ناهيك من أزمات داخلية مسلحة تصاعدت منذ نحو أسبوع. القاهرة تتعاطف مع «جارات» إثيوبيا وسط الخلافات العميقة بشأن مياه النيل، مقابل دعم إسرائيلي لافت. ووسط ذلك المشهد لا يعتقد خبراء بالشأن الأفريقي، حاورتهم «الشرق الأوسط»، أن نجاح أديس أبابا في فك «عقدة» المنفذ البحري ستكون سهلة، في ظل تعقيداتها القانونية الدولية والرفض المصري المتكرّر، والتوترات المستمرة مع دول الجوار والأزمات الداخلية. ومقابل ذلك يُثني برلماني إثيوبي، التقته «الشرق الأوسط»، على تصريحات رئيس وزراء بلاده آبي أحمد بأن الوصول إلى المنفذ البحري «حق وجودي». ويشدّد على أنه «حق» قائم على المنفعة المتبادلة وصون أمن القرن الأفريقي، ويتوقع وصول أديس أبابا له على الرغم من كل تلك التوترات، وذلك عقب تفاهمات ومشاورات رسمية.

تستعرض «الشرق الأوسط»، فيما يلي، «خريطة» المواقف الإثيوبية بشأن الوصول إلى منفذ بحري، والتي يعوّل بعضها على تفاهمات، وكذلك المواقف المؤيدة لها، مقابل الرافضة لها التي تستند إلى أن أي قبول لهذا الأمر غير القانوني سيحدث إرباكاً لمصر، لا سيما، أن ثمة دولاً أخرى «حبيسة» ستطالب بدورها بمنافذ بحرية مشابهة.

الموقف الإثيوبي

مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان) 2018، طرح ما أسماه «دبلوماسية الموانئ» لاستعادة المنفذ البحري مجدداً بعد فقد بلاده ميناءي عصب ومصوَّع في عام 1993 إثر استقلال إريتريا آنذاك.

وحقاً، عقدت حكومة آبي أحمد عدة اتفاقات أبرزها مع السودان في مايو (أيار) 2018 للنفاذ إلى ميناء بورتسودان. وفي الشهر التالي، وقعت اتفاقاً مع الصومال للاستثمار في عدة موانئ بحرية، ولكن تلك المسارات لم تر النور بسبب اختلافات أو تعقيدات حالت دون الاستمرار فيها.

بعدها، في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، صعّد آبي أحمد لهجته، مشدداً في خطاب له على أن وصول بلاده لمنفذ في البحر الأحمر «ضرورة وجودية».

ومن ثم، لم يتوقف الكلام من جانب آبي أحمد، ولا من جانب وسائل الإعلام الإثيوبية، عند هذه الضرورة. بل أخذ الوضع أبعاداً مختلفة في يوليو (تموز) 2026، عندما قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن «سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلّب الحفاظ على جاهزية عالية... خاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور!». وحذر برهانو جولا من أن «جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة».

البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن حصول بلاده على منفذ بحري يُعد ضرورة استراتيجية واقتصادية ملحّة بالنظر إلى حجمها وجغرافيتها وكثافتها السكانية العالية. وشدّد على أن أديس أبابا «تلتزم بالمسار السلمي والحوار البنّاء مع دول الجوار، وتستبعد تماماً خيار المواجهة». ثم أردف: «بلادي تؤكد أن الوصول إلى منفذ بحري لن يكون على حساب طرف آخر، بل يستند إلى مبدأ الأخذ والعطاء والتعاون وفق أحكام القانون الدولي، بما يحقق منافع اقتصادية وتنموية مشتركة للدول المضيفة وإثيوبيا على حد سواء».

ولفت محمد نور أحمد إلى «إمكانية أن توفر إثيوبيا لتلك الشراكة عدة مزايا يمكن لدول الجوار الاستفادة منها، في مقدمتها الطاقة الكهربائية المولّدة من سد النهضة، إلى جانب الثروات الطبيعية والفرص الاقتصادية المتعددة منها». واعتبر أن «وجود منفذ بحري لإثيوبيا سيعزّز جهود الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ويُسهم في التصدّي للتحديات المشتركة وفي مقدمتها أعمال القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية». وأعرب عن اعتقاده أن التوترات الداخلية في شمالي إثيوبيا ستكون مؤقتة، وستنتهي لأنها بلا حاضنة شعبية، ولن تؤثر على خطط البلاد للوصول لمنفذ بحري.

الرئيس الإثيوبي آبي أحمد (أ.ف.ب)

تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024

الموقف المصري

في وجه هذه المساعي الإثيوبية، كان الموقف المصري رافضاً بشكل صريح وصول إثيوبيا لمنفذ بحري، من دون أن يربط ذلك بخلافه مع أديس أبابا بملف المياه.

وحول المنفذ البحري الذي تريده إثيوبيا، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في تصريحات يوم 10 سبتمبر (أيلول) المنصرم، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خاصة أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة».

وأواخر أغسطس (آب)، شدّد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أي تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

كما أكد عبد العاطي، في تصريحات أخرى، أن الدول المطلّة على البحر الأحمر هي صاحبة السيادة على موانئه، وأنه لا يمكن منح أي دولة منفذاً بحرياً عسكرياً، محذّراً من أن خلاف ذلك من شأنه أن يفتح الباب أمام الفوضى، مع تأكيده على عدم وجود مشكلة في النفاذ التجاري للدول الحبيسة.

ومع أن عبد العاطي لم يُسمِّ الدول المقصودة، فإنه قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر». وهذا الرفض المصري لنفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر متكرّر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة، بُحثت مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينذاك على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

أيضاً، في أثناء زيارة عبد العاطي إلى أسمرة في مايو الماضي، فإنه التقى مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشدّدا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، بحسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

بالمقابل، قال نبيات غيتاتشو، الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، في مايو الماضي، إن الحكومة المصرية «تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر». ومع أنه لم يحدد تفاصيل، فإنه أكد أن إثيوبيا ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

هنا، ينبه خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور رمضان قرني، إلى أن مصر لا تمانع في حصول أديس أبابا على منفذ تجاري وفق أطر قانونية ترعاها دول الجوار، كما طرحت جيبوتي سابقاً ورفضته إثيوبيا، «لكن القاهرة تُجابه المساعي العسكرية بصرامة، تحسباً لتداعيات فتح منافذ على البحر الأحمر تضر بالأمن القومي العربي والأفريقي، لا سيما مع دخول أطراف كإسرائيل على خط الأزمة ودعم الجماعات الحوثية لتهديدات باب المندب».

ويرى الخبير المصري أنه رغم الحشد الإعلامي والدبلوماسي لحكومة آبي أحمد، تظل فرص انتزاع موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر محاطة بتحديات معقّدة؛ أبرزها الرفض الدولي والإقليمي من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، الداعم لسيادة الصومال. وهذا، فضلاً عن خشية أديس أبابا من العزلة الأفريقية والمساس بمكانتها كمقر لمؤسسات الاتحاد الأفريقي، واستمرار الضغوط الداخلية وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية والأمنية الإثيوبية في أقاليم مثل أورومو، وأمهرة، وتيغراي، إضافة إلى التوتر في علاقاتها مع دول الجوار (السودان وإريتريا والصومال).

ويؤكد قرني أن القاهرة «نجحت في بناء جدار صلب من التوافقات الاستخباراتية والسياسية الإقليمية والدولية، محاصِرةً أي خطوات أحادية، بما يضمن صون الأمن القومي وحماية الممرات المائية الحيوية بالمنطقة».

الموقف الإريتري - الصومالي

من جهة ثانية، يُسجَّل للموقف الإريتري الصومالي، حضور لافت في خندق الرافضين لهذا المسار الإثيوبي بشأن المنفذ البحري.

إذ تصدّت مقديشو بقوة لمذكرة تفاهم وقعتها أديس أبابا مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي عام 2024، تتمكن بموجبه من النفاذ لميناء بربرة. وأصدرت قراراً رئاسياً بإلغاء الاتفاق، وسط دعم عربي، لا سيما مصر، لهذا الرفض، قبل أن تتدخل تركيا بوساطة نهاية ذلك العام ويتوارى ذلك المسعى عن الأنظار.

أيضاً، إريتريا، مالكة ميناء عصب، التي تتهم إثيوبيا بالتطلع للسيطرة عليه مجدداً، رفضت أكثر من مرة ذلك المسار. ومن أبرز المواقف اتهام الرئيس الإريتري آسياس أفورقي خلال يوليو 2025، إثيوبيا بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بالمياه والمُطالبة بمنفذ على البحر الأحمر، معتبراً هذا المطلب «ذريعة لتأجيج الصراعات». وآنذاك، وصف وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسكل، الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري بأنه «تهوّر وعودة إلى قرع طبول الحرب»، مؤكداً أن سيادة إريتريا وسواحلها غير قابلة للمراجعة.

وفي مايو الماضي، شبّه نبيات غيتاتشو، الناطق باسم الخارجية الإثيوبية تحركات القاهرة داخل دول في المنطقة، من بينها إريتريا وجيبوتي وكينيا، بـ«محاولة حصار إثيوبيا ومنعها من الوصول إلى منفذ بحري».

بحسب قرني، شكلت أزمة الاتفاق بين إثيوبيا وإقليم «أرض الصومال» تحولاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي، ومحركاً رئيساً للسياسة الخارجية المصرية في المنطقة؛ إذ جاء هذا التطور كـ«جرس إنذار حقيقي» دفع القاهرة إلى تحرك مكثف ومتعدد المسارات لحماية أمنها القومي وأمن المنطقة.

ولفت إلى أن هذا ترجم بشراكات مع إريتريا والصومال، وبتحالف ثلاثي وشبه توافق تام بين مصر والشركاء الثلاثة الرئيسيين (إريتريا، جيبوتي، الصومال) على فكرة الحق الحصري للدول المتشاطئة فيما يتعلق بالمنفذ الساحلي أو وجود سواحل على شاطئ البحر الأحمر.

الدعم الإسرائيلي

في المقابل، خلال سبتمبر المنصرم، أفادت «وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إسرائيل أعلنت دعمها الدبلوماسي لمساعي إثيوبيا الرامية إلى تأمين منفذ إلى البحر، ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أفراهام نغوسي، قوله إن بلاده تقف بقوة إلى جانب جهود إثيوبيا لتأمين منفذ بحري إلى البحر الأحمر. وتابع السفير لـ«وكالة الأنباء الإثيوبية»، إن «تمكين إثيوبيا وتعزيزها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر هو مصلحة للجميع، وليس لإثيوبيا وحدها، وإسرائيل تقف إلى جانب إثيوبيا في هذا الجهد».

وهذا ليس الموقف الأول الذي يطرحه نغوسي في مواقف مرتبطة بتوترات بين مصر وإثيوبيا، ففي أغسطس (آب) الماضي، قال في تصريح صحافي إن إسرائيل «ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا، بهدف مساعدتها كي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية». وحينذاك، حذر السفير محمد العرابي، وزير الخارجية الأسبق وعضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ ورئيس «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، من تداعيات التصريحات الإسرائيلية، مشيراً في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «لن تنال ولن تغير» من مواقف مصر.

قرني، من جهته، لا يعتقد أن هذا الدعم الإسرائيلي سيغيّر موقف مصر الثابت في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، مشدداً على أن إسرائيل تريد الضغط فقط على مصر في ملفات أخرى، لكن الدولة المصرية قادرة على حماية حقوقها.

من جهة ثانية، قال عبد المنعم أبو إدريس، الخبير في الشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري في ظل توتّراتها الحالية مع جيرانها أمر صعب، خاصة أنها متهمة من السودان بمساندة ميليشيا «الدعم السريع».

وشدّد على أن مصر لا يمكن أن تسمح بوجود عسكري إثيوبي في الساحل السوداني أو البحر الأحمر؛ حرصاً على أمنها القومي وأمن المنطقة.

لكن البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، يرى إمكانية تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن حكومة بلاده تعمل على إقناع الأطراف والدول المجاورة على مراجعة مواقفها والانخراط في تفاهمات تعزز مصالح الجميع.


فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
TT

فاطمة الزهراء المنصوري... من عمودية مراكش إلى رئاسة الحكومة المغربية

ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة
ترشّحت عام 2009 في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة

في الممرات الرخامية الهادئة للقصر الملكي بالعاصمة المغربية الرباط، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول سياسي معتاد، بل كان إعلاناً عن انعطافة تاريخية كبرى في مسار الدولة المغربية الحديثة؛ إذ تقدمت فاطمة الزهراء المنصوري لتؤدي القسم القانوني أمام العاهل المغربي الملك محمد السادس، وكانت خطواتها الواثقة تختزل عقوداً طويلة من نضال الحركة النسائية المغربية، وتفتح فصلاً غير مسبوق في كتاب السياسة المغربية.

لم يكن الحدث عابراً أو مجرد مناوبة حكومية عادية، فالمنصوري، الملقبة في الأوساط السياسية والإعلامية بـ«المرأة الحديدية»، باتت أول امرأة تتقلد منصب رئيسة الحكومة في تاريخ المملكة المغربية، بعدما قادت حزبها «الأصالة والمعاصرة» إلى صدارة المشهد الانتخابي وحققت فوزاً تشريعياً أعاد رسم الخريطة الحزبية في البلاد.

هذا الصعود المطّرد لامرأة قادمة من خلفية حقوقية وقانونية صارمة، لم يكن وليد الصدفة أو نتاج ترتيبات سياسية عابرة، بل هو ثمرة مسار حافل بالمعارك الانتخابية الطاحنة، وإدارة الأزمات المحلية الكبرى، والقدرة الفائقة على التوازن والمناورة في معترك يوصف غالباً في الأدبيات السياسية بأنه حكر على الرجال.

من رداء المحاماة الأسود في قاعات المحاكم، إلى عمودية مدينة مراكش التاريخية، وصولاً إلى قيادة الحزب السياسي ثم رئاسة الجهاز التنفيذي، تشكل المنصوري حالة استثنائية وبديعة في هندسة النخبة السياسية المغربية الجديدة التي تؤسس لمغرب القرن الحادي والعشرين، وتمنح العمل السياسي بعداً حداثياً حقيقياً يتماشى مع التطلعات المجتمعية الكبرى في البناء والتشييد والتنمية المستدامة المعاصرة.

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري غريبة عن عالم السلطة والتدبير العام وأروقة صناعة القرار، فقد ولدت في الثالث من يناير (كانون الثاني) عام 1976 في قلب مدينة مراكش، لأسرة عريقة، تتحدر من منطقة الرحامنة، والتي ضربت جذورها عميقاً في تاريخ «المدينة الحمراء» وثقافتها وسياساتها المحلية.

والدها الراحل عبد الرحمن المنصوري، كان رجلاً وازناً في بنية الدولة المغربية؛ إذ شغل منصب باشا مدينة مراكش لسنوات طويلة، وكان سفيراً للمملكة لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي هذا المناخ المفعم بالسياسة والدبلوماسية وحب الوطن، تشرّبت الطفلة فاطمة الزهراء أبجديات الدولة والخدمة العامة، وتعلّمت في مجالس والدها كيف تقرأ موازين القوى وفنون الحوار البنَّاء في بيئة لا تعترف إلا بالقوة والوضوح والالتزام بالعهود الكبرى التي تقطعها النخب أمام الشعب المغربي.

مراحل التعليم

تلقّت المنصوري تعليمها الأولي والثانوي في المدارس الفرنسية بمراكش، تحديداً في ثانوية «فيكتور هوغو» العريقة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها المتمرّدة والمنضبطة في آن واحد، وهي الشخصية التي ترفض القوالب الجاهزة وتسعى دائماً للتميز في كل مجال تطأه قدمها. ولأنها كانت تطمح لفهم آليات العدالة وصناعة القرار وتطبيق القانون بشكل ينصف المجتمع؛ اختارت سلوك درب العلوم القانونية. بعدها انتقلت إلى فرنسا، وهناك نالت شهادة الدراسات العليا في قانون عقود الأعمال من جامعة مونبلييه العريقة، نالت الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس بالرباط.

إلا أنها لم تكتفِ بالتحصيل المعرفي الأوروبي، بل قادها شغفها الأكاديمي إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعمَّقت في دراسة القانون الأنجلو - ساكسوني من جامعة بيس الأميركية في نيويورك. وحقاً، منحها هذا التكوين الأكاديمي الثلاثي الأبعاد أفقاً فكرياً واسعاً، وقدرة على محاورة النخب الدولية بلغات متعدّدة وبثقة كاملة.

وفور عودتها إلى المغرب، أسّست مكتباً للمحاماة استحال سريعاً واحداً من أبرز المكاتب المتخصصة في قانون الأعمال والعقارات منذ 22 مارس (آذار) 2005، لتصنع لنفسها اسماً مستقلاً بعيداً عن جلباب والدها الراحل ونفوذه القديم في أروقة الإدارة المحلية بمراكش.

عائلياً، فاطمة الزهراء المنصوري أم لطفلين، استطاعت التوفيق بين مسارها المهني المتطلب في قطاع الأعمال والتزاماتها الأسرية، معلنةً في مناسبات إعلامية نادرة أن الفصل بين الحياة الخاصة والواجب العام هو معيار أساسي لتقييم كفاءة أي مسؤول سياسي بعيداً عن القوالب النمطية. ومن ناحية أخرى، اختارت مجلة «فوربس» عام 2014، المنصوري على رأس قائمة من 20 امرأة شابة، الأكثر تأثيراً في القارة الأفريقية. واختيرت في السنة ذاتها ضمن القادة الشباب العالميين. وراهناً تُعدّ رئيسة الوزراء الجديدة عضواً في «الجمعية الدولية للعمداء الفرنكفونيين»، كما أنها نائبة رئيس «الجمعية المغربية لرؤساء المجالس الجماعية».

المنعطف السياسي الأول

شكّلت الانتخابات البلدية لعام 2009 المنعطف الأول في المسار السياسي للمنصوري، حين ترشّحت باسم حزب «الأصالة والمعاصرة»، الناشئ آنذاك، في مواجهة النخب التقليدية التي هيمنت على تدبير مجلس مدينة مراكش لسنوات طويلة. ونجحت المحامية الشابة في إحداث مفاجأة انتخابية عندما أطاحت بالعمدة المخضرم عمر الجزولي، لتُنتخب في سن الثالثة والثلاثين عمدةً لـ«المدينة الحمراء». وتغدو، بالتالي، أول امرأة تتقلد هذا المنصب في مدينة كبرى بالمغرب.

مع هذا، لم يكن تدبيرها للمجلس الجماعي خالياً من الأزمات والنزاعات السياسية والقانونية الشرسة، فقد واجهت معارضة قوية من الخصوم الذين شككوا في قدرتها على إدارة مدينة سياحية ذات ثقل دولي ومشاكل هيكلية معقدة. غير أن فترتها الانتدابية الأولى تميّزت بفتح ملفات تنظيمية شائكة تتعلق بمالية البلدية، ومراجعة عقود التدبير المفوض لقطاعات النظافة والنقل والإنارة وتطهير الأوعية العقارية؛ الأمر الذي منحها تجربة ميدانية في مواجهة التدافعات السياسية المحلية واكتساب آليات التفاوض والتدبير المباشر مع المصالح المركزية لوزارة الداخلية.

من القيادة الحزبية إلى الحقيبة الوزارية

وبالتوازي مع عملها على رأس مجلس مدينة مراكش، حرصت المنصوري على تعزيز موقعها داخل البنية التنظيمية لحزب «الأصالة والمعاصرة»، حيث تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو الهيئة التقريرية الثانية بعد المؤتمر الوطني. وفي هذا الموقع، لعبت دوراً محوَرياً في ضبط التوازنات الداخلية وتدبير الخلافات المستمرة بين التيارات المتنافسة على القيادة.

وعقب الانتخابات التشريعية والجماعية لعام 2021، عادت المنصوري لتتولى عمودية مراكش للمرة الثانية، بالتزامن مع تعيينها وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش.

وفي هذا الموقع، تميّزت فترتها الوزارية بمحاولة إصلاح قطاع التعمير عبر تبسيط مساطر البناء في العالم القروي، وإطلاق الحوار الوطني للتعمير والإسكان، وتنزيل الدعم المباشر للسكن. وهي ملفات واجهت فيها صعوبات ترتبط بالبيروقراطية الإدارية وتداخل الاختصاصات مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجالس المنتخبة؛ ما تطلب منها اعتماد مقاربة صارمة في تدبير الصفقات وإعادة هيكلة الوكالات الحضرية.

المؤتمر الخامس وصياغة نموذج القيادة الجماعية

من جهة ثانية، عاش حزب «الأصالة والمعاصرة» خلال فبراير (شباط) من عام 2024 أزمة تنظيمية حادة هدَّدت تماسك بيته الداخلي في أعقاب تطورات سياسية وقضائية مسّت قادة بارزين فيه. وخلال المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في مدينة بوزنيقة، برزت المنصوري كشخصية توافقية قادرة على إنقاذ الحزب من الانقسام؛ إذ قادت هندسة تنظيمية جديدة اعتمدت لأول مرة في تاريخ المشهد الحزبي المغربي، وتمثّلت في إلغاء منصب الأمين العام الفردي وتعويضه بـ«قيادة جماعية أمانة عامة» ثلاثية الأعضاء.

وتولت المنصوري منصب «المنسّقة الوطنية» لهذه القيادة الجماعية، لتصبح الناطق الرسمي والمدبّر الفعلي لشؤون الحزب واستراتيجيته السياسية والانتخابية. وبالفعل، نجحت هذه المقاربة التنظيمية في إعادة الاستقرار للحزب وضبط قواعده وتأهيله لخوض المحطّات الانتخابية اللاحقة التي أسفرت عن تصدّره النتائج والتموقع في صدارة المشهد السياسي.

الرهانات الكبرى

جلوس فاطمة الزهراء المنصوري على مقعد رئاسة الحكومة الجديدة، لتقود مرحلة ممتدة حتى عام 2031، سيواجه حزمة من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الثقيلة التي لا تقبل التأجيل في ظل وضعية دولية وإقليمية متقلبة.

ويأتي على رأس هذه الملفات: استكمال وتدبير الورش الملكية المرتبطة بالدولة الاجتماعية، وهو ما يشمل تعميم التغطية الصحية الشاملة، وتطوير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، وهما من المشاريع التي تتطلب حَكامة مالية صارمة وإصلاحاً حقيقياً للإدارة لمنع الهدر وضمان استدامة التمويل.

وأيضاً، تواجه الحكومة تحدي إصلاح منظومتي الصحة والتعليم اللتين تعانيان من مشاكل بنيوية مزمنة واحتجاجات فئوية متكررة، فضلاً عن معالجة أزمة الجفاف الحادة التي تضرب البلاد لسنوات متتالية، وما يترتب عنها من إجهاد مائي غير مسبوق يتطلّب تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر وسدود الربط المائي، وتحفيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة للشباب القروي والحضري على حدِّ سواء.

وإلى جانب ذلك كله، يبرز التحدّي التنظيمي واللوجستي البنيوي الأكبر المتمثّل في إشراف الحكومة على التحضيرات الكبرى الخاصة باستضافة المغرب لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2030 بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. وهذا مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في البنى التحتية والنقل والفندقة والاتصالات، ووضع خطط تمويلية دقيقة تجنب ميزانية الدولة أي هزّات أو عجز هيكلي قد يؤثر على التوازنات الماكرو - اقتصادية للمملكة خلال السنوات المقبلة.

تفتيت «العرش الذكوري»

جدير بالذكر أنه منذ حصول المغرب على استقلاله في عام 1956، احتكر الرجال منصب رئاسة الحكومة بصفة مطلقة، حيث تعاقبت على هذا المركز الرفيع وجوه سياسية وتكنوقراطية صبغت القرار التنفيذي بخصائص ومقاربات متباينة توافقت مع طبيعة المراحل التاريخية التي مرت بها المملكة.

وبدأت هذه السلسلة التدبيرية مع مبارك البكاي لهبيل كأول رئيس حكومة، وتوالت الأسماء التاريخية مثل أحمد بلافريج، وعبد الله إبراهيم، وأحمد باحنيني، ومحمد بنهيمة، وأحمد العراقي، ومحمد كريم العمراني (تولى رئاسة الحكومة 3 مرات)، وأحمد عصمان، والمعطي بوعبيد، وعز الدين العراقي وعبد اللطيف الفيلالي. وكانت «الصالونات السياسية» في الرباط تنظر إلى منصب رئيس الحكومة بوصفه فضاءً محاطاً باعتبارات أمنية وقبلية وحزبية معقدة تفصَّل دائماً على مقاسات رجالية، في حين ظل حضور المرأة مقتصراً لسنوات طويلة على الهوامش الحقوقية والجمعوية دون النفاذ إلى مراكز القرار التنفيذي الأول بالبلاد.

ومع دخول المغرب مرحلة الانفتاح السياسي والتناوب التوافقي في نهاية التسعينات، قاد الراحل عبد الرحمن اليوسفي تجربة حكومية فريدة اعتمدت على التوافق السياسي وبناء المؤسسات، وتلاه إدريس جطو بمقاربته التكنوقراطية الصارمة وإدارته المشاريع الاقتصادية الكبرى، ثم عباس الفاسي الفهري.

وشهد العقد الماضي صعود تيار الإسلام السياسي لقيادة الحكومة عبر محطتي عبد الإله بنكيران، وسعد الدين العثماني، اللذين ركَّزا على ملفات الدعم وصندوق المقاصة ونقاشات الهوية، وصولاً إلى التجربة الليبرالية التدبيرية الأخيرة لعزيز أخنوش التي ركزت على الفاعلية الاستثمارية والأوراش الكبرى. وتشارَك هؤلاء القادة جميعاً في صياغة السياسات بعيون رجالية، ليمثل تعيين المنصوري كأول امرأة خطوةً تفكك هذا الاحتكار الطويل وتضع الكفاءة والقدرة التدبيرية معياراً وحيداً للمسؤولية.


حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
TT

حزب «الأصالة والمعاصرة»... وسياق البحث عن التوازن الحزبي

مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)
مبنى البرلمان المغربي في الرباط (البرلمان المغربي)

يرتبط المسار التنفيذي لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة وزراء المغرب الجديدة، بشكل عضوي بنشأة وتطور حزب «الأصالة والمعاصرة» (المعروف اختصاراً بالـ«بام»)، الذي أسس في أغسطس (آب) 2008 في سياق سياسي مثير للجدل. تأسيس الحزب جاء بمبادرة قادها فؤاد عالي الهمّة، المستشار بالديوان الملكي المغربي، برفقة شخصيات حقوقية ويسارية سابقة ووجوه تكنوقراطية، من خلال دمج خمسة أحزاب سياسية صغيرة في إطار ما سمي آنذاك «حركة لكل الديمقراطيين».

وتمثلت الفكرة المحورية للحزب في تقديم عرض سياسي حداثي يهدف إلى إعادة التوازن للمشهد الحزبي المغربي، وكسر القطبية الحادة والتصدّي لصعود تيارات الإسلام السياسي التي كانت تهيمن على المشهد الانتخابي والشارع المغربي. وفعلاً، طرح الحزب أطروحة فكرية تحاول التوفيق بين الأصالة المغربية القائمة على الملكية والدين والتقاليد، والمعاصرة القائمة على قيم الديمقراطية وحقوق المرأة والمنظومة الحداثية والتحديث الاقتصادي الشامل والمنفتح.

ومنذ التأسيس وحتى الانتقال إلى القيادة الجماعية الحالية، تعاقب على الأمانة العامة لحزب «الأصالة والمعاصرة» خمسة قادة عكس كل منهم مرحلة سياسية محددة من تاريخ التدافع الحزبي في البلاد. وبدأت المرحلة مع محمد الشيخ بيد الله في الفترة ما بين عامي 2009 و2012، وهو طبيب ووزير سابق متحدر من الأقاليم الجنوبية، وتركزت مهمته في تثبيت الحزب ومواجهة هزات حراك 20 فبراير (شباط) عام 2011. ثم تولى مصطفى الباكوري القيادة بين 2012 و2016، وهو رجل اقتصاد وتكنوقراط صبغ الحزب بطابع تدبيري عقلاني ركّز على البرامج الاقتصادية والمشاريع الاستثمارية، مبتعداً عن الصدامات الآيديولوجية المباشرة مع الخصوم السياسيين بالبلاد.

شعار حزب «الأصالة والمعاصرة» (الحزب)

بعده، شهدت الفترة بين عامي 2016 و2018 تولي إلياس العماري للأمانة العامة، وهو شخصية كاريزمية آتية من اليسار الراديكالي، واتسمت فترته بالاستقطاب الحاد والشرس مع حزب «العدالة والتنمية» وقيادة معارضة قوية انتهت باستقالته عقب تحولات سياسية معقدة. ثم جاء دور حكيم بنشماش بين عامي 2018 و2020، وشهدت فترته انقسامات وصراعات داخلية حادة بين التيارات المتنافسة كادت تعصف بوحدة الحزب التنظيمية.

وأخيراً، قاد الحزب عبد اللطيف وهبي بين عامي 2020 و2024، وهو محامٍ تميز بالجرأة والمصادمة، ونجح في نقل الحزب من مقاعد المعارضة إلى التدبير الحكومي لأول مرة عقب انتخابات عام 2021 متولّياً وزارة العدل، ومثيراً لنقاشات مجتمعية واسعة حول إصلاح القوانين ومدونة الأسرة، لتستقر قيادة «الجرّار» - والجرّار الزراعي هو شعار الحزب - الحزبي اليوم في يد جماعية تقودها المنصوري بحسابات سياسية دقيقة تسعى للحفاظ على موقع الحزب وصدارته للمشهد التنفيذي الحداثي في المملكة المغربية.