استحوذت أزمة اللاجئين وتكلفة الحرب على الإرهاب على النصيب الأكبر من موازنات الدول في عام 2015، الأمر الذي أثر بالعجز تارة والاستدانة تارة أخرى لتغطية هذا البند المستجد في اقتصادات الدول. ومثلت سوريا، التي تعاني منذ خمس سنوات من عدم استقرار، المنبع الرئيسي لتلك الأزمات التي تعتبر أكثر من نصف المشاكل الاقتصادية حول العالم.
ومن كلفة دعم اللاجئين التي تحملتها كثير من الدول، إلى كلفة العمليات العسكرية، وتخصيص ملايين الدولارات لمواجهة عمليات الإرهاب التي يقوم بها تنظيم داعش وحلفاؤه، مرورا بتهريب النفط الذي يربك موازنات العديد من الدول، إضافة إلى المشكلات الناشبة بين أطراف دولية على هامش الأزمة مثلما حدث بين روسيا وتركيا مؤخرًا؛ تعددت الضغوط الاقتصادية على كاهل العالم بأكمله خلال عام 2015.
وناقش زعماء العالم، وما زالوا، كيفية التغلب على الأزمات والمشاكل التي تصدرها سوريا، إلا أنهم لم يتفقوا على حل جذري حتى الآن. وعلى قدر سهولة الأزمة، على قدر صعوبتها، نظرًا لتداخل أطراف دولية. ورغم نفي وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية جون كيري أن الأمر يقع في إطار «الحرب بالوكالة»، فإن كلفة الحرب ترتفع وتزداد تعقيدًا بزيادة اللاجئين.
وفي ما يبدو أنه نتيجة حتمية للتوتر الدولي بسبب سوريا، تسببت واقعة إسقاط تركيا لمقاتلة روسية في تصعيد هو الأخطر من نوعه بين حليفين اقتصاديين تقليديين. وبحسب تصريح لمحمد شيمشك، نائب رئيس الوزراء التركي، فإن خسائر تركيا بسبب التوتر مع روسيا ستبلغ 9 مليارات دولار.. فيما قدرت الخسائر المشتركة بأضعاف ذلك المبلغ.
وقبل أسابيع من نهاية العام، أعلنت أوروبا عن دعمها أنقرة بمبلغ يقدر بنحو 3 مليارات يورو، في محاولة لإبقاء اللاجئين في الأراضي التركية، بعد تدفق آلاف منهم إلى أوروبا خلال عام 2015، مما تسبب في ارتباك اقتصادي وأمني في كثير من دول أوروبا.
وأنشأ الاتحاد الأوروبي صندوقًا لنقل المساعدات إلى اللاجئين السوريين في تركيا، وقال نائب رئيس المفوضية الأوروبية فرانس تيمرمانز: «هذا المال يهدف إلى تقديم الدعم لمواصلة تحسين الحياة اليومية والظروف الاجتماعية والاقتصادية للسوريين الذين يلجأون إلى تركيا».
وتداخلت الخيوط في كثير من العواصم الأوروبية بين الامتناع عن استقبال اللاجئين تخوفا من ضغوط على الموازنة خاصة في دول محدودة الموارد مثل المجر والتشيك، إلى دول حاولت التنصل في البداية مثل النمسا، وصولا إلى دول استقبلتهم على غرار ألمانيا.. لكن كل تلك الدول واجهت أزمات داخلية سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي.
ولم يقتصر الأمر عند وجود «آلاف من اللاجئين في الشوارع من دون مأوى»، والذي صار مشهدا معتادًا في أوروبا عام 2015، في ما أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب العالمية الثانية.. لكن امتداد عمليات الإرهاب التي تبناها تنظيم داعش إلى شتى بقاع الأرض كان من التبعات الاقتصادية القاصمة، حيث سقط في شوارع باريس أبرياء تعدوا 130 شخصًا، وفي صحراء سيناء المصرية تعدوا 240 شخصًا، ونحو 60 قتيلا في تونس؛ وزاد المشهد انتشارًا بعملياته في تركيا وأميركا ولبنان والكويت ولندن والسعودية والعراق.
وعلى أثر تصاعد النذر بمواجهة مزيد من العمليات، خصصت كثير من دول العالم موازنات إضافية لتحقيق الأمن، وكان من أبرز مشاهدها عشرات الآلاف من رجال الأمن في شوارع باريس خلال انعقاد قمة المناخ الأخيرة.
وكانت الكلفة الأمنية (عدد أفراد الأمن ومستلزماتهم وأسلحتهم) حول العالم قد انخفضت بعد الأزمة المالية العالمية، ليستغلها «داعش» ورفاقه في بسط لونهم المفضل الأحمر (لون الدم) في ميادين الدول، وهو ما أعاد النظر مرة أخرى من الحكومات الأوروبية في موازنات البوليس المحلي. ونتج عن ذلك إنشاء صندوق بين ألمانيا وفرنسا بـ10 مليارات يورو لمواجهة هذا الخطر.
ويتصل طرف الأزمة في سوريا بنهايته ليشكل دائرة، توقع كثيرون اللف داخلها وحولها لسنوات، فالتقاتل الداخلي في المحافظات السورية ولّد أزمة اقتصادية، تسببت في تهجير الآلاف، استوعبتهم الدول المجاورة والأوروبية في البداية، لكن سرعان ما أدارت ظهرها لهم، بعد تفاقم أزمتهم الاقتصادية؛ حيث تواجه قارة أوروبا أكبر تدفق للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، حيث وصلها قرابة 900 ألف مهاجر وطالب لجوء هذا العام، إذ إن بنود موازنات الدول لا تحتوي على بند «تغطية الأزمة السورية»، أو بالأحرى فشل العالم في إيجاد حل سريع؛ قد يعفي العالم من تكاليف باهظة كان الأولى توجيهها نحو تقليل معدلات الفقر ومواجهة خطر التغير المناخي، إلا أن العالم كان له رأي آخر، بعد انتشار ظاهرة «داعش».
يحاول العالم حل جزء منبثق من الأزمة السورية، وليس جذورها، وتم تخصيص ملايين الدولارات لمواجهة «داعش» ورفاقه.
وترفض روسيا الإفصاح عن تكلفة الضربات التي تقوم بها في سوريا، حيث أكد رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف أن «هذا سر»، موضحا مطلع الشهر الماضي أن نفقات استخدام القوات المسلحة الروسية لا تتخطى نفقات موازنة وزارة الدفاع، والتي لم تطلب زيادة في الإنفاق.
لكن وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن قال إن تكلفة توسعة الضربات الجوية ضد «داعش» لتشمل سوريا ستكون «بضع عشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية.. والأموال ستأتي من الاحتياطي الخاص الذي خصصناه لمثل هذه العمليات العسكرية»، موضحا أن التكلفة الحالية للضربات الجوية ضد التنظيم في العراق ودعما للمعارضة السورية المعتدلة أعلى بقليل من 200 مليون جنيه إسترليني (301 مليون دولار) سنويا.
لكن الرقم الأكثر بروزا كان على لسان وزير الدفاع الأميركي السابق تشاك هيغل، الذي أكد العام الماضي أن تكلفة الضربات الجوية على معاقل «داعش» تكلف الولايات المتحدة «ما بين سبعة وعشرة ملايين دولار يوميا»، متوقعا آنذاك أن ترتفع الكلفة بالنسبة إلى واشنطن إلى أكثر من مليار دولار شهريا.
على الجانب الآخر من المعركة، فإن التنظيم الإرهابي، الذي يحتاج إلى تمويل مستمر يقدر بملايين الدولارات من أجل التسليح والتدريب والإعاشة، استغل ثغرات في النظام المالي العالمي وقام باختراقها، وهو الأمر الذي تنبهت له مؤخرًا مجموعات عمل في مجال مكافحة الفساد بالمملكة المتحدة، وقالت إن نظام بريطانيا «غير الملائم» لمكافحة غسل الأموال ترك البلاد عرضة لتدفق تمويلات الفساد والإرهاب، وإن هذا النظام بحاجة لتعديل جذري.
وقال تقرير لفرع منظمة الشفافية الدولية في المملكة المتحدة، إنه في كل عام تتدفق مليارات من الجنيهات الإسترلينية من الأموال القذرة عبر بريطانيا، لكن نظام تحديد هذه الأموال مفكك ولا يعول عليه، مما يجعله غير فعال. ووفقًا لنيك ماكسويل، مدير قسم الدعم والأبحاث في فرع المنظمة بالمملكة المتحدة، فإن «نظام الإشراف البريطاني الذي ينبغي أن يحمي البلاد من تمويل المجرمين والإرهابيين لا يصلح لهذا الغرض. لذلك فإننا يجب أن نتوقع بل ننتظر المزيد من العمليات الإرهابية والانتشار (الداعشي) حول العالم خلال العام المقبل». ويبدو أن الثغرة التي يخترق بها التمويل الإرهابي الاقتصاد العالمي هي التقاؤه مع الفساد، لتقنين عملية إخفاء أصول الأموال التي تأتي من الجريمة والفساد داخل أنشطة اقتصادية مشروعة في ما يسمى بـ«غسل الأموال».
وفي الإطار نفسه، ناقش مجلس الأمن الدولي في اجتماع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، سبل تجفيف مصادر التمويل للتنظيم المتطرف، بدعوة الولايات المتحدة التي تتولى الرئاسة الدورية للمجلس. وقال وزير الخزانة الأميركي جاكوب لو إن «تشكيل جبهة دولية موحدة أمر جوهري لبلوغ الهدف» القاضي بعزل تنظيم داعش عن النظام المالي الدولي «وإعاقة تمويله».
مقابل الضائقة المالية للقارة الأوروبية يحقق تنظيم داعش دخلا يصل إلى 80 مليون دولار شهريًا خاصة من الضرائب ومصادرة الممتلكات، إذ يفرض التنظيم ضريبة 20 في المائة على جميع الخدمات، فضلا عن نحو 50 مليون دولار شهريًا من بيع النفط المهرب، وفقًا لدراسة حديثة أجراها معهد «آي إتش إس» لمراقبة النزاعات. وأوضح المعهد أن نحو 43 في المائة من الموارد تأتي من بيع النفط، والباقي من تهريب المخدرات ومن بيع الكهرباء والتبرعات.
وتخشى قارة أفريقيا من عودة ما بين ثلاثة آلاف وستة آلاف شاب ذهبوا للقتال في صفوف الجماعات الإرهابية بالشرق الأوسط، بحسب إسماعيل شرقي مفوض السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي، الذي قال للإذاعة الجزائرية إن «احتمال عودة ما بين ثلاثة آلاف وستة آلاف شاب أفريقي ذهبوا للقتال مع الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط يشكل اليوم تهديدا حقيقيا للدول الأفريقية»، لافتًا إلى أن كل بلدان المنطقة ليست بمنأى عن العمليات الإرهابية.
وتمثل العمليات الإرهابية إرهاقًا لموازنات الدول، التي تتآكل رويدًا رويدًا، ليزداد معدل الفقر حول العالم، وتتراجع معدلات التنمية، إذ تستنزف الكثير من تلك الدول جانبا كبيرا من موازناتها في الاهتمام بتطوير أسلحتها لمحاربة هذا الإرهاب الناتج عن الأزمة السورية.
سوريا.. صدّرت نصف أزمات العالم الاقتصادية في 2015
الموازنات الدولية تعاني من اللاجئين وكلفة الأمن الداخلي والعمليات العسكرية
طفل سوري يعاين آثار حريق خلفته إحدى القنابل في إدلب (رويترز)
سوريا.. صدّرت نصف أزمات العالم الاقتصادية في 2015
طفل سوري يعاين آثار حريق خلفته إحدى القنابل في إدلب (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




