عام 2015.. سينما زاخرة بالإنتاجات في عالم تتسيده هوليوود

أفلام تستهدف الجمهور المفعم بحب المغامرة والعواطف ونظام الأبعاد الثلاثة

ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر}  لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية
ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر} لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية
TT

عام 2015.. سينما زاخرة بالإنتاجات في عالم تتسيده هوليوود

ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر}  لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية
ديبان الفائز بجائزة كان - {بحر من الشجر} لغس فان سانت - الفيلم اللبناني {روحي} من أفضل أفلام السنة العربية

أندي واير لم يكن شخصًا معروفًا وكل علاقته بالسينما كانت من خلال ذهابه مرتين في الشهر إلى الصالات لاختيار فيلم يشاهده. ذات مرّة جلس وكتب رواية حول ملاح فضائي تائه فوق المريخ. لقد حطّ هناك مع ملاحين آخرين لكنهم اعتقدوه مات عندما كان عليهم مغادرة المريخ قبل أن يعصف بسفينتهم. نشر الرواية على الإنترنت في أواخر عام 2013. كونه روائيًا غير معروف دفعه لاختيار النشر على الإنترنت عوض النشر الكتبي أو الورقي. لم يكن يعلم حين فعل ذلك أن هوليوود ستشتري حقوق الفيلم في التاسع من أبريل (نيسان) لتحويله إلى فيلم بعنوان «المريخي» وأن تصويره سيبدأ بعد ذلك بستة أشهر فقط.
الرواية تحوّلت إلى عمل سينمائي ناجح انطلق للعروض قبل أشهر قليلة وحقق نجاحًا مزدوجًا بين النقاد والجمهور العريض معًا. بات لأندي واير اسم لامع وخلفية في السينما يسهّل عليه مستقبلاً، عندما يضع رواية أخرى، بيعها لدور النشر أو لشركات الإنتاج.
هذا هو الحلم الأميركي في نموذجه المعبّر. تحقيق الذات على نحو كبير شاسع وبحجم لا يقارن بأي وسيط آخر. إنه ليس «فيس بوك» حيث للجميع صورهم وكلماتهم ولا صورة «سيلفي» صالحة للنشر ولا حتى 16 ثانية من الظهور على شاشة التلفزيون، بل المستقبل الرائع الذي تحدّث عنه جون شتاينبك في «أعناب الغضب» ونقله جون فورد إلى فيلم سينمائي سنة 1940 والذي لا يزال صالحًا اليوم وطبّق على طول أيام العام الذي ينضوي، 2015.

* صرخة مكررة
في «أعناب الغضب» لمسٌ للحلم الذي يرفض الهزيمة. للإنسان الذي يصرخ في وجه الحياة بأن من حقه أن ينجز ما يعد به نفسه. أن ينفذ من حالة العدم إلى تحقيق النعيم. كل ذلك وسواه من عناصر إنسانية كوّن على مدى التاريخ ما عرف بـ«الحلم الأميركي». ومن يومها أمّته الكثير من الأفلام، بعضها لينال منه بدعوى أنه ليس سوى سراب لا يمكن تحقيقه وإذا ما تحقق فبثمن باهظ، وبعضها ليؤكد عليه ويُشيد باستمرار إمكانية تحقيقه.
ومن الغريب إلى حد بعيد أن ينتهي العام وهو ما بين هذين المنهجين. فيلم ستيفن سبيلبرغ الأخير «جسر الجواسيس» في مقابل فيلم «سيكاريو» لدنيس فيلينوف. «كريد» في مواجهة «الكبير القصير» و«المريخي» لريدلي سكوت ضد «99 منزلاً» لرامين بحراني. أفلام تشيد بأميركا وأخرى تكشف النقاب عن بقع سوداء في حياة كل يوم فيها.
لم يعد ضروريا أن يتمحور الفيلم حول الحلم الأميركي ليكون معه أو ضده. فيلم سبيلبرغ دراما جاسوسية رائعة تتولى إخبارنا بأن أميركا ملتزمة بدستورها وقوانينها وتتعامل إنسانيًا وأخلاقيًا مع أعدائها وينجز المحامي، بطل الفيلم، مبادئه ويسترد إعجاب المجتمع بما أنجزه. ليس هناك صعوبة ولا يحتاج الأمر لخيال جانح لكي تصبح بطلاً ملتصقا بمبدأ الحلم الأميركي المتداول، في حين يأتي «سيكاريو» ليتحدّث عن الواقع اليوم حيث تهريب المخدرات لم يعد «بيزنس» وحيدا في ميدانه، بل تحوّلت الحرب ضده إلى «بيزنس» آخر يعتدي على الحقوق ويمارس مسؤوليه فسادًا موازيًا.
أيهما تصدّق؟ لا يهم. لكن النبرة التي انتهت أفلام 2015 بها تدعو للتأمل فعلاً.
في «بحر الأشجار» لغس فان سانت يهيم أميركي (ماثيو ماكونوفي) في غابة يابانية تعرف باسم «غابة الانتحار» يؤمها اليائسون لكي يضيعوا فيها ويقضوا. وفي «99 منزلاً» نرى كيف استغل البعض أزمة 2008 لكي يستولي على أحلام العاجزين عن دفع أقساط منازلهم التي اشتروها لكي يستولوا عليها.
هذه الصرخة مكررة في فيلم «الكبير القصير» الذي يتبع سلسلة من الأفلام التي تداولت الأزمة الاقتصادية الأميركية للعام ذاته وكيف تم استغلالها لصالح بعض المضاربين ورجال الاقتصاد لبناء ثرواتهم.
الحالات تتكاثر والمستغلون لديهم أحلام أميركية وردية، كما المستضعفون تمامًا. الفارق هو من يستطيع تحقيقها.

* تحت المطرقة
إذا كان هذا كله من صميم الحياة والسينما الأميركية ومن أهم معالمها وتياراتها في عام 2015 فإن الصلة بين ما يتحقق وما لا يتحقق هي صلة اقتصادية في نهاية المطاف. والعام ينتهي بينما يُطيح «ستار وورز: القوة تستيقظ» الأرقام القياسية واحدًا تلو الآخر في انطلاقة هي بدورها تعبّر عن تحقيق أحلام لا مجال لأي دولة أخرى على الأرض تحقيقها. بميزانية يوم واحد ينجز مخرجون حول العالم أفلامهم. بأجر كالذي تقاضاه المخرج «ج ج أبرامز»، يمكن لدولة آسيوية أو أفريقية إنتاج 10 أفلام مرتاحة. ولنتخيل كم فيلما تكفي البلايين الأربعة التي دفعتها ديزني للمبتدع السلسلة جورج لوكاس لتحقيقه في أي من القارات الخمسة.
لكن لوكاس هو ابن ذلك الحلم ومحققه أيضًا. السبب والنتيجة. برهان على أنه، مثل «روكي» الأميركي الذي يستطيع تحقيق الحلم الأميركي مضاعفًا. كلاهما سعى لإنجاز حلم وواجه في سبيل ذلك مصاعب وإحباطات وعدم ثقة بما يحملانه من آمال. فجأة أول ما استطاعا تحقيق غاياتهما فتحت الأبواب كبيرة أمامهما. وسنجد الكثير من الأمثلة على ذلك في كل يوم وفي كل عام وفي كل مجال.
نجاح «ستار وورز» الجديد وقبله نجاح كل الأفلام التي تقصد التوجه إلى الجمهور المحمّل بحب المغامرة والعواطف ونظام الأبعاد الثلاثة ليس كل هوليوود، وليست هوليوود كل السينما الأميركية. هناك هذا العام فيض كبير من الأفلام الأميركية الجيدة التي تم تحقيقها داخل نظام الأستوديوهات وخارجه بصرف النظر عن قدرتها على تحقيق النجاح. الأشهر الثلاثة الأخيرة من العروض السينمائية هي تجسيد لكل المختلف والبديل والجريء من الموضوعات التي تمس الواقع ولا تعيش فوق السحاب. شخصياتها غير مزوّدة بأجنحة ولا بقدرات فولاذية أو عصا سحرية تسبب الإثارة أو الضحك أو أي مشاعر أخرى يتلقاها المشاهد من باب الترفيه عن النفس.
العام 2015 بدأ، أميركيًا، ببقايا ما لم يعرض في العام 2014 من إنتاجات أو ما باشر عروضه في الأسبوع الأخير منه، مثل «سلمى» لآفا دوفرناي و«فوكسكاتشر» لبَنت ميلر و«زاحف الليل» لدان غيلروي جنبًا إلى جنب الفيلم التاريخي المستنبط من مزيج غير مريح بين الخيال والواقع «الهجرة: ملوك وإلهات» لريدلي سكوت الذي عاد في خريف العام ذاته ليقدّم فيلمًا مستقبليًا أقل تحديا للواقع هو «المريخي».
وفي حين ألا حياة للفيلم الديني ذي القالب التاريخي، كما أثبت قبل «الهجرة: ملوك وإلهات» بأشهر قليلة، فيلم «نوح» لدارن أرونوفسكي، فإن الأمر لم يكن هينًا حتى على عدد كبير من الأفلام المسمّاة بالتجارية. سقط «فريق العدالة» المنتمي، ولو كأنيميشن، إلى سينما السوبر هيرو، كما «الاماناك» المنتمي إلى الخيال المستقبلي وواجه «قلب التنين 3» سدًا منيعًا ضد نجاحه، كما حدث أيضًا مع فيلم تنيني آخر هو «نصل التنين». وحاول الكوميدي ول فارل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في Get Hard فأخفق، كذلك أخفق فيلم الكوميدي كفن جيمس (محمد سعد هوليوود) بفيلمه «بول بلارت شرطي المول 2».
خلال فترة الصيف التي تستعد أستوديوهات هوليوود له بمخططات تعود لعامين أو ثلاثة، بدا أنه ليس من المستحيل هوان الأفلام الكبيرة تحت مطرقتي الكلفة العالية وفتور المستقبلين. هذا كان حال «أفنجرز 2» الذي ارتفعت ميزانيته إلى 250 مليون دولار وأنجز في أميركا أقل من 500 مليون دولار (عليك أن تحسب 750 مليون دولار من الإيرادات من قبل أن يبدأ حصد الأرباح الفعلية). إنقاذ هذا الفيلم، وبعض سواه، من مصير الهلاك تم بسبب هيمنة الأفلام الأميركية على الأسواق العالمية وصعود السوق الصينية ليحتل المركز الثاني بين الأسواق النشطة بالنسبة للفيلم الأميركي.

* الأكثر نجاحًا
سقطت أيضًا محاولة استثمار أحد أفلام الرعب السبعيناتية «بولترغيست» في إطلاق جديد ولم ينجز الفيلم الكوارثي «سان أندرياس» الزلزال الذي طمح إليه بل خطف النجاح آنذاك فيلما كوميديا جاسوسيا خفيفا هو «جاسوسة» بطولة ماليسا مكارثي.
هذا إلى أن انبرى فيلم «جوراسيك بارك 4» الذي هو من إنتاج ستيفن سبيلبرغ لإنقاذ الموسم بأسره وهو أنجز ذلك باعتماد المفاتيح والعناصر ذاتها التي مارسها سبيلبرغ مخرجًا في كل أفلامه التجارية.
جاور ذلك سقوط «ترميناتور 5» ونجاح «ماد ماكس: طريق الغضب» مما عزز موقع بطل الفيلم الثاني، توم هاردي، وأطاح بما تبقى من قدرة بطل الفيلم الأول، أرنولد شوارزنيغر الذي احتاج لعملية ترقيع غرافيكية لعله يستطيع جذب الجيل الجديد ولم يفعل.
في نهاية الموسم برهن توم كروز على أنه لا يزال «فارس الكُبّة» رغم ما يحمله من عمر (50 سنة) وذلك بفضل سلسلة «المهمّة: مستحيلة» بجزء سادس. وفي حين ظهر ممثل جيمس بوند السابق بيرس بروسنان في خمسة أفلام ما بين عاطفية وأكشن لم ينجز أي فيلم منها أي نجاح يُذكر، عاد دانيال كريغ، جيمس بوندنا الحالي، إلى النجاح الكبير في الملحق الرابع والعشرين من السلسلة «والرابع تحت إمرته» تحت عنوان «سبكتر».
«سبكتر» هو الفيلم العاشر تبعًا لقائمة أكثر الأفلام رواجًا في الولايات المتحدة وكندا خلال العام الآيل إلى الانصراف.
عالميًا تختلف الصورة ولو أن العناوين ذاتها تبقى:
«جيروسيك وورلد» جمع مليارًا و669 مليون دولار ويتولى المركز الأول، لكن «غاضب 7» (Furious 7) الكامن في المركز الخامس في اللائحة الأميركية هو الثاني في اللائحة العالمية بمليار و515 مليون دولار. «سبكتر» في السادس هنا (والعاشر هناك) بـ838 مليون دولار.
هذا كله من قبل أن ينتهي نشاط «ستار وورز: القوة تستيقظ» المتوقع له أن يسبق الجميع إلى المركز الأول في كلا اللائحتين.

* حصاد المهرجانات
إذا ما كانت الصورة الأميركية مؤلفة من أفلام تنجح وأخرى تخفق، ومن صراع على تفسير ماهية النجاح وبالتالي ماهية الحلم الأميركي وشروطه وتبعاته، فإن الصورة في أنحاء العالم قائمة على معايير مختلفة. ليس أن النجاح التجاري في آخر حسابات السينمات الفرنسية والبريطانية والفلبينية والسويدية والكولومبية وسواها، بل لأنها - بالنسبة لغالبية ما تنتجه من أعمال - تدرك المساحة التي تستطيع إشغالها وتلتزم بها مما يمنح المخرج مجالاً أوسع لتوفير رؤيته الذاتية والفنية.
وما زالت المهرجانات الثلاثة الأولى في العالم، وهي برلين وكان وفينيسيا، بمثابة المكان الأكبر لعرض هذه الأعمال. تتنافس فيما بينها على تقديم الجيد والجديد وتعبّر عن تلك الرغبة في استحواذ المكانة لنفسها ولمخرجيها وكسب الإعجاب من النقاد الذين باتوا لا يستطيعون التوقف عن العودة إليها طلبًا للمزيد من الاكتشافات.
إيران هذا العام خرجت بجائزة ذهبية من مهرجان برلين السينمائي عن فيلم كانت حبست صاحبه في منزله حتى لا يصنع أفلاما فتسلل إلى سيارة تاكسي وقادها وصوّر فيلمه فيها. الفيلم «تاكسي» ليس عملاً فنيًا، لكن إعلان سياسي عن فشل السُلطة الإيرانية في الحد من حرية التعبير ونجاح من تريد كتم أصواتهم في إيجاد السبيل إلى ذلك.
لكن الجائزة في نهاية مطافها كانت سياسية لأن «تاكسي» يخلو من عناصر الفن. لقطة واحدة من «فارس الكُبة» (Knight of Cups) لترنس مالك لا تطيح بالفيلم الإيراني وحده، بل بمعظم ما ورد في مهرجان برلين من أعمال. على ذلك حُرم من الجائزة كما تحرم الأفلام الأميركية غالبًا من جوائز مهرجاني برلين وكان.
الألماني فرنر هرتزوغ قدّم فيلمًا صافيًا بعنوان «ملكة الصحراء» قامت نيكول كيدمان ببطولته لاعبة شخصية غيرترود بل، الرحالة التي جابت صحراء الحجاز خلال الفترة التي كان فيها توماس إدوارد لورنس يحضّر لجولته الداعية إلى استقلال البلاد العربية عن النفوذ العثماني. كلا هذين الفيلمين، «فارس الكُبة» و«ملكة الصحراء»، لم يشهدا العروض الأميركية بعد وهما مؤجلان للشهر الثالث من العام المقبل، أي بعد دورة برلين القادمة في الشهر الثاني منه.
على بعد ثلاثة أشهر منه أقيمت الدورة الثامنة والستون لمهرجان «كان» والفائز بالذهبية كان «ديبان» لجاك أوديار. مرّة أخرى ربت المهرجان على ظهر السينما الفرنسية بمنحها جائزة ذهبية هي الثالثة في غضون السنوات الخمس الأخيرة من بعد «حب» لمايكل هنيكه، 2011 و«اللون الأزرق أكثر دفئًا» لعبد اللطيف قشيش، 2013.
من الأفلام الأكثر استحقاقًا من «ديبان» «سيكاريو» لدنيس فيلينوف و«شباب» للإيطالي باولو سورتينو و«المغتالة» للتايواني سياو سيين هاو. الثلاثة وجدوا طريقهم مؤخرًا إلى قوائم أفضل عشرة للكثير من النقاد حول العالم.
ولم يخل مهرجان فنيسيا من الأفلام المهمّة هذا العام: «فرانكوفونيا» للمخرج الروسي ألكسندر سوخوروف كان يستحق الذهبية لكنها توجهت إلى الفيلم الفنزويلي (الجيد، لا أكثر) «من بعيد» للورنزو فيغاس. أفلام جيدة أخرى مرّت بما تستحقه من اهتمام نقدي من بينها «العصبة» للأرجنتيني بابلو ترابيرو و«بهيموث» للصيني ليانغ زاو كما البريطاني «فتاة دنماركية» لتوم هوبر.

* عربيًا يبقى الوضع على ما هو عليه لدرجة الملل
نعم، في كل سنة هناك أفلام جيدة تستحق الإشادة والاهتمام لكن السينما العربية ككل لم تتقدّم كثيرًا على أصعدة العروض التجارية حول العالم. لننسى العالم، لا وجود لمعظم ما تنتجه في أسواقنا المحلية المضروبة بتجاهل رجال الأعمال من ناحية والظروف الأمنية القاسية من ناحية أخرى.
اخترق فيلم محمد خان السابق «فتاة المصنع» حصار هذا الوضع عندما تم عرضه، تجاريًا في السويد في صيف هذا العام. لكن الغالب من هذه الأفلام خسر الأسواق الأوروبية التي كانت تطلبه قبل رحيل يوسف شاهين وتراجع الاهتمام بالسينمائيين الذين كانت أعمالهم تعرض في باريس لأسابيع طويلة في السبعينات والثمانينات أمثال التونسي رضا الباهي (أنجز فيلمًا جديدًا صوّره في لبنان) والمغربي نبيل عيوش واللبناني (الراحل أيضًا) مارون بغدادي. تلك فترة ذهبية من فترات النشاط السينمائي العربي تنتظر أن تعود لكن الظروف أقوى مما تستطيع مواجهته على صعيد العروض العالمية التي أصبحت أكثر حزمًا فيما يتعلق بقدرة الأعمال، حتى البديلة، إنجاز ما هو مطلوب منها إنجازه على المستوى التجاري.
هذا ما يجعل مهرجان دبي المجال الأكثر كثافة بالنسبة لمعظم ما تحققه السينما العربية من أفلام. وعام 2015 عزز نجاح مهرجان دبي، بعد توقف مهرجان أبوظبي وقبله مهرجان الدوحة، وبسبب صغر حجم مهرجان قرطاج التونسي وابتعاد مهرجان مراكش المغربي عن المنافسة وظروف مهرجان القاهرة المادية التي لا تسمح له باختراق المستحيلات.
على ذلك، تسرّبت أفلام عربية إلى المهرجانات العالمية بوفرة. هنا علينا أن نعي أن عرض فيلم ما خارج المسابقة ليس تمامًا مثل عرضه فيها، كذلك يتوقف الأمر على أي مسابقة. تلك الرسمية تضع المخرج مباشرة أمام التصنيف الدولي الألمع. المسابقات الثانوية تضعه، إذا ما استطاع الوصول إليها، إما كمخرج واعد أو كمخرج فقد وعده.
في برلين شوهد «حب، سرقة ومشكلات أخرى» للفلسطيني مؤيد عليان كما عرض المصري جوزف رزق فيلمه التجريبي «برة في الشارع». «كان» شهد جفافًا عربيًا باستثناء ما عرض في التظاهرات والأسواق من أفلام تبحث عن مشترين. ولم ينقذ الوضع إلا فيلم لبناني قصير بعنوان «أمواج 98» لإيلي داغر الذي كان أول فوز لبناني بذهبية الفيلم القصير في التاريخ، وثاني فيلم عربي يفوز بالذهبية بعد سنوات طويلة مرّت على اقتطاف «وقائع سنوات الجمر» للجزائري محمد لخضر حامينا، سعفة الفيلم الطويل سنة 1975.
والجزائري مرزاق علواش عرض فيلمه الجديد «مدام كوراج» في فينسيا، كذلك فعلت التونسية ليلى بو زيد بعرضها «على حلّة عيني» والمغربي محمد نبيل عبر فيلمه «جواهر الحزن».
وداومت مهرجانات مهمّة، وإن لم تكن كبيرة بحجم الثلاثة المذكورة أعلاه، مثل تورنتو ولوكارنو ومرسيليا ونانت عرض أفلام عربية أخرى، لكن معظمها، للأسف، اكتفى بفعل العرض من دون أن يفتح المهرجان له إمكانية الانتقال إلى المنصّة التي يرغب بها.



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.