إرهاصات 2016: هبوط تاريخي للأسواق وتراجعات جماعية للمعادن

الصين تهدد الاستقرار المالي.. والسعودية تؤجل «الركود» العالمي

إرهاصات 2016: هبوط تاريخي للأسواق وتراجعات جماعية للمعادن
TT

إرهاصات 2016: هبوط تاريخي للأسواق وتراجعات جماعية للمعادن

إرهاصات 2016: هبوط تاريخي للأسواق وتراجعات جماعية للمعادن

يبدو أن البيانات الصينية الأخيرة، التي ظهرت مؤشراتها الأولية في الساعات الأولى من عام 2016، والتي تصب في خانة «المتشائمين»، تأخذ الاقتصاد العالمي نحو منحى التراجع الذي قد يؤدي إلى ركود في نهاية المطاف، إذا ما لم تتدخل بكين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بإجراءات تسيطر من خلالها على التباطؤ الآخذ في الزيادة، وسط معطيات عالمية تدعم هذا الاتجاه، منها تراجع السيولة في الأسواق العالمية، ما يدل على انخفاض شهية المتعاملين للمخاطرة، رغم تراجع أسعار النفط الذي قلل من وتيرة التباطؤ الاقتصادي.
ويشعر المجتمع الدولي الاقتصادي بالقلق من تباطؤ اقتصاد الصين، الذي يتوقع أن يكون قد سجل أبطأ نمو له خلال ربع قرن في عام 2015، وتسببت المخاوف بشأن النمو الاقتصادي في بداية مضطربة في أسواق الأسهم والعملات هذا العام.
وبدأت أسواق الصين تعاملاتها مطلع الاثنين الماضي بخسارة بنسبة 7 في المائة، فيما لم يستمر التداول سوى 30 دقيقة يوم الخميس، وأدت الخسائر الكبيرة يومي الاثنين والخميس إلى غلق تلقائي في بورصتي شنغهاي وشينزن الرئيسيتين، لتسحب معها أسواق العالم.
وعلقت الهيئة المنظمة للأوراق المالية في الصين العمل بآلية لوقف التداول تسببت في تعليق التداول مرتين الأسبوع الماضي؛ وألقي باللوم على وقف التداول في تفاقم عمليات البيع بينما كان الهدف من تلك الآلية الحد منها. وبموجب هذه الآلية، كان «المساهمون الكبار»، أي الذين يملكون أكثر من خمسة في المائة في أي شركة مدرجة في البورصة، ممنوعين من بيع أسهم. وكانت السلطات الصينية بدأت العمل بتلك الآلية في إطار برنامج لمنع اضطراب الأسواق الذي أدى إلى خسارة تريليونات الدولارات خلال الصيف الماضي.
وسمحت الصين بأكبر هبوط لليوان في خمسة أشهر يوم الخميس الماضي، بما فرض ضغوطًا على عملات دول المنطقة ودفع الأسواق العالمية للنزول مع تخوف المستثمرين من بداية «حرب عملات» تطلق بموجبها عمليات خفض لقيمة عملات أخرى بغرض الاحتفاظ بالقدرة على المنافسة.
ورفعت السلطات الصينية السعر المركزي لعملة اليوان مقابل الدولار، منهية ثمانية أيام من الانخفاض. وكان قرار تحديد سعر اليوان عند أدنى مستوى له خلال خمس سنوات من أسباب عمليات البيع الواسعة التي شهدها العالم الخميس.
ومع استمرار المخاوف من أن يضر التباطؤ الصيني بالاقتصاد العالمي، أغلقت الأسهم الأميركية على خسائر تاريخية، فسجل مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500»، و«داو جونز» الصناعي، أسوأ أداء لهما في الأسبوع الأول من العام، وخسر «ستاندرد آند بورز» 6 في المائة وداو 2.6 في المائة، وهي أكبر خسارة أسبوعية لكل منهما منذ سبتمبر (أيلول) 2011.
وهبطت مخزونات الجملة في الولايات المتحدة أكثر من المتوقع في نوفمبر (تشرين الثاني) مع سعي الشركات لخفض مخزونات البضائع غير المبيعة في أحدث إشارة على انخفاض حاد، في النمو الاقتصادي في الربع الأخير من العام.
وقالت وزارة التجارة يوم الجمعة الماضي إن مخزونات الجملة هبطت 3.0 في المائة مع انخفاض مخزونات السلع المعمرة وغير المعمرة. وجرى تعديل مخزونات أكتوبر (تشرين الأول) بالخفض لتسجل هبوطًا بنسبة 3.0 في المائة بدلاً من 1.0 في المائة في القراءة السابقة.
ويضاف التقرير إلى بيانات ضعيفة بشأن الإنفاق في قطاع البناء ونمو الصادرات وقطاع الصناعات التحويلية، التي أعطت إشارات على أن نمو الناتج المحلي الإجمالي سجل هبوطًا حادًا في الربع الأخير من 2015، ونما الاقتصاد بنسبة اثنين في المائة في الربع الثالث.
* النفط: كما تراجع عدد منصات النفط الأميركية العاملة، للأسبوع السابع في الأسابيع الثمانية الماضية لتزيد وتيرة الخفض مع هبوط أسعار الخام لتقترب من أدنى مستوياتها في 12 عامًا. وقالت شركة «بيكر هيوز» للخدمات النفطية إن شركات الحفر أوقفت 20 منصة عن العمل في الأسبوع المنتهي في الثامن من يناير (كانون الثاني)، لينخفض العدد الإجمالي للمنصات إلى 516، وهو الأقل منذ أبريل (نيسان) 2010 على أقل تقدير. وبلغ عدد المنصات في الأسبوع المقابل من العام الماضي 1421 منصة عاملة. وأوقفت شركات النفط 963 منصة إجمالاً عن العمل في 2015، وهو أول خفض سنوي في العدد منذ 2002 والأكبر في عام منذ 1988 على الأقل. وأنهت أسعار النفط الأسبوع الماضي على خسائر بلغت عشرة في المائة، متأثرة باستمرار تخمة المعروض العالمي.
كما تراجع سعر النحاس مع تزايد القلق بشأن النمو في الصين، أكبر مستهلك للمعدن في العالم، لتبقى الأسعار قرب أدنى مستوياتها في نحو سبع سنوات، والتي سجلتها الأسبوع الماضي.
وأغلقت العقود القياسية الآجلة للنحاس في بورصة لندن للمعادن منخفضة 0.9 في المائة إلى 4485 دولارًا للطن. كان النحاس قد هوى إلى 4430 دولارًا للطن يوم الخميس أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2009، وخسر النحاس 25 في المائة في 2015، وهوى النيكل بأكثر من 40 في المائة.
وتراجعت الأسهم الأوروبية نهاية الأسبوع، يوم الجمعة، ليتكبد مؤشر إقليمي رئيسي أكبر خسائره الأسبوعية منذ أغسطس (آب) 2011، وأغلق المؤشر يوروفرست 300 لأسهم الشركات الأوروبية الكبرى منخفضًا 5.1 في المائة، لتبلغ خسائره خلال الأسبوع نحو سبعة في المائة؛ وهو أسوأ أداء أسبوعي للمؤشر منذ مطلع أغسطس 2011، عندما خسر نحو عشرة في المائة خلال أزمة الديون السيادية بمنطقة اليورو.
* العملات: كما هبط الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له في خمسة أعوام ونصف العام أمام الدولار، واتجه نحو تسجيل سابع خسارة أسبوعية على التوالي أمام اليورو، في الوقت الذي يراهن فيه المستثمرون على أن بنك إنجلترا المركزي لن يرفع أسعار الفائدة قبل 2017.
وهبط الإسترليني 6.0 في المائة إلى 4523.1 دولار، وهو مستوى لم يصل إليه منذ يونيو (حزيران) 2010؛ وبلغ الإسترليني أدنى مستوى في 11 شهرا أمام اليورو عند 75.085 بنس فقط، مسجلاً هبوطًا بنسبة 5.1 في المائة هذا الأسبوع، وهو الأمر الذي يضع العملة البريطانية على مسار تسجيل أسوأ سلسلة من الخسائر الأسبوعية في نحو خمسة أعوام أمام العملة الأوروبية المشتركة.
* المعادن: ولم يفلت المعدن الأصفر النفيس من الهبوط هو الآخر، رغم أنه الاستثمار والملاذ الآمن وقت الاضطرابات، إلا أن أسعار الذهب انخفضت يوم الجمعة من أعلى مستوياتها في تسعة أسابيع لكنها لا تزال في طريقها لتحقيق أكبر مكسب أسبوعي لها منذ أغسطس بدعم بيانات أقوى من التوقعات للوظائف في الولايات المتحدة دعمت الدولار وأسواق الأسهم.
وانخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية 9.0 في المائة إلى 84.1098 دولار للأوقية. وتراجع سعر الذهب في العقود الأميركية الآجلة تسليم فبراير (شباط) 9.0 في المائة عند التسوية إلى 90.1097 دولار للأوقية.
ورغم نشر محاضر اجتماع البنك المركزي الأميركي، حافظ الذهب على بعض من مكاسبه، وأظهرت المحاضر بعض المخاوف من بقاء التضخم عند مستوياته المتدنية المحفوفة بالمخاطر، وذلك بدعم من استمرار المخاوف المتعلقة بالاقتصاد الصيني الذي أثر سلبًا على أسواق الأسهم وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية.
ومن بين المعادن النفيسة الأخرى هبطت الفضة 6.2 في المائة إلى 93.13 دولار للأوقية، بينما زاد البلاتين 04.0 في المائة إلى 874.15 دولار للأوقية، ونزل البلاديوم 2.0 في المائة إلى 50.491 دولار للأوقية.
* الشرق الأوسط: تحاول أسواق الشرق الأوسط النأي بنفسها عما يحدث في الاقتصاد العالمي الذي قد يؤدي إلى ركود قادم، إلا أن الارتباط المالي العالمي والمصالح التجارية المتشابكة ستؤثر بالتبعية في جميع الأسواق لا محالة، خاصة أن الصين تمثل ثاني أكبر اقتصاد في العالم، واستهلاكها من النفط سيتأثر حال سجل اقتصادها ركودًا، وهو ما يؤثر بالتبعية على الأسواق العربية، فمع احتمالية حدوث ركود في الصين، تنشأ احتمالية أخرى في تراجع أسعار النفط، نظرًا لخفض الطلب المتوقع.
ودون النظر إلى المعطيات العالمية، أجلت السعودية ركود الاقتصاد العالمي من خلال إبقاء مستويات إنتاج منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) دون تغيير، وهو ما ساهم في تراجع أسعار النفط، الذي أعطى دفعة قوية للاقتصاد العالمي المنهك أساسًا، فضلاً عن مساهمته المباشرة في تخفيض أسعار الغذاء العالمية.
ورغم تأثر اقتصادات الدول المنتجة للنفط بتراجع أسعار النفط، فإن فوائده ظهرت في الاقتصاد العالمي، وهو ما شجع السعودية على التمسك بتلك الاستراتيجية التي قد تستمر لفترة، منذ اتخاذ القرار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014.
* أفريقيا: وعن الأسواق الأفريقية، أوضحت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد يوم الجمعة أن معدل النمو الاقتصادي في المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا التي تضم ست دول انخفض إلى اثنين في المائة في 2015.
وكانت تقديرات سابقة لصندوق النقد تشير إلى أن النمو في المجموعة التي تضم الكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والكونغو برازافيل وغينيا الاستوائية والغابون سيتجاوز أربعة في المائة.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.