تاريخ إيران لم يسجل تدخلاً سلميًا لمساعدة لاجئين.. وحرب اليمن شاهدة على الطائفية

الأموال وصواريخ سكود وكاتيوشا.. {مساعداتها} لتأجيج الصراعات

تاريخ إيران لم يسجل تدخلاً سلميًا لمساعدة لاجئين.. وحرب اليمن شاهدة على الطائفية
TT

تاريخ إيران لم يسجل تدخلاً سلميًا لمساعدة لاجئين.. وحرب اليمن شاهدة على الطائفية

تاريخ إيران لم يسجل تدخلاً سلميًا لمساعدة لاجئين.. وحرب اليمن شاهدة على الطائفية

منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وبعد سيطرة الخميني وأتابعه على سدة الحكم في إيران عام 1979، حملت إيران على عاتقها نشر الفتن والقلاقل في أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي، بشكل مباشر وغير مباشر، كفلسفة آيديولوجية استلهمتها، كما تروّج لها من الثورة المزعومة، ولم تتعامل طيلة تلك السنوات على أنها دولة، بل كانت وما زالت تقوم بدعم ورعاية المتطرفين كافة بشتى مسمياتهم وطوائفهم.
ويبدو أن الحلم الذي كانت تتعامل به دول المنطقة، فهم من قيادات الدولة «إيران» بشكل خاطئ، الأمر الذي دفعها لتخطي كل الحدود السياسية والعسكرية في دعم مواليها علنا وفي الخفاء، ومن ذلك ما قامت به قبل 20 عاما عندما احتضنت ما يعرف بـ«أنصار الله» أو جماعة الحوثيين اليمنية، وأملت على هذا الفريق الشيء الكثير في بعثرة أوراق المنطقة العربية، إلا أن الرد كان سريعا وقويا من السعودية وحلفائها في المنطقة لوقف هذه التجاوزات والسيطرة على مقدرات البلاد.
ففي أواخر التسعينات، قامت إيران، وفقا لتصريحات مسؤولين يمنيين، بتقديم الدعم المالي واللوجيستي لأنصار الله لشراء مساحات شاسعة من الأراضي والممتلكات في كل المدن وتحديدا إقليم تهامة٬ نقطة الانطلاق ومنفذ الجماعة الرئيسي على البحر الأحمر، وقدرت هذه المبالغ في حينه بأكثر من «ملياري دولار»، مع ضرورة دمج أفراد الحوثيين وتوطينهم في الإقليم بشكل كبير٬ تمهيدا للسيطرة على القوة الاقتصادية ومن ثم العسكرية في وقت لاحق بحسب الخطة التي تلقتها الجماعة من العاصمة الإيرانية «طهران».
ونجحت جماعة الحوثيين٬ بحسب اعترافات أعيان إقليم تهامة٬ في الاندماج بين المجتمع٬ وغيّرت ديموغرافيا الإقليم تدريجيا للوصول إلى الذروة في مطلع 2010 بشراء أكبر الفنادق ومساحات كبيرة على امتداد الشاطئ من «ميدي» إلى «الخوخة» ومن ثم إلى المخا٬ للوصول بعد ذلك لسهل تعز٬ وتمكينهم لحظة الانقلاب على الشرعية من السيطرة على الموانئ البحرية في إقليم تهامة والتحكم في الملاحة البحرية من خلال سيطرتهم على باب المندب.
حاولت إيران في حينه، بعد تمكن الحوثيين من تنفيذ الألوية في الشراء والتمكين على الأرض، وتحديدا في 2004 لدفع الميليشيا للخروج على نظام الدولة، إلا أنها منيت بخسائر كبيرة، الأمر الذي دفع طهران إلى التراجع عن السيطرة في تلك المرحلة حتى تتسنى الفرصة المناسبة، ورغم ما كانت يعانيه اليمن من أوضاع اقتصادية، إلا أن إيران لم تكن معنية كما تدعي أنها «إسلامية» بدعم المسلمين وتوفير احتياجات الشعوب، وكان الهدف واضحا في تمزيق البلاد وتدمير مقدراتها والسيطرة عليها من قبل فئة تتبعها وتتلقى الدعم والأوامر.
وظلت كذلك إيران، إلى أن سنحت الفرصة في مطلع 2015 بإيعاز أتباعها بالانقلاب على الشرعية، وكانت تعتقد في حينه أن دول الجوار «مجلس التعاون الخليج» والدول العربية، لن ترضخ لهذا الواقع، حيث سارعت دول الجوار إلى تشكل «تحالف عربي» تقوده السعودية، لإعادة الشرعية المسلوبة من جماعة لا تعرف إلا لغة الحرب والدمار بعد أن فشلت كل المحاولات في ردعها وإعادتها إلى طريق الصواب.
في هذه الفترة حاولت إيران، بكل قوتها الدفاع عن هذا الانقلاب، بشتى الوسائل، دون مبالاة بما تقوم به من قتل مباشر للمدنيين في اليمن عبر حليفها «الحوثيون»، فسارعت بإرسال المال والأسلحة لتقوية موقف الحوثيين في الجبهات، حيث قاموا بحرق البلاد من شمالها إلى جنوبها، ولم يكن لديهم مخطط واضح سوى القتل والنهب وتشريد، وهو ما أشار إليه مختصون في السياسة بأن إيران لن تكف في المرحلة المقبلة٬ خاصة بعد توقيع الاتفاق النووي٬ عن تهييج الشعوب من خلال الضرب على وتيرة سنة وشيعة٬ وسوف تستمر في الفترة المقبلة في إيجاد مواقع أخرى ودول يمكن زعزعة النظام فيها٬ وذلك بهدف إعادة الإمبراطورية الفارسية٬ وهي تحارب في هذه المرحلة من أجل عدم سقوط الحوثيين.
إشعال الفتن وتقديم السلاح.
وعندما أيقنت إيران أن مواليها في اليمن، مع دخول قوات التحالف العربي المواجهة العسكرية لحماية البلاد والعباد وإعادة الشرعية، سيخسرون معركتها بالإنابة، شرعت وبكل الوسائل عبر المهربين وتجار السلاح وأتباعها في عدد من الدول، لدعم موقفهم العسكري، خصوصا أن خلافات عسكرية ظهرت على السطح مع الحليف التقليدي لهذا الانقلاب «الحرس الجمهوري» الموالي لعلي صالح، قامت بإرسال ما يمكن إرساله من أسلحة متطورة وصواريخ والمال، ولم ترسل شحنة واحدة من الأغذية أو الدواء رغم النداء العاجل لمنظمات الصحة العالمية والإقليمية حول الوضع الإنساني في اليمن.
وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي 2015، كشفت تحقيقات عسكرية موالية للرئيس عبد ربه منصور هادي٬ عن تورط قيادات لبنانية يعتقد في انتمائها لحزب الله وأخرى إيرانية في تهريب كميات من الأسلحة قادمة من إيران عبر السواحل الشرقية والغربية لليمن٬ التي جرى الكشف عنها من خلال عملية استخباراتية نفذها أفراد من المقاومة الشعبية والجيش الوطني.
وهذه الأسلحة فور تسلمها عمدت ميليشيا الحوثيين إلى تخزينها، في مواقع مختلفة تمهيدا لاستخدامها في مرحلة متقدمة لإطالة أمد الحرب، وهذه الفترة سجلت أعلى معدلات الإصابة بالأمراض لانتشار الأوبئة وضعف الحالة الاقتصادية نتيجة الحصار الذي فرض على أربع مديريات رئيسية للعاصمة المؤقتة، ولم تلتفت حينها إيران للوضع الإنساني بقدر ما تسعى إلى تطويل الحرب ونشر الدمار في البلاد، خصوصا أن هذه الكميات بحسب اعتراف المتورطين تكفي لتسليح ألوية عسكرية بالمفهوم الحديث٬ ومن ضمنها صواريخ كاتيوشا وذخائر لأسلحة متنوعة.

* الدعم المالي للحوثيين
لم يمضِ على هذه الواقعة سوى أيام معدودة، وتمكنت الأجهزة اليمنية الوطنية من التحفظ على مبالغ مالية قدرت بملايين الدولارات٬ بحوزة قيادات ميليشيا حوثيين وقعت أسرى في قبضة المقاومة الشعبية، وتبين وفقا لهذه التحقيقات أن مصادر هذه الأموال متعددة العملات٬ قادمة من العاصمة الإيرانية طهران٬ عبر مهربين من جنسيات مختلفة، سلمت عبر السواحل الجنوبية والسواحل الشمالية٬ وتحديًدا من المهرة٬ وحضرموت٬ والحديدة٬ وهذه المبالغ تقدم للمواطنين في المدن التي تسيطر عليها الميليشيا لشراء ذممهم وتنفيذ أجندة الميليشيا في وقت لاحق، كما تقدم هذه المبالغ لعائلات صغار السن المنخرطين في العملية العسكرية، وذلك مقابل تفجير أنفسهم في مواقع عامة٬ خاصة المدن التي تنسحب منها الميليشيا بهدف إحداث بلبلة، واستهداف قيادات عسكرية وسياسية في تلك المدن.

* نوفمبر شهر الدعم العسكري
في هذا الشهر سجل الدعم العسكري أعلى معدلاته، بواقع أربع محاولات تم الكشف عنها، وهي الفترة المقرونة بالتراجع الكبير للحليف الاستراتيجي لإيران «الحوثيين» في عدد من الجبهات وتكبد خسائر كبيرة، في محاولة لإبقاء الميليشيا صامدة، للتصدي للهجوم الجوي والأرضي بعد تكوين عدد من الألوية الموالية للرئيس هادي، خصوصا أن الجيش يتقدم بشكل كبير ما أثار حفيظة إيران وسارعت بتكثيف دعمها في هذه الفترة.
وكانت البداية في مطلع نوفمبر، بعد أن أطاحت المقاومة الشعبية في مأرب بعدد من ضباط الحرس الجمهوري٬ الذين اعترفوا بأن كميات الألغام التي زرعوها على أطراف المدينة لمنع تقدم المقاومة الشعبية، حصلوا عليها من إيران، وذلك بهدف وقف التقدم العسكري للجيش الوطني ودعما للحرس الجمهوري المتحالف مع الميليشيا، وفي حين لم تحدد كميات هذه الألغام إلا أن المقاومة ذكرت في حينها أنها غطت المدينة القديمة في مأرب.
بعد هذه الواقعة بعدة أيام، وتحديدا في 14 من نوفمبر، رصدت المقاومة الشعبية عملية تهريب لعدد من القيادات العسكرية الإيرانية في إقليم الجند «تعز٬ وإب» جنوب اليمن التي تبعد عن صنعاء 256 كيلومترا٬ من الإقليم باتجاه صنعاء٬ بعد أن قاموا في أوقات سابقة بتدريب ميليشيا الحوثي وحليفهم علي صالح٬ في كيفية المواجهة العسكرية في الإقليم، بعد أن مكثوا ما يزيد على أربعة شهور يتجولون على المواقع العسكرية.
تلت هذه الواقعة عملية تهريب لكميات من الأسلحة والمتفجرات قادمة من إيران، وكانت في 27 من الشهر نفسه، أطاح بها الجيش اليمني٬ إضافة إلى كميات من أجهزة الاتصال ومعدات عسكرية٬ عن طريق منفذ «المهرة» أقصى الشرق من الجمهورية اليمنية٬ وتشكل الحدود الشرقية مع سلطنة عمان.
وقال في حينها لـ«الشرق الأوسط»، اللواء ركن دكتور ناصر الطاهري٬ نائب رئيس هيئة الأركان في القوات المسلحة اليمنية، إنه رغم عمليات المراقبة والتشديد على جميع المنافذ التي يسيطر عليها الجيش بدعم من قوات التحالف العربي٬ فإن هناك عمليات تهريب تحدث بشكل مستمر٬ لوجود فجوة يتمكن من خلالها المهربون من إدخال ما يمكن إدخاله من بعض المنافذ اليمنية، لافتا إلى أن عمليات التهريب يعاني منها العالم٬ فكيف ببلاد تحارب من أجل إعادة الشرعية ودحر الانقلابين٬ موضحا أن ما يضبط من عمليات تهريب قليل٬ مقارنة بما يدخل من الحدود من أسلحة ومعدات.
وأشار اللواء الطاهري إلى أن وصول السلاح للميليشيا٬ يجري من خلال عمليات تهريب يقومون برصدها وإيقاف كثير منها٬ وعادة هذه الأسلحة والذخائر المتنوعة٬ تصل من خلال عمليات تهريب عبر سواحل «حضرموت٬ المهرة٬ وشبوة»٬ موضحا أن الجهات المتورطة في توريد السلاح للميليشيا٬ الإيرانيون الذين يعمدون وبشكل دائم إلى إيصال السلاح للميليشيا.
وقبل أن يستقبل العالم العام الجديد، كشفت قيادة الجيش الوطني اليمني أنها تمتلك معلومات مؤكدة٬ حول وجود عدد من الخبراء الإيرانيين يعملون مع الحوثيين لتجهيز صواريخ «سكود»٬ إضافة إلى القيام بأعمال تطوير لصواريخ فولغا «أرض- جو» التي كانت بحوزة وحدات الدفاع الجوي٬ وتهيئتها لضرب أهداف أرضية.
ويبدو بحسب مراقبين سياسيين أن إيران لن تتوقف عن خرق الأنظمة الدولية٬ والتدخل في شؤون الدول المجاورة٬ خاصة تلك التي تعيش حالة من عدم الاستقرار للأوضاع الداخلية٬ وهي ما تثبته السياسة الإيرانية طيلة السنوات الماضية، وعملها الدائم على عدم استقرار المنطقة ولا ترغب في إيجاد نقاط التقاء بين دول الجزيرة العربية كافة.
وبالعودة إلى عملية شراء الأراضي والممتلكات، أكدت مصادر يمنية، أن الحوثيين وقبل الانقلاب على الشرعية، عمدوا إلى شراء الأراضي في «رأس المعوج إلى الخوخة» في وقت مبكر من عام ٬2000 وبكميات كبيرة ومساحات شاسعة٬ دون لفت لأنظار القوى الاقتصادية في البلاد٬ وبطرق غير مباشرة في كثير من عمليات الشراء٬ الذي قابله صمت وعدم تدخل من شيوخ القبائل لاعتقادهم بأن ذلك يصب في صالح تطوير الإقليم اجتماعيا واقتصاديا.
وذكر المصدر أن الحوثيين أو ما يعرف بأنصار الله عندما قدموا للإقليم كانوا يرغبّون السكان الأصليين في عمليات البيع لأراضيهم من خلال دفع مبالغ كبيرة، وهو ما مكنهم من السيطرة على نسبة كبيرة من عقارات الإقليم، كما سهل لهم ذلك فرض سيطرتهم بشكل غير مباشر قبل الانقلاب على ميناء «ميدي٬ ورأس عيسى٬ والحديدة».
ومع دخول الحوثيين لصنعاء والسيطرة على أجهزة الدولة المدنية٬ صدرت في هذه اللحظات توجيهات من الرئيس المخلوع علي صالح للمعسكرات في الحديدة التي تزيد على 11 معسكرا٬ بتسليمها مباشرة إلى أفراد قادمين من صنعاء تابعين للحوثيين٬ ومن خلال هذا المخطط تمكنت ميليشيا الحوثي من فرض قوتها العسكرية٬ وقبل ذلك الاقتصادية على الإقليم٬ وبدأت في اتخاذ إجراءات استفزازية ضد شيوخ القبائل.



زلزال بقوة 6.9 درجات يضرب شمال اليابان

وقع الزلزال قبالة ساحل محافظة إيواتي  (رويترز)
وقع الزلزال قبالة ساحل محافظة إيواتي (رويترز)
TT

زلزال بقوة 6.9 درجات يضرب شمال اليابان

وقع الزلزال قبالة ساحل محافظة إيواتي  (رويترز)
وقع الزلزال قبالة ساحل محافظة إيواتي (رويترز)

أعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليابانية تسجيل زلزال بقوة 6,9 درجات قبالة سواحل شمال اليابان الخميس، مشيرة إلى عدم وجود خطر حدوث موجات تسونامي.

ووقع الزلزال قبالة ساحل محافظة إيواتي في شمال جزيرة هونشو وعلى عمق 50 كيلومتراً بسحب الوكالة.


مضيق هرمز... كيف يمكن تفادي «قنبلة إيران الاقتصادية»؟

سلّطت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الضوء على أهمية المضايق البحرية حول العالم (الشرق الأوسط)
سلّطت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الضوء على أهمية المضايق البحرية حول العالم (الشرق الأوسط)
TT

مضيق هرمز... كيف يمكن تفادي «قنبلة إيران الاقتصادية»؟

سلّطت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الضوء على أهمية المضايق البحرية حول العالم (الشرق الأوسط)
سلّطت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الضوء على أهمية المضايق البحرية حول العالم (الشرق الأوسط)

شبّه المفكّر الاستراتيجيّ البروسي، كارل فون كلوزفيتز، الحرب بـ«الحرباء» (Chameleon). أنت تبدأها، وهي تقودك بعد الطلقة الأولى. ديناميكيّتها أسرع من عملية اتخاذ القرار للقيادتين السياسيّة والعسكريّة. لكن الأكيد، وحسب ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني السابق، فإنه وبمجرّد أن تبدأ الحرب يتحوّل رجال الدولة والساسة من قادة إلى عبيد للأحداث التي تنتجها الحرب، وهي أحداث تكون في أحيان كثيرة غير متوقّعة ولا يمكن السيطرة عليها.

اعتقدت ألمانيا أن الحرب العالمية الأولى ستكون قصيرة، وأن احتلال باريس سيكون أمراً سهلاً. لكن الحرب استمرّت لمدة أربع سنوات و3 أشهر وأسبوع، ودفعت ألمانيا خلالها 2.1 مليون قتيل من الجنود، كما عوقبت بمعاهدة فرساي المُذلّة. اعتقدت روسيا الإمبراطوريّة في عام 1905 أنها قادرة على التوسّع في الشرق للوصول إلى المياه الدافئة، فكانت الحرب البحريّة مع اليابان والتي مُنيت فيها روسيا بهزيمة بحريّة كبيرة، كانت لاحقاً أحد أسباب سقوط نظام القيصر نيكولاي الثاني، آخر قياصرة الإمبراطورية الروسية، أمام المدّ الشيوعي اللينينيّ (الثورة البلشفية عام 1917). وعليه، اعتقدت اليابان؛ كونها أول من حقّق نصراً عسكرياً على قوة غربيّة، أنها قادرة على فرض نفوذها على محيطها، فكانت عملية بيرل هاربور ضد الأميركيين عام 1941؛ ما أدى إلى انخراط أميركا في الحرب العالمية الثانية واستعمالها السلاح النوويّ لإخضاع اليابانيين. وفي أيامنا هذه، اعتقد الرئيس فلاديمير بوتين أن «العملية العسكريّة الخاصة» ضد أوكرانيا في عام 2022، لن تتجاوز الأيام العشرة، وأن الشعب الأوكراني سيستقبل الجيش الروسيّ بالورد. لم تُطابق حسابات الحقل حسابات البيدر. لا تزال الحرب مستمرّة. خسرت روسيا آلتها العسكريّة، كما خسرت ما يُقارب مليون جندي بين قتيل وجريح، هذا عدا عن خسارتها سمعتها وهيبتها. خسرت أيضاً القدرة على الاحتفاظ بالمحيط المباشر (Near Abroad)؛ كونه كان تاريخيّاً منطقة نفوذ روسيّة. لكن الخسارة الأكبر كانت في أنها تحوّلت من قوّة عظمى مستقلّة إلى لاعب «جونيور» (صغير) إلى جانب الصين الصاعدة. ويُقدّر خبراء التكلفة الاقتصاديّة الشاملة لحرب بوتين على أوكرانيا بما بين 2.4 و2.5 تريليون دولار.

اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982. أخرجت منظّمة التحرير الفلسطينيّة ودمّرتها عسكريّاً. لكن إسرائيل عوقبت بلاعب آخر هو «حزب الله». خلقت إيران ما يُسمّى «وحدة الساحات»، من ضمن علاقة المركز بالأطراف (Spoke & Hub) لمحاصرة إسرائيل، وخلق منظومة ردع في مواجهتها، بالإضافة إلى محاولة استنزافها. ومن ضمن هذه المعادلة، جرّ الوكيل في قطاع غزّة الأصيل في طهران إلى حرب بدأت في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ولا تزال مستمرة حتى الآن، وقد تتواصل بعد الاتفاق الأميركيّ - الإيرانيّ، ولو بطريقة ووسائل مختلفة.

في فبراير (شباط) الماضي، اعتقدت كل من أميركا وإسرائيل أن ضربة خاطفة على إيران من الجو، ستغيّر معادلة القوة في الداخل الإيراني، كما في الإقليم. عُوقب الاثنان بقانون «العواقب غير المقصودة» في الحروب. كان هدفهما الأساسي القضاء على القنبلة الذريّة التي خشيتا أن طهران تسعى إلى امتلاكها من خلال مخزونها من اليورانيوم المخصّب، فتبيّن أن مضيق هرمز يشكّل أيضاً ما يشبه القنبلة الذريّة الاقتصاديّة لدول العالم كافة.

في المضايق بشكل عام

سفن عالقة بمضيق هرمز (رويترز)

يصل عدد المضايق البحريّة في العالم إلى أكثر من 100، لكن الأهم فيها هي المضايق التالية:

مضيق هرمز: يمر عبره 20 في المائة من نفط العالم (20 مليون برميل يومياً)، عدا عن البتروكيماويات والهيليوم الذي تصدّره دولة قطر والمهم جدّاً في مجال الذكاء الاصطناعي. لا توجد ممرّات مائية بديلة عن هذا المضيق للخروج من الخليج العربي.

مضيق باب المندب: يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويمر عبره نحو ثمانية ملايين برميل نفط يوميّاً. كما يمرّ عبره نحو 12 في المائة من التجارة العالميّة.

قناة السويس: هي أقصر طريق بحرية بين أوروبا وآسيا، وهي استكمال لباب المندب، فإذا أُغلق تُغلق بدورها. تدرّ هذه القناة سنويّاً على مصر ما يُقارب 4 مليارات دولار. أدّى تأميم القناة من قبل الرئيس المصري الراحل جمال عبد النصر إلى حرب السويس عام 1956.

مضيق ملقا (مالاكا): يمّر عبره أكثر من 60 في المائة من تجارة الصين، كما معظم وارداتها من الطاقة. شكّل هذا المضيق، بسبب سيطرة أميركا عليه، ما سُمّي «معضلة ملقا» للصين. وهو أيضاً ممر مهمّ وحيويّ لليابان الدولة التي تتألّف من مجموعة جزر يُقدّر عددها بأكثر من 14 ألف جزيرة. كما أن هذا المضيق كان من ضمن منطقة النفوذ التي رسمتها اليابان الإمبراطوريّة قبيل الحرب العالمية الثانية.

قناة بنما: تربط القناة المحيط الأطلسي بالهادئ، كما تربط شرق أميركا بغربها. أسهم فكر ألفرد ماهان، وهو مفكّر عسكريّ بحريّ أميركي، في شق القناة أيام الرئيس الأميركي الراحل ثيودور روزفلت، خاصة وأن أميركا تُعدّ بأنها أهم قوّة بحريّة في العالم ومُحاطة بمحيطين (2Ocean Country).

البوسفور والدردنيل: يشكلان المنافذ البحرية الوحيدة إلى البحر الأسود، ويمر عبرهما نحو 5 في المائة من النفط العالميّ. يعدَّان ممراً حيويّاً لكل من روسيا، رومانيا، أوكرانيا، بلغاريا وحتى كازاخستان التي تصدّر نفطها عبر روسيا ومن البحر الأسود.

باختصار، قد يمكن تصنيف هذه المضايق على الشكل التاليّ: هي شرايين التجارة والطاقة للعالم. هي رمز النفوذ البحري لمن يسيطر عليها، حتى دون أن يمتلك قوة بحريّة كبيرة. فمضيق ملقا (مالاكا) هو باب شرق آسيا إلى المحيط الهندي والذي عدَّه المفكر الأميركي روبرت د. كابلان أنه سيكون محور الصراع في القرن الحادي والعشرين. أما باب المندب، فيُعدّ الباب الأقرب والأقل تكلفة لأوروبا إلى المحيط الهندي. فهو يتكامل مع قناة السويس. أما مركز الثقل العالمي، فهو حتماً مضيق هرمز الذي لا بديل له، كممر بحري، حتى الآن.

ولإيضاح أهميّة المضايق بشكل عام، يمكن الارتكاز على الثابت في استراتيجيّة الأمن القومي الفرنسيّ التي تُظهّر أهمية المضايق حول العالم. فماذا عنها؟

ترى فرنسا نفسها قوّة قاريّة - بحريّة. فهي تطّل مباشرة على المحيط الأطلسي، كما على البحر الأبيض المتوسّط. لكنها تطلّ بشكل غير مباشر، وعبر الأراضي الفرنسية خارج فرنسا الأوروبية، على كل محيطات العالم. فهي في المحيط الهادئ عبر بولينيزيا الفرنسيّة وكاليدونيا الجديدة. وهي في المحيط الهندي عبر مايوت وريونيون، وهي أرض فرنسية قرب جزيرة مدغشقر. وتوجد أيضاً في منطقة نفوذ الرئيس ترمب الجديدة - القديمة في البحر الكاريبيّ عبر غوادلوب والمارتينيك. وبهذه الجغرافيا المعقدّة لفرنسا، تتكشف أهميّة المضايق البحريّة. فوجود حاملة الطائرات شارل ديغول مثلاً قرب مضيق هرمز، تحت حجة المساعدة في نزع الألغام في المضيق بعد التوصّل إلى حل للحرب الدائرة، وكذلك الوجود البحري الفرنسيّ في الخليج، يوضح بلا شك استراتيجيّة فرنسا الكبرى في مجال حماية الممرات المائية.

سفن شحن تبحر في الخليج بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

في التأقلم - مضيق هرمز نموذجاً

أثبتت الحرب الأخيرة في المنطقة أن مضيق هرمز يُشكّل مركز ثقل أساسيّاً لدول المنطقة. توصف هذه المنطقة، حسب الكاتب الجيوسياسيّ شاوول برنارد كوهين، «حزام التكسّر» الجيوسياسيّ. فهي منطقة جغرافيّة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، بحيث تتنافس عليها باستمرار؛ الأمر الذي يجعل بعض دولها دولاً غير مستقرّة باستمرار. فكم من حرب وقعت فيها منذ نهاية سبعينات القرن الماضي؟ ففي عام 1979 حصلت الثورة الإيرانيّة وأطيح حكم الشاه، ثم استصدر الرئيس جيمي كارتر، عام 1980، ما أُطلق عليه «عقيدة كارتر» التي تنص على أن الولايات المتحدة ستستخدم القوة العسكرية، إذا لزم الأمر، للدفاع عن مصالحها الوطنية في منطقة الخليج. ثم جاءت حرب السنوات الثماني العراقيّة - الإيرانيّة (1980 - 1988). وفي عام 1991، قادت الولايات المتحدة تحالفاً لتحرير الكويت بعدما اجتاحتها قوات الرئيس العراقي صدام حسين. وفي عام 2003، أطلقت أميركا حرب إطاحة صدام. وحالياً، تعيش المنطقة تداعيات الحرب التي وقعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة، وإيران، من جهة أخرى. جاءت هذه الحرب في وقت خططت دول المنطقة لكسر «حزام التكسّر» الجيوسياسيّ وجعل أراضيها ومياهها صلة وصل بين الغرب والشرق (The Hub). أضرّت الحرب، بلا شك، بهذه الخطط، ومن هنا يبدو من الضروري العودة إلى مبدأ امتصاص الصدمة وخلق البدائل، خاصة فيما يخصّ مضيق هرمز. فكيف؟

عُدّ مضيق هرمز بمثابة الورقة الأقوى في يد إيران خلال المفاوضات مع الأميركيين. ففيه ومنه ينبع الحلّ. وبالتالي، فإن فتح المضيق شكّل دليلاً مباشراً على انتهاء الحرب. لكن الحرب الأخيرة أظهرت، عمليّاً وفعليّاً، ضرورات تعزيز الأمن القومي في دول المنطقة. كما أظهرت ضرورة أن يتزامن إيجاد البدائل للمضيق، ممرّاً لثروات دول المنطقة، مع صياغة استراتيجيات عسكريّة تحمي هذه الدول، كما تحمي مشروع رفع صفة «حزام التكسّر» الجيوسياسيّ عن منطقة الخليج. وإذا رأى الخبراء أن مضيق هرمز هو أهم ورقة بيد إيران. فالورقة عادة تفقد قيمتها العليا عندما تُستعمل على أرض الميدان لتحسين الموقع على طاولة التفاوض. وعليه، سيُفتح المضيق، وستستعمله دول المنطقة مُجدّداً. لكنها حتماً ستسعى إلى خلق البدائل، خاصة وأن توازنات المنطقة لن تعود إلى ما كانت عليه من قبل. وعليه، وجب التحضير للسيناريو السيّئ مع الاستمرار بتنفيذ النموذج الجديد للمنطقة من رؤى مستقبليّة وغيرها. فماذا عن بعض البدائل؟

تتصدر مشاريع نقل وإمدادات الطاقة من منطقة الخليج واجهة الاهتمامات الجيواقتصادية العالمية، وسط مساعٍ حثيثة لتنويع مسارات التصدير اللوجستية وتجاوز المضايق البحرية الحرجة، لا سيما مضيق هرمز، من خلال التحول نحو خطوط النقل البري والربط بين البحار المحورية. ويأتي هذا التحول نحو تعزيز خطوط النقل البري والربط بين البحار المحورية ليعكس رغبة إقليمية ودولية في تحصين سلاسل الإمداد؛ حيث تبرز في هذا السياق مساعٍ لإعادة إحياء رؤية «البحار الأربعة» الهادفة إلى ربط الخليج العربي، وبحر قزوين، والبحر الأسود، بالبحر الأبيض المتوسط، عبر شبكة أنابيب برية متكاملة تضمن تدفق الطاقة بأمان نحو الأسواق العالمية، وفي مقدمتها القارة الأوروبية. وفي إطار تنويع منافذ التصدير، يتجه العراق نحو تعزيز مرونته اللوجستية عبر مسارات متعددة وبحث إمكانية إعادة إحياء خط الأنابيب النفطي الاستراتيجي لربط حقول الإنتاج الجنوبية مع شبكة خطوط الأنابيب في السعودية، كما تتضمن الرؤية العراقية خيارات التصدير شمالاً عبر خط «كركوك - بانياس»، إلى جانب استمرار التنسيق لضخ الخام عبر خط أنابيب «كركوك - جيهان» المتجه إلى تركيا؛ ما يمنح عمليات التصدير خيارات جغرافية مرنة ومتعددة. كذلك، تسعى الإمارات إلى رفع نسبة الاستيعاب لأنابيب النفط التي تصّب في الفجيرة بحيث تصل إلى 3 ملايين برميل يومياً. وأخيراً، تسعى كل من السعودية وتركيا إلى إعادة إحياء خطوط سكك الحديد (سكك حديد الحجاز) التي تربط الجزيرة العربية بتركيا، عبر الأردن وسوريا، وصولاً إلى القارة العجوز.

في الختام، يعيش العالم مرحلة تخبطّ خطرة جدّاً. عالم بدأت موازين القوى تختلّ فيه بشكل غير مضبوط؛ الأمر الذي يُهدّد الاستقرار في كثير من الدول. في مثل هذا العالم، يتراجع دور الدولة - الأمة ويتقدّم دور اللاعب اللادولتيّ. عالم أصبح فيه المُعطّل (Disruptor)، حتى ولو كان حجم قوّته صغيراً جدّاً، قادراً على تعطيل استراتيجيّات القوى العظمى. عالم لم يعد فيه السلاح النووي يُشكّل رادعاً للقوى التي لا تملك هذا السلاح. عالم لا ينتظر تشكّل نظام عالميّ جديد، وكيف ستكون فيه موازين القوى.


كوريا الشمالية تدخل مدمرة جديدة الخدمة... وتصفها بأنها «إنجاز نووي وبحري كبير»

من الاحتفال بإطلاق المدمرة «تشوي هيون» (أ.ف.ب)
من الاحتفال بإطلاق المدمرة «تشوي هيون» (أ.ف.ب)
TT

كوريا الشمالية تدخل مدمرة جديدة الخدمة... وتصفها بأنها «إنجاز نووي وبحري كبير»

من الاحتفال بإطلاق المدمرة «تشوي هيون» (أ.ف.ب)
من الاحتفال بإطلاق المدمرة «تشوي هيون» (أ.ف.ب)

أعلنت كوريا الشمالية عن إدخال مدمرة جديدة تزن 500 طن الخدمة، ووصفها الزعيم كيم جونغ أون بأنها «رمز لتنامي القدرات البحرية والنووية» للبلاد، وفق ما أفادت به وسائل الإعلام الرسمية، الأربعاء، في إطار سعي بيونغ يانغ لتعزيز قدرتها على بسط نفوذها العسكري في البحر.

وقالت «وكالة الأنباء المركزية الكورية» الرسمية، إن كيم صرّح خلال حفل تدشين أقيم يوم الثلاثاء في ميناء «نامبو الغربي»، بأن السفن الحربية مثل «تشوي هيون» تظهر أن تسليح البحرية بالأسلحة النووية يسير وفق الخطة الموضوعة.

وأضافت الوكالة، أن السفينة «تشوي هيون» دخلت رسمياً الخدمة في البحرية الكورية الشمالية عقب الحفل، وستُكلف بالدفاع عن الساحل الغربي للبلاد.

ومنذ الكشف عن السفينة في أبريل (نيسان) 2025، قدّم كيم «تشوي هيون» باعتبارها «خطوة مهمة نحو توسيع مدى العمليات العسكرية، وتعزيز قدرات الضربة الاستباقية». وذكرت الوكالة أن السفينة مزودة بأنظمة متعددة تشمل أسلحة مضادة للطائرات والسفن، إضافة إلى صواريخ باليستية وصواريخ كروز قادرة على حمل رؤوس نووية.

كيم جونغ أون يتحدث في حفل إطلاق المدمرة (أ.ف.ب)

ويقول مسؤولون وخبراء في كوريا الجنوبية إن السفينة «صنعت على الأرجح بمساعدة روسية، في ظل تعمق التعاون العسكري بين البلدين»، فيما يشكك بعض المحللين في جاهزيتها للدخول في الخدمة الفعلية.

وأجرت كوريا الشمالية خلال الأشهر الماضية سلسلة من الاختبارات على «تشوي هيون» قبل نشرها، بما في ذلك إطلاق ما وصفته بصواريخ كروز قادرة على حمل رؤوس نووية من فوق متنها.

وقال كيم في كلمة خلال مراسم الثلاثاء: «من الواضح أن العهد الذي كان سلاحنا البحري مجرد قوة للدفاع عن البحر قبالة أراضينا، أصبح شيئاً من الماضي. إنه يتطور الآن إلى قوة عسكرية متكاملة مزودة بوسائل استراتيجية؛ حيث إن برنامج تزويد البحرية بالأسلحة النووية يسير وفق النهج المخطط له دون انحراف».

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ يعاين من إحدى القواعد البحرية لبلاده المنطقة الفاصلة مع جارته الشمالية (أ.ب)

وكان كيم قد قال عقب تجربة صاروخية على متن «تشوي هيون» في مارس (آذار) الماضي، إن جهوده لتسليح البحرية بأسلحة نووية سوف «ترقى إلى تغيير جذري في الدفاع عن سيادتنا البحرية، وهو شيء لم نحققه منذ نصف قرن».

ولم تسهب وسائل الإعلام بشأن ما كان يعنيه كيم، ولكن بعض المحللين يقولون إن كوريا الشمالية ربما تجهز للإعلان رسمياً عن حدود بحرية قد تتعدى على المياه التي يُسيطر عليها غريمها الكوري الجنوبي.