معايير التنافسية الدولية تعكس إيجابيات الاقتصاد السعودي

موارد وفيرة وضغوط أقل.. وإجراءات لتقليل التأثر بالعوامل الخارجية

معايير التنافسية الدولية تعكس إيجابيات الاقتصاد السعودي
TT

معايير التنافسية الدولية تعكس إيجابيات الاقتصاد السعودي

معايير التنافسية الدولية تعكس إيجابيات الاقتصاد السعودي

على مدى الأسابيع القليلة الماضية، أعلنت المملكة العربية السعودية عن خطط غير مسبوقة لمراجعة السياسات الاستراتيجية التي يمكن أن يكون لها تداعيات على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. ومن المتوقع أن تُكمل المملكة، التي تحتل المرتبة الـ19 كأكبر اقتصاد عالمي، تنفيذ المزيد من الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية في إطار خطة بعيدة المدى من أجل تنويع الاقتصاد بعيدًا عن أسعار النفط، المعتمد شبه كليًا على عوامل خارجية.
ويأتي الإصلاح التدريجي في المملكة لسببين مهمين أولهما هو الانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية، الذي تراجع من نحو 115 دولارًا للبرميل في منتصف عام 2014 ليختتم عام 2015 بأقل من 40 دولارًا للبرميل، ذلك في وقت تمثل فيه صادرات النفط ما يقرب من 90 في المائة من الإيرادات الحكومية، الأمر الذي خلق مزيدًا من الضغوط على الموارد المالية السعودية.
والسبب الثاني هو العامل الديموغرافي؛ ففي السنوات الـ15 المقبلة، سيدخل نحو 6 ملايين جُدد من الشباب السعوديين إلى سوق العمل، مما يزيد من الضغط على سوق العمل وربما مضاعفة حجمها. لذلك أصبحت المملكة في حاجة لتوسيع وتنويع قطاعات الاقتصاد لامتصاص العمالة المحلية.
وفي ورشة عمل نظمها مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بالمملكة، رسم ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، رئيس المجلس، مع قيادات الاقتصاد والتنمية في القطاعين العام والخاص معالم الاستراتيجية الوطنية لتحقيق التنمية بما ينعكس بشكل إيجابي على مناخ الاستثمار في المملكة العربية السعودية التي أصبحت أكثر جذبًا لرؤوس الأموال الأجنبية المباشرة وغير المباشرة؛ حيث أقر العمل ببرنامج التحول الوطني الذي يسعى إلى تحقيق هدف المملكة 2020، بما يشمله ذلك من المراجعة للسياسات العامة التنموية بما في ذلك سياسة الإنفاق الحكومي.
ويُركز البرنامج الوطني للمملكة على وضع معايير قياس كفاءة الجدوى الاقتصادية للمشروعات، وتقييم أثر الإنفاق المالي على النواحي الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، بما يؤسس لنمط جديد في الإنفاق العام، مع الأخذ في الاعتبار الاهتمام بالطبقة الوسطى التي ستكون الأكثر تضررًا من تبعات رفع الدعم الحكومي لما سينتج عن هذا التوجه من ارتفاع تكلفة الخدمات والسلع الأخرى.
ويشكل الاتجاه نحو رفع الدعم عن المشتقات النفطية إحدى أهم السياسات اللازمة لتخفيف العبء المالي المتزايد على الموازنة في ظل استمرار ارتفاع مستويات الطلب والاستهلاك على المشتقات النفطية. وتظهر المؤشرات الأولية أن رفع الدعم سيحد من إهدار الموارد ويزيد من قدرة الحكومة على تنويع الاقتصاد، بالإضافة إلى تعزيز الكفاءة والتنمية لمواجهة التحديات الاقتصادية.
وفي إطار الإعلان عن الموازنة العامة للعام الجديد، والتي جاءت متوائمة مع مرحلة الانخفاض الكبير في إيرادات الدولة المعتمدة شبه كليًا على النفط، أقر مجلس الوزراء السعودي تعديل أسعار منتجات الطاقة، ورفع أسعار البنزين والكهرباء والمياه، وذلك بعد الاطلاع على الأنظمة والأوامر الملكية والقرارات ذات الصلة. ووفقًا للقرار الجديد، فإن أسعار البنزين أصبحت 0.75 ريال لكل لتر من فئة بنزين 91. أما فئة بنزين 95 فيصبح 0.90 ريال لكل لتر.
ووفقًا لبحث أجراه معهد ماكينزي العالمي، فإن «السعودية لديها القدرة على مضاعفة ناتجها المحلي الإجمالي وخلق 6 ملايين وظيفة إضافية بحلول عام 2030، وهو ما يكفي لاستيعاب تدفق الشبان إلى سوق العمل». لكن مع ذلك، يقول المعهد في تقرير حديث: «إن المملكة لا بد أن تحد بشكل كبير من الاعتماد غير الصحي على النفط - وهو هدف استراتيجي تمت مناقشته منذ فترة طويلة ولكن لم يتم تنفيذه حتى الآن».
ويتطلب التنويع الاقتصادي بالمملكة، التركيز على الاستثمار في قطاعات غير نفطية تسهم في تحقيق التوجهات بنسبة 60 في المائة خاصة قطاعات الإنشاءات، والصناعات التحويلية، والبتروكيماويات، والتجارة والتجزئة، والسياحة والضيافة، والقطاع المالي، والتعدين، والخدمات الصحية.
وبالنظر إلى قدرة المملكة على التنويع، يوضح تقرير ماكينزي أن القطاعات الواعدة في المملكة واسعة النطاق، مُشيرًا إلى أن البلاد لديها ودائع كبيرة غير مستغلة من المعادن والثروات القابعة في باطن الأرض، بما في ذلك الفوسفات والذهب والزنك والبوكسيت والسيليكا ذات الجودة العالية. ذلك فضلاً عن النمو السريع في قطاع التجزئة، لكنها ما زالت تُعاني من بعض التراجع في مجالات مثل التسوق الإلكتروني وسلسلة التوريد العابرة للحدود ذات الكفاءة العالية.
ويمكن تطوير القطاع السياحي في البلاد ورفع مستواه، ليس فقط بالنسبة للملايين من الحجاج المسلمين الذين يزورون الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة في كل عام، ولكن أيضا للسياحة الترفيهية. فالمملكة السعودية لديها ساحل طويل على البحر الأحمر، وكذلك المناطق فائقة الجمال التي يمكن أن تجذب الزوار.
وبالانتقال إلى قطاع الصناعات التحويلية، أيضًا، يمكن أن تتفوق المملكة في هذا المجال مع مزيد من ضخ الاستثمارات؛ فحتى الآن، المملكة لديها فقط التصنيع المحلي على نطاق صغير على الرغم من كونها واحدة من أكبر الأسواق في المنطقة للسيارات والآلات وغيرها من السلع الرأسمالية.
ووفقًا لمعهد ماكينزي، يتطلب استغلال هذه الفرص تريليونات الدولارات من الاستثمارات، تحسينات جذرية في الإنتاجية، وإدارة حكومية مُكثفة، فضلاً عن الالتزام المستمر بالخطط الموضوعة. وتحقيق هذا المستوى من الاستثمار يتطلب إصلاحات هيكلية للسياسات الراهنة. فخلال الطفرة النفطية، زادت الدولة أجور القطاع العام ومصروفات الرعاية الاجتماعية - وبالتالي كان التركيز الرئيسي على رفاهية المواطنين.
ولأن هناك أكثر من 70 في المائة من قوة العمل في المملكة تعمل بالقطاع الحكومي، يحث المعهد المملكة على مشاركة المستثمرين والشركات الخاصة للمؤسسات الحكومية في الناتج المحلي للدولة. ويتطلب الأمر من المملكة إصلاح الإطار التنظيمي والقانوني حتى تتمكن من إتاحة 70 في المائة من العمالة على الأقل من الاستثمار من القطاع الخاص.
وبحسب التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2015 - 2016: «تعكس معايير التنافسية الدولية إيجابيات الاقتصاد السعودي التي تمكنه من تحقيق المزيد من الإنجازات والنمو التي من شأنها تعزيز صدارته في منطقة الشرق الأوسط».
ومن بين تلك المعايير التي أوضحها المنتدى كنقاط قوة يتمتع بها اقتصاد المملكة؛ الاستمرار في تحقيق معدلات نمو جيدة ساهمت في تقليص الدين العام والتضخم نسبيًا. فخلال الفترة من 2003 - 2013 تضاعف الناتج المحلي السعودي بمتوسط زيادة سنوي بلغ نحو 5 في المائة؛ بسبب زيادة إنفاق الحكومة المرتبط بزيادة أسعار النفط؛ مما قفز بالناتج المحلي ليكون الاقتصاد السعودي في المركز 19 عالميًا ودخوله بذلك لمجموعة العشرين.
كذلك تعتبر المملكة من الدول الاقتصادية التي ترتفع بها نسبة الادخار إلى الناتج المحلي الإجمالي، واستطاع الاقتصاد السعودي على مدى العقد الماضي ضخ المزيد من الاستثمارات من أجل تحسين البنية التحتية بشكل عام خاصة في الكهرباء والنقل الجوي وغيرهما من مشروعات البنى التحتية، إضافة إلى سلامة أوضاع البنوك، حجم السوق المحلية، كما أشار إلى انتشار التعليم الأساسي، وتدني نسبة تفشي الأمراض المعدية.

* الوحدة الاقتصادية بـ«الشرق الأوسط»



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.