الرئيس المصري عدلي منصور: الانتخابات البرلمانية ستسبق الرئاسية

شدد في الحلقة الأولى من حواره مع {الشرق الأوسط} على استقلالية القرار المصري .. وأكد أن المساعدات السعودية والعربية دعمت ذلك

الرئيس المصري عدلي منصور خلال الحوار مع رئيس التحرير الدكتور عادل الطريفي ({الشرق الأوسط})
الرئيس المصري عدلي منصور خلال الحوار مع رئيس التحرير الدكتور عادل الطريفي ({الشرق الأوسط})
TT

الرئيس المصري عدلي منصور: الانتخابات البرلمانية ستسبق الرئاسية

الرئيس المصري عدلي منصور خلال الحوار مع رئيس التحرير الدكتور عادل الطريفي ({الشرق الأوسط})
الرئيس المصري عدلي منصور خلال الحوار مع رئيس التحرير الدكتور عادل الطريفي ({الشرق الأوسط})

* سعي جماعة الإخوان للاستقواء بالخارج جوبه برفض شعبي ورسمي وفي تقديري أن الجماعة
* بدأت تراجع حساباتها وتبين ذلك من خلال الاعتذارات الصادرة لكنها ما زالت غير كافية من وجهة نظر الشعب المصري
* من أهم أسباب سقوط النظام السابق اعتماده على ما أطلق عليه «الأهل والعشيرة» مع تجاهله التام لأي مطالب لا ترضى بها «العشيرة»

الرئيس المصري المؤقت المستشار عدلي منصور، لم يسبق له أن تحدث إلى وسيلة إعلام خارجية منذ توليه مسؤولية قيادة مصر في واحدة من أهم مراحلها الانتقالية في تاريخها الحديث. ومن هنا يكتسب الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في مكتبه بقصر الاتحادية في ضاحية مصر الجديدة القاهرية، أهميته. وما يزيد من أهمية ما قاله منصور في الحوار ترافقه مع مناسبتين مهمتين؛ الأولى احتفالات مصر اليوم بالذكرى الأربعين لانتصارات «حرب أكتوبر» التي أدت إلى استعادة مصر أرضها في سيناء عام 1973، والثانية أولى زياراته الخارجية غد الاثنين إلى المملكة العربية السعودية.
في الحوار الذي تنشره «الشرق الأوسط» على جزأين، اليوم وغدا، تطرق الرئيس المصري إلى كل الأسئلة التي تتعلق بالمسيرة الداخلية المصرية، من الاستفتاء على الدستور، مرورا بالانتخابات البرلمانية والرئاسية، وجهود استعادة الأمن، والموقف من جماعة الإخوان، واعتذارات بعض قيادات الجماعة، والعلاقة مع الولايات المتحدة، وصولا إلى المباحثات التي أجرتها أخيرا في القاهرة مفوضة الشؤون الخارجية الأوروبية كاثرين أشتون.
بين أبرز ما قاله الرئيس منصور في الجزء الأول من الحوار، المنشور اليوم، تأكيده على أن «خارطة الطريق» في مصر تنص على إجراء الانتخابات البرلمانية أولا قبل الرئاسية، وأنه لا نية لتعديل ذلك. وعن الإخوان، قال إن جماعة الإخوان المسلمين سعت منذ «ثورة 30 يونيو» إلى الاستقواء بالخارج، وهو نهج وصفه بأنه «قوبل برفض كامل على المستويين الشعبي والرسمي»، معربا عن اعتقاده بأن الرسالة وصلت إليهم أخيرا. كذلك قال الرئيس المصري إن من أهم أسباب سقوط النظام السابق تعمده إقصاء قطاع عريض من المجتمع واعتماده على ما أطلق عليه «الأهل والعشيرة».

* اليوم تمر ذكرى «نصر أكتوبر». ما هي مشاعركم الشخصية وأيضا رؤيتكم اليوم لذكرى «نصر أكتوبر». وأيضا رؤيتكم لمستقبل السلام في المنطقة؟
- في الحقيقة أكتوبر بالنسبة للشعب المصري حدث عظيم، لأننا كما تعلم حصل لنا في عام 1967 نكسة كبيرة، أثرت على مصر وأثرت على العرب، فأردنا أن نسترد الكرامة مرة أخرى. الشعب كله توحد وحتى العرب كلهم توحّدوا عام 1973 وساعدوا مصر من أجل أن تثبت أن إرادتها لن تنكسر وأن الأرض سترجع. ولقد عادت الأرض وانتصرت الإرادة في النهاية. وأظن أنه آن الأوان أن يدرك العرب الآن أيضا أنه يجب أن نجتمع ويجب أن نتوحد، لأن في تفرّقنا ضعفنا، بينما قوتنا في اتحادنا. لا شك في أن المنطقة إذا ما اتحدت سيكون شأن آخر. أما عن السلام فأنت تعلم أن بيننا وبين إسرائيل اتفاقية سلام. ومصر تحترم تعهداتها، وأبرمت اتفاقية سلام مع إسرائيل، وهي تحترم هذه الاتفاقية وليس هناك أي نية للخروج عن أحكام هذه الاتفاقية.
* كيف تلقيت نبأ تكليفكم بالرئاسة؟
- كانت لحظة صعبة جدا بالنسبة لي، وأنت تعلم ما هي مصر وماذا تمثل مصر وتعلم عدد سكان مصر وتعلم المشاكل التي تعاني منها مصر. في الحقيقة كنت في منتهى القلق وحصل لي نوع من الرهبة، إذ لم أكن أتصور أن أكون في موقع مسؤولية رئاسة دولة بحجم مصر، خاصة أن كل مساري الوظيفي كان كرجل قضاء، مع أنه يوجد في دستور 71 نصوص - حالة وحيدة في حالة شغور منصب رئيس الجمهورية أن يكون رئيس المحكمة الدستورية رئيسا للجمهورية هي لمدة 60 يوما - أي عمل روتيني للإعداد للانتخابات الرئاسية.
* استقبلتم منذ أيام الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية الأوروبية كاثرين آشتون.. ماذا دار في مباحثاتكم معها؟
- أكدت آشتون خلال لقائي معها على دعم الاتحاد الأوروبي لخارطة مستقبل الشعب المصري وأثنت في هذا الصدد على الجهد الذي تقوم به «لجنة الخمسين»، وما لمسته من توجه نحو اعتماد دستور يعبر عن كل المصريين. كما أثنت على جهود الإدارة المصرية الحالية للتواصل مع مختلف الأطراف على الساحة السياسية المصرية، مشددة على اتفاقها معنا في الرأي في أن من يريد أن يشارك في هذه المسيرة يجب أن تأتي مشاركته إيجابية، وأن الجميع بات يدرك أهمية المضي قدما في خارطة المستقبل وأنه لا عودة إلى الوراء. كذلك أكدت آشتون أنها تولي اهتماما كبيرا بتلقي مصر الدعم الاقتصادي المناسب في هذه المرحلة، وأنها سوف تبذل مساعيها لدى المؤسسات المالية الأوروبية، لا سيما بنك الاستثمار الأوروبي وبنك الإعمار والتنمية الأوروبي. وحرصت الممثلة العليا الأوروبية على أن توضح أنها في حديثها مع الدول الـ28 الأعضاء في الاتحاد تقوم بشرح وإيضاح الصورة التي لم يفهمها كثيرون لأنهم كانوا يتابعون الشاشات التلفزيونية دون غيرها. وفي هذا الإطار، أكدت على إدانة الاتحاد الأوروبي القاطعة للعمليات الإرهابية التي تشهدها مصر، حيث قدمت لي خالص تعازيها في شهداء مصر الأبرار من القوات المسلحة والشرطة الذين سقطوا في مواجهة الإرهاب.
* وماذا عن موقف المساعدات الإنمائية الأوروبية؟
- المساعدات الإنمائية تعد أحد جوانب العلاقات الثنائية بين الدول، بخلاف جوانب أخرى عديدة.. ولا توجد علاقة بين دولتين أو بين دولة وتكتل جغرافي، يمكن اختزالها فقط في قيمة المساعدات. وفيما يخص الدول الأوروبية، فإن مصر والاتحاد الأوروبي يرتبطان بعلاقات تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية هامة، وكانت مصر من أوائل الدول التي ساهمت في بناء الشراكة الأورو - متوسطية بين ضفتي المتوسط. إلا أن الاتحاد الأوروبي أعلن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي من خلال اجتماع فريق العمل المصري - الأوروبي، عن تقديمه دعما لمصر يقدر بخمسة مليارات يورو.. حقيقة الأمر أن ذلك المبلغ لا يعدو أن يكون أكثر من رقم إعلامي، جرى التوصل إليه عبر تجميع مجموعة من الأرقام الأخرى - البعض منها مساعدات حصلت عليها مصر بالفعل، وهو القدر الضئيل منه - وغالبية الأرقام الأخرى لا تعدو أن تكون أكثر من وعود، أو قروض لم تحصل عليها مصر فعليا. وأنت حينما تتحدث مع المسؤولين الأوروبيين في ذلك الأمر يشيرون إلى الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعصف ببلدانهم في الوقت الراهن.. وإلى أزمة اليورو.. ويحدثونك مطولا عن الإجراءات التقشفية التي يطبقونها في بلدانهم. ونحن، على الرغم من تفهّمنا التام للأبعاد المختلفة للأزمة الاقتصادية التي يمر بها الاتحاد الأوروبي، فإننا في الوقت ذاته كنا نأمل في أن يوجه الاتحاد الأوروبي مساعدات أكبر لدعم الثورة المصرية.. على الأقل بشكل يتناسب مع الصخب الإعلامي الذي يحرص عليه في هذا الشأن، والحل يكمن في تقديري في توافر الإرادة السياسية.
للأسف، لا تزال هناك بعض الدول الأوروبية التي لم تتفهم مغزى الثورة المصرية، وما ترمز إليه من كرامة وندية في العلاقات بين مصر وسائر دول العالم. وما زالت تصلنا معلومات حول توجه بعض العواصم الأوروبية إلى فرض ما يسمى بالمشروطيات على مساعداتها لمصر، وهي كما ذكرت ضئيلة للغاية. غير أن الشعب المصري لن يقبل تحت أي ظرف من الظروف شروطا تصاحب المساعدات المقدمة. هذه المساعدات تحقق مصالح مشتركة بين مصر والطرف المانح، ولن نجد غضاضة على الإطلاق في رفض أية مساعدات قد نستشعر أنها باتت مقرونة بأي شكل من أشكال الشروط.. مثلما فعلنا بالفعل أخيرا مع الوديعة القطرية التي أعيد تحويلها إلى الدوحة.
* كيف تنظرون إلى تلك الشروط الأوروبية؟
- كما أوضحت سابقا، لن يقبل المصريون بأي حال من الأحوال أن تمسّ سيادتهم ولن يقبلوا أي تدخل في الشأن الداخلي، أو حتى مجرد التأثير عليه، وفي حالة ما إذا استشعرنا شبهة في ذلك، فسيكون ردنا فوريا، مثلما سبق أن فعلنا مع قرارنا بإعادة الوديعة القطرية. من يريد دعم مصر، وفقا للرؤية والاستراتيجية التي اعتمدتها الحكومة المصرية، فأهلا وسهلا به.. أما من يتوهم أنه سيرسم لنا معالم طريق محددة مقابل مساعدة ما، فموقفنا، الشعبي والرسمي، سوف يكون رافضا.. نحن نقف أمام أية محاولات غربية في هذا الصدد، واسمحوا لي بهذه المناسبة أن أحيي المملكة العربية السعودية، بشكل خاص، على التصريح الذي جاء على لسان وزير خارجيتها بشكل واضح لا لبس فيه من أنها سوف تعوض أية مساعدات لمصر لم يتم الوفاء بها.
إننا على يقين أن التيار المتفهم داخل الدول الأوروبية لطبيعة المرحلة الدقيقة التي تمرّ بها مصر والتغييرات الجسام فيها، سوف يكون له الكلمة النهائية عند بلورة الموقف الأوروبي النهائي الموحّد. إن لقاءاتي المتتالية مع المسؤولين الأوروبيين خلال الفترة الأخيرة كشفت عن وجود إدراك متزايد لدى الاتحاد الأوروبي لحقيقة الأوضاع في مصر. ومن منظور أوسع، أعتقد أن الغرب في طريقه إلى فهم الحقائق بشكل صحيح. وبدأ في الإدراك بأن التهديد بقطع المساعدات لن يؤثر في القرار المصري، بل على العكس، سيباعد أكثر فأكثر بين الشعب المصري وتلك المساعدات.
* خارطة الطريق التي التزمت بها رئاستكم وتشرفون عليها، هل ترون أنها تسير بالسرعة المناسبة التي تكفل تنفيذها في الفترة الزمنية المحددة لها؟
- تمر مصر بمرحلة تأسيسية مهمة. إننا نؤسس لدستور ديمقراطي يضمن الفصل الكامل بين السلطات الثلاث، ويكفل الحريات للمواطنين، ويستجيب لتطلعات الشعب المصري التي ثار من أجلها في يناير (كانون الثاني) 2011 وثار مجددا لها في يونيو (حزيران) 2013 عندما استشعر أن أحلامه قد سرقت وتم الانحراف بها في اتجاه لا يرغب فيه. وعليه، فإن الجوانب السياسية التي تتضمن إعداد دستور مصري جديد إنما تستهدف بالأساس ضمان حقوق المواطن العادي بما في ذلك حقوقه الاقتصادية. إن الثورة المصرية قامت على شعار واضح، وهو «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية».. ونحن في جهودنا الحالية نأخذ في الاعتبار الأضلاع الثلاثة لذلك المثلث. نحن نتقدم على طريق الحرية عبر تأسيس نظام دستوري جديد يضمن ألا تجري سرقة الديمقراطية الوليدة مجدّدا وتحويلها إلى أداة ظاهرية تخدم فئة صغيرة من المجتمع المصري، كما أننا نتقدم أيضا على المستوى الاقتصادي عبر بذل كافة الجهود الممكنة لإعادة إطلاق نشاطه بالبلاد وخلق فرص عمل جديدة، وتلبية الاحتياجات المعيشية للمواطنين من تعليم ومسكن وخلافه. والخطط الاستثمارية التي اعتمدتها الحكومة أخيرا كلها تعد خطوات تصب في ذلك الاتجاه.. كما أننا نخطو أيضا في طريق العدالة الاجتماعية.. حيث تم على سبيل المثال أخيرا تحديد الحد الأدنى للأجور بالجهاز الحكومي.
نحن، إذن، لا نهتم بالجوانب السياسية على حساب الجوانب الاقتصادية كما ذكرت، أو على حساب الجوانب الاجتماعية. ولكن، بطبيعة الحال، الظروف قد تفرض نفسها في بعض الأوقات بحيث نجد أنفسنا بحاجة إلى معالجة قضية ما قبل الأخرى أو أن تفرض قضية ثالثة نفسها مثل الأمن على سبيل المثال. وكما تعلمون، تحقيق الأمن ضرورة لأية انطلاقة اقتصادية، فمن دونه، لا يمكن أن تعود الاستثمارات والسياحة على النحو المرجو الذي يتناسب مع احتياجاتنا من ناحية، ومع الإمكانيات الزاخرة المصرية والفرص المتاحة بالبلاد من ناحية أخرى. أما إذا كنت أرى أنها تسير بالسرعة المناسبة التي تكفل تنفيذها في الفترة الزمنية المحددة لها، فكما تعلمون تحققت كل الاستحقاقات الماضية بخارطة المستقبل طبقا للجدول الزمني الموضوع، وإنا على ثقة من أنه سيجري تطبيق كل استحقاقاتها المستقبلية في مواعيدها، حتى وإن شكك كثيرون في إمكانية تحقيق ذلك نظرا لقصر الفترة الزمنية الممنوحة لها في مقابل استحقاقاتها المختلفة.
* هل حددتم سقفا زمنيا لخارطة الطريق إلى المستقبل؟
- هي مرتبطة بما سينجز على الأرض، بمعنى أننا أوشكنا أن ننتهي من وضع الدستور. وفي خلال شهر، كحد أقصى، ستنتهي «لجنة الخمسين» من عملها وسيتم بعد ذلك طرح الدستور للاستفتاء عليه. وأنتم تعلمون أن هذه الإجراءات تأخذ وقتا، ومثلا لو قلنا تأخذ شهرا أو أقل يكون الدستور انتهى وعلى الفور سأعلن بدء الانتخابات البرلمانية التي تستغرق ما بين شهرين أو شهرين ونصف الشهر حتى نجري الانتخابات ثم الإعادة وبعدها النتيجة. كل المسائل اللوجستية تحتاج للتحضير مثل الجداول وغيرها، وهي نعمل فيها حاليا من خلال اللجنة الانتخابية. وبعد الانتخابات البرلمانية بشهرين أو ثلاثة نبدأ في الانتخابات الرئاسية.
* إذن، سوف تسبق الانتخابات البرلمانية الرئاسية بشهر؟
- هكذا رسمت خارطة الطريق وليس هناك نية للتعديل.
* فخامة الرئيس.. يدرك الجميع طبيعة المرحلة الحالية التي توصف بأنها انتقالية، لكن تراكمات المشاكل الاقتصادية السابقة على «25 يناير» وما تلاها، خاصةً خلال فترة العام الماضي، وضعت الاقتصاد المصري حسب كل التقارير والتصريحات في موقف صعب.. كيف تتخذون قراركم السياسي أخذا في الاعتبار هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة؟
- القرار السياسي المصري مستقل تماما، وهو يضع في اعتباره المصالح المصرية أولا وأخيرا. إن من أهم مكتسبات «ثورة 25 يناير»، التي أكدت عليها «ثورة 30 يونيو»، أن الشعب المصري رافض تماما بأن يربط قرارات بلاده السياسية بأي عامل آخر، باستثناء مصالحه العليا، الحالية والمستقبلية. الوضع الاقتصادي في مصر صعب، نتيجة لتراكمات عديدة.. منها: سوء إدارة من قبل الحكومات السابقة، ومنها أيضا بعض المشاكل الهيكلية التي نعيها تماما وندرك أهمية معالجتها في الوقت المناسب، مع مراعاة الجوانب الاجتماعية. بيد أن المشكلة الرئيسية للاقتصاد المصري تتمثل في الحاجة إلى الوصول إلى استقرار أمني، يمهّد لإعادة إطلاق النشاط الاقتصادي. إن مصر بلد غني بموارده البشرية.. ويمثل سوقا اقتصادية هائلة، كما أن المجال مفتوح للعديد من المشاريع الاستثمارية العملاقة التي يمكن أن تغير الصورة الاقتصادية العامة للبلاد في غضون عشر سنوات، إلا أن ذلك يستلزم بطبيعة الحال تحقيق الأمن في كافة ربوع البلاد. فلا مجال عن الحديث عن انطلاقة اقتصادية حقيقية من دون أمن كامل. وغني عن البيان أن الدعم الذي قدمته المملكة العربية السعودية والأشقاء العرب كان له أكبر الأثر في تدعيم استقلالية القرار المصري بعيدا عن ضغوط الوضع الاقتصادي المتردّي.
* في إطار ما طرح في خارطة الطريق عن أنه لا إقصاء لأحد طالما لم يتورط في العنف، بالنسبة إلى ملف الإخوان، أصبح هناك عداء شعبي لهم. في رأيكم كيف يمكن التعامل مع هذا الملف في المستقبل؟ وهل ترون أي إشارات من تيارهم إلى استعدادهم إلى المشاركة في الحياة السياسية وفق القواعد الجديدة؟ وهل تتعرضون لأية ضغوط في هذا الشأن؟
- لقد سعت جماعة الإخوان منذ «ثورة 30 يونيو» إلى الاستقواء بالخارج. وهذا النهج الذي قوبل برفض كامل على المستويين الشعبي والرسمي، ورد فعلنا يكون دائما فوريا حينما نرصد أية محاولة جديدة من قبلهم للاستقواء. وأعتقد أن الرسالة وصلت لهم أخيرا، كما أنها وصلت أيضا للأطراف التي كانت تستجيب لمطالبهم في هذا الشأن.
من أهم أسباب سقوط النظام السابق في مصر تعمّده إقصاء قطاع عريض من المجتمع، واعتماده على ما أطلق عليه «الأهل والعشيرة» مع تجاهله الكامل أية مطالب لا ترضى بها هذه العشيرة. ولهذا حرصت عند تشرّفي برئاسة الجمهورية على أن تمد السلطات الحالية يدها لكلّ الأطراف السياسية في المجتمع، أيا كانت انتماءاتها أو معتقداتها، طالما كانت أيديها غير ملوثة بالدماء والتزمت بنبذ العنف. لقد عرضنا، على سبيل المثال، التشاور مع الأطراف كافة عند اختيار رئيس الوزراء والتشكيل الحكومي، كما بعثنا برسائل إلى مختلف الأحزاب والتيارات السياسية للتقدم بمرشحيها في «لجنة الخمسين» المنوط بها اعتماد التعديلات الدستورية. إلا أن الإخوان آثروا عدم المشاركة في بناء مصر المستقبل، وفضّلوا عوضا عن ذلك الاستمرار في الاعتصامات المسلحة، والتهديد بحرق البلاد، وبذل المساعي الحثيثة لمعاداة العالم الخارجي لبلدهم.
وتقديري في هذا الصدد أن الجماعة بدأت في مراجعة حساباتها، وتبين ذلك جليا من خلال الاعتذارات الصادرة عن بعض قياداتها للشعب المصري عن سوء إدارة البلاد. إلا أن تلك الاعتذارات لا تزال غير كافية، ليست تلك وجهة نظري، وإنما هي وجهة نظر الشعب المصري. كذلك من الأهمية بمكان أن تقترن تلك الاعتذارات بتغيير في الممارسات على الأرض.. فليس معقولا أن يستمر العنف الممارس من قبلهم والتحريض على الجيش والشرطة، ثم يدّعون أنهم تقدموا باعتذار. على الجماعة أن تدرك وتصرح بشكل واضح أنها جزء من الوطن، وليس العكس.
إن مصر تسير بخطى واثقة في طريق تنفيذ خارطة المستقبل السياسية.. ونحن نعمل بكل ما أوتينا من جهد في اتجاه بناء دولة مؤسسات ووضع الأسس السليمة للدولة الديمقراطية الحرة المستقبلية في مصر، لكننا في الوقت الذي نحرص فيه على إشراك كل الأطياف الوطنية في المسار السياسي، فإننا نحرص أيضا على تجنب إهدار المزيد من الوقت. مصر لن تنتظر أحدا لكي تنهض، ومن يريد مشاركتنا البناء، فهو مرحب به طالما التزم بالقواعد الديمقراطية ونبذ العنف. أما من يتلكأ في ذلك، ويتوهم أن العالم الخارجي أو نهج العنف سيعزز من موقفه.. فذلك خياره وحده، والقانون كفيل بالتعامل معه.
أما حيال الحديث عن ضغوط تتعرض لها الرئاسة المصرية، فلعلكم تابعتهم بعضا من هذه الضغوط والتهديدات التي لم تجد لدينا أي صدى، وجرى تجاهلها تماما. ولقد أدركت تلك القوى أن مساعيها للضغط على مصر لن تغير في الأمر شيئا سوى الانتقاص من صورتها وشعبيتها في مصر.
* من هي الأطراف التي رفضت الحوار مع الحكومة؟
- نحن نحاول مع الجميع..
* حتى مع الإخوان؟
- هم الإخوان. ونحن نحاول معهم ولا نريد إقصاء أحد، ودائما الرسالة واضحة عندما نقول إن من أراد أن يمارس الحياة السياسية من جديد في ظل النظام القادم نحن نرحب به بشرط واحد هو أن يكون لم يمارس العنف أو حرض عليه أو خضع لعقوبة وسوف تجرى له محاكمة عادلة أن ثبتت التهمة عليه سيعاقب، وإن برأته المحاكمة أهلا به.
* بعض المراقبين يتوقعون أن يدفع الإخوان نحو ترشيح مستقلين عنهم خلال الانتخابات البرلمانية القادمة هل من محاذير؟
- هذه مسؤولية الشعب، أما أنا فليست لدي أي محظورات. إنها مسؤولية الناخبين وعليهم أن يدققوا في من يختارون، نأمل ألا ينتخبوا من ارتكب عنفا أو أحيل للتحقيق، وهذا الشخص غير مسموح له بالترشح إلى أن يتضح الموقف القانوني.
* هل تتوقع أن ترى برلمانا مصريا في خارطة المستقبل الحالية أكثر تعبيرا عن الشعب المصري من سابقه؟ وكيف ترى دور الشباب في هذه المرحلة السياسية؟
- قطعا سنرى برلمانا مصريا أكثر تعبيرا عن الشعب المصري في المرحلة المقبلة. هذا لا يعني أن الانتخابات البرلمانية السابقة التي شهدتها مصر كانت غير حرة. لقد كانت انتخابات حرة بإشراف قضائي كامل، لكن الشعب المصري تمرّس سياسيا طيلة 30 شهرا، وبات يدرك اليوم أن الشعارات التي كان البعض يتاجر بها لم تكن إلا خداعا لبلوغ غايات أخرى. لقد استفاد المصريون من التجربة المريرة التي مرّوا بها العام الماضي.. وإنني لعلى ثقة بأنه سينتج عن الانتخابات البرلمانية المقبلة برلمان يمثل بحق الشعب المصري، بسماحته واعتداله ووسطيته.
ونحن ندرك جيدا أن الشباب هو مستقبل مصر، والحكومة على رأس أولوياتها كل الهيئات المعنية بالشباب، وبصفة خاصة، إصلاح وتطوير وإعادة هيكلة المنظومة التعليمية بكافة مراحلها ومناهجها، بما يتيح تعليما حقيقيا يحقق طموحات وتطلعات المصريين. ثم إننا نضع في الاعتبار أن مصر دولة شابة، والشباب الذي أتى بالحرية للشعب المصري كله، يجب أن يأتي في صدارة الأولويات وأن يشهد تمكينا حقيقيا في كافة المجالات وليبني هذا الشباب مستقبله بنفسه، بفكره وحماسه، وتطلعاته، وطموحاته. وارتباطا بذلك فإن أهم ما يمكن أن نقدمه لشبابنا هو تعليم يضمن لهم مستقبلا أفضل في دولة عصرية تسعى إلى الديمقراطية من خلال التعليم والتنمية الاقتصادية.
إنني أؤكد أن الدولة المصرية ستضع على رأس أولوياتها كل الهيئات والمنشآت الخاصة بالشباب، وبصفة خاصة إصلاح وتطوير وإعادة هيكلة المنظومة التعليمية بكافة مراحلها ومفاهيمها، بما يتيح تعليما فعليا وحقيقيا يستجيب لطموحات وتطلعات المصريين في غد أفضل يحقق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرجوة من «ثورة 25 يناير». ويهمني في هذا الصدد أن أؤكد أن نظام التعليم في مصر خلال العقود الأخيرة يتحمّل جزءا كبيرا من المسؤولية عن حالة الإحباط واليأس الذي أصاب شبابنا وإهدار فرصه في تكوين قدراته ومهاراته وكفاءاته.
* كيف تنظرون إلى أوضاع أقباط مصر، وما تعرضت له كنائسهم من اعتداءات؟
- الأقباط في مصر، مثلهم مثل المسلمين، لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات الخاصة بأي مواطن.. فالدولة المصرية الجديدة التي نؤسس لها تستند إلى مفهوم المواطنة في تعاملها مع الجميع. والدولة المصرية حريصة على حماية حقوق كل مواطنيها، ولا تتعامل أبدا من منطلق ديني. إن حرية الاعتقاد مكفولة للجميع.. ولا شأن لأجهزة ومؤسسات الدولة بعلاقة المواطن بربه.. اللهم إلا فيما يتعلق بالقوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية التي تأخذ في الاعتبار تطبيق تشريعات خاصة للمسيحيين والمسلمين كل طبقا لديانته، وفقا للقانون. إن الشعب المصري يلفظ مفهوم «الأقليات الدينية».. إذ لا يوجد في مصر أقليات بالمعني الكيفي. بالتأكيد، هناك أقليات كمية إذا نظرنا إلى نسبة معتنقي ديانة ما إلى إجمالي تعداد سكان مصر.. لكن أقلية بالمعنى الكيفي، أي جزء مختلف وربما في درجة من السواد الأعظم من الشعب.. فلا مجال للحديث عن ذلك بالنسبة لمصر. ولو توجه من يردّدون ذلك إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وغيرها من الكنائس المصرية، لسمعوا منهم ما أقوله لك.
مع ذلك، فإن مصر الجديدة لا تتبع منهج تجميل الصورة أو دفن الرؤوس في الرمال، وهنا أعني أن المجتمع المصري يشهد بين الحين والآخر بعض التوترات التي قد تتطور لتأخذ أبعادا دينية أو طائفية. إن أفضل وسيلة لمحاربة ذلك في تقديري يكمن في القانون وضمان سيادته، ومسؤولية الدولة هي فرض سيادة القانون على الجميع. ونحن، على سبيل المثال، على علم بالمناشدات الغربية التي تصدر بين تارة وأخرى في هذا الموضوع، والتي تعتمد بشكل رئيس على أقاويل مغلوطة. وثمة مفارقة يتعين تسجيلها في هذا الصدد: فأين كان الغرب من حرق الكنائس التي شهدتها مصر في الأيام الأخيرة؟ لماذا كان صامتا؟ الإجابة في تقديري أن البعض فضّل أن يغمض عينيه لأن الأحداث لم ترق له، وهو ما يؤكد لنا أن تلك الدعاوى الغربية في هذا الصدد ليست إلا دعوات حق يراد بها باطل. وعلى الغرب أن يريح ويستريح في هذا الشأن. مصر هي التي ستحل مشاكلها بنفسها. لقد استهدفت جماعة الإخوان والتيارات المتشددة الأخرى الموالية لها الأقباط وكنائسهم ومتاجرهم.. وأقدّر هنا بشدة، مثلي في ذلك مثل كل المصريين، الموقف النبيل الذي اتخذه قداسة البابا تواضروس الثاني، الذي أكد بموجبه أن للحرية ثمنا غاليا، وإن كان حرق الكنائس هو جزء من هذا الثمن، فإننا نقدمه لبلادنا بصبر وحب.
* كثرة من المراقبين تعزو المشكلة الاقتصادية المستمرة في مصر إلى حالة الاضطراب الأمني، بسبب استمرار المظاهرات وأعمال تخريب سواء كتلك التي تحدث في سيناء أو بعض المظاهرات السياسية التي تشهدها القاهرة وبعض المحافظات.. ما الذي ينبغي عمله في المجال الأمني خلال المرحلة القادمة؟
- في الحقيقة أنت لمست نقطة مهمة جدا، ونحن لدينا ثلاثة مسارات مهمة: المسار الأمني والمسار السياسي والمسار الاقتصادي. من دون المسار الأول ومن دون توفير أمن حقيقي للدولة المصرية لن يتحقق شيء على المسارات الأخرى، وسيتأثر المساران السياسي والاقتصادي. مثلا هل سيأتي المستثمرون لمصر وهي غير آمنة؟ الإجابة طبعا لا. إذن من الضروري تحقيق الاستقرار والأمن. وبالتالي، هذا المسار له الأولوية، ولقد قطعنا فيه شوطا كبيرا، وأعتقد أن الجميع يرى أن مصر الآن غير مصر التي كانت منذ شهر مثلا أو شهرين أو ثلاثة. ونحن إن شاء الله ماضون للتأكيد على أهمية الأمن وتطوير منظومة الأمن ومتابعة الخارجين على القانون، سواء في الجانب الجنائي أو بالنسبة لمن يرغب في التعبير عن آرائه السياسية بالعنف، ونحن جادون في التعامل بكل حسم وحزم وبالإجراءات القانونية تجاه الفصيلين حتى ندعم المسار السياسي والاقتصادي.
* ماذا عن علاقتكم بالولايات المتحدة والتي أصابها بعض التأثر؟
- الولايات المتحدة منذ البداية كان موقفها متحفظا على ما حدث في مصر، وكانت لها حسابات معينة. لا أريد أن أسهب في هذا الأمر، لكنني أظن الآن أنها أكثر تفهما لما حدث في مصر، وهذا ما انعكس في خطاب الرئيس باراك أوباما أخيرا. وأيضا أستطيع أن أقول إن الإدارة الأميركية ليست متطابقة في كل مؤسساتها، بمعنى هناك من يعتقد أن ما حدث في مصر ثورة شعبية حقيقية وكذلك في الإدارة الأميركية، وأيضا في الكونغرس، ولقد جلست مع بعض أعضائه. ومعظم من جلست معهم يرون أن ما حدث في مصر ثورة شعبية، وكان لا بد أن يحدث ما حدث لأن النظام السابق كان يسير في طريق خطأ تماما.
* بحكم خلفيتكم القضائية ورؤيتكم للصراع والصدام الذي حدث بين الرئيس السابق والسلطة القضائية.. كيف ترون المستقبل الأمثل للعلاقة بين السلطة القضائية وأي تحول ديمقراطي قادم في مصر؟
- حقيقةً المعركة التي قادها النظام السابق مع السلطة القضائية كانت معركة خاسرة. والمشكلة أنه تصوّر أن كل أجهزة الدولة تعمل ضده، ولذلك اصطدم مع القضاء ومع الجيش والشرطة والأزهر والإعلام ولم يترك أحدا من دون أن يصطدم معه. أما فيما يتعلق بالقضاء كسلطة مستقلة، أنا أعتقد أن الدستور الجديد سينظم العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية على نحو محدّد وقاطع، وهو أعطى السلطة القضائية حقها من الاستقلال. أظن أن ليس هناك أي إشكالية في الأمر لأن السلطة القضائية سلطة مستقلة، والسلطة التنفيذية لها مجال تعمل فيه ولا شأن لها بالسلطة القضائية. السلطة القضائية صمام أمان لهذا البلد لأن أي بلد بلا قضاء لا أظن أنه سيكون بلدا يسير على أصول سليمة.
* بالنسبة لمحاكمة المتورطين من النظامين السابقين.. كيف ترون طبيعة المحاكمة؟
- رئيس النظام السابق يحاكم بتهمة جرائم معينة ومحال لجهات التحقيق بجرائم، والنظام الأسبق له جرائم أخرى. ومن بين من حوكم الرئيس الأسبق لكنه طعن في الحكم بمحكمة النقض التي ألغت حكم أول درجة للأسباب التي ارتأتها، وهو الآن يحاكم وأعيدت محاكمته مرة أخرى، أما أركان النظام السابق ففي مرحلة التحقيق وقريبا ستتم إحالتهم إلى المحاكمة.
* هل تعتقد أن مصر خلال الفترة المقبلة تستطيع أن تتغير؟ بمعنى ما هي رؤيتكم تجاه وجود احتقان سياسي وبعض العنف من قبل بعض الجماعات؟
- أظن أن الأمر سوف يستغرق بعض الوقت، ويجب إلا ننسى أننا بشر. ولاحظ أن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن تتصوّر بعدما وصلت إلى الحكم أنه ستتم إزاحتها بهذه السهولة، ولهذا ما يحدث منهم الآن هو رد فعل طبيعي على فقدانهم السلطة التي حاربوا كثيرا من أجلها منذ عام 1928. هذا الكيان له تنظيم وهياكل وخطط وبرامج.. وكونهم وصلوا إلى حكم مصر، وهي ليست أي دولة، ثم فشلوا هذا الفشل الذريع، أصيبوا بنوع من الصدمة الشديدة. وللأسف الشديد ما زالوا تحت تأثيرها وهم عاجزون عن تصور أن الأمر قد حدث وأنهم أزيحوا من السلطة.. وحتى هذه اللحظة يعيشون في العالم الافتراضي الخاص بهم.
* هل هذا العالم الافتراضي سيشهد عنفا مستمرا؟
- سوف يأخذ بعض الوقت.. لكنني أظن أن المسائل ستنتهي مع الوقت.
* ماذا عن الوضع في سيناء والعمليات العسكرية التي تجري حاليا هناك؟
- الجيش المصري يقوم بأعمال بطولية وهو يتتبع الخارجين عن القانون والجماعات الإرهابية التي تحاول أن تروع المصريين، وهو أوشك على الانتهاء من عملياته. وإن شاء الله في القريب العاجل سنعلن القضاء على جزء كبير جدا من الإرهاب هناك.
* حماس قريبة من الإخوان وتتهَم اليوم بأن لها أدوارا فيما يحدث في سيناء. كيف ترى طبيعة العلاقة المستقبلية بينها وبين مصر؟
- مصر قدمت وتقدم وستقدم الكثير للقضية الفلسطينية. والقضية الفلسطينية في قلوب المصريين جميعا، أما إذا كنت تتحدث عن الأمن القومي المصري.. فهو يسمو فوق كل اعتبار، وإذا ما جرى تجاوزه فالرد سيكون شديد الغضب وشديد القسوة.
* لدي سؤال يتعلق بالدستور.. ولا يخص مصر وحدها بحكم تجربتكم القضائية، وهو أنه في العالم العربي هناك صراع بين عدة تيارات لعل أبرزها تيار الإسلام السياسي الذي يستخدم العباءة الدينية، وما بين تيارات أخرى مدنية في العالم العربي ما هي طبيعة العلاقة التي يجب أن تحكم، خصوصا أن مصر تمر بمرحلة انتقالية ديمقراطية وما هي الرؤية الأسلم والأفضل لمثل هذه الدول حتى تتعاطى مع مسألة الدين وعلاقته بالسياسة؟
- الحقيقة أن لي رأيا خاصا، ليس كرئيس دولة لكن هذا رأيي الشخصي كمواطن. أنا أرى أن الدين مقدس.. الدين يحكم العلاقة بين الإنسان وربه، أما السياسة فلها رجالها ولها أحكامها أيضا فلا أستطيع أن أقبل أن ينزل المقدس لكي يمارس السياسة. الحاكم الذي يدين بدين الإسلام يجب أن يتعامل من منظور الإسلام.. بمعنى أن الإسلام يحرّم الكذب، فيجب أن يكون الحاكم صادقا مع شعبه ومع نفسه أولا. الإسلام يحرّم الخديعة فيجب ألا يخدع الحاكم شعبه. الإسلام يحرّم الرشوة ويحرّم كل الموبقات هذا ما أفهمه بالنسبة للإنسان الذي تكون له خلفية إسلامية أو كما يقولون مرجعية إسلامية. إنما هل الإسلام حدّد لي ما النظام الذي أتبعه من النظريات الاقتصادية.. النظام الرأسمالي أم النظام الاشتراكي؟ لا.. الإسلام قال لي لا تظلم المواطنين. الإسلام قال لي حقق مجتمع السلامة والعدل. عندما يكون لديك مواطنون تأكد أن أقلهم يعيش عيشة مناسبة، إنما في الوقت نفسه الإسلام لا يحرّم أن يكون هناك أغنياء. والإسلام يعرف هذا أن هناك أغنياء وفقراء. بمعنى أن الزكاة فرضت لهذا. خذوا من أغنيائهم لفقرائهم. هذا هو الإسلام الذي أفهمه. الإسلام دين سامٍ وراقٍ ورحب وفيه سعة. ليس دين التشدّد ولا دين الغلظة ولا الدين الذي يحاول بعض الإسلاميين أن يصدّروه للعالم. نحن ظلمنا الإسلام كثيرا. وسنحاسب على هذا أمام الله. الإسلام أرقّ وأجمل من الصورة المصدرة له. هل دعا الإسلام إلى ترويع الناس؟ هل من الإسلام أن أذهب إلى بلاد غير بلادي وأقتل وأهدم. أي إسلام هذا. أنا لا أرى أن هذا من الإسلام في شيء.

محطات مصرية منذ 25 يناير

* 25 يناير (كانون الثاني) 2011: انطلاق مظاهرات شبابية في القاهرة رفعت للمرة الأولى شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» في احتفال البلاد بعيد الشرطة.
* 28 يناير: اتساع المظاهرات في «جمعة الغضب»، وبدء اعتصام مفتوح في ميدان التحرير بقلب القاهرة، وانسحاب الشرطة، وقرار الرئيس الأسبق حسني مبارك بنزول الجيش لحفظ الأمن.
* 11 فبراير (شباط): مبارك يقرر التنحي عن الحكم ويكلف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد؟
* 19 مارس (آذار): الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي أدخلتها لجنة معينة برئاسة المستشار طارق البشري على دستور 1971.
* 30 مارس: صدور إعلان دستوري من المجلس العسكري تضمن تعديلات لجنة البشري.
* 3 أغسطس (آب): بدء محاكمة مبارك.
* 28 نوفمبر (تشرين الثاني): بدء أولى مراحل انتخابات مجلس الشعب.
23 يناير 2012: انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب الذي هيمنت عليه القوى الإسلامية وحصدت جماعة الإخوان المسلمين أكثرية مقاعده.
* 23 مايو (أيار): بدء الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.
* 16 يونيو (حزيران): بدء الجولة الثانية التي تنافس فيها الدكتور محمد مرسي مرشح جماعة الإخوان، والفريق أحمد شفيق آخر رئيس وزراء في عهد مبارك.
* 24 يونيو: إعلان فوز الرئيس السابق محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية.
* 30 يونيو: مرسي يؤدي اليمين الدستورية أمام أعضاء المحكمة الدستورية العليا.
* 8 يوليو (تموز): مرسي قرر إلغاء قرار حل مجلس الشعب ويدعوه للانعقاد.
* 10 يوليو: أوقفت المحكمة الدستورية قرار مرسي بعودة مجلس الشعب.
* 22 نوفمبر: مرسي يصدر إعلانا دستوريا يمنح فيه لنفسه سلطات مطلقة، مما أثار غضب القوى السياسية في البلاد.
* 8 ديسمبر (كانون الأول): إعلان دستوري جديد لإلغاء إعلان مرسي، أبقى على آثار الإعلان السابق.
* 15 ديسمبر: الاستفتاء على دستور 2012 الذي هيمن الإسلاميون على الجمعية التأسيسية التي وضعته.
* 23 يونيو 2013: الفريق أول عبد الفتاح السيسي يمهل القوى السياسية أسبوعا للتوصل إلى حل سياسي قبل انطلاق مظاهرات دعت لها حملة تمرد، لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
* 30 يونيو: ملايين المصريين يتظاهرون على امتداد البلاد تأييدا لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
* 1 يوليو: الجيش يمهل القوى السياسية 48 ساعة للتوافق قبل التدخل.
* 3 يوليو: قادة الجيش تتوافق مع القوى السياسية والرموز الدينية في البلاد على عزل مرسي، وتعديل دستور 2012، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.

قصر الاتحادية في سطور

* اللقاء مع الرئيس المصري عدلي منصور جرى في قصر رئاسة الجمهورية، أو «قصر الاتحادية»، الذي يقع في ضاحية مصر الجديدة شرق القاهرة. هذا القصر الذي صمّمه المهندس المعماري البلجيكي إرنست غاسبار، عُرف أيضا بقصر هليوبوليس - نسبة إلى مصر الجديدة حيث مقره - وهو يعتبر مقر العمل الرسمي لرئيس الجمهورية المصري، وفيه يستقبل الرئيس زواره الرسميين أفرادا ووفودا.
دشّن القصر في بداية أمره ليكون فندقا فاخرا، وعرف باسم «هليوبوليس بالاس» وافتتحته الشركة الفرنسية المالكة في أول ديسمبر (كانون الأول) من عام 1910، وكان يومذاك باكورة فنادقها الفاخرة في أفريقيا. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تلك الشركة هي «شركة سكك حديد مصر الكهربائية وواحات عين شمس»، التي تحول اسمها لاحقا إلى شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير. وكان قد أسسها عام 1906 البارون إدوار أمبان وبوغوص نوبار نوباريان - ابن نوبار باشا رئيس وزراء مصر الأسبق.
تولت تشييد القصر شركتا إنشاءات كانتا في حينه الأكبر، هما شركة ليو رولان وشركاه، وشركة بادوفا دينتامارو وفيرو، بينما أوكلت إلى شركة سيمنز - شوكرت الألمانية مهمة التوصيلات الكهربائية والتجهيزات. وضم الفندق - القصر 400 غرفة بالإضافة إلى 55 شقة خاصة وقاعات ضخمة، وأثثت غرفه يومذاك بأثاث فاخر جله من الطرازين الفرنسيين «لويس الرابع عشر» (لوي كاتورز) و«لويس الخامس عشر» (لوي كانز)، أما القاعة المركزية الكبرى فقد كانت مكلفة؛ حيث وضعت بها ثريات ضخمة من الكريستال كانت الأضخم في عصرها وكانت تحاكي الطراز الشرقي.
اعتبر الفندق من أفخم الفنادق في عصره، ولفت معماره المتميز أنظار زوار مصر، وأصبح عامل جذب سياحي للعديد من الشخصيات الملكية في مصر وخارجها إضافة إلى رجال الأعمال الأثرياء وكان من ضمن نزلاء القصر ميلتون هيرشي، مؤسس ومالك شركة هيرشي الأميركية للشيكولاته، والمصرفي العالمي جي بي مورغان. ولقد عاصر القصر الحربين العالميتين الأولى والثانية، ووفدت إليه خلالهما شخصيات بارزة وافدة، كما تحول في بعض الفترات من الحربين إلى مستشفى عسكري، كما كان لبعض الوقت مقرا لتجمع الضباط من قبل سلطة الاحتلال البريطاني في مصر.
وخلال عقد الستينات من القرن الماضي استعمل القصر، الذي هُجر بعد فترة من التأميم، مقرا لعدة إدارات ووزارات حكومية. وفي يناير (كانون الثاني) 1972 خلال فترة رئاسة الرئيس الأسبق الراحل أنور السادات اختير القصر مقرا لما عرف بـ«اتحاد الجمهوريات العربية» الذي ضم آنذاك كلا من مصر وسوريا وليبيا، ومنذ ذلك الوقت عرف باسمه الحالي غير الرسمي «قصر الاتحادية» أو «قصر العروبة».

غدا.. السعودية وعلاقات مصر العربية والمساعدات الخليجية والموقف من تركيا وقطر وإيران .. والرؤية المصرية من الأزمة السورية



ترمب يحاول «تبريد» الغليان في قاعدته حيال الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
TT

ترمب يحاول «تبريد» الغليان في قاعدته حيال الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ب)

سعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تهدئة المخاوف داخل قاعدته الشعبية و«تبريد» الغليان في حركة «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» (ماغا) من أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران، وسط تساؤلات حيال التفسيرات المتضاربة لقرار القيام بعمليات عسكرية.

وشكك عدد من مؤيدي ترمب المعارضين للتدخلات العسكرية في الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وظهرت ردود الفعل الغاضبة منذ الاثنين بعدما لمح وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو أيضاً مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، إلى أن الولايات المتحدة كانت تواجه تهديداً وشيكاً لأن إسرائيل قررت مهاجمة إيران. وأعلن روبيو أنه إذا شنّت إسرائيل هجوماً، فإن إيران ستستهدف القوات الأميركية، مما فسره مؤيدو ترمب بأن إسرائيل جرّت الولايات المتحدة إلى الحرب، رغم أن ترمب نفسه وحركة (ماغا) دعوا مراراً إلى التخلي عن العلاقة الوثيقة مع إسرائيل ورفض التورط العسكري في الشرق الأوسط.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ويقول منتقدو ترمب في (ماغا) إن هناك صعوبة في التوفيق بين الصراع العسكري الجديد ومبادئ «أميركا أولاً». وكتب مايك سيرنوفيتش، وهو أحد المعلقين المؤيدين لترمب، أن «تصريحات روبيو بمثابة لحظة تاريخية» لأنه قال ما توقعه معظم الناس، وهو أن هذا تحول جذري في السياسة الخارجية. وقال: «ستكون هناك دعوات واسعة النطاق للتراجع».

وحاول ترمب وروبيو تهدئة التوترات الثلاثاء. لكنهما واصلا تقديم روايات متضاربة حول أسباب دخول الولايات المتحدة في أكبر حرب لها منذ غزو العراق عام 2003.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

من «أجبر» الآخر؟

وعندما سُئل عما إذا كانت إسرائيل أجبرته على مهاجمة إيران، أجاب: «لا، ربما أنا من أجبرهم على ذلك». وأضاف: «بل ربما أنا من أجبر إسرائيل على ذلك».

كما سعى روبيو إلى التراجع عن تصريحاته، وأكد أن القرار اتخذه ترمب بشكل مستقل. وقال: «الخلاصة هي: الرئيس قرر ألا نتلقى الضربة الأولى... الأمر بهذه البساطة يا رفاق».

ولكن ترمب كتب في رسالة إلى الكونغرس أنه أمر بالعملية العسكرية في إيران لتعزيز المصالح الوطنية الأميركية والقضاء على إيران كتهديد عالمي، مضيفاً أنها نفذت «دفاعاً جماعياً عن حلفائنا الإقليميين، ومنهم إسرائيل».

وكان المؤثر تاكر كارلسون بين أشد المنتقدين للدعم الأميركي المديد لإسرائيل. وحض ترمب على كبح نتنياهو. وقال الثلاثاء إن «هذه حرب إسرائيل، وليست حرب الولايات المتحدة».

وتعرض كارلسون لانتقادات حادة بسبب إجرائه مقابلة مع القومي الأبيض نيك فوينتيس، الذي عبر عن إعجابه بالزعيم النازي أدولف هتلر والزعيم السوفياتي جوزف ستالين، وعارض دعم ترمب لإسرائيل.

ترمب وهو يتابع مجريات عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران مع مدير «سي آي إيه» صباح السبت (أ.ب)

وقالت المذيعة السابقة في «فوكس نيوز» ميغان كيلي التي تحظى بقاعدة جماهيرية واسعة على الإنترنت إنه «لا ينبغي لأحد أن يموت من أجل دولة أجنبية»، في إشارة إلى إسرائيل.

وناشد مقدم بودكاست «ديلي واير» مات والش زملاءه المحافظين التوقف عن دعم حملة ترمب العسكرية. وكتب على «إكس»: «لا أستطيع تحمل التضليل يا رفاق، حقاً لا أستطيع».

المؤثر تاكر كارلسون بين أشد المنتقدين للدعم الأميركي المديد لإسرائيل (أ.ب)

وكذلك قال الناشط المحافظ والمؤيد البارز لترمب، جاك بوسوبيك، إن «هناك شريحة من القاعدة الجماهيرية أصبحت معادية لإسرائيل، وهم يرون في تصريحات روبيو تأكيداً لاعتقاداتهم السابقة حول كيفية عمل السياسة الخارجية الأميركية». وأضاف: «لا شك في أن تصريح روبيو أثار غضبهم». وأكد أنه «لا سبيل لتجاوز الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2028 من دون الإجابة عن السؤال: ما دور إسرائيل في السياسة الخارجية الأميركية؟».

تحذير بانون

وحذر كبير مستشاري ترمب خلال جزء من ولايته الأولى، ستيفن بانون، من أن هذا التحول قد يصير مشكلة سياسية للرئيس. وقال: «سأكون صريحاً للغاية. لم يُطرح هذا الأمر في حملة 2024. ببساطة لم يُطرح. سنخسر الكثير من الدعم».

ويحظى كارلسون وكيلي ووالش مجتمعين بشعبية أكثر من 13 مليون مشترك على «يوتيوب»، بالإضافة إلى ملايين آخرين على منصات أخرى. وركز عدد من مؤيدي ترمب على أن الاستياء العلني للرئيس من التدخل العسكري وتعهده إنهاء الحروب لا إشعالها كانا جزءاً أساسياً من جاذبيته. ويعتقدون أنهما يشكلان جوهر آيديولوجية السياسة الخارجية «أميركا أولاً».

النائبة مارجوري تايلور غرين الجمهورية تعد واحدة من أقرب المؤيدين لترمب تتحدث خلال مؤتمر صحافي في مبنى الكابيتول الأميركي مطالبة بالشفافية في الكشف عن ملفات إبستين (أ.ب)

ورغم انتقادات أبرز مؤيدي الرئيس ترمب لقراره شن الحرب، يعتقد معظمهم أنه لن يخسر الكثير من شعبيته، بل إن نجاحه في العمليات العسكرية الأخيرة في فنزويلا وخلال الصيف الماضي ضد إيران أكسبه تأييداً شعبياً.

وكذلك رفض ترمب فكرة ابتعاده عن منتقديه الذي يمثلون حركة «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، فقال إن: «حركة ماغا هي ترمب».

بانون يغادر المحكمة بعد النطق بالحكم في واشنطن (أ.ب)

وأيدت الناطقة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز تصريحات ترمب. وكتبت في رسالة بريد إلكتروني أن «الرئيس ترمب هو شعار ماغا، وشعار ماغا هو الرئيس ترمب». وأضافت أنه «من خلال عملية الغضب الملحمي، يضع الرئيس ترمب أميركا في المقام الأول، ويزيل التهديد الذي يواجه شعبنا، ويؤمّن أمتنا والعالم لأجيال قادمة».

واستخدمت لورا لومر، وهي شخصية مؤثرة يمينية تُعرّف نفسها بأنها «مدافعة عن ولاء ترمب»، منصتها الإلكترونية لمهاجمة منتقدي الحرب. وحملت على النائبين الجمهوريين توماس ماسي ومارجوري تايلور غرين بأنهما ضمن «الديمقراطيين الشيوعيين».


«أرواح في المدينة» تنعش ذاكرة المصريين بألحان محمد فوزي

محمد فوزي قدم مئات الألحان والأغاني (وزارة الثقافة)
محمد فوزي قدم مئات الألحان والأغاني (وزارة الثقافة)
TT

«أرواح في المدينة» تنعش ذاكرة المصريين بألحان محمد فوزي

محمد فوزي قدم مئات الألحان والأغاني (وزارة الثقافة)
محمد فوزي قدم مئات الألحان والأغاني (وزارة الثقافة)

استعادت لقاءات «أرواح في المدينة» ضمن مبادرة «القاهرة عنواني» سيرة وألحان الموسيقار والمطرب المصري محمد فوزي في الذكرى الستين لرحيله (1918 – 1966) في أجواء رمضانية بدار الأوبرا المصرية، الثلاثاء، حيث استضاف مسرح معهد الموسيقى العربية أمسية أعدها وقدمها الكاتب الصحافي محمود التميمي، بعنوان «محمد فوزي... 60 سنة من الحضور».

وخلال اللقاء استعرض التميمي رحلة محمد فوزي الإبداعية بوصفه من رموز الموسيقى والغناء الذين تركوا بصمات عميقة في الوجدان المصري والعربي، وتناول أبرز محطاته منذ ثلاثينات القرن العشرين، مروراً ببداياته الفنية في الثلاثينات والأربعينات، وصولاً إلى تأسيسه شركة «مصر فون» الشهيرة، ومساهمته الكبيرة في تطوير الأغنية العربية بما أضافه من لمسات حديثة آنذاك، إلى جانب ألحانه الخالدة التي تغنى بها كبار المطربين مثل ليلى مراد ومحمد عبد المطلب وهدى سلطان ونازك ونجاح سلام وفايزة أحمد، ووردة، وصباح وغيرهم، وتضمن اللقاء عرض مقاطع صوتية نادرة لأغانٍ وتسجيلات وصور فوتوغرافية تروي جوانب من حياة فوزي الشخصية والفنية.

ويقول محمود التميمي لـ«الشرق الأوسط» إن «مشروع حفظ الذاكرة الوطنية يقوم على استدعاء الرموز الفنية والثقافية وفي مجالات كثيرة أخرى، فالعام الماضي تذكرنا أم كلثوم بمناسبة مرور 50 سنة على رحيلها الذي لا أعتبره رحيلاً وإنما أعتبرها 50 سنة من الحضور الملهم».

جانب من لقاء «أرواح في المدينة» (وزارة الثقافة)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في 2026 تمر 60 عاماً على رحيل الفنان محمد فوزي، فهل ما زلنا نتذكره ونستدعي ألحانه، هل ما زال موجوداً بفنه في حياتنا اليومية؟ هذا ما طرحناه في اللقاء. نتذكر الرموز المصرية عن طريق طرح الأسئلة وليس فقط الاحتفاء والتكريم، كما نحاول اكتشاف مساحات غامضة وربما مظلمة في تاريخ الشخصية تفتح لنا آفاقاً واسعة على فهمها وفهم أنفسنا وفهم طبيعة تطور هذا الشعب والمجتمع».

وقدم فوزي مئات الألحان الموسيقية لأغانيه ومطربين آخرين وأغاني وموسيقى الأفلام، ومن أعماله الشهيرة «شحات الغرام» و«فين قلبي» و«عوام» و«طمني»، وعرف بإنشائه شركة «مصر فون» التي حققت نجاحاً لافتاً في الخمسينات، وقدم من خلالها أعمالاً للعديد من المطربين حتى تم تأميم الشركة في الستينات.

ويلفت التميمي إلى أن فوزي قدم العديد من الأعمال لفنانين كبار وما زالت أعماله موجودة بيننا، ويوضح: «ربما لا يعرف الكثيرون أن أغنية مثل (ساكن في حي السيدة) للمطرب محمد عبد المطلب من ألحان محمد فوزي»، ويتابع: «كما أننا تناولنا العديد من جوانب حياة محمد فوزي وحتى قصة تأميم شركته (مصر فون) وعلاقته بجمال عبد الناصر، وتساءلنا هل تعرض للاضطهاد أم أنه خضع لقانون عام تم تنفيذه على الجميع في ذلك الوقت ولم يكن الأمر شخصياً».

لقاء «أرواح في المدينة» حول محمد فوزي في معهد الموسيقى العربية (وزارة الثقافة)

وقام فوزي ببطولة العديد من الأعمال السينمائية جسد خلالها أدواراً مختلفة مثل «الولد الشقي» و«ابن الذوات» و«الفتى المدلل»، ومن أفلامه «ورد الغرام» و«الآنسة ماما» و«فاطمة وماريكا وراشيل» و«بنات حواء» و«الزوجة السابعة»، كما قدم ألحان وموسيقى العديد من الأفلام الأخرى مثل «تمر حنة» و«شياطين الجو» و«الغائبة»، وفق موقع «سينما دوت كوم».

ويشير مؤسس مبادرة «القاهرة عنواني» إلى أن المبادرة عادة ما تبحث عن «شخصيات وأماكن وتواريخ مهمة، وربما أحداث غيرت وجه البلد، وإلقاء الضوء عليها باعتبارها تمثل جزءاً من روح المدينة وتطور ملامحها وشخصيتها عبر مزيج من الفن والثقافة والشخصيات الاجتماعية المؤثرة وغيرها».

وتابع: «الجمهور لا يعرف الكثير عن أحلام محمد فوزي، ومسيرته من بلدته كفر أبو جندي في الغربية (دلتا مصر) إلى معهد الموسيقى العربية في القاهرة حيث تعلم ووقف على خشبة هذا المسرح، وهنا يأتي ارتباط الحدث والذكرى بالمكان الذي أقيم فيه لقاء (أرواح في المدينة) حول محمد فوزي».

وتستهدف سلسلة لقاءات «أرواح في المدينة» حفظ الذاكرة الوطنية للمصريين، وأطلق من خلالها مشروع «القاهرة عنواني» برعاية وزارة الثقافة وبالتعاون مع دار الأوبرا المصرية.


ليبيون مشاركون في «الحوار الأممي» يحذرون تيتيه من «مسارات موازية»

تيتيه في جلسة مجلس الأمن الشهر الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في جلسة مجلس الأمن الشهر الماضي (البعثة الأممية)
TT

ليبيون مشاركون في «الحوار الأممي» يحذرون تيتيه من «مسارات موازية»

تيتيه في جلسة مجلس الأمن الشهر الماضي (البعثة الأممية)
تيتيه في جلسة مجلس الأمن الشهر الماضي (البعثة الأممية)

حذّرت 81 شخصية ليبية مشاركة في «الحوار المهيكل»، الذي ترعاه الأمم المتحدة، مما وصفته بـ«المسارات الموازية» لحل الأزمة، في رسالة مباشرة إلى المبعوثة الأممية هانا تيتيه، دعوها فيها إلى عدم التماهي مع أي ترتيبات سياسية خارج مظلة البعثة، وعقد لقاء عاجل لتوضيح إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي.

وقال مصدر مقرّب من الشخصيات الموقّعة على الرسالة لـ«الشرق الأوسط» إنهم يمثلون نسبة مهمة من إجمالي أعضاء الحوار المهيكل، البالغ عددهم 124 شخصاً، ويعبّرون عن موقف واضح وحازم يقطع الطريق إزاء ما يرونه «توجهاً مقلقاً في مسار العملية السياسية، يقود إلى تسويات بعيداً عن الإجماع الليبي».

وحسب نسخة من الرسالة، قال الموقعون إنهم «يعربون عن قلق بالغ من توجهات سياسية، تسعى إلى إقامة صفقات ومقايضات بين سلطات الأمر الواقع، بعيداً عن التفاهمات الليبية المباشرة»، وحذروا من أن أي غطاء سياسي يُمنح لمسارات موازية «قد يخلّ بوحدة العملية السياسية، ويقوّض مصداقيتها تحت الأطر الأممية». مؤكدين رفضهم لما وصفوها بأنها «صفقات ترمي إلى تقاسم السلطة وتحصيل المنافع الشخصية، بعيداً عن المصلحة الوطنية»، دون إشارة مباشرة لمضمون هذه الصفقات وأطرافها.

مشاركات في مسار المصالحة وحقوق الإنسان بالحوار المهيكل في فبراير الماضي (البعثة الأممية)

وتأتي هذه التحذيرات في وقت يتجدد فيه الحديث عن ترتيبات سياسية موازية بين أقطاب السلطة في شرق البلاد وغربها، بما في ذلك مقترحات دمج الحكومتين المتنافستين، مع تصاعد الحراك الأميركي الذي يقوده مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية في الملف الليبي.

وخلال الأشهر الماضية، استضافت روما وباريس لقاءات جمعت شخصيات ليبية بارزة من شرق البلاد وغربها، في مسعى إلى تحريك العملية السياسية وتوحيد المؤسسات، وسط تسريبات عن صيغ محتملة لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية.

غير أن رسالة المشاركين في الحوار شددت على أن «الحوار المهيكل ثمرة استشارات واسعة، شملت مختلف الفئات السياسية والاجتماعية والاقتصادية»، وعدّت أن صونه «مسؤولية مشتركة»، محذرة من أن أي التفاف عليه «يهدد الثقة التي بُنيت خلال الأشهر الماضية».

وأوضح المصدر المقرب من أعضاء الحوار المهيكل، الموقعين على البيان لـ«الشرق الأوسط»، أن هؤلاء الأعضاء يرفضون بشكل قاطع ما ترسّخ لديهم من قناعة بأن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تميل إلى التماهي مع مسار يُقال إنه يحظى بدفع من الولايات المتحدة، ويستهدف إعادة إنتاج صيغة لتقاسم السلطة بين الأطراف الليبية. وعدوا أن مثل هذا التوجه، إن صحّ، يُعد التفافاً على مبدأ «الملكية الليبية» للعملية السياسية، ويقوّض الأسس التي قام عليها الحوار.

وكشف المصدر عن حدوث تباين حاد في وجهات النظر خلال النقاشات مع مسؤولي البعثة الأممية، بشأن هذه النقطة، واصفاً البيان بأنه «صرخة تحذير ليبية»، هدفها التنبيه إلى مخاطر الانحراف عن المسار الأممي المعلن، والتأكيد على ضرورة التزام الشفافية، واحترام إرادة المشاركين في الحوار.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

ويمثل «الحوار المهيكل»، الذي انطلق منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أحد المسارات الأساسية ضمن «الخريطة الأممية» التي طرحتها تيتيه أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، لمعالجة الانقسام بين حكومتَي شرق البلاد وغربها. ويركز الحوار على أربعة ملفات رئيسية: الحوكمة، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية، والأمن، بوصفها مفاتيح العبور نحو تسوية شاملة ومستدامة.

وفي مؤشر على وجود تباينات، أعلنت عضوة الحوار، جيهان خالد، تبرؤها من البيان المتداول، وقالت عبر صفحتها على «فيسبوك» إن صدوره «لا يعكس المستوى الذي يفترض أن يلتزم به أعضاء الحوار، ولا ينسجم مع طبيعة المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم». وأضافت أن وجودها في المسار يهدف إلى «الإسهام في بناء الدولة، لا لخدمة أطراف سياسية تشعر بالإقصاء، أو لإعادة إنتاج مراحل انتقالية جديدة تحت أي مبرر».

وحذرت من أن نشر البيان عبر منصات محسوبة على تيارات سياسية، في وقت يشارك ممثلو هذه التيارات ضمن مساحة الحوار، «قد يؤثر سلباً على مستوى الثقة المطلوبة بين الأعضاء»، مؤكدة أن أي «استثمار سياسي» للبيان لا يمثلها، ودعت إلى وضوح المواقف، والارتقاء بالخطاب بما ينسجم مع تطلعات الليبيين.

أما عضو الحوار المهيكل، أشرف بودوارة، الذي لم يكن من بين الموقعين على البيان، فقد عدّ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأولوية في هذه المرحلة هي الحفاظ على المسار الوطني الجامع، تحت مظلة الأمم المتحدة، والعمل بجدية على معالجة الإشكالية الدستورية، بما يفتح الطريق نحو استقرار دائم»، مؤكداً أنه يركز جهده على «إنجاح المسار ومعالجة جذور الأزمة، لا الدخول في سجالات جانبية».

وفي هذا السياق، يعتقد مراقبون أن الرهان ينصب على آلية تجنب الدخول في دوامة انتقال مفتوح بلا سقف، والسعي نحو استقرار طال انتظاره، في ظل الانقسام المؤسسي المستمر والمعقد.

ويرى المحلل السياسي الليبي، السنوسي إسماعيل، أن أي حكم على نتائج المحاولات الراهنة لترميم العملية السياسية في ليبيا ما زال مبكراً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «تحركات بولس لتوحيد المؤسسات في ليبيا، على الرغم من أهميتها النظرية، تظل مجرد محاولة لم تجد بعد أي أثر ملموس على الأرض»، مشيراً إلى أن العقبات السياسية والبيروقراطية «لا تزال تحد من تحقيق تقدم فعلي في العملية السياسية، وقد يعيد الكرة إلى ملعب مجلسي النواب والأعلى للدولة».