«الكارهون الثمانية».. يَقتلون ويُقتلون بعنف شديد‬

فيلم تارنتينو الجديد {وسترن} غير تقليدي‬

«الكارهون الثمانية».. يَقتلون ويُقتلون بعنف شديد‬
TT

«الكارهون الثمانية».. يَقتلون ويُقتلون بعنف شديد‬

«الكارهون الثمانية».. يَقتلون ويُقتلون بعنف شديد‬

«الكارهون الثمانية» (The Hateful Eight) هو وسترن جديد من المخرج كوينتين تارنتينو أنجزه بعد تمنع. في مطلع العام الماضي أعلن عن أنه حذف المشروع من جدول أعماله عندما أفاق ذات يوم ليجد أن سيناريو الفيلم تسرّب إلى شاشات الإنترنت. لكن تارنتينو لم يرغب فعلاً في إلغاء الفيلم. كان يحب ما كتبه والعالم الذي يريد تصويره والمسائل الشائكة التي يريد تناولها في هذا الفيلم.‬
ما فعله هو أنه غير من السيناريو بحيث لم يعد تكملة لفيلم الوسترن السابق «دجانغو طليقًا» (2013)، وغيّر كذلك من مشاهد عدّة جاعلاً الشخصيات تلتقي في مكان واحد طوال الوقت عوض النسخة القديمة التي تعددت فيها أماكن اللقاء.‬
النتيجة هي الماثلة على الشاشات الأميركية (والعالمية) اليوم، التي ما زالت تستطيع أن تفاجئ حتى أشد متابعي المخرج معرفة. العنف الذي يحتويه الفيلم ليس جديدًا على شاشة تارنتينو، لكن استخدامه في إطار حكاية هي عنيفة حتى في أوقات لا عنف ظاهرًا فيها، هو ما يمنح الفيلم الوحشية التي تميّزه، عانى منها، كما يرى البعض، أو لم يعان.‬
‬
ساعات‬

«الكارهون الثمانية» حكاية كان يمكن لها، في العصر الذهبي لسينما الوسترن، أن تسرد في ساعة ونصف. لك أن تتخيل راندولف سكوت أو غاري كوبر في دور رجل وجد نفسه في صراع بين أعداء. عليه أن يتخلّى عن حياده. هناك هجوم وشيك من محاربي قبيلة الشايين وعلى الجميع أن يتغلّبوا على مواقفهم الفردية ويواجهوه. ‬
لكن هذا ليس «الكارهون الثمانية»، واستنساخ مواقف تقليدية من أفلام الوسترن القديمة ليس من اهتمام المخرج تارنتينو. عوض كل ذلك: هذه عصبة من الناس الذين يسردون علينا في نحو ثلاث ساعات حكاية خديعة يتم التخطيط لها ومجموعة من المكائد والمواجهات بحيث يتقلص العدد من ثمانية إلى اثنين، ربما أو لن يبقى منهما أحد. كل يكره الآخر، والسبب يتراوح من الرغبة في التغطية على جريمة قتل سابقة إلى تناقض المواقف السياسية حول الحرب الأهلية الأميركية والحرية التي آلت إلى الأفرو - أميركيين تبعًا لها. ‬
المشهد الواحد قد يحتل الفصل بكامله، كما الحال في مطلع الفيلم عندما يلتقط صائد المجرمين جون روث (كيرت راسل) المجند السابق ماركيز (سامويل ل. جاكسون) في منطقة ثلجية مهددة بالمزيد من العواصف. أمس ينتهي مشهد اللقاء وما فيه في خمس دقائق، بعدها يعتلي ماركيز الأسود العربة التي يجلس فيها البيض. في هذا الفيلم هناك نحو ثلث ساعة من الحوار قبل صعود ماركيز العربة، ونحو عشر دقائق من الحوار داخل العربة بين جون وماركيز والمرأة التي يقودها جون للعدالة (جنيفر جاسون لي).‬
حين وصول المركبة إلى البناء المشيد في اللامكان، للراحة وانتظار مرور العاصفة، يبدأ الشطر الثاني من الفيلم الذي يمتد لنحو ساعتين. ‬
ليس هناك في الساعتين المذكورتين ما لا يمكن اختصاره أيضًا إلى ساعة باستثناء أن تارنتينو لا يكترث لأن يروي حكاية بل اهتمامه يتركز على تقديم شخصيات. لكن هناك شيئان يجلبهما المخرج من الماضي: التصوير بكاميرا 65 مم مع نتيجة عرضها 70 مم ما تطلّب من صانعي الفيلم إقناع 69 صالة أميركية على نفض الغبار عن آلات العرض القديمة وإعادة تشغيلها. فآخر مرّة تم عرض فيلم بهذا المقاس كان قبل 50 سنة عندما قام باسيل ديردن بإخراج «الخرطوم»). كذلك بجلب موسيقى من الإيطالي إنيو موريكوني صاحب تلك المقطوعات التي ساعدت المخرج الراحل سيرجيو ليوني على تتويج أفلامه الوسترن التي أخرجها («لأجل حفنة دولارات» و«الطيب والسيئ والبشع» الخ…).‬
‬
أكثر من مرّة‬

لكن الفيلم، وهذه معجزته الأولى، ليس مملاً رغم طوله وثرثراته الحوارية. فمن خصال تارنتينو القدرة على استحواذ الاهتمام بما يقوله الممثل في أي وقت، لأن ما يقوله لا يكشف فقط عن خلفيّته بل يقود إلى اكتشاف جديد. هذا الجديد عادة ما يكون صدامًا داميًا. الملجأ الكبير الذي أمّه صائد المجرمين وطريدته المقبوض عليها وسائق العربة والجندي ماركيز أصبح ملجأ عصابة قتلت النساء الأفرو - أميركيات اللواتي كن يديرهن وانتظرت وصول العربة، لأن المرأة الملقى القبض عليها هي شقيقة رئيس الجناة. هناك كثير من المفاجآت، وما سبق من شرح ليس سوى قدر ضئيل لا يكشف عن الحكاية وما يقع فيها. إلى هذا الخضم سيحاول كل فرد أن يفتك بالآخر. كلما طال مشهد حواري قطعه المخرج بحدث عنيف (أعنفها قبل ثلث ساعة من نهايته).‬
المشتبه بهم المعتادون من الممثلين الذين وقفوا تحت إدارة تارنتينو من قبل، هم في هذا الفيلم أيضًا: تيم روث ومايكل ماسدن كانا في «كلاب المستودع» (فيلم تارنتينو الأول، سنة 1992)، بينما هذا هو الاشتراك الثالث للممثل كيرت راسل والسادس لصامويل ل. جاكسون في أفلام تارنتينو.‬
يأتي «الكارهون الثمانية» جنبًا إلى جنب فيلم آخر عنوانه «المنبعث» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو، وهما يشتركان في خطوط معيّنة: كلاهما طويل (فيلم تارنتينو: 187 دقيقة، فيلم إيناريتو: 156 دقيقة)، أحداث كل منهما تدور فوق ثلوج عاصفة وفي صقيع مميت، وكلاهما يدور حول شخصيات تعانق المستحيل في ظرف صعب للبقاء أحياء.
لكن مع حسنات من نوع أهمية الحوار في أفلام تارنتينو وتوزيع المشاهد المفاجئة في أماكن صحيحة، وتناول موضوع العنصرية في كيان المجتمع الأميركي (الموضوع الذي ما زال مطروحًا لليوم) فإن هناك بالطبع خطر ألا تستطيع كل هذه الإيجابيات تبرير نفسها لبعض المشاهدين (بمئات الألوف حول العالم) وإقناعهم بأن «الكارهون الثمانية» هو عمل ضروري وجدير جدًا بالمشاهدة. هذا ما ينقصه بالفعل. مثل أفلام أخرى لتارنتينو، هو حالة سينمائية تقبل عليها بحثًا وقد تخرج بما جئت تبحث عنه أو تخرج منه بأمل خائب. بالنسبة للفضوليين فإن الفخ هناك. بعضهم سيستجيب معتبرًا الحبكة جديدة وتبلغ حدًا بعيدًا من سريالية المواقف مزيّنة بمبدأ ليقتل كل واحد من شخصيات الفيلم الآخر، والبعض الآخر سيغادر القاعة واضعًا اسم المخرج على قائمته السوداء.‬
لكن حقيقة «الكارهون الثمانية» هو أنه في الوقت الذي يخفق فيه أن يكون علامة فارقة في السينما، ينجح في أن يكون علامة فارقة بين أعمال مخرجه. لا يزال تكملة، في شكل معيّن، لفيلمه السابق «دجانغو طليقًا»، وربما كلاهما يشكل ملحمة غرب واحدة بالنسبة لتارنتينو.‬

‬
‬

أفلام تارنتينو: تقييم‬

1992: Reservoir Dogs (3*) ‬
1994: Pulp Fiction (4 *)‬
1997: Jackie Brown (3*) ‬
2003: Kill Bill I (3*)‬
2004: Kill Bill II (4*) ‬
2007: Death Proof (3*) ‬
2009: Inglourious Basterds (4 *) ‬
2012: Django Unchained (3*) ‬
The Hateful Eight (3*)‬

من «الكارهون الثمانية»



«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.