باكستان عام دموي.. والسلطات أمام خطر التشدد والإرهاب

شهد إعدامات لمنفذي الهجوم على مدرسة بيشاور.. وعمليات عسكرية في وزيرستان

رجال إطفاء باكستانيون يحاولون إخماد حريق نشب في إحدى السيارات بعد انفجار قنبلة داخل سوق باراشينار الذي تؤمه غالبية شيعية وخلف 23 قتيلا في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
رجال إطفاء باكستانيون يحاولون إخماد حريق نشب في إحدى السيارات بعد انفجار قنبلة داخل سوق باراشينار الذي تؤمه غالبية شيعية وخلف 23 قتيلا في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

باكستان عام دموي.. والسلطات أمام خطر التشدد والإرهاب

رجال إطفاء باكستانيون يحاولون إخماد حريق نشب في إحدى السيارات بعد انفجار قنبلة داخل سوق باراشينار الذي تؤمه غالبية شيعية وخلف 23 قتيلا في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
رجال إطفاء باكستانيون يحاولون إخماد حريق نشب في إحدى السيارات بعد انفجار قنبلة داخل سوق باراشينار الذي تؤمه غالبية شيعية وخلف 23 قتيلا في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

في يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وقع رئيس أركان الجيش الباكستاني رحيل شريف أوامر بإعدام أربعة إرهابيين متهمين بالهجوم على مدرسة تابعة للجيش في مدينة بيشاور أسفر عن مقتل 125 طالبا و16 موظفا. وتأتي تلك الأوامر في خضم استعداد البلاد لإحياء الذكرى السنوية الأولى للهجوم الذي وقع يوم 16 ديسمبر (كانون الأول) 2014. ويعتبر إعدام الإرهابيين الأربعة في سجن مدني بمدينة كوهات هو أول عملية إعدام لمدنيين مدانين من قبل المحاكم العسكرية في باكستان. وتُبرِز تلك الإعدامات جهود الحكومة المبذولة للتعامل مع الإرهابيين بيد من حديد.
وتهدف خطط الحكومة الباكستانية – الموضوعة في أعقاب الهجوم المروع على مدرسة الجيش – إلى القضاء على خطر الإرهاب والتشدد، وتنطوي على بذل جهود على مسارين متوازيين.
يتضمن المسار الأول عمليات عسكرية مباشرة في منطقة وزيرستان الشمالية القبلية الواقعة على الحدود مع أفغانستان، التي تعتبر -على حد تعبير أحد كبار المسؤولين العسكريين- مصدر كل الهجمات الإرهابية داخل المدن الباكستانية خلال السنوات الأربع الماضية. ويتضمن المسار الثاني عمليات استخباراتية في المناطق الحضرية من البلاد، حيث تمتلك الجماعات المتشددة مئات الخلايا النائمة بداخلها.
وزعم كبار المسؤولين العسكريين في تصريحات علنية أن العمليات العسكرية المباشرة في وزيرستان الشمالية قتلت أكثر من ألفي إرهابي على مدى السنة الماضية.
وبالمثل، في ما يتعلق بالعمليات الاستخباراتية في المراكز الحضرية في باكستان، نجحت أجهزة المخابرات والشرطة في القبض على مئات الإرهابيين المشتبه بهم الذين كانوا يختبئون في أجزاء مختلفة من البلاد.
ووافقت الحكومة على خطة عمل وطنية مؤلفة من 20 نقطة «لاجتثاث الإرهاب» في يناير (كانون الثاني) 2015، وأصدرت قائمة بها 5400 إرهابي مشتبه به، من أجل «سرعة تنفيذ» الحملة ضد المتعاطفين والممولين والوسطاء للجماعات المحظورة في جميع أنحاء البلاد. كما كشف مسؤولو الحكومة عن اعتقال أكثر من 600 إرهابي منذ الموافقة على خطة العمل الوطنية. ومن بين هؤلاء المعتقلين ينتمي 320 منهم إلى حركة طالبان الباكستانية، بينما يرتبط 311 شخصا بمنظمة لشكر طيبة وحركة جيش محمد وتكتل حزب التحرير.
وعلى الرغم من كل تلك الجهود الحكومية المبذولة، لا يزال الإرهاب ينشط في المدن الباكستانية بلا هوادة. ويستهدف الإرهابيون على وجه الخصوص نوعين من الأهداف، الأول بشكل خاص المنشآت العسكرية ومكاتب ومقرات القوات الأمنية. والثاني، المفضل للإرهابيين، هو دور العبادة الخاصة بالأقليات الدينية.
وحدثت أبرز تلك الهجمات في سبتمبر (أيلول) من عام 2015 بالقرب من مدينة بيشاور، عندما هاجمت مجموعة من الإرهابيين قاعدة للقوات الجوية الباكستانية وقتلت 29 شخصا، من بينهم أشخاص كانوا يؤدون الصلاة داخل مسجد. ويعد ذلك الهجوم الذي استهدف قاعدة بادابير الجوية القائمة على 10 فدادين هو أكبر اعتداء على أفراد الجيش الباكستاني في عام 2015. وعندما هاجم المتشددون القاعدة ردت قوات الأمن عليهم وقتلت في نهاية المطاف 14 من المهاجمين. وعانى الجانب العسكري من عدة إصابات، بما فيها إصابة المتحدث العسكري الجنرال عاصم باجوا بطلقة نارية في الفخذ. وكان كل مهاجم يحمل كيلوغرامين من المتفجرات بدائية الصنع، بالإضافة إلى قنابل يدوية وبندقية كلاشنيكوف «إيه كيه – 47».
وخلال الشهرين الأولين من عام 2015، شن الإرهابيون سلسلة هجمات على دور العبادة الشيعية. وفي 18 فبراير (شباط) 2015، قُتِل أربعة من الشيعة على الأقل وأصيب ستة آخرون في هجوم انتحاري خلال صلاة العشاء بمسجد داخل قصر السكينة الحسيني الواقع في منطقة نيوشكريال بمدينة روالبندي.
وفي 13 فبراير 2015 قُتِل 22 شيعيا على الأقل وأصيب 50 آخرون إثر مهاجمة فرقة انتحارية مكونة من ثلاثة أعضاء على مجمع حسيني الواقع في منطقة حياة أباد بمدينة بيشاور. وفي حين يخضع المجمع الحسيني لحراسة مشددة، تمكن الإرهابيون – مرتدين زي شرطة – من الدخول من جانب آخر من المسجد، بقطع الأسلاك الشائكة. وجرى تنفيذ الهجوم عندما كان نحو 800 مصلي يؤدون صلاة الجمعة. ومن بين الانتحاريين الثلاثة الذين دخلوا المسجد لم يتمكن سوى واحد فقط من تفجير نفسه، حيث قتلت القوات الأمنية الثاني، واعتقلت الثالث وهو مصاب.
وفي 30 يناير 2015 قُتِل 61 شيعيا على الأقل وأصيب أكثر من 50 آخرين في هجوم بقنبلة على المجمع الحسيني كربلاء المعلى في منطقة لاخيدار بمقاطعة شيكاربور بإقليم السند. وفي 9 يناير، قُتِل 9 أشخاص وأصيب 25 آخرون إثر انفجار قنبلة داخل مجمع أبو محمد الرضوي بمحلية تشيتيان هاتيان في مدينة روالبندي بإقليم البنجاب. وحدث الانفجار أثناء دخول المصلين المجمع الحسيني.
وفي جميع الأحوال، يعد عام 2015 صعبا ودمويا للشعب الباكستاني. ويتمثل الفكر الأكثر إحباطا في أن الحكومة لم تنجح تماما في القضاء على خطر التشدد والإرهاب من المجتمع.
ويكمن جزء من المشكلة في حقيقة أن المتشددين الباكستانيين وقيادتهم لجأوا إلى المناطق الأفغانية المجاورة للأراضي القبلية الباكستانية بعد أن شن الجيش عملية عسكرية في وزيرستان الشمالية.
وقال مسؤول كبير في الحكومة: «انتقل المئات من الإرهابيين والمتشددين إلى أفغانستان المجاورة عقب مواجهتهم عملية عسكرية باكستانية قوية».
والآن، يشن هؤلاء الإرهابيون هجمات عرضية في الأراضي الباكستانية، ويختفون في البرية في جنوب أفغانستان. وذكر مسؤول حكومي: «لقد اشتكينا من هذه الحقيقة للحكومة الأفغانية، لكن ردها ليس مفيدا للغاية».
وعلى الجانب الآخر، يشكو قادة الحكومة الأفغانية أيضًا من تنفيذ المتشددين هجمات إرهابية في الأراضي الأفغانية، ويحتمون في المناطق القبلية الباكستانية.
ويرى الخبراء العسكريون الباكستانيون أن كلتا الحكومتين قد تقول الحقيقة، وينشأ هذا الوضع الخطير – الذي يشن المتشددون فيه هجمات على دولة ويختبئون في أخرى - من حقيقة عدم وجود تنسيق بين القوات الأمنية الباكستانية والأفغانية.
وفي الوقت ذاته، استمرت الهجمات الإرهابية على أفغانستان بلا هوادة طوال عام 2015 أيضا. وأصبحت العاصمة كابل الهدف المفضل للإرهابيين، حيث يركز الإرهابيون هجماتهم على قوات الأمن والشرطة والبعثات الأجنبية.
ووفقا لتقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة، أسفر الإرهاب والقتال الدائر بين حركة طالبان وقوات الأمن الأفغانية عن خسائر في صفوف المدنيين تقدر بخمسة آلاف خلال عام 2015، حيث بلغت مستويات قياسية. وبشكل عام، كشف التقرير عن 1592 حالة وفاة و3329 إصابة. وقال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن المسلحين هم المسؤولون عن 70 في المائة من الضحايا المدنيين، حيث تسببت التفجيرات الانتحارية في وقوع أكثر من نصف هذا العدد.
ويُقال إن حركة طالبان الأفغانية أعلنت عن تركيز هدفها على البعثات الأجنبية والحكومة «الدمية» للرئيس الأفغاني أشرف غني. ولم يمر شهر خلال عام 2015 إلا ونفذت فيه حركة طالبان هجوما انتحاريا داخل كابل.
وعلى مدى العام الماضي، كان القادة العسكريون ومسؤولو المخابرات في كلتا الدولتين مشغولين بوضع إطار للعمل المشترك ضد الإرهابيين والتنسيق بين قوات أمن الحدود بين البلدين. والوقت وحده هو من يستطيع التوضيح إذا ما كان بإمكانهم النجاح في ذلك.



باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
TT

باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

اتهمت حكومة «طالبان» في أفغانستان الجيش الباكستاني، الجمعة، باستهداف منازل المدنيين في غارات جوية ليلية على العاصمة كابل، وعلى ولاية قندهار الجنوبية، مشيرة إلى أن ستة مدنيين قُتلوا وأُصيب أكثر من 24 شخصاً بينهم نساء وأطفال، في الوقت الذي دخلت فيه المعارك بين البلدين الجارين أسبوعها الثالث رغم الدعوات الدولية لضبط النفس.

وأضاف المتحدث ذبيح الله مجاهد، بأن قوات إسلام آباد قصفت مستودع وقود تابعاً لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار الأفغاني، في تصعيد جديد لأعنف صراع تشهده الدولتان الجارتان في جنوب آسيا منذ سنوات، مؤكداً أن هذا العدوان «لن يمر دون رد».

مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)

وقال مجاهد، على منصة «إكس»، إن الطائرات الباكستانية قصفت مستودعات وقود تابعة لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار. وقال: «هذه الشركة تورد الوقود لشركات الطيران المدني وكذلك لطائرات الأمم المتحدة»، في تصعيد جديد لأعنف صراع بين الجارتين الواقعتين في جنوب آسيا منذ سنوات رغم جهود تهدئة التوتر.

وقال مصدر أمني باكستاني، الجمعة، إن الجيش نفّذ ضربات جوية في أفغانستان خلال الليل، بما فيها العاصمة كابل. وقال المصدر الذي تحدث شريطة عدم كشف هويته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الضربات كانت ضد «أهداف دقيقة تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»؛ إذ تتّهم إسلام آباد حكومة كابل بإيواء مسلحي حركة «طالبان باكستان» الذين تبنوا سلسلة من الهجمات الدامية في باكستان، وكذلك من ولاية خراسان التابعة لتنظيم «داعش - خراسان».

وقال التلفزيون الباكستاني الحكومي إن القوات المسلحة نفذت «غارات جوية ناجحة في عمق أفغانستان» في إطار العملية الجارية لاستهداف ما قالت إنها أربعة مخابئ محتملة للمسلحين وبنيتهم التحتية في أفغانستان.

قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان 28 فبراير 2026 (د.ب.أ)

واندلع القتال الشهر الماضي بشن غارات جوية باكستانية داخل أفغانستان، وقالت إسلام آباد إنها استهدفت معاقل مسلحين. وذكرت مصادر أمنية باكستانية أن أربعة «معسكرات إرهابية وبنى تحتية للدعم» تعرّضت إلى «الاستهداف والتدمير» في كابل وولايات حدودية، بالإضافة إلى منشأة لتخزين النفط في مطار قندهار. ووصفت أفغانستان الغارات بأنها انتهاك للسيادة وردت بهجمات انتقامية.

وكتب الناطق باسم شرطة العاصمة الأفغانية خالد زدران على «إكس»: «في منطقة غوزار (...) في كابل، استُهدفت منازل مدنيين في قصف شنه النظام الباكستاني أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 15 آخرين»، موضحاً أن نساءً وأطفالاً كانوا بين الضحايا.

أفغان يهتفون بشعارات مناهضة لباكستان خلال احتجاج على الغارات الجوية الباكستانية في أعقاب الاشتباكات عبر الحدود بين البلدين 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ورأى فريق لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في منطقة غوزار في كابل منزلاً مدمّراً ونحو عشرة منازل أخرى تعرّضت لأضرار بالغة انهارت أسقفها وجدرانها. وانتشرت الشرطة بشكل كبير في المنطقة في حين نزل السكان الذين بدت الصدمة واضحة عليهم إلى الشوارع، بينهم أشخاص كانت وجوههم مضمّدة. وقال مسؤول محلي هو عبد الرحيم تراكيل إن «رجلين وامرأتين استشهدوا». وأضاف: «لا توجد أي مواقع عسكرية هنا... هناك أشخاص عاديون فقط، أناس فقراء. لا علاقة لهم إطلاقا بالسياسة». وقال عامل يدعى عبد الواحد (29 عاماً) إنه وأربعة من أفراد عائلته أُصيبوا بجروح عندما استُهدف منزلهم بعيد منتصف الليل. وأفاد: «فجأة، سمعنا صوتاً من منزل آخر. لا أعرف ماذا حصل بعد ذلك. سقطت الحجارة عليّ. كان هناك نساء وأطفال تحت الأنقاض أيضاً».

وقبل الهجوم الأحدث، لم يبلغ أي من الطرفين عن أي غارات جوية باكستانية على أفغانستان في الأيام القليلة الماضية، كما تراجعت حدة القتال البري على الحدود الممتدة لنحو 2600 كيلومتر. وقالت «رويترز» الخميس، إن جهود الوساطة الصينية، التي تدعو إلى وقف العنف، أسهمت في تخفيف حدة القتال بين البلدين. وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي أن إسلام آباد وبكين منخرطتان في «حوار» بشأن أفغانستان.

وتأتي التطورات وسط تصاعد مثير للتوترات بين البلدين، أشارت إليها باكستان بأنها «حرب مفتوحة». وأفادت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان بأن 56 مدنياً قُتلوا في أفغانستان، بينهم 24 طفلاً جراء العمليات العسكرية الباكستانية بين 26 فبراير (شباط) و5 مارس (آذار). وأُجبر نحو 115 ألف شخص على الفرار من منازلهم، حسبما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
TT

باكستان تشن غارات على أفغانستان ضد «أهداف تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)
أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان في ولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

اتهمت حكومة «طالبان» في أفغانستان الجيش الباكستاني، الجمعة، باستهداف منازل المدنيين في غارات جوية ليلية على العاصمة كابل، وعلى ولاية قندهار الجنوبية، مشيرة إلى أن ستة مدنيين قُتلوا وأُصيب أكثر من 24 شخصاً بينهم نساء وأطفال، في الوقت الذي دخلت فيه المعارك بين البلدين الجارين أسبوعها الثالث رغم الدعوات الدولية لضبط النفس.

وأضاف المتحدث ذبيح الله مجاهد، بأن قوات إسلام آباد قصفت مستودع وقود تابعاً لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار الأفغاني، في تصعيد جديد لأعنف صراع تشهده الدولتان الجارتان في جنوب آسيا منذ سنوات، مؤكداً أن هذا العدوان «لن يمر دون رد».

مواطنون أفغان بالقرب من جسر الحرير بعد عودتهم من إيران عند معبر حدودي (أ.ف.ب)

وقال مجاهد، على منصة «إكس»، إن الطائرات الباكستانية قصفت مستودعات وقود تابعة لشركة الطيران الخاصة «كام إير» قرب مطار قندهار. وقال: «هذه الشركة تورد الوقود لشركات الطيران المدني وكذلك لطائرات الأمم المتحدة»، في تصعيد جديد لأعنف صراع بين الجارتين الواقعتين في جنوب آسيا منذ سنوات رغم جهود تهدئة التوتر.

وقال مصدر أمني باكستاني، الجمعة، إن الجيش نفّذ ضربات جوية في أفغانستان خلال الليل، بما فيها العاصمة كابل. وقال المصدر الذي تحدث شريطة عدم كشف هويته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الضربات كانت ضد «أهداف دقيقة تتعلق بحركة طالبان الباكستانية»؛ إذ تتّهم إسلام آباد حكومة كابل بإيواء مسلحي حركة «طالبان باكستان» الذين تبنوا سلسلة من الهجمات الدامية في باكستان، وكذلك من ولاية خراسان التابعة لتنظيم «داعش - خراسان».

وقال التلفزيون الباكستاني الحكومي إن القوات المسلحة نفذت «غارات جوية ناجحة في عمق أفغانستان» في إطار العملية الجارية لاستهداف ما قالت إنها أربعة مخابئ محتملة للمسلحين وبنيتهم التحتية في أفغانستان.

قوة من حركة «طالبان» عند نقطة تفتيش قرب معبر تورخم الحدودي بين باكستان وأفغانستان 28 فبراير 2026 (د.ب.أ)

واندلع القتال الشهر الماضي بشن غارات جوية باكستانية داخل أفغانستان، وقالت إسلام آباد إنها استهدفت معاقل مسلحين. وذكرت مصادر أمنية باكستانية أن أربعة «معسكرات إرهابية وبنى تحتية للدعم» تعرّضت إلى «الاستهداف والتدمير» في كابل وولايات حدودية، بالإضافة إلى منشأة لتخزين النفط في مطار قندهار. ووصفت أفغانستان الغارات بأنها انتهاك للسيادة وردت بهجمات انتقامية.

وكتب الناطق باسم شرطة العاصمة الأفغانية خالد زدران على «إكس»: «في منطقة غوزار (...) في كابل، استُهدفت منازل مدنيين في قصف شنه النظام الباكستاني أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 15 آخرين»، موضحاً أن نساءً وأطفالاً كانوا بين الضحايا.

أفغان يهتفون بشعارات مناهضة لباكستان خلال احتجاج على الغارات الجوية الباكستانية في أعقاب الاشتباكات عبر الحدود بين البلدين 6 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ورأى فريق لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في منطقة غوزار في كابل منزلاً مدمّراً ونحو عشرة منازل أخرى تعرّضت لأضرار بالغة انهارت أسقفها وجدرانها. وانتشرت الشرطة بشكل كبير في المنطقة في حين نزل السكان الذين بدت الصدمة واضحة عليهم إلى الشوارع، بينهم أشخاص كانت وجوههم مضمّدة. وقال مسؤول محلي هو عبد الرحيم تراكيل إن «رجلين وامرأتين استشهدوا». وأضاف: «لا توجد أي مواقع عسكرية هنا... هناك أشخاص عاديون فقط، أناس فقراء. لا علاقة لهم إطلاقا بالسياسة». وقال عامل يدعى عبد الواحد (29 عاماً) إنه وأربعة من أفراد عائلته أُصيبوا بجروح عندما استُهدف منزلهم بعيد منتصف الليل. وأفاد: «فجأة، سمعنا صوتاً من منزل آخر. لا أعرف ماذا حصل بعد ذلك. سقطت الحجارة عليّ. كان هناك نساء وأطفال تحت الأنقاض أيضاً».

وقبل الهجوم الأحدث، لم يبلغ أي من الطرفين عن أي غارات جوية باكستانية على أفغانستان في الأيام القليلة الماضية، كما تراجعت حدة القتال البري على الحدود الممتدة لنحو 2600 كيلومتر. وقالت «رويترز» الخميس، إن جهود الوساطة الصينية، التي تدعو إلى وقف العنف، أسهمت في تخفيف حدة القتال بين البلدين. وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي أن إسلام آباد وبكين منخرطتان في «حوار» بشأن أفغانستان.

وتأتي التطورات وسط تصاعد مثير للتوترات بين البلدين، أشارت إليها باكستان بأنها «حرب مفتوحة». وأفادت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان بأن 56 مدنياً قُتلوا في أفغانستان، بينهم 24 طفلاً جراء العمليات العسكرية الباكستانية بين 26 فبراير (شباط) و5 مارس (آذار). وأُجبر نحو 115 ألف شخص على الفرار من منازلهم، حسبما أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.


كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
TT

كيف تختبر حرب إيران قدرة الصين على مواجهة صدمات إمدادات الموارد؟

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

ترتبط الصين بعلاقات اقتصادية قوية بإيران، ومع دخول الحرب على إيران أسبوعها الثاني، ثارت تساؤلات بشأن انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الصيني.

وقالت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية إنه بعد إنفاق مليارات الدولارات من قبل الدولة، راكمت الصين ما يعتقد الخبراء أنه من أكبر مخزونات النفط والسلع الحيوية الأخرى في العالم، والآن، يُمثل الصراع في الشرق الأوسط، الذي يعوق أحد أهم طرقها التجارية، أكبر اختبار حتى الآن لمدى استعداد بكين لمواجهة صدمات إمدادات الموارد.

ويمرّ نحو ثلث واردات الصين من النفط و25 في المائة من وارداتها من الغاز عبر مضيق هرمز، حيث توقفت حركة الملاحة فيه بشكل شبه كامل منذ أن أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران المنطقة في أزمة.

وطرحت أسئلة حول ما إذا كانت بكين ستلجأ إلى استخدام الاحتياطات للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار السلع، مثل الارتفاع الحاد في أسعار النفط.

ولفتت الصحيفة إلى تصريح سابق للرئيس الصيني شي جينبينغ عندما فاز بولاية ثالثة مدتها خمس سنوات كزعيم للصين في أواخر عام 2022، بدأ بتحذير كبار المسؤولين من الاستعداد لـ«الظروف الصعبة» و«أسوأ السيناريوهات» التي تنتظر الدولة التي يبلغ تعداد سكانها 1.4 مليار نسمة.

وقالت إيفن باي، مديرة مجموعة «تريفيوم تشاينا» للاستشارات الاستراتيجية، مشيرةً إلى المخاطر الواضحة التي لم يتم الاستعداد لها بالشكل الكافي: «إن قيادة الحزب مهووسة بأزمات وحيد القرن الرمادي، تماماً كما هو الحال الآن»، وذلك في إشارة إلى مصطلح اقتصادي يشير إلى تهديد مالي محتمل بدرجة عالية له تأثير كبير ويتم في الغالب تجاهله.

خريطة توضح مضيق هرمز وإيران تظهر خلف خط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

وأضافت: «الأمن الغذائي والطاقي ليس مجرد موضوع روتيني للنقاش بين القادة، فالحكومة الصينية تُنفق مبالغ طائلة من الموارد المالية على الاستعداد للأزمات والأمن الاقتصادي».

وتُبقي الصين حجم مخزوناتها من الموارد سراً شديد السرية، ويستخلص الخبراء تقديرات متباينة على نطاق واسع من تحليلاتهم لوثائق الميزانية وبيانات التجارة وصور الأقمار الاصطناعية، لكن معظمهم يُرجّح أن احتياطيات الصين من النفط - بما في ذلك الاحتياطي الاستراتيجي الرسمي وبعض المخزونات التجارية - قد زادت بشكل حاد خلال العام الماضي لتتراوح بين 1.1 مليار و1.4 مليار برميل.

وتشير تقديرات «بيرنشتاين للأبحاث» إلى أن حوالي 1.4 مليار برميل تكفي لتغطية واردات النفط لمدة 112 يوماً.

ويقول بعض المحللين إن الاحتياطات أكبر من ذلك، إذ تُقدّرها مؤسسة «جافيكال للأبحاث» في بكين بأكثر من ملياري برميل.

وأظهرت بيانات الجمارك هذا الأسبوع ارتفاعاً بنسبة 16في المائة في واردات النفط الخام خلال أول شهرين من هذا العام، وهي زيادة لم تُقابلها زيادة مماثلة في الطلب المحلي.

وتعكس هذه الزيادات الأولويات التي حددها شي جينبينغ، الذي طالب في عام 2023 المسؤولين بتسريع بناء الاحتياطات، قائلاً إنه يجب جعلها «أكثر قدرة على حماية الأمن القومي».

وقال أندريا غيسيللي، الخبير في سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط بجامعة إكستر البريطانية: «يمكن القول إنهم ربما لم يتوقعوا تاريخ الهجوم على إيران، لكنهم توقعوا وقوع شيء ما».

وذكر داي جياكوان، كبير الاقتصاديين في معهد البحوث الاقتصادية والتكنولوجية التابع لمجموعة النفط الحكومية الصينية، لصحيفة «فايننشال تايمز» بأنه يتوقع أن تستخدم الحكومة الاحتياطات الاستراتيجية فقط لمعالجة اضطرابات الإمداد.

وأضاف داي: «حسب فهمي الشخصي، لا يرتبط الأمر بأسعار النفط»، مؤكداً أن احتياطات الصين «بالتأكيد» تتجاوز متطلبات وكالة الطاقة الدولية لتغطية واردات تكفي لمدة 90 يوماً.

وأشار خبراء صينيون إلى أن بلادهم اكتسبت مرونة ملحوظة مقارنةً بالعديد من الدول المتقدمة الكبرى.