الرئيس الفرنسي يزور مسجد باريس الكبير مع نهاية مراسم إحياء ذكرى ضحايا الإرهاب

زرع سنديانة في «ساحة الجمهورية» والكشف عن لوحة تكريم ضحايا الإرهاب الـ147 في عام 2015

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ورئيس الوزراء مانويل فالس في ساحة الجمهورية في باريس لإحياء الذكرى الأولى لضحايا جريدة شارلي إبيدو (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ورئيس الوزراء مانويل فالس في ساحة الجمهورية في باريس لإحياء الذكرى الأولى لضحايا جريدة شارلي إبيدو (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الفرنسي يزور مسجد باريس الكبير مع نهاية مراسم إحياء ذكرى ضحايا الإرهاب

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ورئيس الوزراء مانويل فالس في ساحة الجمهورية في باريس لإحياء الذكرى الأولى لضحايا جريدة شارلي إبيدو (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ورئيس الوزراء مانويل فالس في ساحة الجمهورية في باريس لإحياء الذكرى الأولى لضحايا جريدة شارلي إبيدو (أ.ف.ب)

في بادرة لافتة تعكس قلق الرئيس الفرنسي من تكاثر الأعمال المعادية للإسلام وحرصه على إبعاد الخلط بينه وبين مرتكبي الأعمال الإرهابية التي ضربت فرنسا في عام 2015 وأوقعت 147 قتيلا، قام فرنسوا هولاند ظهر أمس بزيارة مفاجئة لمسجد باريس الكبير، وذلك مباشرة بعد انتهاء مراسم الذكرى الأولى لوقوع مقتلة المجلة الساخرة «شارلي إيبدو» في ساحة «لا ريبوبليك» (الجمهورية) التي تقع على بعد خطوات من مسرح الباتاكلان والمقاهي التي تعرضت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لأخطر عملية إرهابية تعرفها فرنسا في عصرها الحديث.
زيارة مسجد باريس التي لم يكن مخططا لها ولم يعلن عنها مسبقا جاءت كذلك في إطار مبادرة «أبواب المساجد المفتوحة» التي دعا إليها المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر في قصر الإليزيه قولها إن الزيارة «وفرت لهولاند الفرصة لتبادل الرأي وللتعبير عن الأخوة والصداقة» مع مسلمي فرنسا في إطار «فنجان شاي الأخوة». وقالت مصادر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي يرأسه أنور كبابيش لـ«الشرق الأوسط» إن مبادرته جاءت «لهدم الصور النمطية» التي تكونت عند الرأي العام الفرنسي بعد العمليات الإرهابية وإظهار أن المسلمين «مواطنون فرنسيون كغيرهم من الموطنين»، وكذلك للتعبير عن «التضامن» الوطني وللتعبير عن «الرغبة في التعايش والأخوة والوئام» مع كل المواطنين.
وطيلة يومي السبت والأحد، فتحت المساجد في المدن الكبرى أبوابها أمام الجميع، وذلك في باردة هي الأولى من نوعها في فرنسا. وبحسب مصادر الإليزيه، فإن الرئيس هولاند الذي رافقه في زيارة مسجد باريس الكبير وزير الداخلية وشؤون العبادة برنار كازنوف تبادل الرأي مع مسؤولي الجالية المسلمة في فرنسا حول «معنى مبادرتهم» التي تندرج في إطار ما تدعو إليه السلطات الفرنسية التي ما فتئت تحث المسؤولين وعن الجالية والمثقفين والنخبة لكي لا تترك الساحة مفتوحة أمام أحاب التوجهات الراديكالية والتطرف التي تصيب المسلمين بالسوء قبل غيرهم.
وخلال الأسبوع الماضي، شدد هولاند في الكلمة التي ألقاها أمام ممثلي الأديان في فرنسا بمناسبة بداية العام الجديد على أن المسلمين «جزء لا يتجزأ من فرنسا وتاريخها». لكن حالة القلق التي أصابت المجتمع الفرنسي عقب العمليات الإرهابية وفرض حالة الطوارئ والتدابير الأمنية المتشددة أثارت مخاوف الجالية المسلمة من أن تكون هدفا لها. وجاءت نتائج الانتخابات الإقليمية التي جرت الشهر الماضي والتقدم الكبير الذي حققته لوائح اليمين المتطرف لتزيد من مخاوف المسلمين، خصوصا بعد تكاثر الأعمال المعادية لهم واستقواء شعور العنصرية لدى شريحة من الفرنسيين ترى في الإسلام والعرب والمهاجرين خطرا على أمنها وهويتها.
من هذه الزاوية، وبينما يؤكد أعلى المسؤولين أن التهديد الإرهابي الذي يطأ بثقله على فرنسا «ما زال على حاله» وأن أعمالا إرهابية أخرى يمكن أن تقع رغم التدابير الأمنية المشددة وحالة الطوارئ المفروضة، فإن زيارة هولاند القصيرة «نصف ساعة» لمسجد باريس تحمل شحنة رمزية قوية لجهة رغبة أعلى السلطات في الدولة في الحفاظ على السلم الاجتماعي والوئام بين المواطنين. ولخص رئيس الحكومة الحالة النفسية العامة في البلاد بقوله أمس في حديث صحافي إن فرنسا «بحاجة إلى روحية التضامن والتجمع لكي نتمكن من مواجهة الإرهاب لأننا في حالة حرب ضد التطرف».
ويوم أمس، اختتم أسبوع حافل بالمراسم الخاصة بإحياء الذكرى الأولى لمقتلة «شارلي إيبدو» والمتجر اليهودي وكذلك أيضًا ضحايا اعتداءات نوفمبر الماضي. وأحاط برئيس الجهورية صباحا كبار مسؤولي الدولة (رئيس الحكومة والوزراء ورئيسا مجلسي الشيوخ والنواب وعمدة باريس وأهالي ضحايا العمليات الإرهابية في يناير (كانون الثاني) ونوفمبر الماضيين) في ساحة «لا ريبوبليك» من أجل رفع الغطاء عن لوحة تذكارية وضعت عند جذع شجرة سنديان زرعت خصيصا للمناسبة وسط الساحة. وكتب على اللوحة التي قدمتها بلدية باريس ما يلي: «تخليدا لذكرى ضحايا العمليات الإرهابية في يناير ونوفمبر 2015 في باريس وضاحية مو روج وسان دوني: هنا الشعب الفرنسي يحيي ذكراهم».
وطيلة يوم أمس، تدفق الباريسيون على ساحة «لا ريبوبليك» بينما التمثال الذي يتوسطها والذي يرمز إلى الجمهورية والذي دشن في عام 1883 ما زال يحاط بباقات وأكاليل الورود والكتابات التي تندد بالإرهاب وتشيد برغبة المواطنين بالعيش والسلام. وهذه الساحة كانت المنطلق العام الماشي لأكبر مسيرة عرفتها باريس منذ تحريرها من النير الألماني في عام 1945، لكن التجمعات الشعبية أمس لا يمكن مقارنتها بما عرفته الساحة قبل عام. وأمس، غنى المغني الفرنسي المشهور جوني هوليداي أغنية «يوم أحد من يناير»، كما قرئ نص شهير للكاتب والروائي الفرنسي فيكتور هوغو لدى عودته من المنفى البريطاني في عام 1870، بينما عزفت موسيقى الجيش النشيد الوطني «المرسيلييز» الذي يتحدث فيه عن باريس وعن أهيمتها بالنسبة للعالم أجمع.
خلال الأسبوع المنصرم، شغل هولاند شاشات التلفزة وملأ صفحات الجرائد أولا بسبب مراسم إحياء الذكرى وثانيا بسبب معايدات رأس السنة التي تشمل كل قطاعات المجتمع الفرنسي، بيد أن السياسة لم تغب عن الجدل الداخلي الذي ما زالت تستأثر عليه رغبة الحكومة بتعديل الدستور لتمكين السلطات من نزع الجنسية الفرنسية عن المدانين بأعمال إرهابية من ذوي الجنسيتين وإن كانوا قد ولدوا فرنسيين. كذلك يترقب الوسط السياسي مشروع القانون الجديد الذي ستقدمه الحكومة بداية الشهر القادم إلى البرلمان من أجل إعطاء الأجهزة الأمنية صلاحيات إضافية في الحرب على الإرهاب.
ويوفر المشروع في حال إقراره مزيدا من حرية التحرك للأجهزة الأمنية ويخفف من عبء الرقابة المسبقة التي يفرضها القضاء في الوقت الحاضر. ويقول بعض معارضي المشروع إنه «يؤسس لحالة طوارئ دائمة» من غير الحاجة إلى إعلان حالة الطوارئ. لكن وزيري الداخلية والعدل برنار كازنوف وكريستيان توبيرا يؤكدان العكس. وفي رسالة مشتركة نشرتها الأسبوع الماضي صحيفة «لو موند» اعتبر الوزيران أن الادعاءات التي توحي بالرغبة في استبعاد القضاء «أمر منافٍ للحقيقة وإهانة» للمعتقدات الخاصة بالوزيرين المعنيين بالدرجة الأولى بالموضوع الأمني. ويؤكد الوزيران أن مشروع القرار «درس بعمق» وأنه يستوحي مجموعة من التقارير التي أعدت منذ عام 2013 والاستشارات التي حصلت مع قوى الأمن والقضاة والمحامين. ومن بين الأمور التي ينص عليها مشروع القانون السماح بفرض الإقامة الجبرية على المشتبه بعلاقتهم بالإرهاب أو العائدين من ميادين القتال وتمكين القوى الأمنية من القيام بعمليات الدهم ليلا وتفتيش المنازل والمكاتب والسيارات في أي زمن والتنصت على المكالمات ونصب كاميرات الرقابة.
أما الجدل الخاص بموضوع نزع الجنسية، فإنه يتغذى من تصريحات وزيرة العدل المفترض أن تكون المدافع الأول عنه. لكنها في الواقع تغتنم كل مناسبة متوفرة للتنديد به واعتباره من غير فائدة ما يعطي اليمين الفرصة للانقضاض على الحكومة والمطالبة باستقالة أو إقالة الوزيرة المعنية.



مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)
مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف (أ.ف.ب)
TT

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)
مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف (أ.ف.ب)

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل سبعة أشخاص وإصابة العشرات؛ إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ في وابل من القصف استهدف مدينة دنيبرو جنوب شرق أوكرانيا وعدداً من المناطق الأخرى.

وانهار جزء كبير من مبنى سكني في دنيبرو، بعد أن لحقت به أضرار خلال الهجوم. وقال حاكم المنطقة إنه جرى انتشال أربع جثث من تحت الأنقاض.

وأفادت السلطات بتعرض الموقع لهجوم آخر خلال النهار، بينما كان رجال الإنقاذ يؤدون عملهم هناك، مشيرة إلى أنه أسفر عن مقتل شخص وإصابة سبعة آخرين.

عناصر الشرطة في كييف (رويترز)

وتشن روسيا هجمات بعشرات الطائرات المسيَّرة كل ليلة على أوكرانيا، تتخللها من حين لآخر هجمات واسعة النطاق تُستخدم فيها مئات الطائرات المسيرة وعشرات الصواريخ.

وشوهدت أعمدة كثيفة من الدخان، صباح اليوم، بينما حذرت وسائل إعلام محلية سكان المدينة من تلوُّث الهواء.

وقال مراسل لـ«رويترز» إنه شاهد إسقاط طائرة مسيرة روسية فوق سماء المبنى السكني المدمر بينما كان رجال الإنقاذ يعملون بين الأنقاض. وأفاد مسؤولون بإصابة أكثر من 30 شخصاً في المدينة.

وقالت رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو: «تتعمد روسيا إطالة أمد إرهابها ضد شعبنا، وتواصل استهداف البنية التحتية الحيوية والمباني السكنية».

وذكر حاكم منطقة تشيرنيهيف أن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة تسببت في مقتل شخصين وإصابة سبعة آخرين في المنطقة الواقعة بشمال أوكرانيا.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي: «لا بد أن يُذكّر كل هجوم من هذا القبيل شركاءنا بضرورة اتخاذ إجراءات فورية وحاسمة، وتعزيز دفاعاتنا الجوية بشكل سريع».

وتكثف أوكرانيا في الآونة الأخيرة هجماتها بالطائرات المسيرة على الأراضي الروسية. وقالت السلطات في مدينة يكاترينبورج الروسية، اليوم (السبت)، إن طائرة مسيرة أوكرانية سقطت على مبنى سكني بالمدينة، مما أسفر عن تعرض أشخاص لإصابات طفيفة.

وذكر سلاح الجو الأوكراني في بيان نُشر على تطبيق «تيليغرام» أن هجوم روسيا على أوكرانيا اليوم تم باستخدام 619 طائرة مسيرة و47 صاروخاً، مضيفاً أنه تمكن من إسقاط 580 طائرة مسيرة و30 صاروخاً.

وفي سياق متصل، أعلنت رومانيا عن تحطّم طائرة مسيّرة على أراضيها؛ ما اضطرّها لإجلاء أكثر من 200 شخص. وقالت وزارة الدفاع في بيان: «صباح السبت 25 أبريل، استأنفت القوات الروسية هجمات بالطائرات المسيّرة ضدّ أهداف مدنية وبنى تحتية في أوكرانيا قرب النهر الحدودي مع رومانيا في مقاطعة تولتشيا».

من جهتها، أفادت فرق الطوارئ في بيان منفصل بأن «طائرة مسيّرة تحطّمت في منطقة مأهولة بالسكان»، مشيرة إلى وجود «حمولة متفجرة محتملة». ومنذ انطلاق الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، شهدت رومانيا العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مراراً انتهاك مجالها الجوي وسقوط حطام طائرات مسيّرة على أراضيها.

ضباط شرطة أوكرانيون في أحد شوارع كييف (رويترز)

لكن وسائل إعلام محلية قالت إن هذه هي المرّة الأولى التي يتسبّب فيها حطام طائرات مسيّرة روسية بأضرار مادية داخل الأراضي الرومانية. وفي حين لم تُسجَّل إصابات بشرية، تضرر عمود كهرباء ومنزل، وفق السلطات التي قرّرت قطع إمدادات الغاز في المنطقة كإجراء احترازي.

وأفادت وزارة الخارجية في بيان بأن الوزيرة أويانا تسويّو استدعت السفير الروسي. وفي عام 2025، أقرّت رومانيا قانونا يجيز لها إسقاط الطائرات المسيّرة التي تنتهك مجالها الجوي، إلا أنه لم يتم تطبيق هذا الإجراء إلى الآن.


الرئيس الصربي يشبّه أوروبا بالإمبراطورية الرومانية قبل سقوطها

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (أ.ب)
الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (أ.ب)
TT

الرئيس الصربي يشبّه أوروبا بالإمبراطورية الرومانية قبل سقوطها

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (أ.ب)
الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش (أ.ب)

وجّه الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، اليوم السبت، من باريس انتقادات لاذعة لأوروبا التي وصفها بأنها «متأخرة» على الصعيد العالمي لكنها تعتقد أنها لا تزال تتمتع «بنوع من التفوق الأخلاقي»، مشبّهاً إياها بالإمبراطورية الرومانية الغربية قبل سقوطها.

وقال خلال مداخلة في المؤتمر الدولي للسياسات الذي ينظمه المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في شانتيي قرب باريس: «نحن نعتقد، عن خطأ، أن لدينا نوعاً من التفوق الأخلاقي والديمقراطي على الآخرين، وهذا أمر خاطئ تماماً. أعتقد أن الأمر يشبه ما حدث مع الإمبراطورية الرومانية الغربية التي لم تكن تفهم ما كان يجري على حدودها، ولم تكن تريد الاعتراف بذلك، وانتهى بها الأمر إلى الانهيار».

وأضاف: «لا أعتقد أن أوروبا ستنهار. هذا لن يحدث أبداً»، لكنه تابع قائلاً: «نحن، كأوروبيين، نخسر جميعاً الكثير من المعارك المهمة، ومع ذلك ما زلنا نعتقد أننا الأذكى... ولدينا ميل دائم إلى الانتقاص من الآخرين والإقلال من شأنهم».

ورأى أن الأوروبيين «متأخرون عن بقية مناطق العالم، ليس فقط عن الولايات المتحدة، في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات، بل كذلك عن الصين».

إلا أنه جدّد تأكيد رغبة صربيا التي يبلغ عدد سكانها 6.6 مليون نسمة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وفق ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.


درس من 1915... لماذا لا يمكن فتح «هرمز» بالقوة؟

خريطة مضيق هرمز (رويترز)
خريطة مضيق هرمز (رويترز)
TT

درس من 1915... لماذا لا يمكن فتح «هرمز» بالقوة؟

خريطة مضيق هرمز (رويترز)
خريطة مضيق هرمز (رويترز)

يمثل الجدل حول إعادة فتح مضيق هرمز أحد أكثر الملفات الحساسة في السياسة والأمن الدوليين. وبينما تتزايد التساؤلات حول أسباب عدم اتخاذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطوات عملية لإزالة العوائق أمام هذا الممر الحيوي، يسلّط هذا الطرح الضوء على طبيعة التحديات العسكرية التي تجعل أي محاولة لفتحه بالقوة شديدة الخطورة، خصوصاً في ظل وجود تهديدات غير تقليدية مثل الألغام البحرية والحرب.

فقبل هجومه على إيران، حذر مستشارو ترمب الرئيس الأميركي من أنه سيكون من المستحيل تأمين ممر عبر حقل ألغام عندما يسيطر «العدو» على الساحل، من دون الاستعداد لتكبّد خسائر فادحة، وفق الصحيفة، التي أشارت إلى أن قصف عدو أقل تقدماً تكنولوجياً من الجو، يختلف تماماً عن الانخراط في قتال حقيقي على مستوى سطح البحر مع خصم خطط لهذا النوع من الحرب غير المتكافئة لفترة طويلة جداً، وفق «إندبندنت».

وفي هذا السياق، يعود تقرير لصحيفة «إندبندنت» بالذاكرة إلى دروس تاريخية بارزة من حروب سابقة، تكشف أن السيطرة على المضايق والممرات البحرية لم تكن يوماً مهمة سهلة، حتى بالنسبة للقوى الكبرى.

درس من التاريخ: محاولة فتح الدردنيل بالقوة (مارس 1915)

كان ذلك في مارس (آذار) 1915، وكانت «المضايق» المعنية هي الدردنيل – الممر الضيق الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأسود ويمنح الوصول إلى إسطنبول. كان الأتراك هم المدافعين، بينما تولّى البريطانيون والفرنسيون دور المهاجمين.

وكانت المنطقة في قلب حرب مفتوحة. فالممر المائي الحيوي، الذي يُفترض عادة أن يكون مفتوحاً أمام التجارة العالمية، أُغلق نتيجة إجراءات تركيا، القوة المطلة عليه. كما كان الساحل محصناً بشدة، مع احتمال كبير لزرع ألغام بهدف إغلاق الممر.

تُظهر صورة التقطها قمر صناعي أسطولاً من القوارب الصغيرة في البحر شمال مضيق هرمز (رويترز)

خطة إعادة الفتح بالقوة

اتخذ البريطانيون والفرنسيون قراراً بإعادة فتح المضايق بالقوة، وتم حشد قوة بحرية كبيرة لهذا الغرض.

تكوّنت القوة من 14 سفينة «رئيسية» (في ذلك الوقت بوارج وطرادات قتال)، مدعومة بسفن مرافقة وبقوة كبيرة من كاسحات الألغام.

وكانت الخطة تقوم على بقاء السفن الرئيسية في مياه آمنة لقصف التحصينات الساحلية. وبعد إسكات الدفاعات، تتقدم كاسحات الألغام لتمشيط مناطق إضافية.

ثم تتقدم السفن الكبيرة مجدداً إلى المناطق التي تم تطهيرها، وتستأنف القصف، على شكل موجات متتالية تتحرك دائماً في مياه مُؤمّنة من الألغام، بهدف فتح الممر بالكامل وإعادة تشغيله.

بداية الهجوم وتقدم العمليات

بدأ الهجوم الكبير في 18 مارس 1915، وفي البداية سارت العمليات بشكل جيد.

تشكّل خط الهجوم الأول من أربع سفن رئيسية: HMS Queen Elizabeth وHMS Agamemnon وHMS Lord Nelson وHMS Inflexible.

أما الخط الثاني فتكوّن من أربع سفن فرنسية: FS Gaulois وCharlemagne وBouvet وSuffren، على أن تدعمها ست سفن بريطانية أخرى في الخط الثالث.

بدأ القصف عند الساعة 11 صباحاً من قبل سفن البحرية الملكية في الخط الأول. وبحلول 12:20 ظهراً، عبرت السفن الفرنسية في الخط الثاني إلى مواقعها الأمامية متقدمة على الخط الأول.

وبحلول 1:45 ظهراً، خفّت نيران المدفعية الساحلية تحت ضغط القصف البحري، فاعتُبر أن الظروف أصبحت مناسبة لإرسال كاسحات الألغام إلى المرحلة التالية.

تظهر سفينة إيبامينونداس أثناء احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

بداية الانهيار والخسائر الأولى

لكن بعد 15 دقيقة فقط، بدأت الأمور تتدهور. اصطدمت السفينة الفرنسية FS Bouvet بلغم، وفي غضون دقائق انقلبت وغرقت، ولم ينجُ سوى 75 فرداً من طاقمها البالغ 718.

استمر الهجوم رغم ذلك. وكانت HMS Irresistible من الموجة الثالثة تقصف التحصينات عندما اصطدمت هي الأخرى بلغم عند الساعة 3:14 عصراً. ورغم ميلانها الشديد، واصلت القتال حتى اصطدمت بلغم آخر أدى إلى تعطّل محركاتها بالكامل.

تمت محاولة سحبها، لكن الوضع كان ميؤوساً منه، وأُمر بإخلائها، وتم إنقاذ أكثر من 600 رجل.

وفي الوقت نفسه، وبعد الساعة الرابعة مساءً بقليل، اصطدمت HMS Inflexible بلغم. ورغم بقائها قادرة على الإبحار ببطء، أُمرت بالانسحاب، لكنها كانت قد تعرضت لثقب كبير تحت خط الماء، ما استدعى جنوحها على الشاطئ لتفادي الغرق، قبل سحبها لاحقاً إلى مالطا لإصلاحها.

فشل العملية والانسحاب

بعد هذه الخسائر، خلص الأدميرال إلى أن المياه التي اعتُبرت آمنة ومطهّرة من الألغام لم تكن كذلك على الإطلاق.

وبناءً عليه، وفي الساعة 5:50 مساءً، وبعد أقل من سبع ساعات من بدء العملية، تم إرسال إشارة «استدعاء عام» لسحب السفن والعودة إلى المياه الآمنة خارج المضايق.

وبعد 15 دقيقة، اصطدمت HMS Ocean بلغم آخر وغرقت لاحقاً، كما غرقت أيضاً HMS Irresistible وHMS Ocean لاحقاً.

خاتمة العملية

حاولت 14 سفينة حربية كبرى فرض السيطرة على المضايق. وخلال أربع ساعات فقط، غرقت ثلاث سفن وتعرضت واحدة لأضرار بالغة.

وبذلك انتهى ذلك اليوم الكارثي، الذي مثّل نهاية محاولة اقتحام الدردنيل بالقوة البحرية وحدها، ولم تُستأنف هذه المحاولة مرة أخرى.