في يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وقع رئيس أركان الجيش الباكستاني رحيل شريف أوامر بإعدام أربعة إرهابيين متهمين بالهجوم على مدرسة تابعة للجيش في مدينة بيشاور أسفر عن مقتل 125 طالبا و16 موظفا. وتأتي تلك الأوامر في خضم استعداد البلاد لإحياء الذكرى السنوية الأولى للهجوم الذي وقع يوم 16 ديسمبر (كانون الأول) 2014. ويعتبر إعدام الإرهابيين الأربعة في سجن مدني بمدينة كوهات هو أول عملية إعدام لمدنيين مدانين من قبل المحاكم العسكرية في باكستان. وتُبرِز تلك الإعدامات جهود الحكومة المبذولة للتعامل مع الإرهابيين بيد من حديد.
وتهدف خطط الحكومة الباكستانية – الموضوعة في أعقاب الهجوم المروع على مدرسة الجيش – إلى القضاء على خطر الإرهاب والتشدد، وتنطوي على بذل جهود على مسارين متوازيين.
يتضمن المسار الأول عمليات عسكرية مباشرة في منطقة وزيرستان الشمالية القبلية الواقعة على الحدود مع أفغانستان، التي تعتبر -على حد تعبير أحد كبار المسؤولين العسكريين- مصدر كل الهجمات الإرهابية داخل المدن الباكستانية خلال السنوات الأربع الماضية. ويتضمن المسار الثاني عمليات استخباراتية في المناطق الحضرية من البلاد، حيث تمتلك الجماعات المتشددة مئات الخلايا النائمة بداخلها.
وزعم كبار المسؤولين العسكريين في تصريحات علنية أن العمليات العسكرية المباشرة في وزيرستان الشمالية قتلت أكثر من ألفي إرهابي على مدى السنة الماضية.
وبالمثل، في ما يتعلق بالعمليات الاستخباراتية في المراكز الحضرية في باكستان، نجحت أجهزة المخابرات والشرطة في القبض على مئات الإرهابيين المشتبه بهم الذين كانوا يختبئون في أجزاء مختلفة من البلاد.
ووافقت الحكومة على خطة عمل وطنية مؤلفة من 20 نقطة «لاجتثاث الإرهاب» في يناير (كانون الثاني) 2015، وأصدرت قائمة بها 5400 إرهابي مشتبه به، من أجل «سرعة تنفيذ» الحملة ضد المتعاطفين والممولين والوسطاء للجماعات المحظورة في جميع أنحاء البلاد. كما كشف مسؤولو الحكومة عن اعتقال أكثر من 600 إرهابي منذ الموافقة على خطة العمل الوطنية. ومن بين هؤلاء المعتقلين ينتمي 320 منهم إلى حركة طالبان الباكستانية، بينما يرتبط 311 شخصا بمنظمة لشكر طيبة وحركة جيش محمد وتكتل حزب التحرير.
وعلى الرغم من كل تلك الجهود الحكومية المبذولة، لا يزال الإرهاب ينشط في المدن الباكستانية بلا هوادة. ويستهدف الإرهابيون على وجه الخصوص نوعين من الأهداف، الأول بشكل خاص المنشآت العسكرية ومكاتب ومقرات القوات الأمنية. والثاني، المفضل للإرهابيين، هو دور العبادة الخاصة بالأقليات الدينية.
وحدثت أبرز تلك الهجمات في سبتمبر (أيلول) من عام 2015 بالقرب من مدينة بيشاور، عندما هاجمت مجموعة من الإرهابيين قاعدة للقوات الجوية الباكستانية وقتلت 29 شخصا، من بينهم أشخاص كانوا يؤدون الصلاة داخل مسجد. ويعد ذلك الهجوم الذي استهدف قاعدة بادابير الجوية القائمة على 10 فدادين هو أكبر اعتداء على أفراد الجيش الباكستاني في عام 2015. وعندما هاجم المتشددون القاعدة ردت قوات الأمن عليهم وقتلت في نهاية المطاف 14 من المهاجمين. وعانى الجانب العسكري من عدة إصابات، بما فيها إصابة المتحدث العسكري الجنرال عاصم باجوا بطلقة نارية في الفخذ. وكان كل مهاجم يحمل كيلوغرامين من المتفجرات بدائية الصنع، بالإضافة إلى قنابل يدوية وبندقية كلاشنيكوف «إيه كيه – 47».
وخلال الشهرين الأولين من عام 2015، شن الإرهابيون سلسلة هجمات على دور العبادة الشيعية. وفي 18 فبراير (شباط) 2015، قُتِل أربعة من الشيعة على الأقل وأصيب ستة آخرون في هجوم انتحاري خلال صلاة العشاء بمسجد داخل قصر السكينة الحسيني الواقع في منطقة نيوشكريال بمدينة روالبندي.
وفي 13 فبراير 2015 قُتِل 22 شيعيا على الأقل وأصيب 50 آخرون إثر مهاجمة فرقة انتحارية مكونة من ثلاثة أعضاء على مجمع حسيني الواقع في منطقة حياة أباد بمدينة بيشاور. وفي حين يخضع المجمع الحسيني لحراسة مشددة، تمكن الإرهابيون – مرتدين زي شرطة – من الدخول من جانب آخر من المسجد، بقطع الأسلاك الشائكة. وجرى تنفيذ الهجوم عندما كان نحو 800 مصلي يؤدون صلاة الجمعة. ومن بين الانتحاريين الثلاثة الذين دخلوا المسجد لم يتمكن سوى واحد فقط من تفجير نفسه، حيث قتلت القوات الأمنية الثاني، واعتقلت الثالث وهو مصاب.
وفي 30 يناير 2015 قُتِل 61 شيعيا على الأقل وأصيب أكثر من 50 آخرين في هجوم بقنبلة على المجمع الحسيني كربلاء المعلى في منطقة لاخيدار بمقاطعة شيكاربور بإقليم السند. وفي 9 يناير، قُتِل 9 أشخاص وأصيب 25 آخرون إثر انفجار قنبلة داخل مجمع أبو محمد الرضوي بمحلية تشيتيان هاتيان في مدينة روالبندي بإقليم البنجاب. وحدث الانفجار أثناء دخول المصلين المجمع الحسيني.
وفي جميع الأحوال، يعد عام 2015 صعبا ودمويا للشعب الباكستاني. ويتمثل الفكر الأكثر إحباطا في أن الحكومة لم تنجح تماما في القضاء على خطر التشدد والإرهاب من المجتمع.
ويكمن جزء من المشكلة في حقيقة أن المتشددين الباكستانيين وقيادتهم لجأوا إلى المناطق الأفغانية المجاورة للأراضي القبلية الباكستانية بعد أن شن الجيش عملية عسكرية في وزيرستان الشمالية.
وقال مسؤول كبير في الحكومة: «انتقل المئات من الإرهابيين والمتشددين إلى أفغانستان المجاورة عقب مواجهتهم عملية عسكرية باكستانية قوية».
والآن، يشن هؤلاء الإرهابيون هجمات عرضية في الأراضي الباكستانية، ويختفون في البرية في جنوب أفغانستان. وذكر مسؤول حكومي: «لقد اشتكينا من هذه الحقيقة للحكومة الأفغانية، لكن ردها ليس مفيدا للغاية».
وعلى الجانب الآخر، يشكو قادة الحكومة الأفغانية أيضًا من تنفيذ المتشددين هجمات إرهابية في الأراضي الأفغانية، ويحتمون في المناطق القبلية الباكستانية.
ويرى الخبراء العسكريون الباكستانيون أن كلتا الحكومتين قد تقول الحقيقة، وينشأ هذا الوضع الخطير – الذي يشن المتشددون فيه هجمات على دولة ويختبئون في أخرى - من حقيقة عدم وجود تنسيق بين القوات الأمنية الباكستانية والأفغانية.
وفي الوقت ذاته، استمرت الهجمات الإرهابية على أفغانستان بلا هوادة طوال عام 2015 أيضا. وأصبحت العاصمة كابل الهدف المفضل للإرهابيين، حيث يركز الإرهابيون هجماتهم على قوات الأمن والشرطة والبعثات الأجنبية.
ووفقا لتقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة، أسفر الإرهاب والقتال الدائر بين حركة طالبان وقوات الأمن الأفغانية عن خسائر في صفوف المدنيين تقدر بخمسة آلاف خلال عام 2015، حيث بلغت مستويات قياسية. وبشكل عام، كشف التقرير عن 1592 حالة وفاة و3329 إصابة. وقال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن المسلحين هم المسؤولون عن 70 في المائة من الضحايا المدنيين، حيث تسببت التفجيرات الانتحارية في وقوع أكثر من نصف هذا العدد.
ويُقال إن حركة طالبان الأفغانية أعلنت عن تركيز هدفها على البعثات الأجنبية والحكومة «الدمية» للرئيس الأفغاني أشرف غني. ولم يمر شهر خلال عام 2015 إلا ونفذت فيه حركة طالبان هجوما انتحاريا داخل كابل.
وعلى مدى العام الماضي، كان القادة العسكريون ومسؤولو المخابرات في كلتا الدولتين مشغولين بوضع إطار للعمل المشترك ضد الإرهابيين والتنسيق بين قوات أمن الحدود بين البلدين. والوقت وحده هو من يستطيع التوضيح إذا ما كان بإمكانهم النجاح في ذلك.
باكستان عام دموي.. والسلطات أمام خطر التشدد والإرهاب
شهد إعدامات لمنفذي الهجوم على مدرسة بيشاور.. وعمليات عسكرية في وزيرستان
رجال إطفاء باكستانيون يحاولون إخماد حريق نشب في إحدى السيارات بعد انفجار قنبلة داخل سوق باراشينار الذي تؤمه غالبية شيعية وخلف 23 قتيلا في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
باكستان عام دموي.. والسلطات أمام خطر التشدد والإرهاب
رجال إطفاء باكستانيون يحاولون إخماد حريق نشب في إحدى السيارات بعد انفجار قنبلة داخل سوق باراشينار الذي تؤمه غالبية شيعية وخلف 23 قتيلا في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




